About Hayder · بكري جابر
رحلة المعرفة والتنوير: مركز الدراسات السودانية وإسهاماته الفكرية والثقافية في 34 عاماً
قُدّمت هذه الورقة في الملتقى الدولي للكتاب العربي في فرنسا (الدورة الثالثة)، باريس، 21 أكتوبر 2026.
مقدمة
عندما يُكتب تاريخ الفكر السوداني في العقود الثلاثة الأخيرة سيكون من الصعب تجاوز تجربة مركز الدراسات السودانية بوصفها واحدة من أهم المبادرات الفكرية المستقلة التي سعت إلى إنتاج المعرفة ونقد الواقع وإعادة الاعتبار للبحث والكتابة في بلد ظلت تسود فيه ثقافة المشافهة عِوضاً عن التدوين والتوثيق.
وعند تأسيسه لم يكن المركز مجرد مؤسسة للنشر أو البحث وإنما كان مشروعاً فكرياً متكاملاً ارتبط باسم مؤسسه ومديره العام الدكتور حيدر إبراهيم علي، عالم الاجتماع والمفكر السوداني المعروف، الذي كرّس مشروعه الفكري لدراسة المجتمع السوداني ونقد تجربة الإسلام السياسي، والدفاع عن قيم الديمقراطية والدولة المدنية والتعدد الثقافي. فمنذ تأسيسه في العام 1992، استطاع المركز أن يُشكّل فضاءاً للحوار المفتوح، وأن يُصبح مرجعاً للباحثين والطلاب والمهتمين بالشأن السوداني داخل البلاد وخارجها. هذا علاوةً على كونه مؤسسة اهتمت بالنشر والترجمة وإقامة الندوات والمؤتمرات والأنشطة الثقافية والفنية في كلٍ من القاهرة والخرطوم اللتان احتضنتا مقره..
أولاً.. السياق التاريخي لتأسيس المركز
جاء تأسيس مركز الدراسات السودانية في أعقاب التحولات السياسية الكبرى التي شهدها السودان بعد انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، حين دخلت البلاد مرحلة جديدة اتسمت بتضييق المجال العام وهجرة أعداد كبيرة من الأكاديميين والمثقفين، وتراجع استقلال المؤسسات الثقافية والأكاديمية.
وقد تبلورت فكرة إنشاء المركز لدى الدكتور حيدر إبراهيم علي خلال سنوات عمله الأكاديمي خارج السودان، تحديداً خلال عمله أستاذاً بجامعة العين في دولة الإمارات العربية المتحدة، ثم وجدت طريقها إلى التنفيذ في القاهرة عام 1992 بعد إنتقاله اليها من المغرب التي كان يعمل فيها كباحث وأستاذ جامعي، ليكون المركز مؤسسة بحثية مستقلة لا تخضع للدولة أو للأحزاب السياسية، وتُعنى بإنتاج المعرفة حول السودان من منظور علمي ونقدي قوامه الكتابة والتدوين.. وحين ننظر إلى سيرة تأسيسه نجد أن بداياته كانت متواضعة جداً؛ فلم تكن له ميزانية او مصادر تمويل تضمن له الاستمرار، كما لم يكن له مقر ثابت في البداية.. وكانت مطبوعاته تُوزع بجهود شخصية قبل أن يتحول مقره في شارع شامبليون بالقاهرة إلى ملتقى للمثقفين والباحثين السودانيين والعرب.. ثم انتقل إلى شارع معروف بوسط القاهرة ايضاً قبل أن ينتقل إلى مدينة نصر ومنها إلى الخرطوم في أعقاب توقيع اتفاقية السلام الشامل في 2005 ليتحقق حلمه في العودة إلى السودان ليعمل في مجاله الحيوي بعد سنوات التأسيس القاهرية.. ولكن سرعان ما ضاقت به سلطة الإنقاذ الاسلاموية ذرعاً فعمدت إلى إغلاقه - إلى جانب مراكز ثقافية أخرى - في العام 2012، ليعود بعدها الدكتور حيدر ابراهيم إلى القاهرة لمواصلة نشاط المركز من هناك، والذي تمثل في إصدار مجلة كتابات سودانية ونشر الكتب والمطبوعات الأخرى..
