Hayder Ibrahim AliAutobiography

About Hayder

حيدر إبراهيم علي: المفكر الحر والإنسان شبه الكامل

عبد المنعم مختار ·

حيدر إبراهيم علي: المفكر الحر والإنسان شبه الكامل — من مشروع التنوير ونقد الاستبداد إلى بناء مركز الدراسات السودانية وصناعة المجال الثقافي السوداني

الملخص

يتناول المقال حيدر إبراهيم علي بوصفه واحداً من أبرز المثقفين السودانيين الذين جمعوا بين البحث الاجتماعي والنقد الفكري والممارسة الثقافية والدفاع عن الديمقراطية والحريات العامة، ويقدم صورته باعتباره مفكراً مستقلاً سعى طوال مسيرته إلى تحرير العقل السوداني من الاستبداد السياسي والجمود الديني والتعصب الثقافي، وإلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والدين والدولة والمجتمع على أساس الحرية والعقلانية والتعددية والكرامة الإنسانية. ولا يقدم المقال «الإنسان شبه الكامل» باعتبارها صفة مطلقة أو حكماً أخلاقياً نهائياً، وإنما باعتبارها وصفاً لدور المثقف الذي حاول أن يجعل حياته ومشروعه الفكري متسقين إلى حد كبير مع القيم التي دافع عنها.

يبدأ المقال من سيرة حيدر إبراهيم علي وتكوينه الاجتماعي والفكري، موضحاً أن تجربته لم تتشكل داخل تخصص أكاديمي مغلق، بل من تفاعل علم الاجتماع مع التاريخ والسياسة والفكر الديني والثقافة والأدب وقضايا المجتمع السوداني. وقد أسهم تكوينه الأكاديمي في منحه أدوات تحليل اجتماعية سمحت له بالنظر إلى الظواهر السياسية والدينية باعتبارها ظواهر تاريخية واجتماعية قابلة للنقد والتحليل، لا باعتبارها حقائق ثابتة أو مسلمات فوق المساءلة. وتظهر في سيرته المبكرة أهمية البحث عن تفسير عقلاني للتخلف والاستبداد والتحولات الاجتماعية، ثم تتطور هذه النزعة إلى مشروع فكري أكثر اتساعاً ينشغل بقضايا الديمقراطية والدين والمجتمع المدني والهوية والتحديث.

وتحتل تجربة الاغتراب والسفر والتعليم والعمل خارج السودان مكانة مهمة في تكوينه؛ إذ أتاحت له الاحتكاك بالمدارس الفكرية والاجتماعية الحديثة، ولا سيما علم الاجتماع والفكر النقدي الأوروبي، مع استمرار ارتباطه العميق بالسودان. ولم يتحول الانفتاح على الفكر العالمي عنده إلى قطيعة مع البيئة السودانية، بل أصبح وسيلة لإعادة قراءة المجتمع السوداني من منظور نقدي. ولهذا ظل السودان موضوعه المركزي، وظلت أسئلته الفكرية مرتبطة بمشكلاته التاريخية: الدولة، والدين، والسلطة، والهوية، والتعدد، والتخلف، والديمقراطية، والعلاقة بين التقليد والحداثة.

وتعرض المذكرات «أزمنة الريح والقلق والحرية» باعتبارها مصدراً أساسياً لفهم الجانب الإنساني من تجربة حيدر إبراهيم، لأنها لا تكتفي بتوثيق الأحداث والوقائع، وإنما تكشف عن علاقة المثقف بالقلق والاختيار والمنفى والسلطة والحرية. وتساعد السيرة الذاتية على الانتقال من صورة المفكر المجرد إلى صورة الإنسان الذي عاش التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية، واختبر بصورة مباشرة حدود الحرية وثمن الاستقلال الفكري. ويظهر فيها أن التفكير عنده لم يكن نشاطاً أكاديمياً منفصلاً عن الحياة، وإنما كان مرتبطاً بتجارب شخصية ومواقف سياسية وصراعات ثقافية وأخلاقية.

