Hayder Ibrahim AliAutobiography
أزمنة الريح والقلق والحرية

الفصل الثامن: الناس والنساء

Contents

We, Hayder Ibrahim's family, are making all his books freely available for the public good and to continue his project of enlightenment. All rights remain reserved: the books may not be printed or published without written permission.

زودتني سكني الإشلاق، وطريقة الحياة فيه، بما فيها من الجماعية والحميمية، والتضحية، والزهد، بقدرة مدهشة على حب الناس والتعرف عليهم والتعامل معهم، وأصبحت، كما يقول (أحمد فؤاد نجم):

شُغلتنا الناس
والناس ويانا في كل وجود
واحنا مع الناس

بالمعنى الإيجابي للاشتغال بأحوالهم ومساعدتهم، وللاهتمام بمشاكلهم، ومشاركتهم الهموم ما أمكن. علما بأن القول بأن "فلانا مشغول بالناس"، لها غالبا معنى سلبي في المجتمع السوداني. فهو من يترصد الناس، ويلتقط أخبارهم، كمادة للنميمة والقيل والقال. وكان لبيتنا المفتوح أثر، فالوالد كريم ومتلاف للمال ينطبق عليه قول الحردلو:

"دا اللداك وكتر ما بيقول أديت".

وينطبق عليه قول (إبن الرومي) في الكرم:

" ليس الكريم الذي يعطي عطيته على الثناء وإن أعلى به الثمنا
بل الكريم الذي يعطي عطيته لغير شيء سوى استحسانه الحسنا "

و"بت أحمد" البشوشة تغمر الضيوف بالطعام والحكايات التي لا تنضب. ولكن في آخر العمر، صارت ناقمة على الناس لم يحفظوا جمائلها والناس أصبحوا - حسب قولها - "السلام ما بيقلبوه" - أي لا يردون السلام - وهي تردد مثلا يقول: "أملأ بيتك طوب ما تملاهو عرقوب". وتقول: "الناس سموها الناس عشان بتنسى". بغض النظر عما حدث لنا في الآخر، ولكنني عشت في بيت شديد الإنسانية والرغبة في المساندة والوقوف مع الآخرين. ونما معي شعور إيجابي يتمثل قول (الفيتوري):

" الأعظم من قدر الإنسان هو الإنسان "

وفي موضع آخر يخاطب (ياقوت العرش) مذكرا إياه أن الإنسان قيمة عليا مهما بدت مكانته الظاهرية متدنية:

" أدنى ما فينا قد يعلونا يا ياقوت العرش
فكن الأدنى
تكن الأعلى فينا "

لأنني ترعرعت وحيدا فكان لابد من الإكثار في الأصدقاء، والإعلاء من قيمة الصداقة. والتقى هنا تماما مع (هشام شرابي) حين يقول أنه أحب شيئين فوق كل شيء آخر: "الكتب وأصدقائي، فقد بدت لي حياتي مليئة وحافلة بالأحداث. ولم أكن أدري أن الكتب قد تصبح وسيلة للهرب والاختباء، وأن الصداقات تنفصم ولا يبقى منها إلا الطعم المر". (مقدمات لدراسة المجتمع العربي. بيروت، الدار المتحدة للنشر، 1975:11). وأظنه تأثر ب(تولستوي) الذي يقول بأن السعادة: "هي كثير من الكتب وقليل من الأصدقاء". التصقت بالكتب أكثر، أما الصداقات فعندي منها الكثير والأهم من ذلك أحباء لم التقهم مباشرة، وهذه نعمة كبرى. ولكن كل هذا لا يزيل الطعم المُر ولا الدهشة والحيرة، لانفصام صداقات قوية وعميقة بلا أسباب ولا حديث "لم يقل حتى وداعا في الرحيل".