ثانياً.. فلسفة المركز ورؤيته
منذ البداية لم يكن الدكتور حيدر ابراهيم يريد للمركز أن يكون مجرد دارٍ للنشر، بل أراده أن يكون مؤسسة للتنوير. إنطلاقاً من جملةٍ من المبادئ، أهمها:
- الإيمان بأهمية الكتابة والتوثيق في واقع تعلو فيه ثقافة (الكلام) على ثقافة (الاقلام)، لذا شجّع المركز على الكتابة وقام بنشر العديد من الكتب والمطبوعات، بعضها لكتّاب لم يكونوا قد نشروا كُتباً من قبل، حيث بدأوا رحلتهم مع نشر الكتب عبر مركز الدراسات السودانية لأول مرة، ثم توالت أعمالهم لاحقاً (منهم، على سبيل المثال لا الحصر: القاص صلاح الزين والشاعر خطاب علي احمد والشاعر عثمان بشرى والكاتب محمد عبدالخالق والمترجم بكري جابر والكاتب والمترجم شمس الدين ضو البيت… وغيرهم) وهذا يعكس جانباً مهماً من فلسفة المركز الذي لم يكن يعوّل سوى على القدرة على الإبداع والإنتاج والتجويد دون الركون كثيراً إلى الأسماء اللامعة!!
- الدفاع عن الديمقراطية والدولة المدنية وحقوق المرأة والطفل..
- الاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي والديني في السودان.
- تشجيع التفكير النقدي في كل شيء بدلاً من التسليم واستهلاك الخطابات الجاهزة.
- ربط المعرفة بقضية تنمية المجتمع.. وهذه من أكثر الأشياء التي أولاها المركز أهمية قصوى، وتعكس في وجه من وجوهها فلسفة الدكتور حيدر ابراهيم الذي كان يؤمن بأن الفكر والمعرفة لا قيمة لهما إذا لم يؤديا إلى تغيير حقيقي في واقع المجتمع (لذا جاءت عناوين الكثير من الندوات الفكرية التي عقدها المركز مرتبطة بالتنمية؛ مثل الثقافة والتنمية، والديمقراطية والتنمية… الخ).. فقضية التنمية في بلد فقير مثقل بالأزمات كالسودان، كانت بالنسبة لمثقف عضوي/ غير صفوي كالدكتور حيدر ابراهيم قضية وجود
ومن هنا جاء اهتمامه بمجالات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية والتاريخ والأدب والفنون ودراسات المرأة وقضايا الهوية وربطها جميعا بأم القضايا، وهي التنمية، التي من دونها تبقى كل الاهتمامات أعلاه معلّقة في الهواء..
ثالثاً.. الدكتور حيدر إبراهيم علي... المفكر والمؤسس
لا يمكن الفصل بين المركز ومؤسسه الدكتور حيدر إبراهيم علي الذي يُعد من أبرز علماء الاجتماع السودانيين في العصر الحديث. وقد انصب مشروعه الفكري على تحليل بنية المجتمع السوداني ودراسة الظاهرة الدينية ونقد تجربة الإسلام السياسي - الذي كان صاعداً وقتذاك - والدفاع عن التنوير والعقلانية. وقد صدرت له مؤلفات أصبحت مراجع في هذا المجال، منها: أزمة الإسلام السياسي، والمجتمع المدني والتحول الديمقراطي في السودان، وسقوط المشروع الحضاري، وسوسيولوجيا الفتوى، وغيرها. وكان أول إصدارات المركز كتابه (أزمة الإسلام السياسي: الجبهة الإسلامية القومية في السودان نموذجاً) الذي مثّل باكورة مشروع النشر بالمركز..
لقد راهن الدكتور حيدر ابراهيم منذ بداية تأسيس المركز على القدرة على العطاء والإنجاز رغم شًح الامكانيات، وكان الشعار الذي رفعه (وظل يردده دائماً): "كن واقعياً واطلب المستحيل".. وبذلك نهضت الكثير من مشاريع المركز بتمويل متواضع جداً وعلى أيدي شباب في مقتبل حياتهم الثقافية والفكرية بإشراف ورعاية الدكتور حيدر ابراهيم الذي فتح قلبه وعقله ومركزه لتجارب كانت تتعلم المشي في دروب الثقافة الوعرة وقتها!!
