About Hayder · ربيكا كوثيا كوانج دي مبيور
د. حيدر ابراهيم .. حين يرحل المفكر وتبقى إنسانية الإنسان
هناك أشخاص يمرون في حياتنا، فنلتقي بهم، ثم تمضي بنا الأيام وتطوي المسافات تفاصيل تلك اللقاءات. وهناك أشخاص يتركون في أرواحنا أثراً لا تمحوه السنوات، لأنهم لم يمنحونا المعرفة وحدها، بل منحونا شيئاً أعمق: الإحساس بقيمتنا الإنسانية، والحق في السؤال، والشجاعة في التفكير.
كان الدكتور حيدر إبراهيم واحداً من هؤلاء.
حين بلغني نبأ رحيله في الخامس والعشرين من سبتمبر 2026، عادت بي الذاكرة أكثر من ربع قرن إلى القاهرة، إلى سنوات الشباب الأولى، وإلى مرحلة من حياتي كنت فيها أكتشف العالم من حولي، وأتعلم كيف أرى السودان خارج حدود الجغرافيا التي نشأت فيها، وخارج الانقسامات التي فرضتها علينا سنوات الحرب والسياسة.
لم يكن حيدر إبراهيم بالنسبة لي مجرد اسم كبير في عالم الفكر والبحث السوداني، بل كان إنساناً تشرفت بمعرفته عن قرب، والجلوس إليه، والاستماع إلى حديثه، وطرح أسئلتي عليه، وزيارة منزله والتعرف على أسرته.
واليوم، وأنا أكتب عنه، لا أدّعي أنني أستطيع الإحاطة بمسيرته الفكرية الطويلة، فقد كتب عنه وسيكتب الكثيرون ممن عرفوا مؤلفاته وأبحاثه ومواقفه. أما أنا، فأكتب عن حيدر الإنسان، كما عرفته شابة جنوب سودانية في القاهرة.
القاهرة عام 2000… بداية رحلة مختلفة
وصلت إلى جمهورية مصر العربية عام 2000، في مرحلة كانت فيها بلادنا تعيش واحدة من أكثر فتراتها تعقيداً وألماً. كانت الحرب في السودان لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على حياة الملايين، وكانت العلاقة بين الشمال والجنوب محكومة بتاريخ طويل من الصراع وانعدام الثقة والتباعد.
كنت شابة جنوب سودانية، أحمل معي تجربتي وهويتي وأسئلتي الكثيرة عن الوطن والسياسة والإنسان.
وفي القاهرة، بدأت أبواب جديدة تُفتح أمامي.
تعرفت على منظمة «معن» من خلال الدكتورة ماجدة محمد أحمد علي، شقيقة الدكتور تيسير محمد أحمد علي، الذي كان من أوائل أبناء شمال السودان الذين تواصلوا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان.
وكانت تلك المعرفة بداية دخولي إلى فضاء مختلف من العلاقات والحوارات والأنشطة النسائية والفكرية.
ومن خلال منظمة «معن»، تعرفت على الأستاذة حياة عبيد، زوجة الدكتور حيدر إبراهيم، وعلى الأستاذة إحسان القدال، زوجة الدكتور الشفيع خضر، أحد القيادات البارزة في الحزب الشيوعي السوداني آنذاك.
كانت تلك اللقاءات بالنسبة لي أكثر من مجرد تعارف اجتماعي. فقد أتاحت لي أن أقترب من شخصيات سودانية من خلفيات سياسية وفكرية مختلفة عن البيئة التي نشأت فيها، وأن أكتشف أن السودان، رغم جراحه وانقساماته، كان يضم أصواتاً وتجارب ورؤى متعددة.
مؤتمر النساء عام 2001… حين اتسعت رؤيتي للوطن
في عام 2001، أتيحت لي فرصة المشاركة في أحد المؤتمرات النسائية التي نظمها مركز الدراسات السودانية بالقاهرة، وكنت من المشاركات من خلال منظمة «معن».
كان ذلك المؤتمر من التجارب التي لا تزال حاضرة في ذاكرتي.
فللمرة الأولى، وجدت نفسي في مساحة ألتقي فيها وأتحاور مع شخصيات سياسية وفكرية سودانية من خارج جنوب السودان.
لم تكن التجربة مجرد حضور مؤتمر أو الاستماع إلى كلمات ومحاضرات، بل كانت بداية تحول في طريقة فهمي للآخر، وفي إدراكي أن الاختلاف السياسي والثقافي لا ينبغي أن يكون حاجزاً يمنع التواصل الإنساني.
لقد تعلمت في تلك المرحلة أن الوطن ليس فقط الأرض التي ننتمي إليها، بل أيضاً الناس الذين نلتقي بهم، والأفكار التي نتبادلها، والجسور التي نبنيها رغم ما يفصل بيننا.