يلاحظ أن الإنسان السوداني - بالذات الأفندية أو "المثقفين" - صعب التناول والتعامل معه، رغم بساطته الظاهرية. فهو يبحث عن العيوب والأخطاء في العلاقة، أو يركز عليها أكثر من البحث عن المحاسن والإيجابيات، لذلك فهو كثير التلويم وبالتالي سريع الغضب ثم فقدان الأصدقاء والمعارف. يضاف إلى ذلك شعور متضخم بالكرامة، وهو شعور ضروري شرط أن يكون موضوعيا. وكثيرا ما نردد في أحاديثنا كلمات "الحقارة"، أو "حقر بي"، أو "ما احترمني"، أو "ما سلم على كويس". والسوداني ليس ميالا لأن يجد الأعذار في العلاقات، لذلك تظل علاقاتنا دائما مهددة بخطر الانقطاع - مهما كان طولها أو عمقها - لأن الآخر غير مستعد للتحقق مما حدث حقيقة وكيف حدث؟ وقد فقدت أصدقاء كُثر، وما يؤلمني ليس الفقد نفسه، ولكن عدم معرفة الأسباب. وهناك ظاهرة مع عصر التكنولوجيا تتسبب في كثير من سوء الفهم أو الخطأ في تفسير الدوافع. إذ قد تتفق مع شخص على موعد شرط أن يتم تأكيده عن طريق الهاتف، وتنسيك مشاغل الدنيا. في هذه الحالة يندر أن يبادر ذلك الشخص بالاتصال ثانية. وقد يأتيك اتصال من شخص ما، وتكون بعيدا عن التلفون ولا تلتقط المحادثة، وتكون مثلنا قليل المعرفة بالموبايلات أي لا تعرف ترجع أو تسجل الأرقام والأسماء. وهنا لا يحاول الطرف الآخر أن يجد لك عذرا ويفترض أنك وجدت المحادثة و"طنشته". وقد يكون ذلك بسبب انتشار عادة عدم الرد على المكالمات غير المعروفة أو التهرب لأسباب مختلفة. ولكن كثيرا ما ينجدني قول الروائي الأمريكي (فيليب روث) أنه من الأفضل أن تنسى ما هو الصواب أو الخطأ بالنسبة للبشر "فقط أن تكمل الرحلة معهم وإذا استطعت أن تفعل ذلك فأنت سعيد". كما أنني كثيرا ما اعتمد الحكمة العربية: "خذ الثمار وأمّا الحطب فللنار". كان معاوية داهية، لذلك أوصى ابنه: "إذا اضطررت إلى كذاب فلا تصدقه ولا تعلمه أنك تكذبه، فينتقل من وده ولا ينتقل عن طبعه". كما سُئل (إبراهيم بن أحمد): "لم لا تصحب الناس؟" فقال: "إن صحبت من هو دوني آذاني بجهله، وإن صحبت من هو فوقي تكبر عليّ، وإن صحبت من هو مثلي حسدني". ولحد كبير هذا ما يجعلني، في الزمن الأخير، أتسلى أحيانا بـ (أبي العلاء المعري) في نظرته ومواقفه من الناس والدنيا (أم دفر). وهو قد فات في حزنه وخيبة أمله (المتنبي) كثيرا، لأنه صاحب علة بالإضافة لنكد الدنيا. ويختلف عن المتنبي في الطموح والتطلع. ف(المتنبي) ظن أن الدنيا كادت أن تبتسم له في وقت ما، وتوقع أنها ستحقق آماله بعد طول خيبات، ولكن:

" أظمتني الدنيا فلما جئتها مستسقيا مطرت عليّ مصائبا "

وهو القائل أيضا:

" ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت على عينه حتى يرى صدقها كذبا "

أما أبو العلاء فقد فضّل العزلة لأن البشر لا قيمة لهم ولا فائدة، فيقول:

" وزهدني في الخلق معرفتي بهم وعلمي بأن العالمين هباء "


قابلت في هذه الدنيا أعدادا لا تحصى من الناس، ولكن نماذج بشرية منتقاة لها ما يميزها ويجعلها أمثلة جيدة لتنوع الإنسان غير المحدود. وقد كان لديّ عدد كبير من الأصدقاء، والزملاء، والمعارف، في الدراسة بسبب التنقل لبلدان كثيرة، وفي العمل، وفي النشاط العام، وفي الترحال. ولكن قد يكون في ذلك، بعض العيوب، لأنني قد لا أمكث في المكان الواحد مدة طويلة تسمح بتعميق العلاقة وفي بعض الأحيان، قد لا يحتاج الأمر للوقت، وتكفي قوة المشاعر وهارمونية الأرواح وائتلافها، وتقوى الصداقات في مرحلة المراهقة والنضوج المبكر أي المدرسة الثانوية والتعليم العالي. وكان من أغرب صداقاتي وصارت أكثرها حميمية، مع (مصطفى عمر العوض) المشهور ب(عكة) في القضارف الوسطى. وقد لفت نظري بغرابته ولأنني أميل لهذا النوع من البشر، حاولت التقرب منه، ولكن فشلت. والسبب أننا امتحنا معا للثانوي ولم يوفق، فقال بطريقته العجيبة: "ود الظابط (يقصدني) أبوه دفع (بلصة) في الخرطوم عشان كده قبلوه في الثانوي". وبعد عام لحق بنا في التجارة الثانوية وسكنا في الداخلية، وتدريجيا نمت صداقتنا. فقد كانت حياته الأسرية تواجه صعوبات لكثرة الأطفال وإرهاق الوالدة وكان الأب صولا في سجن القضارف ينقل بعض ممارسات السجن في تربية أبنائه. كان (عكة) بعد نهاية الفيلم في السينما وتعزف موسيقي (النهر الخالد) لخروج الرواد، يصاب بنوبة هستيرية من الخوف - نظرية بافلوف - فهذا يعني أنه يستعد للجلد بالقاش (حزام الجنود). كانت لديه قدرة استثنائية في عمل الأشياء بطريقة غلط، مما جلب له عقوبة مستمرة في البيت والمدرسة. وكان قادرا على تحويل أي موقف إلى نكتة أو طرفة. وكان يجلب لنا اللعنات حيثما نذهب معا. صار (مصطفى) أخا لم تلده أمي وجزء مننا، وكان يقضي معي العطلات الصيفية حتى عندما نقلنا لـ (زالنجي). وقد تحول لشخصية جادة وصارمة وصار من المصرفيين المميزين، ولكن عندما نلتقي يعود الصخب والضحك جديدا. مات مبكرا عام 1992 ولفترة كنت أظن موته من بعض مزحاته.