رابعاً: مجلة (كتابات سودانية) ذاكرة الثقافة السودانية والإصدارة الأطول عمراً
لعل الإنجاز الأكثر رسوخاً للمركز هو إصدار مجلة (كتابات سودانية) التي صدر عددها الأول عام 1992 واستمرت - رغم الانقطاعات القسرية - حتى تجاوزت الستين عدداً، وهو رقم نادر في تاريخ الدوريات الثقافية السودانية. وقد تحولت المجلة إلى منبر للحوار الفكري، واستكتبت باحثين وأدباء من اتجاهات متعددة وفتحت صفحاتها لملفات عن الهوية، والديمقراطية والتنمية والثورة، والأدب والتشكيل، إلى جانب ملفات عن رموز الثقافة والأدب والفكر السوداني. كما لجأت لاحقاً إلى النشر الإلكتروني لتوسيع دائرة الوصول إلى قطاع أوسع من القراء.
خامساً.. مشروع النشر
من أبرز إنجازات المركز أيضاً مشروعه الواسع في النشر. فقد أصدر أكثر من 220 كتاباً في الفكر والسياسة والاجتماع والتاريخ والأدب والفنون، وهو رقم إستثنائي بالنسبة لمؤسسة ثقافية مستقلة (ولا تعتبر داراً للنشر) ولم يقتصر على إعادة نشر أعمال معروفة، بل عمل على اكتشاف أصوات جديدة، وإتاحة الفرصة لكتاب وباحثين لم تكن لهم فرص النشر في المؤسسات التقليدية. كما نشر ترجمات لأعمال مهمة كاضطلاعه بمهمة ترجمة معظم أعمال المفكر الجنوبسوداني فرانسيس دينق.. كما أسهم في توسيع دائرة المعرفة حول قضايا السودان وإفريقيا والعالم العربي.
وقد تجاوز عدد الكتب التي نشرها المركز حتى الآن المائتي كتابا..
سادساً.. التقرير الاستراتيجي السوداني
أطلق المركز مشروع التقرير الاستراتيجي السوداني الذي صدر في اثني عشر عدداً متتابعاً، بهدف تقديم قراءة سنوية للتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد أسهم هذا المشروع في ترسيخ تقليد علمي نادر في السودان يقوم على الرصد والتحليل بعيداً عن الخطاب الدعائي أو السياسي.. يحوي أرقاماً ومعلومات تساعد الباحثين في قضايا التنمية الاجتماعية والاقتصادية.. وقد استوعب هذا المشروع طاقات شبابية عديدة بتخصصات متنوعة..
سابعاً.. الندوات والملتقيات الثقافية والفكرية
تحوّل المركز إلى فضاء للحوار المفتوح، فنظم مئات الندوات وورش العمل، واستضاف مفكرين وكتّاباً وفنانين من السودان والعالم العربي. ومن أبرز محطاته الاحتفاء بالروائي الطيب صالح في ندوة شهيرة بالقاهرة في نهاية الألفية حول الثقافة والتنمية وأهداها للروائي الكبير بمناسبة بلوغه سن السبعين.. وكذلك أقام انشطة عديدة في عام الاحتفاء بالخرطوم كعاصمة للثقافة العربية.. وايضاً الاحتفال بالذكرى الخمسين لاستقلال السودان في العام 2006 الذي جمع فيه شخصيات فكرية وثقافية عربية بارزة وأسهم في إبراز الثقافة السودانية ضمن فضاء عربي أوسع. حيث استضاف بالخرطوم - على سبيل المثال لا الحصر - المفكرين: سمير أمين وطيب تيزيني وكريم مروة وحسن حنفي، والمبدعين: محمود درويش وعفيفي مطر وحلمي سالم ونصير شمة ومارسيل خليفة، وغيرهم، مما أحدث زخماً ثقافياً وفنياً كبيراً.. كما أولى المركز اهتماماً خاصاً بالفنون التشكيلية، والسينما والمسرح والموسيقى، بوصفها مكونات أساسية للثقافة الوطنية. ولذلك قرب اليه الكثير من الفنانين التشكيليين والسينمائيين، من أمثال حسان علي أحمد وحسين شريف..
ثامناً: أثر المركز في الحياة الفكرية
يمكن تلخيص أثر المركز في عدة مستويات، منها:
- نقل النقاش العام من السجال السياسي المباشر إلى الأفق الفكري الأعمق.
- ترسيخ تقاليد النشر والتشجيع على الكتابة.
- توفير منصة للحوار بين التيارات الفكرية المختلفة.
- تشجيع الدراسات المتعلقة بالديمقراطية وقضايا المرأة والمجتمع المدني.
- إبراز قضايا التعدد الثقافي والهوية.
- تكوين أجيال من الباحثين والكتّاب الذين نشروا أعمالهم الأولى عبر المركز أو مجلته.