وتبرز في مسيرته فكرة «المفكر الحر» بوصفها مركزاً ناظماً لمشروعه كله. فالحرية عنده ليست مجرد حق قانوني في التعبير، وإنما شرط لإنتاج المعرفة ولوجود الثقافة ولقيام المجتمع الديمقراطي. ومن ثم كان استقلال المثقف عن السلطة السياسية والدينية والاجتماعية جزءاً من استقلال الفكر نفسه. وفي هذا السياق رفض حيدر إبراهيم تحويل المثقف إلى موظف لدى الدولة أو حزب أو جماعة أيديولوجية، كما رفض أن تكون الثقافة مجرد أداة دعائية. لذلك ارتبطت كتاباته وممارساته الثقافية بالدفاع عن حرية التعبير والنشر والبحث والنقاش العام.

ويحلل المقال مشروعه النقدي تجاه الإسلام السياسي باعتباره أحد أكثر محاور إنتاجه الفكري حضوراً. ففي «أزمة الإسلام السياسي» يتعامل مع الجبهة الإسلامية القومية باعتبارها نموذجاً لدراسة العلاقة بين الدين والسياسة والسلطة، ويحاول تفكيك ادعاء امتلاك الحركة السياسية الدينية للحقيقة الدينية، كما يدرس التناقضات التي يمكن أن تنشأ عندما يتحول الدين من مصدر للقيم والأخلاق إلى برنامج للسيطرة السياسية. ويؤكد المشروع أن نقد الإسلام السياسي لا يعني نقد الإسلام ذاته، بل التمييز بين الدين بوصفه منظومة إيمانية وأخلاقية وبين توظيف الدين في الصراع على السلطة.

ويتوسع هذا النقد في أعماله المتعلقة بالتيارات الإسلامية والديمقراطية، حيث يناقش العلاقة المتوترة بين بعض أشكال الإسلام السياسي ومبادئ التعددية والحريات الفردية وحقوق المواطنة. ويبحث في قدرة الحركات الدينية السياسية على قبول التعدد والاختلاف وتداول السلطة، وعلى الفصل بين المقدس والبشري، وبين النص والتفسير، وبين الإيمان والبرنامج السياسي. ومن هنا يصبح نقده للإسلام السياسي جزءاً من مشروع أوسع لتحرير المجال الديني نفسه من الاستخدام السياسي، وليس مجرد مواجهة أيديولوجية مع تيار سياسي محدد.

ويرتبط بذلك موقفه من العلمانية، التي يتناولها باعتبارها قضية تتعلق بتنظيم العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع، لا باعتبارها حرباً على الدين. ويؤكد المقال أن المقصود بالعلمانية في مشروعه هو توفير إطار سياسي يضمن المساواة بين المواطنين ويمنع احتكار الدولة أو جماعة سياسية معينة لتفسير الدين، مع الحفاظ على حق الأفراد والجماعات في الاعتقاد والممارسة الدينية. وبذلك تصبح العلمانية وسيلة لحماية التعدد الديني والفكري والسياسي، وليست بالضرورة نفياً للدين من المجال الاجتماعي.

ويمثل نقد الاستبداد محوراً آخر متشابكاً مع نقد الإسلام السياسي. فحيدر إبراهيم لا يحصر الاستبداد في النظام السياسي وحده، وإنما يراه ظاهرة يمكن أن تتجذر في المؤسسات والثقافة والخطاب الديني والعلاقات الاجتماعية. ولهذا يربط بين الديمقراطية وبين تغيير الثقافة السياسية، لأن إقامة انتخابات وحدها لا تكفي إذا ظلت بنية المجتمع السياسي قائمة على الطاعة والتراتبية وإقصاء الآخر. وتصبح الديمقراطية عنده ثقافة ومؤسسات وممارسة يومية، وليست مجرد إجراء انتخابي.