كان أغلب أصدقائي داخل الأسرة من الرافضين والمتمردين الخارجين عن المعتاد والمألوف أو التقاليد. وهم غالبا مايصنفون سلبيا في سلوكهم المختلف. تميز (محمد عبد الحليم) أو (أبو حليمة) بعلاقته الغريبة مع الله، والحكومة، والمرأة، فهل كان ضد أي سلطة مهما كان مصدرها؟ فقد كان يتحدث عن الله (سبحانه وتعالي) كأنه بشر، أو كشيء ملموس مخلوق مثله، وكجزء من الصراعات اليومية. كان قريبنا" خضر حامد" سيء الحظ في إيجاد عمل بعد تخرجه، فكان يسخط ويسب من في الأرض ومن في السماء. ثم يخرج كل يوم ضاربا في الأرض باحثا عن عمل، دون جدوى. وكان الفيلسوف أو الرافض الشعبي (أبو حليمة) يحذره من عواقب السخط. وفي يوم ما عاد (خضر) سريعا بملابس ممزقة، فقد كان متشعلقا في الباب الخلفي للبص، فاصطدمتهم عربة مسرعة. فقال له (محمد): "يا أخي ما قلنا ليك ما تزعل الراجل دا!" وكان منطقه جاهزا، فقد برر طلاقه لزوجته لأنها قطعت هدومه بالغسيل الكتير! ولكن في رواية أخرى، يقول أنها أرادت السيطرة عليه ويشبه الأمر بركوب الحمير. فقد وضعت (البردعة) على ظهره وركبّت اللجام في فمه، واستعدت للركوب: رحتا مديها بالجوز! ويبدو أن مثل (الدمنهوري) قد انطبق عليه: "الزواج فرح شهر وغم دهر وكسر ظهر". وكان يقول لي في أواخر أيامه: "تعرف يا إبن العم (عنده أسهل من الأخ) البلد دا تلاتة اتلاتو بقو حرامية وغشاشين!". محظوظ، افتكره ربنا -كما يقول المصريون- لم يعش حتى يرى هذه الأيام فقد زاد العدد أو النسبة عن تقديراته! أعقد دائما مقارنة بين كثير من الرافضين المتفلسفين، وبين (محمد)، وتأتيني فكرة الذكاء الفطري المكبوت والوحشي (fauvism) مثل الرسم دون تعليم نظامي والاكتفاء بالموهبة الطليقة. فهذا الذكاء الأبكم لم تصقله أدوات العلم والتعلم والتعليم والمعرفة المنظمة. وبالمناسبة تقع والدتي (بت أحمد) ضمن هذه الفئة. فصاحب هذه الهبة المُعذِبة له فراسة قوية تستند على تحليلات كونت منطقها ورؤيتها للحياة والكون، على أسس أسطورية وخيالية، ولكن الاستنتاجات تتحول إلى مسلمات وثوابت وقناعات قوية. لذلك تكون للشخصية مواقف عدائية ومواقف متطرفة في الأحكام.

كان (محمد أحمد فضل المولي) منذ صباه له مزاج فنان، ومن حالته، وهو طالب عندما يستلم مصاريفه الضئيلة لتوه ويرغب في (بيبسي كولا) من دكان اليماني في (الوابورات) وفور وقوفه يغني (الكاشف) فيشتت قروشه المحدودة طربا على شارع الظلط ليلتقطها الأطفال فرحين. وعندما عمل في السكة حديد بكريمة كان في طريقه إلى المكتب يصادف فتاة حسناء جالسة تحت النيمة تبيع (اللقيمات) صباحا. فيشتري منها كل المعروض ويقول لها: خلاص أمشي ما يشاغلوك الصعاليك ويتفرجوا فيك! وكان أنيقا ونظيفا وله تسريحة خاصة للشعر سبق بها (إبراهيم عوض). وافتتح وصوله الخرطوم بحري بشكلة خسر فيها. فقد كان يقف أمام السينما الوطنية بحري، فسأل أحدهم عن إسم الفيلم، فرد عليه (أحبك أنت) فما كان من (محمد أحمد) إلا أن صفعه صفعة داوية، وكان عليه تحمل النتائج. ظل (محمد أحمد) أنيقا يهتم بمظهره، ويمسح شعره بالدهان ويشقه نصفين. وفي إحدى المرات جمع (أحمد البشير) كمية معتبرة من القمل من ملابس الضيوف الزوار التي يضعونها في الشمس بعد وصولهم، في كبريتة وانتظر (محمد أحمد) حتى نام ونثره في شعره الكثيف!

أما في القرية فقد كانت الشخصية الأسطورية، هو (ود الحاج طه) يميل للقصر ولكن مفتول العضلات، يقال "مدقلب"، وابيض اللون وله دقن طويلة، بت (ود شبرين) من ظرفاء القرية وتحلف طوالي بالله، وكان جدي يغيظها، فقال لها: "إنت شن عرفك بالله .. أها شكلو كيف؟؟" فلم تتردد: "مالي ما بعرفو، يشبه ود الحاج طه!" وكان عامل ناموس ولما بسكروا في الأنادي ويرقصوا يغني له رفاقه:

"ود حاج طه يا المطموس مستر فيكسي جاك يكوس وقال ليك كتل الناموس".