تاسعاً.. التحديات
واجه المركز تحديات كبيرة، من بينها محدودية التمويل والعمل في المنفى لسنوات طويلة، والظروف السياسية المتقلبة، وتراجع سوق الكتاب.. ثم تأثير الحرب الأخيرة في السودان على النشاط الثقافي عموماً. كما عانى المركز من أزمة إغلاق ومصادرة مقره مرتين؛ الأولى كانت في العام 2012، والثانية بعد الحرب الراهنة.. ومع ذلك، حافظ على حضوره عبر الأسافير خاصةً خلال جائحة كورونا حيث أقام المركز عدداً من الندوات والمناشط من خلال منصة زووم.. وكذلك من خلال مجموعته (المرصد) التي كوّنها بعد الحرب مباشرةً وأقام عبرها العديد من الندوات المضادة للحرب والداعية لتوحيد القوى المدنية.. كما واصل في إصدار مجلة (كتابات سودانية) حتى هذه اللحظة.
عاشراً.. تقييم التجربة
لا يمكن إغفال المساهمة الكبرى لمركز الدراسات السودانية في الثقافة السودانية المعاصرة. فقد نجح في أن يكون طوال أكثر من ثلاثة عقود مؤسسة مستقلة حافظت على مشروع معرفي واضح، قائم على حرية التفكير واحترام البحث والانفتاح على مختلف التيارات الفكرية. ونشر الكتب والمحافظة على اصدار مجلة كتابات سودانية.. ولعل أهم الأنشطة التي عقدها المركز بعد عودته الثانية في أعقاب ثورة ديسمبر المجيدة كانت استضافته لخيمة الصحفيين السودانيين في شهر رمضان 2023 عبر برنامج متنوع وثر، ولكن ظلام الحرب إنقضّ على كل شيء قبل أن يكتمل ذلك العرس الثقافي الفريد..
ومع ذلك تبقى هناك الكثير من التحديات التي تواجه مسيرة المركز في الوقت الراهن منها استرجاع مقره في الخرطوم الذي تم الاستيلاء عليه مؤخراً بعد أن بذل المركز - بدعم ومساندة أصدقائه - مجهوداً كبيراً في صيانة المقر الذي دمرته الحرب، كخطوة أولى للعودة إلى نشاطه في السودان، وفتح مكتبته للقراء (خاصةً الطلاب) ولكن تم انتزاع المقر بواسطة إحدى المؤسسات الحكومية مؤخراً بعد أن أوشكت عملية الصيانة على الاكتمال!! وبذلك تحول الظروف الأمنية والسياسية الحالية في السودان وانعدام التمويل دون عودته لنشاطه السابق في مقرٍ ثابتٍ بالسودان!!.. ومع ذلك يسعى المركز للعمل بشتى الطرق لتوصيل رسالته التنويرية التي انطلقت قبل أكثر من ثلاثين عاما..
خاتمة
إن تجربة مركز الدراسات السودانية تمثل نموذجاً فريداً للمؤسسات الفكرية المستقلة في السودان. فمنذ تأسيسه عام 1992 ظل وفياً لفكرته الأساسية وهي أن نهضة السودان تبدأ بالمعرفة.. وأن الثقافة ليست ترفاً بل شرطاً لبناء مجتمع ديمقراطي حديث.
ولئن ارتبط المركز بشخصية مؤسسه الدكتور حيدر إبراهيم علي، فإن القيمة الحقيقية لتجربته تكمن في أنه تجاوز حدود الأفراد وأصبح مؤسسة أنتجت أرشيفاً ضخماً من الكتب ودورية كتابات سودانية والدراسات والحوارات.. وسيظل مصدراً لا غنىً عنه لكل من يدرس تاريخ السودان الفكري والثقافي في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.
الآن ونحن نودع صاحب الفكرة وراعي المشروع الدكتور حيدر ابراهيم الذي غادرنا إلى الضفة الأخرى قبل أسابيع قليلة، نعد بأن يتواصل مشروع مركز الدراسات السودانية ومجلته كتابات سودانية كما أراد لهما، كمشروعين للاستنارة في واقعٍ يحتاج منّا إلى الكثير، خاصةً في ظل هذه الحرب اللعينة.. ورغم أن غيابه المحزن يشكّل خسارة فادحة في مثل هذه الظروف، ولكن عزاؤنا أن ما تركه من إرث فكري وكتابات ومشاريع وأحلام ستظل باقيةً ومشرعةً على بوابة المستقبل..
بكري جابر - سيدني، أكتوبر 2026