ومن هذا المنطلق يحتل المجتمع المدني مكانة مركزية في تفكيره. فهو يرى أن الدولة لا ينبغي أن تبتلع المجتمع، وأن التنظيمات المهنية والنقابات والجمعيات والمبادرات الثقافية والاجتماعية تشكل مجالات مستقلة يستطيع المواطنون من خلالها ممارسة التنظيم والمشاركة والدفاع عن مصالحهم. ويكشف المقال أن اهتمامه بالمجتمع المدني كان مرتبطاً أيضاً بسؤال التحول الديمقراطي في السودان، لأن بناء الديمقراطية يتطلب مؤسسات اجتماعية مستقلة تستطيع مقاومة الاستبداد ومراقبة السلطة وإنتاج ثقافة المشاركة.

ويتصل مفهوم المجتمع المدني عنده بمشكلة المجتمع التقليدي وبالتغيير الاجتماعي. فالسودان، في نظر مشروعه البحثي، لا يمكن فهمه من خلال ثنائية بسيطة بين الحداثة والتقليد، لأن المجتمع يجمع مؤسسات وأنماطاً وقيمًا مختلفة ومتداخلة. ولذلك اهتم بتحليل التفاعل بين البنى التقليدية والمؤسسات الحديثة، وبين القبيلة والدولة، وبين الطائفية والحزب، وبين العلاقات الأهلية والمواطنة الحديثة. ولا يرى التغيير الاجتماعي مجرد انتقال تقني أو اقتصادي، بل عملية شاملة تمس القيم والمؤسسات وعلاقات القوة وأنماط التفكير.

وفي أعماله حول التغيير الاجتماعي والتنمية يظهر رفضه للتنمية التي تقتصر على المؤشرات الاقتصادية أو المادية. فالتنمية الحقيقية تتطلب تغييراً في بنية السلطة وفي فرص المشاركة وفي التعليم والثقافة وفي وضع المرأة وفي قدرة المجتمع على إنتاج المعرفة. ولذلك يتداخل مشروع التنمية عنده مع مشروع التحرر السياسي والاجتماعي، بحيث لا يمكن فصل التنمية عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وتشكل المرأة قضية مهمة في هذا المشروع، إذ يتعامل المقال مع كتاباته عن المرأة السودانية باعتبارها جزءاً من نقد البنية الاجتماعية والثقافية التي حدّت تاريخياً من المشاركة النسائية. ويبرز اهتمامه بإسهام النساء في الحياة العامة، وبضرورة تجاوز الصورة التي تحصر المرأة في المجال الخاص. كما يرتبط هذا الاهتمام بالنقاش الأوسع حول الديمقراطية، لأن الديمقراطية التي تستبعد نصف المجتمع من المشاركة الكاملة تظل ديمقراطية ناقصة من الناحية الاجتماعية والسياسية.

ويبحث المقال كذلك في مفهوم الهوية، ولا سيما في ظل التعدد السوداني. ويرفض حيدر إبراهيم اختزال السودان في هوية ثقافية أو دينية أو عرقية واحدة، ويرى أن محاولة بناء هوية أحادية تؤدي إلى إقصاء قطاعات من المجتمع وإنتاج صراعات سياسية واجتماعية. ولذلك يميل مشروعه إلى النظر إلى الهوية باعتبارها متعددة ومتغيرة وتاريخية، وإلى اعتبار الاعتراف بالتنوع شرطاً لبناء المواطنة المتساوية.

ومن هنا تأتي أهمية كتاباته حول العولمة وجدلية الهوية، إذ لا يتعامل مع العولمة بوصفها ظاهرة اقتصادية فقط، وإنما باعتبارها عملية تؤثر في الثقافة واللغة والقيم وصورة الإنسان عن نفسه وعن مجتمعه. ويطرح السؤال حول كيفية الاستفادة من الانفتاح العالمي دون الوقوع في الذوبان الثقافي، وكيف يمكن للمجتمع السوداني أن يدخل العالم الحديث مع الحفاظ على حقه في إنتاج هويته بصورة نقدية وحرة.