بعدين بسنوات عندما تاب كان يرقص بنفس طريقته القديمة- كما قال جدي أحمد- في مديح أولاد حاج الماحي جنب البئر الملاصقة لبيتنا وقد استمتعنا برقصه والمديح. وجاب معاهو من الحج نخلة تسمى المديني - بالكسرة الشايقية - وشتلها بداخل طرف الحفير عشان الناس ما تلقط منها ولكننا كنا ننزل الموية ونأكل ويطاردنا في الموية.

ومن مشاهير قريتنا (حسن الدابي) كان ترزيا ماهرا، وشاعرا مجيدا دقيق الوصف والملاحظة. و(القُرير) المليحة النضرة الفواحة بعطر فاكهتها، كان لابد أن تمتليء شرايينها بالفنون والإبداع. والشعر في القرية كالماء والهواء، ويكاد يكون وسيلة التواصل السائدة في توصيل الرسائل. ويقصون حكايتهم شعرا، ويسخرون حتى من أنفسهم، ويضبطون سلوكهم بالهجاء، ويقدمون أدق وأصدق الأوصاف ويقتربون من الرسم. وهذا هو (الدابي) يصف زوجة صديقه وله الحق هذا الحقد، يقول:

أنا من بعيد قابلني الكُشر وجات قريب نقنقت الكشر
وجاتني حس عصباتها صرصر برطوشة حس الموتر الكر
وطولها زي الناقة واشجر عودها زي قصبة ود عكر
مالي بكتل خير البشر ويا أحمد من وين جبت الغجر؟

القصة هي أنهم كانوا يشربون وكملت الخمر، فتطوع الزوج بإحضار المزيد. وفي الطريق - حسب السكرة - وقع من الحمارة ونام في موقع الوقعة. وعندما تأخر قرر (الدابي) أن يذهب لمنزله سائلا عنه. وعند باب منزل الصديق، زغردت الزوجة قائلة: "كتلتو وجيت تسأل!" وتجمع الجيران. وفي الصباح جاء الصديق ووجد الحادثة، ومن هنا جاءت القصيدة.

علي محمد سعيد يقدم نفسه ب(علي الأعمى) يذكرني ببطل فيلم (الكيت كات) الذي مثله ببراعة (محمود عبدالعزيز). فقد درس في المعاهد الدينية وكان سببا في التحاق خالنا (علي أحمد بابكر) بمعهد (نوري) الذي رافقه كمقرئ له (أي يقرأ له المقررات والتي يحفظها مباشرة). وحصل على الدكتوراة في العلوم الدينية، وعدّد في الزيجات وترك ذرية ناجحة.

صرت صديقا لبعض أصدقاء والدي زملائه في العمل، ومن بين هؤلاء: الفريق (عبدالله حسن سالم) ومولانا (دفع الله الحاج يوسف) وشخصية عجيبة (جمال الدين السنهوري) فقد نظم حملة انتخابات 1953 في دنقلا العرضي لصالح (أمين السيد) وكان أبي مسؤولا عن أمن الانتخابات رغم رتبته الصغيرة. وزرته في (الحسين) بالقاهرة حين كان من شيوخ الطريقة (البرهانية). أمّا أهم صديق مشترك، فهو العم (الطيب يوسف مجاور)، والذي امتلك دكانا صغيرا جنوب مساكن السكة حديد في الخرطوم بعد أن جاب بلاد البطاحين، ويشاركه (أبو العباس) الشهير. وكان (الطيب) صاحب أحاديث حلوة وحكايات لا تنتهي، وله ذاكرة حديدية تحفظ كل ما يمر عليها مهما كان عابرا. كنت انتظر عنده محادثات والدي عصر كل خميس من (زالنجي) طوال عام 1960، وكان يملأ لي وقت الانتظار بقصص الهمباتة أو النّهاضة فقد عاش مدة في (أبودليق).. وسمعت منه لأول مرة بأسماء (الضرير) و(الطيب ود ضحوية) وكان يردد شعر الأخير، مثل:

" الخبر الأكيد صديق مقفل جوه
ما بنساهو قط حتى إن بقيت في هوة
عند ساعة الدرك ما بنسي ساعة الخوة
كبّاس الدهم عند البيقول يا مروة "

وبسببه صرت، لاحقا، شديد الإعجاب بالهمباتة ووجدت فيهم المقابل الموضوعي للوجوديين، خاصة في نظرتهم لعبثية الحياة والعيش على حافة الخطر باستمرار.

كان الطلبة السودانيون في أوربا، ضحايا مبكرين للصدمة الحضارية وقد غرق - رمزيا - الكثيرون، مثل فكرة الزوارق التي تهرب الراغبين في اللجوء هذه الأيام. ضاعوا في حيوات صاخبة، وحرية غير محدودة مع نظام تعليمي مرن لا يفرض أوقاتا محددة للامتحانات ويتركها اختيارية. وقد صادقت وتعرفت على أنماط مدهشة من البشر في أوربا، قلّ أن تجد مثلها بين الناس العاديين. وقد أشبعوا في غريزة التعامل مع الناس الغرباء، والخارجين عن العادي، والمتمردين (outsiders). ويصلح كل واحد منهم "تيمة" أو موضوع لـ (حرافيش) الروائي (نجيب محفوظ). وينسب للملحق الثقافي السوداني في براغ أظنه (إسماعيل النضيف) في نهاية الستينيات، القول: لو شفت غرفة مضيئة في داخليات الطلبة (الدومات) بعد منتصف الليل، فسيكون الأمر طالب فيتنامي بيذاكر أو سوري يعد دولارات أو سوداني بيسكر! كان الطلاب الفيتناميون مقارنة بالفلسطينين مثلا، يقتسمون منحهم الدراسية لكي يضاعفوا أعداد القادمين من بلادهم. احتكر الطلاب العرب مجال التهريب، وبيع الدولارات والكرونات أو العصافير في السوق. فقد كانوا، مع أسباب أخرى، من عوامل انهيار المعسكر الاشتراكي اقتصاديا ثم سياسيا.