وكان الدكتور حيدر إبراهيم من الشخصيات التي ارتبطت في ذاكرتي بتلك المرحلة من الاكتشاف والتعلم.
حيدر إبراهيم… المفكر الذي صبر على أسئلتي الساذجة
حين تعرفت على الدكتور حيدر إبراهيم، كنت شابة صغيرة في بداية رحلتي نحو الوعي الفكري والسياسي.
كنت كثيرة الأسئلة، وربما كانت بعض أسئلتي، بمقاييس المعرفة والتجربة، أسئلة ساذجة، بل إنني حين أتذكرها اليوم أبتسم وأقول لنفسي: كم كنت قليلة المعرفة آنذاك!
ولكن ما بقي في ذاكرتي ليس سذاجة تلك الأسئلة، وإنما صبر الرجل عليها.
لم يكن يتعامل معي بتعالٍ، ولم يجعلني أشعر يوماً بأنني أصغر من أن أناقش أو أقل معرفة من أن أُسمع.
كان يصغي، ويناقش، ويجيب بصبر ورحابة صدر.
كان يعرف أنني من جنوب السودان، وأن الدكتور جون قرنق دي مبيور كان عمي، وقد امتدت أحاديثنا أحياناً إلى قضايا السودان ومستقبله. لكن ما بقي في وجداني قبل كل شيء هو احترامه لي كشابة ناشئة، وحرصه على أن يمنح أسئلتي ما تستحقه من اهتمام.
وهنا تكمن، في نظري، واحدة من أجمل صفات الإنسان المثقف: أن يمتلك المعرفة دون أن يحولها إلى سلطة على الآخرين، وأن يجد في نفسه التواضع ليجيب عن أسئلة شابة ناشئة لا تزال تتعلم كيف تفهم العالم.
لم يكن مطلوباً مني أن أكون مثقفة حتى أستحق الحديث معه، ولم يكن اختلاف العمر أو التجربة عائقاً أمام الحوار.
لقد منحني، من خلال تعامله معي، درساً لم أتعلمه من كتاب أو محاضرة: أن السؤال ليس دليلاً على الجهل الذي ينبغي أن نخجل منه، بل هو بداية الطريق إلى المعرفة.
وربما لم يكن يدرك آنذاك أن تلك الشابة التي كانت تطرح عليه أسئلتها ستظل، بعد أكثر من خمسة وعشرين عاماً، تتذكر صبره وتواضعه بكل هذا الامتنان.
في منزل حيدر إبراهيم… وجه آخر للمفكر
لم تقتصر معرفتي بالدكتور حيدر إبراهيم على اللقاءات الرسمية أو المؤتمرات والأنشطة الفكرية.
فمن خلال علاقتي بالأستاذة حياة عبيد، تشرفت بزيارة منزله في القاهرة، وأتيحت لي فرصة التعرف على أسرته، وعلى أبنائه مظفر وأنديرا، اللذين كانا يصغرانني سناً.
وهناك، رأيت وجهاً آخر للرجل.
بعيداً عن عالم الفكر والسياسة والبحث، رأيت الأب الحنون الطيب.
ما زلت أتذكر طريقته في التعامل مع أبنائه، ذلك الجانب الإنساني الذي لا تكشفه الكتب ولا المقالات ولا الندوات.
كان حنانه الأبوي من الصفات التي لفتت انتباهي وبقيت في ذاكرتي.
وربما كانت هذه واحدة من أهم التجارب التي علمتني ألا أحكم على الإنسان من مكانته العامة وحدها، بل من سلوكه في المساحات الصغيرة من الحياة؛ في بيته، ومع أبنائه، ومع من هم أصغر منه سناً وأقل منه تجربة.
فليس كل من يكتب عن الإنسانية يمارسها بالضرورة في حياته اليومية، وليس كل من يتحدث عن التواضع يستطيع أن يجسده في تعامله مع الآخرين.
أما حيدر إبراهيم الذي عرفته، فقد رأيت فيه انسجاماً بين المعرفة والتواضع، وبين حضوره الفكري وحنانه الإنساني.
وكانت الأستاذة حياة عبيد جزءاً أصيلاً من تلك الذكريات الجميلة، فقد كانت معرفتي بها هي التي أتاحت لي الاقتراب من الأسرة، والتعرف على جانب من حياتها بعيداً عن اللقاءات الرسمية.
حين يصبح الاختلاف جسراً لا جداراً
لعل ما يمنح هذه الذكريات معناها الأعمق اليوم هو السياق الذي نشأت فيه.
كنت شابة من جنوب السودان، في زمن كانت فيه الحرب والانقسامات السياسية ترسم حدوداً قاسية بين أبناء الوطن الواحد.
ومع ذلك، وجدت نفسي في القاهرة أتعرف على أسر وشخصيات من شمال السودان، وأشارك في أنشطة نسائية وفكرية، وأجلس إلى مفكرين لم تكن خلفياتهم بالضرورة مماثلة لخلفيتي.