ويولي المقال اهتماماً خاصاً لدور حيدر إبراهيم في تأسيس مركز الدراسات السودانية، باعتبار المركز أهم تجسيد مؤسسي لمشروعه الفكري والثقافي. فقد تأسس المركز في القاهرة في أوائل التسعينيات في سياق سياسي جعل النشر والنشاط الثقافي المستقل داخل السودان أكثر صعوبة. وتحول المركز إلى مساحة لنشر الكتب والدراسات وإقامة الندوات وإدارة النقاشات حول القضايا السودانية، ثم انتقل نشاطه لاحقاً إلى الخرطوم، فأصبح جسراً بين الإنتاج الفكري السوداني داخل البلاد وخارجها.

ويقدم المقال المركز باعتباره أكثر من دار نشر، لأنه حاول بناء فضاء ثقافي مستقل يربط البحث الأكاديمي بالثقافة العامة، ويستضيف المفكرين والكتاب والفنانين، ويطرح موضوعات كان المجال العام السوداني يعاني من صعوبة مناقشتها. وقد شملت إصداراته موضوعات الإسلام السياسي والديمقراطية والمجتمع المدني والمرأة والهوية والتاريخ والثقافة، كما تجاوز إنتاجه مئات الكتب، وأصدر مجلة «كتابات سودانية» التي أصبحت واحدة من أهم منابر الحوار الفكري والثقافي حول السودان.

وتكتسب «كتابات سودانية» أهمية خاصة في المقال باعتبارها مشروعاً ثقافياً قائماً بذاته. فقد أتاحت المجلة مساحة لنشر المقالات والدراسات والنقاشات الفكرية، وربطت بين الباحثين والكتاب والمثقفين، وفتحت ملفات اجتماعية وثقافية وسياسية تتجاوز الكتاب المنفرد. ولم يكن دورها مجرد نقل المعرفة، بل محاولة تكوين مجال عام ثقافي مستقل يستطيع فيه السودانيون مناقشة قضايا مجتمعهم بعيداً عن الرقابة الرسمية أو الهيمنة الأيديولوجية.

ويعرض المقال نشاط المركز في القاهرة والخرطوم بوصفه تجربة في «الدبلوماسية الثقافية» السودانية غير الرسمية. فقد استضاف شخصيات عربية وفكرية وفنية، ونظم ندوات ومؤتمرات وأصدر أعمالاً ثقافية، واهتم بقضايا الأدب والفنون إلى جانب القضايا السياسية والفكرية. ومن أبرز مظاهر هذا النشاط استضافة محمود درويش في الخرطوم ضمن برنامج الاحتفال باليوبيل الذهبي لاستقلال السودان، إلى جانب استضافة شخصيات عربية أخرى من الشعر والموسيقى والفكر. وتكشف هذه الفعاليات عن تصور للمركز يرى الثقافة العربية والسودانية مجالاً مشتركاً للحوار وليس مجرد نشاط احتفالي.

وتحتل زيارة محمود درويش مكانة رمزية في المقال لأنها توضح كيف يمكن لمؤسسة ثقافية مستقلة أن تستخدم الثقافة لإعادة وصل السودان بالمجال العربي والعالمي. فقد شملت الزيارة أمسيات شعرية ولقاءات ثقافية وإعلامية، وأعادت إلى الخرطوم شخصية أدبية عربية ذات حضور عالمي. وفي هذا السياق لا تبدو الثقافة عند حيدر إبراهيم ترفاً منفصلاً عن السياسة، وإنما وسيلة لبناء فضاء عام أكثر انفتاحاً وتعددية.

ثم ينتقل المقال إلى الصدام بين مركز الدراسات السودانية والسلطة في الخرطوم، ولا سيما قرار إغلاق المركز في ديسمبر 2012 وتجميد نشاطه. ويعرض الوقائع باعتبارها جزءاً من سياق أوسع من التضييق على المؤسسات الثقافية والمدنية المستقلة. فقد اتهمت السلطات المركز بأن نشاطه يمثل تهديداً للأمن، وتحدثت عن تمويل أجنبي واتصالات خارجية، بينما رفض حيدر إبراهيم هذه الاتهامات وتحدى الحكومة بنشر الوثائق التي استندت إليها، كما انتقد الإجراءات القانونية التي اتخذت ضد المركز.