كان الابتعاث للخارج محدودا وبين الموظفين الناضجين، ولم يكن الضرر كبيرا. ليس أكثر من أن يعود بزوجة أجنبية، والبايب، ولبس الردا القصير وقد يتعلم التنس وشراب الشاي في المغربيات وما تيسر من الويسكي مساء مع العشاء. ولكن في مطلع الستينات بدأ ابتعاث الطلاب للدراسة الجامعية لأوربا بعد أن كان الأمر مقتصرا على مصر فقط. فقد نشأت علاقة صداقة حقيقية وليست مجرد علاقات دبلوماسية بين الرئيسين (جوزيف بروز تيتو) و(إبراهيم عبود)، ومنحت يوغسلافيا، السودان عشرات البعثات الدراسية، بالإضافة لبناء البحرية السودانية. وتدفق الكثيرون من الطلاب صغار السن على (بلغراد) و(زغرب) و(أسكوبيا) وحتى (برشتينا). ولكن يوغسلافيا كانت مثل "شيمة" البحر التي تبتلع الناس. فقد وجد الطلاب الحرية وغياب الرقابة، والحياة سهلة ورخيصة تغري بالجري وراء طلب الملذات وليس طلب العلم. ولكي لا نعمم ونظلم البعض، فقد كان هناك طلاب جادون أنجزوا مهمتهم وعادوا متفوقين لوطنهم يردون جميله ولكن (يوغسلافيا) مثلت ظاهرة مؤسفة لضياع كثير من الشباب باعتبارها أول تجربة كبيرة للابتعاث لأوربا، نقصتها المتابعة والمراقبة من الدولة والأسر.

في المانيا الغربية - آنذاك - كان الوضع مختلفا ولكن النتائج تكاد تكون واحدة: الشيمة أو الموجة العاتية، ابتلعت كثيرين. فتلك بلاد رأسمالية مستوحشة قائمة على المنافسة والإنجاز (achieving society) كما يسميها علماء الاجتماع، والبقاء فيها للأصلح بلا رحمة. وواجهت طلاب الطب الأجانب بالذات، الصرامة الأكاديمية الألمانية القائمة على الكمالية (perfectionism) والإجادة البروسية. وكان امتحان التمهيدي (physikum) ويكون عادة بعد أربعة سمسترات. وفي حالة الرسوب في المرة الأولى تحدد الكلية موعد المرة الثانية، ولو رسب الشخص، لا يحق له دراسة الطب في جميع ولايات المانيا الفدرالية. وبهذه الطريقة خرج العديد من السودانيين من المنافسة، ولكن لم يقروا بوضعيتهم وظلوا يعيشون وهم "الدكتور الطبيب" وطبعا يصعب عليهم التنازل والتحويل لكلية أخرى. ومن طرائف هذه الفئة، أن أغلبهم كان يدعي عند التعرف على الصبايا الألمانيات بأن آباءهم وزراء صحة في بلادهم.

من بين ناس الغربة الذين تعرفت عليهم (علي الشيخ) في (فرانكفورت)، وكنت أُكن له كثيرا من الحب والوفاء وكان الجميع يستغرب هذه العلاقة بين متناقضين، وكنت أقول لهم: "هذا الرجل وجدني شريدا فآوي، ولن أنسى هذا الفضل مهما أخطأ في حقي". وكان يجلس تماما مثل تمثال بوذا الشهير، ببطن ضخمة بارزة ولكنها مدورة جيدا وقد تلمع قليلا مع لونه شديد الأبنوسية، وقد تظهر السرة وقد سأله أحد أصحابه الألداء- مكايدا - عن آخر مرة رأى فيها سرته! ولم يكن أرشق منه، فتحداه أن يتذكر آخر مرة استطاع فيها أن يحك صرته. لم تنقطع إمداداته من (التنباك) منذ عام 1956 عام خروجه من السودان، والذي اكتشفناه بالصدفة حين أرانا خطأ صورة له مع المتطوعين ضد العدوان الثلاثي على مصر. ولا يتناول التنباك الا إذا مطّره بيده مختارا نوع العطرون وقال أن تنباكه لم يقطع حتى في روسيا حيث درس الطب لفترة ثم تحول لالمانيا. كان يشبه في جلسته بوذا ولكن تأمله ليس في الكون والخلق والطبيعة، ولكن في تأمل انتظار الكرت المرتقب الذي سيرمي به الإيراني أو اليوغسلافي أو الألماني الذي يجلس إلى يساره في طاولة الكوتشينة. وحين يرمي جاره كرت الحظ المرجو ينطلق مغنيا مرددا مقطعا من سيرة قديمة لا أدري كيف قبعت في ذهنه رغم كل سنوات الغربة والصقيع وانشغال عقله بالمقالب أو "الكجّات" كما يسميها، يردد منتشيا:

"ود الشيخ سيرو والبريد الشيخ أنا بريدو "

ولكنه لم يسعد بطعم السيرة الحقيقية، وفي تلك اللحظة يهمه أن يجمع الماركات الغنيمة من الطاولة، متلذذا بالانتصار والنجاح اللذين أضاعهما في ميادين أخرى كثيرة ولكن في مرات عديدة أضاع مني مرتب الأسبوع كله. فقد نذهب لزيارة ناس في نهاية الأسبوع، ويجد الكوتشينة فينظر لي باستجداء فأعطيه ما لديّ من نقود. ويخسر ضاحكا ونقضي الأسبوع في مسح العيش بالمارقرينا طوال الأسبوع. وفي إحدى المرات احتفل برأس السنة مع صديقتين في آن واحد، في الدور الأرضي والثامن، إحداهما فوق السبعين. وتعمل الصديقتان في خزينة (kasse) الأولى في (المنزا) والثانية في محلات (الكنتكي) وهذا يعني إعفاء غير شرعي من التكاليف. وله مغامرات رهيبة بالاشتراك مع (مرجان) مثل الأكل في أفخم مطعم والانطلاق جريا، لأن كل واحد عازم التاني ويكتشفان أنهما الاثنين بلا نقود. ووصل الأمر بهم إلى بيع مخزون الكنيسة الإنجيلية من البطاطين والمراتب في بيت الطلبة الذي يسكنونه. عاد (مرجان) طبيب أسنان ولكن كان أول طبيب يسحب المجلس الطبي ترخيصه ويحرمه من ممارسة المهنة. انقطعت أخباره المباشرة، فقد انتقل إلى (بون) ليعمل في المركز الصحي مترجما، علمت أنه تزوج مغربية أنجب منها طفلا وطلقها. علمت بوفاته عام 2013 فقد وجد ميتا في غرفته بعد ثلاثة أيام وحيدا، وأيضا صديقنا (سلطان) وجد في المشرحة بعد أسبوع بالصدفة.


كانت أصعب علاقاتي وأعقدها، مع فئة المشاهير والنجوم الساطعة. فالإبداع مرتبط، بطريقة أو أخرى، بالغرابة والسلوك الشاذ أحيانا. فالمبدعون لا يخلون من بعض تضخم "الأنا"، فهم معجبون بذواتهم ويتوقعون أن يعجب بهم الجميع وأن يعبروا لهم عن الإعجاب أو على الأقل أن يظهروه. ولا تخلو دواخلهم من خيط نرجسي يلف الواحد منهم، مهما حاول التخفي وادعاء التواضع. وينطبق عليهم قول الشاعر: "خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء". أدخلتني صراحتي في صعوبات كثيرة مع أغلبهم، وتمنيت لو قرأت لهم ولم أرهم. كنت معجبا بـ (إبن الرومي) ولكن سيرته الذاتية، تبعدك عن الإعجاب به، فقد كان شديد التشاؤم من الناس. يقال أنه يفتح باب منزله ليخرج، فيرى شخصا لا يحب أو "نحس" - حسب رأيه - فيعود للداخل ولا يخرج حتى الغد. ومن يقرأ كتاب (Paul Johnson) بعنوان (Intellectuals) (1988) سيتوقف عن احترام عدد كبير من العبقريات التي فتنته بإبداعاتها، حين يكشف عن حقارات وسفالة في الأخلاق والسلوك. فيكتب مثلا عن (جان جاك روسو) فصلا عنوانه (مجنون مشوق). فهو يرى أنه رغم دورهم في العصر الحديث، إلا أنهم في الحقيقة ليست لديهم "أرواح حرة وعقول مغامرة" حقيقة، بل عكس ما يكتبون ويبشرون به. والكتاب يتساءل عما قدمه العلمانيون بدلا عن الكهنة القدماء من نموذج أو قدوة في النقاء، والصدق، والخير، والإحسان؟ ويقدم سيرا ذاتية لـ(تولستوي) و(ماركس) و(سارتر) و(همنجواي) و(شيلر) و(بريخت) و(برتراند رسل) وغيرهم، يثبت فيها أن سلوكهم وممارساتهم كانت متناقضة تماما، وعكس كل ما قالوه وما اشتهروا به من خصال.

من الشخصيات المشهورة التي دخلت معها في علاقة شديدة التعقيد والتوتر، كان الروائي الكبير (الطيب صالح). فالطيب مجامل لدرجة تكاد أن تختفي معها شخصية أسمها "الطيب صالح"، لأن إرضاء الجميع مستحيل. وقد كان يحاول أن يكوّن انطباعا لدى أي شخص يقابله أنه فعلا "طيب" و"صالح". لذلك جمع حوله عددا كبيرا من أناس مستهلكة الروح وعديمي المروءة والفائدة، طبعا بالإضافة لناس عظيمين ونبلاء. ولكن المشكلة أنه لم يكن "نقّادا" للبشر. وخشيت أن ينطبق عليه القول: "لا تسل عن المرء بل سل عن قرينه" وهذه الخصلة جعلته يضيق بالاختلاف والنقد لأن أذنه تعودت على المديح فقط. وقد تكونت فكرته عني من خلال (حسن أبشر الطيب) وآخرين. وقد أخذت عليه تعمد تجاهل دور (مركز الدراسات السودانية) والذي أقام له تكريما رصينا بمناسبة بلوغه السبعين في (المجلس الأعلى للثقافة) بالقاهرة. وقد حضرته كوكبة من أبرز المثقفين السودانيين والمصريين وصاحبت ذلك ندوة نُشرت وقائعها في كتاب: "السودان- الثقافة والتنمية". ولكن كان يذكر في المقابلات كل من كرموه عدا إسم مركز الدراسات السودانية.