لم أكن مطالبة بالتخلي عن هويتي الجنوبية حتى أتعلم منهم، ولم يكن اختلافنا سبباً يمنع التواصل.
لقد كانت تلك التجربة تذكيراً مبكراً بأن العلاقات الإنسانية يمكن أن تكون أوسع من الانتماءات السياسية، وأن احترام الآخر لا يتطلب بالضرورة الاتفاق معه في كل شيء.
ومن خلال معرفتي بالدكتور حيدر إبراهيم وأسرته، تعلمت أن الإنسان يستطيع أن يحتفظ بهويته وقناعاته، وأن يظل في الوقت نفسه منفتحاً على الآخرين.
وربما كانت هذه من أثمن الدروس التي حملتها معي من القاهرة.
بعد ربع قرن… ما الذي يبقى من الإنسان؟
مرت السنوات.
تغير السودان، وانفصل الجنوب، وتعاقبت الأحداث والتحولات، وتفرقت بنا دروب الحياة.
كبرت تلك الشابة التي كانت تطرح أسئلتها بعفوية، وأصبحت تنظر إلى الحياة من زوايا مختلفة، بعدما منحتها السنوات تجاربها ودروسها.
لكن بعض الذكريات لا تكبر ولا تشيخ.
ما زلت أتذكر الدكتور حيدر إبراهيم بصبره على أسئلتي، وتواضعه في الحديث معي، وحنانه في تعامله مع أبنائه.
ولا أذكر هذه التفاصيل لأنها أحداث عظيمة في مقاييس التاريخ السياسي، بل لأنها عظيمة في مقاييس الإنسانية.
فالتاريخ يسجل مؤلفات المفكرين ومواقفهم وأعمالهم، أما ذاكرة الذين عرفوهم عن قرب، فتحفظ أشياء أخرى قد تبدو صغيرة، لكنها تكشف الكثير عن حقيقة الإنسان.
تحفظ نبرة الصوت، والصبر على سؤال بسيط، والاحترام الذي يمنحه الكبير للصغير، والحنان الذي يظهر في علاقة الأب بأبنائه.
وهذه هي الصورة التي بقيت لي عن حيدر إبراهيم.
وداعاً حيدر إبراهيم… شكراً لأنك أصغيت
ها أنت ترحل يا دكتور حيدر، وتبقى خلفك الأفكار التي حملتها، والكلمات التي كتبتها، والقلوب التي لامستها بإنسانيتك.
سيكتب كثيرون عن إسهاماتك الفكرية، وعن مؤلفاتك ومواقفك ودورك في الحياة الثقافية السودانية. أما أنا، فسأظل أحتفظ بصورة أخرى لك؛ صورة الرجل الذي لم يتعالَ على أسئلة شابة صغيرة، والذي كان يمنحها من وقته وصبره دون أن يشعرها يوماً بأنها أقل معرفة أو شأناً.
سأتذكرك في القاهرة، في تلك اللقاءات التي اتسعت فيها آفاقي، وفي منزلك، وسط أسرتك، أباً حنوناً وإنساناً بسيطاً رغم مكانتك الفكرية.
بعد أكثر من ربع قرن، لا أستطيع أن أستعيد كل كلماتك، لكنني لم أنسَ كيف كنت تعاملني، وكيف جعلتني أشعر بأن أسئلتي تستحق أن تُسمع، وأن المعرفة ليست امتيازاً يحتكره الكبار، بل حق لكل من يملك فضول التعلم.
ولعل أجمل ما يتركه الإنسان خلفه ليس فقط ما يكتبه من أفكار، بل ما يزرعه في نفوس الآخرين من ثقة وكرامة وشجاعة على التفكير.
إلى الأستاذة حياة عبيد، وإلى مظفر وأنديرا، وإلى كل من أحب حيدر إبراهيم وعرفه عن قرب، أبعث بمشاعر المواساة والتقدير، وأشارككم الحزن على غياب إنسان بقيت صورته الجميلة حاضرة في ذاكرتي طوال هذه السنوات.
وداعاً يا دكتور حيدر.
شكراً لصبرك على أسئلتي التي كنت أظنها جاهلة، ولتواضعك الذي جعل المعرفة أكثر قرباً، ولإنسانيتك التي سبقت كل الألقاب.
لقد غادرت الحياة، لكنك لم تغادر ذاكرة من عرفوك. فبعض الناس تنتهي أعمارهم، ولا ينتهي أثرهم.
وستظل بالنسبة لي ذلك المفكر الذي عرفته إنساناً، وذلك الإنسان الذي علّمني، دون أن يدري، أن التواضع هو أجمل وجوه المعرفة.
ربيكا كوثيا كوانج دي مبيور - الولايات المتحدة الأمريكية، 29 أكتوبر 2026