ويظهر من هذه الواقعة أن الصراع لم يكن حول مبنى أو مؤسسة ثقافية فحسب، وإنما حول مفهوم استقلال المجال الثقافي. فالمركز كان يمثل مؤسسة مستقلة عن الدولة، ولذلك أصبح إغلاقه اختباراً للعلاقة بين السلطة والثقافة. ويعرض المقال موقف حيدر إبراهيم باعتباره مثالاً على تمسك المثقف بحقه في مساءلة السلطة ورفض تحويل الاتهامات الأمنية إلى بديل عن التحقيق القانوني أو الحوار العام.

ويرصد المقال أيضاً الجدل حول موقف اتحاد الكتاب السودانيين من إغلاق المركز. فقد انتقد حيدر إبراهيم الاتحاد واتهم قيادته بالتقصير وعدم اتخاذ موقف يتناسب مع خطورة إغلاق مؤسسة ثقافية مستقلة، وهو ما تحول إلى سجال علني حول مسؤولية الاتحاد ودوره. وفي المقابل، توضح وثائق الاتحاد أنه شارك في تحركات وبيانات ومحاولات للاحتجاج والدفاع عن حرية التعبير، وأنه شارك مع منظمات مدنية في جهود قانونية وحقوقية لمواجهة قرارات الإغلاق. ولذلك يقدم المقال المسألة باعتبارها خلافاً موثقاً بين حيدر إبراهيم وقيادة الاتحاد حول مستوى الاستجابة وفعاليتها، لا باعتبارها واقعة يمكن اختزالها في اتهام أحادي الجانب.

ويكشف هذا السجال جانباً مهماً من شخصية حيدر إبراهيم، وهو أنه لم يكن ناقداً للسلطة السياسية فقط، بل كان مستعداً أيضاً لنقد المؤسسات التي تشترك معه في المجال الثقافي عندما يرى أنها لم تؤد دورها كما ينبغي. وهذا ينسجم مع مفهومه للمثقف المستقل الذي لا يمنح حصانة نقدية للأصدقاء أو التنظيمات القريبة منه فكرياً، ولا يجعل الانتماء المشترك سبباً لإيقاف النقد.

ويبحث المقال في كتاباته الصحفية والفكرية التي تظهر فيها قدرته على الانتقال بين التحليل الأكاديمي والجدل العام. فهو يستخدم لغة أكثر مباشرة عندما يخاطب الجمهور، لكنه يحافظ على اهتمامه بالمفاهيم الأساسية: الديمقراطية، التعدد، الحرية، الدولة، الدين، المجتمع المدني، الهوية والتغيير. وتكشف كتاباته الصحفية أيضاً عن اهتمامه بتحديث الخطاب الثقافي السوداني وإخراجه من أسر التقاليد السياسية والفكرية الجامدة.

كما يناقش المقال موقفه من التعددية والتعدد، موضحاً أن التعدد الاجتماعي لا يؤدي تلقائياً إلى التعددية السياسية. فوجود جماعات دينية وعرقية وثقافية متعددة لا يعني بالضرورة وجود نظام سياسي يعترف بحقوقها بالتساوي. ومن هنا يصبح التحدي هو تحويل التنوع الاجتماعي إلى مواطنة سياسية متساوية، بدلاً من تحويل الاختلافات الاجتماعية إلى مصادر للإقصاء والصراع.

وتظهر في مشروعه أيضاً أهمية المجال العام، حيث يرى أن الديمقراطية تحتاج إلى فضاء يستطيع فيه المواطنون مناقشة الشأن العام بحرية. وتلتقي هذه الفكرة مع اهتمامه بالصحافة والكتب والمجلات والندوات والمؤسسات الثقافية، لأن هذه الأدوات تشكل البنية التحتية الفكرية للمجتمع الديمقراطي. فحرية النشر ليست قيمة ثقافية مستقلة فقط، وإنما شرط لوجود النقاش العام والمساءلة السياسية.