وقد كان يتضايق من مقارنتي له بـ (نجيب محفوظ) من ناحية النشاط والإنتاج الغزير، بينما يضيّع (الطيب) وقتا ثمينا مع الأصحاب في الونسة والاجتماعيات الفارغة. كما كنت ألومه على قوله دائما، أنه لا يحب الكتابة. كما لم ينس لي قولي عام 1992 في مقابلة بصحيفة (القدس) أجراها معي الراحل (جميل حتمل) وقلت فيها: أن الطيب صالح يمثل مرحلة انتهت بكل ما تحمل وعلى شباب الروائيين السودانيين التأسيس لمرحلة جديدة ومعاصرة. أما ما كان يثيره فالحديث عن الالتزام لجانب الشعب في الكتابة، حسب دعوة الواقعيين. وكان الشعب السوداني يتوقع في محنته الحالية، أن يبرز مثقف يقف معه مدينا للدكتاتورية. ولذلك تلقف مقولة (الطيب صالح): "من أين أتى هؤلاء؟" ولكنه اعتذر عنها في أواخر أيامه أكثر من مرة.

كان من الصدف الرائعة أن أسكن في شارع واحد قرب الشاعر (محمد الفيتوري) في حي (أكدال) بمدينة الرباط. وكان من الصعب التعامل مع شخص هو كومة من الأعصاب العارية المشدودة، والمزاج المتقلب العاصف وشعور طاغ بالاضطهاد أو عدم الاحترام. ولا أنس الشجار والسباب الذي اندلع في بهو أحد أفخم فنادق (طنجة) أثناء حضورنا مهرجان (أصيلة) بينه وبين موظف الاستقبال، حين وصف (الفيتوري) الموظف بأنه حمار! وهذا أسوأ سب عند المغاربة ورد على الفيتوري بمثله وأحط لغة. وتعالت الأصوات وبعد جهد طيبنا الخواطر. وحين سألت (الفيتوري) عن سبب غضبه وعدوانه، كان رده: إن الميني بار في غرفته كان خاليا من الشرب! وكان أحد الأصدقاء قد حكى لي عن بؤس الشاعر ورفاقه وماذا كانوا يشربون في نهاية الليل في حانات خمسينيات القرن الماضي؟

(الفيتوري) من أعظم الشعراء مع إنسانية ضامرة حين يصر على تأكيد الذات. لم أستطع حل هذه المعادلة فهو متناقض يأخذ الدنيا بلهف من يريد أن يعوض حرمانا طويلا وعميقا. وعندما يأتيني بالمرسيدس الخضراء الفخمة، أقول له تغشنا يا محمد وتقول لينا:

دنيا لا يملكها من يملكها
أغنى أهليها سادتها الفقراء
الخاسر من لم يأخذ منها
ما تعطيه على استحياء
و الغافل من ظن الأشياء
هي الأشياء!

لكنه كان رغم كل الترف الذي عاشه، ظل قلبه معلقا بالسودان. وفي وسط المتع في مكان مبهر، يقول: "والله دا كلو ما يساوي ساعة في المقرن!" وقد كان شديد الاعتزاز ويتعمد إشعار الآخرين بذلك ويردد: "التكبر على المتكبر، حسنة". قرأت اليوم (24/2/2015) في المواقع للتبرع للفيتوري لأنه في حالة صحية ومادية سيئة للغاية. ونشر اسم زوجته ورقم حسابها لاستقبال التحويلات.

استمتع كثيرا باجترار التجارب والمواقف مع الشعراء الذين يتبعهم الغاوون. فهم من النماذج البشرية الممتعة والتي تجسد لك عمق الحياة وسرها الغامض. أقول بأن الغموض مباح فقط للشعر والمرأة لأنه يضفي عليهما جمالا قدسيا مبهما. والشعر والموسيقي إبداع فيه قبس من الخلق، والموسيقي تتفوق على الشعر لأنها أكثر تجريدا، فالشعر لديه مادية أولية هي الكلمات واللغة فيشكلها وهذا ما تفتقده الموسيقي. ولا يحتاجان لتفسير لذلك من يقومون بهما مخلوقات استثنائية وأرفع. وكان (الفيتوري) يقول: "الشعر هبة من عند الله"، فيغلق باب الجدل والحديث. وقد وجدت في معرفة بعضهم متعة من نوع خاص، رغم أنها قد تكون مقلقة ومشوشة.

وجدت في (محمود درويش) شاعرا في تعامله - صنعة وخلقا - ولكن نرجسيته تشبه النرجس نفسه ولذلك محببة وتضىء الهالة أكثر. فهو يتربص بأشعاره بالمعجبين ويصطادهم في شراكه. ومن جانبه يسكر بالإنصات، والتجاوب، ويحترم الناس كثيرا، خاصة حين لا يكونون في موقع المنافسة والعداء.