ويضع المقال مشروع حيدر إبراهيم ضمن تقاليد فكرية أوسع في الديمقراطية والمجتمع المدني، من خلال مفاهيم المشاركة السياسية والتعددية والمجال العام ورأس المال الاجتماعي والتنمية باعتبارها حرية. لكنه لا يقدمه باعتباره مجرد ناقل لهذه النظريات، وإنما كمثقف حاول ترجمة المفاهيم العامة إلى أسئلة سودانية محددة، وربط النظرية بالتاريخ الاجتماعي والسياسي للسودان.

ومن أهم سمات مشروعه الفكري الجمع بين النقد والالتزام. فهو لا يكتفي بتشخيص أخطاء الدولة أو الأحزاب أو الحركات الدينية، وإنما يبحث عن بدائل تقوم على المواطنة والديمقراطية والمجتمع المدني والتعليم والثقافة المستقلة. وفي الوقت نفسه لا يخفي صعوبة الانتقال من النقد إلى البناء، ولا يتعامل مع الديمقراطية باعتبارها حلاً سحرياً، بل باعتبارها عملية طويلة تتطلب تغيير المؤسسات والثقافة وعلاقات القوة.

ويبرز المقال كذلك أن حيدر إبراهيم ظل شديد الاهتمام بالتناقضات الداخلية للمجتمع السوداني. فهو لا يفسر أزمات السودان بالحكم العسكري وحده، ولا بالإسلام السياسي وحده، ولا بالاستعمار وحده، ولا بالتنوع الاجتماعي وحده، بل يحاول ربط العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والتاريخية. وهذا يجعل مشروعه أقرب إلى محاولة تركيب صورة كلية للمجتمع السوداني، حتى عندما تتناول كتبه قضايا محددة.

وفي تقييم تجربته، يوضح المقال أن قوة حيدر إبراهيم تكمن في اتساع موضوعاته واستمرارية أسئلته وقدرته على الجمع بين الأكاديمي والمثقف العام والناشر والمنظم الثقافي. كما تكمن في استمراره في الدفاع عن الحرية في مراحل مختلفة من التاريخ السوداني، وفي قدرته على تحويل المؤسسة الثقافية إلى جزء من مشروع سياسي-اجتماعي أوسع دون أن يحولها إلى حزب سياسي.

لكن المقال لا يخلو من نقد متوازن. فمشروع حيدر إبراهيم، مثل أي مشروع فكري واسع، يمكن أن يتسم أحياناً بكثافة الموقف النقدي مقارنة بالتفصيل المؤسسي للبدائل العملية. كما أن بعض أطروحاته، خصوصاً في نقد الإسلام السياسي والعلمانية والديمقراطية، تنتمي إلى سجالات سياسية وفكرية شديدة الاستقطاب، وهو ما يجعل قراءتها تحتاج إلى وضعها في سياقاتها التاريخية والسياسية. كذلك فإن الجمع بين العمل الأكاديمي والعمل الثقافي والسياسي يمنح المشروع ثراءً كبيراً، لكنه قد يجعل الحدود بين التحليل العلمي والموقف الفكري أكثر مرونة.

وتتصل بذلك مسألة «الإنسان شبه الكامل» التي يستخدمها المقال كخلاصة رمزية لتجربة حيدر إبراهيم. فالمقصود ليس أن الرجل خالٍ من التناقضات أو الأخطاء، وإنما أن حياته العامة والفكرية تقدم نموذجاً نادراً لمثقف حاول أن يعيش وفق مبادئ الحرية والنقد والاستقلال التي كتب عنها. وتأتي أهمية هذا النموذج من المسافة بين القول والممارسة؛ فالمثقف لا يصبح حراً بمجرد الدفاع عن الحرية في الكتب، وإنما عندما يحافظ على استقلاله عندما يصبح ذلك مكلفاً.

وفي النهاية يخلص المقال إلى أن أهمية حيدر إبراهيم علي لا تكمن فقط في عدد الكتب التي كتبها أو المؤسسات التي أسسها أو الشخصيات التي استضافها، وإنما في مشروعه الطويل لإعادة تعريف وظيفة المثقف السوداني. فالمثقف في هذا التصور ليس تابعاً للسلطة، ولا ناطقاً باسم جماعة مغلقة، ولا مجرد متخصص أكاديمي، وإنما هو مواطن يمارس التفكير النقدي ويشارك في بناء المجال العام ويدافع عن استقلال الثقافة ويضع الأسئلة الصعبة أمام المجتمع.

ويظهر مركز الدراسات السودانية ومجلة «كتابات سودانية» والمذكرات والكتب والندوات والمواقف العامة باعتبارها أجزاء مترابطة من هذا المشروع، وليست أعمالاً منفصلة. فالكتاب ينتج المعرفة، والمجلة تفتح النقاش، والمركز يوفر المؤسسة، والندوة تصنع المجال العام، والموقف من الإغلاق يختبر الاستقلال، والسيرة الذاتية تكشف الجانب الإنساني، بينما تشكل الكتابات حول الديمقراطية والدين والمجتمع المدني والهوية والتغيير الاجتماعي الإطار النظري الذي يجمع هذه التجارب.

وبذلك يقدم المقال حيدر إبراهيم علي باعتباره حالة فكرية وثقافية سودانية تجمع بين السوسيولوجي والناقد والمفكر الديمقراطي والناشر والمثقف العام. وتتمثل مساهمته الأساسية في محاولة نقل النقاش السوداني من ثنائية السلطة والمعارضة إلى أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة والمجتمع والدين والهوية والمواطنة والحرية. كما تتمثل في إصراره على أن إصلاح السودان لا يمكن أن يكون سياسياً فقط، لأن الاستبداد السياسي يتغذى من الاستبداد الثقافي والديني والاجتماعي، وأن بناء الديمقراطية يحتاج إلى إنسان حر ومجتمع مدني قوي ومجال عام مفتوح وثقافة تقبل الاختلاف.

وتصبح الخلاصة النهائية أن إرث حيدر إبراهيم هو قبل كل شيء إرث الأسئلة المفتوحة: كيف يصبح الدين مصدراً للأخلاق لا أداة للهيمنة السياسية؟ كيف تتحول التعددية الاجتماعية إلى مواطنة متساوية؟ كيف يصبح المجتمع المدني مستقلاً وقادراً على مقاومة الدولة السلطوية؟ كيف يمكن للمرأة أن تكون شريكاً كاملاً في المجال العام؟ كيف يمكن للسودان أن يجمع بين التنوع والوحدة دون فرض هوية واحدة؟ وكيف يستطيع المثقف أن يحتفظ بحريته عندما تتطلب منه الظروف الانحياز أو الصمت؟ ومن خلال هذه الأسئلة، ينتقل المقال من دراسة شخص بعينه إلى دراسة نموذج أوسع للمثقف الذي يرى أن تحرير المجتمع يبدأ بتحرير العقل، وأن الديمقراطية لا تستقيم بلا ثقافة حرية، وأن الثقافة لا تزدهر بلا استقلال، وأن الإنسان لا يصبح مواطناً كاملاً إلا عندما يمتلك حق التفكير والاختلاف والمشاركة والمساءلة.

النص الكامل للمقال

مقدمة: من سيرة مفكر إلى سيرة مشروع ثقافي سوداني كامل

يمثل حيدر إبراهيم علي واحداً من أكثر المثقفين السودانيين حضوراً واستمرارية في الحياة الفكرية والثقافية والسياسية منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين. ولا تكمن أهمية تجربته في كثرة مؤلفاته وحدها، ولا في تخصصه الأكاديمي في علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية، ولا في انشغاله الطويل بالإسلام السياسي والديمقراطية والدولة والمجتمع المدني، وإنما في جمعه بين ثلاثة أدوار قلما تجتمع بهذا الاستمرار في شخصية سودانية واحدة: الباحث الأكاديمي، والمفكر النقدي، وباني المؤسسة الثقافية المستقلة.

ولد حيدر إبراهيم علي في القرير سنة 1943، وحصل على دبلوم التاريخ والتربية من كلية التربية بأم درمان سنة 1966، ثم ليسانس علم الاجتماع من جامعة القاهرة سنة 1970، ثم دكتوراه فلسفة العلوم الاجتماعية من جامعة فرانكفورت سنة 1978. وتولى بعد ذلك التدريس والبحث والعمل في مؤسسات جامعية وبحثية في السودان وليبيا والسعودية والإمارات وألمانيا والمغرب، ثم أصبح منسقاً للدراسات والنشر بالمجلس القومي للثقافة العربية في الرباط، قبل أن يرتبط اسمه بصورة وثيقة بمركز الدراسات السودانية وبمجلة «كتابات سودانية» (العويس، 2026).

أما السيرة الذاتية التي طلب تصحيح عنوانها، فالعنوان الكامل الصحيح هو «أزمنة الريح والقلق والحرية: سيرة ذاتية»، وليس «أزمنة الريح والقلق» فقط. صدر الكتاب عن دار الحضارة سنة 2015، وتختلف البيانات المتداولة في عدد الصفحات بين نحو 320 و326 صفحة تبعاً للطبعة أو الفهرسة؛ وهو كتاب يجمع بين السيرة الفردية والتاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي، ويستعرض النشأة والتعليم في السودان وألمانيا، والعلاقات بالمثقفين والشخصيات العامة، والمواقف السياسية، والعمل والترحال في عدد من الدول العربية (علي، 2015).

والقراءة الأكثر إنصافاً لحيدر لا ينبغي أن تبدأ من حكم مسبق بأنه «مفكر كامل»، ولا أن تنتهي إلى اختزاله في خصومته للإسلام السياسي. الأفضل منهجياً أن يُقرأ مشروعه باعتباره مساراً فكرياً متدرجاً بدأ بسؤال التغيير الاجتماعي والتنمية، وانتقل إلى الدين والثورة والإسلام السياسي، ثم إلى الديمقراطية والمجتمع المدني، ثم إلى الهوية والأقليات والمثقفين، ثم إلى الاستبداد والأمنوقراطية، ثم إلى الفتوى والمرأة والفنون والعلمانية، وانتهى في السيرة الذاتية إلى استعادة التجربة الإنسانية التي صنعت هذا المسار كله.

ولتحقيق هذه القراءة، يتم ترتيب المادة هنا وفق أفضل ممارسة في كتابة السيرة الفكرية والتحليل الفكري المركب: يبدأ النص بالتكوين والسيرة، ثم يعيد بناء تطور الأفكار، ثم ينتقل من الكتب إلى المؤسسة التي جسدت تلك الأفكار عملياً، ثم إلى المجلة والنشاط الثقافي، ثم إلى محنة المركز وعلاقته بالسلطة وبالوسط الثقافي، ثم إلى التقييم النقدي للإرث كله. وبهذا لا تكون حياة حيدر ملحقاً بأفكاره، ولا تكون أفكاره منفصلة عن حياته، بل يصبح الاثنان جزءاً من قصة واحدة عن المثقف الذي حاول أن يحول التنوير من كتابة إلى مؤسسة وممارسة ومجال عام.

والعبارة «الإنسان شبه الكامل» ينبغي فهمها باعتبارها تعبيراً تكريمياً وأخلاقياً، لا حكماً علمياً. فالإنسان الكامل لا يوجد، والمفكر

Share this page

Help us document Hayder's work, writings and photos

Do you have a tribute, an article by or about him, or photos and recordings of him? Send them to us and we'll review them before publishing.

Or email us directly athayder@ssc-sudan.org

What would you like to add?