وهذا عكس (أدونيس) تماما، فمن الأفضل أن تقرأ له أو تسمعه فقط ولا تراه أو تقترب منه، شعره أقوى من إنسانيته وأجمل. وقد أحرج (أبوماضي) القائل: "والذي نفسه بغير جمال لايرى في الوجود شيئا جميلا". فقد دعاه مركز (الدراسات السودانية) ورتبنا كل شيء مع المركز الثقافي الفرنسي، واستجبنا لكل طلباته ابتداء من أنه لا يركب غير الدرجة الأولى في الطائرة. كما أعلمنا أنه لا يطلع المنصة إذا لم يتأكد من الألفين دولار في الظرف. وبالمقارنة، حين زار (درويش) السودان بدعوة من المركز، حاولت أن أدس له هذا المبلغ فغضب ووبخني قائلا: "أنا حصل أسأت لك قبل ذلك يافلان؟" ولكن في اللحظات الأخيرة اعتذر عن زيارة للسودان ليذهب للجنادرية. فاتصلت بصديقته وزميلتنا (فهمية شرف الدين)، ووصفته بالبورجوازية وحب الملوك، وأنه كاذب وغير صادق في ثوريته ونقديته الا إذا كان يقصد بذلك النقود. جمعتنا الظروف بعد مدة قصيرة في (بيروت) في ندوة دامت ثلاثة أيام، وقصدت تجاهله متعمدا جرح نرجسيته التي لا تقبل أن يتجاهله شخص مهما كان ذلك الشخص. فاشتكى لزميلتنا (فهمية)، وفي إحدى المرات اتصل بها من (باريس) وكنت معها فحاول أن يلومني ولم أستجب.

تعرفت على (سعدي يوسف) لأول مرة، في سهرة أقامها لنا (حلمي شعراوي) في داره عندما كان يعمل في (تونس) بالأليسكو. وخرجت بانطباع رائع عن الشاعر المتواضع البسيط، ولكن في الفترة الأخيرة صار مغرما بالشطحات وتدني شعره كثيرا، أما من يفوقه تواضعا بالإضافة لإنسانية دافقة فهو الشاعر الحداثي (حلمي سالم). وقد كان هو نفسه قصيدة غنائية عذبة ولا أدري كيف كان يحمل هذه الطاقة من الحب للناس والحياة، في ذلك الجسد الذي تناهشته الأمراض. دعوتهم للخرطوم هو، والإنسان الذي يتطابق تماما: اتساق داخله وخارجه، التشكيلي (عزالدين نجيب). وبعد فترة جئت للقاهرة وبالطبع أول زيارتي تكون لمقر التجمع والأهالي، لأرى (حلمي) ولكنه هذه المرة كان شاحبا ومرهقا. وقلت له يا أخي بطل السجائر دي. فرد عليّ: أنا عايز من ربنا ثلاث سنين عشان أكمل السيرة الذاتية بتاعتي، ولو حصل... ثم باس كفه باطنا وظاهرا. وبعد يومين نقل للمستشفى مكث لأيام في العناية المركزة. ثم فوجئنا بإعلان عن أمسية شعرية لحلمي، وجاء للمكان والأنابيب معلقة على عنقه ووريده، وقال أن المستشفى حملته مسؤولية الخروج فقال لهم: الشعر أهم من الحياة. توفي بعد يومين: شهيدا للشعر.

اعتز برصيدي الواسع من الأصدقاء والمعارف المصريين. وكنت شديد الإعجاب بـ (محمود أمين العالم) وكنت أقرأ له كثيرا خصوصا مقالاته في مجلة (المصور) وكتاب (معارك فكرية). والتقيت به مباشرة عام 1975 في باريس حين كان يحرر مع (ميشيل كامل) مجلة (اليسار العربي). ويُربط دائما بين محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، منذ كتابهما المشترك (في الثقافة المصرية) ولهما اهتمام بالسودان. ووضعنا أسميهما تكريما في الهيئة الاستشارية لمجلة (كتابات سودانية). رحب (العالم) واحتج (أنيس) أنه لم يبلغ بطريقة رسمية وكثيرا ما تعاملت مع العالم الودود المتواضع والمتفائل وصاحب الضحكة الثابتة المضيئة. وقد نشر لي عددا من المقالات في مجلة (قضايا فكرية). ولم استطع التعامل مع أنيس رغم محاولات مصطفى خوجلي صديقه ومعجب به. وكانت علاقتي وثيقة مع اليسار المصري بكل تياراته، بدءًا من المناضل المخضرم (مصطفى طيبة) الذي أمضى 17 عاما في سجون الملك فاروق وعبدالناصر. وكان (التجمع) أي (رفعت السعيد) و(فريدة وأمينة النقاش) سندا لا يتزحزح للمعارضة السودانية وقمت بكثير من النشاطات بالتنسيق معهم. وكانت الأسرة الصغيرة لـ (محمد شومان) و(أماني الطويل) وابنهم (مصطفى) امتدادا اجتماعيا وعاطفيا لأسرتنا في القاهرة. ولفتت انتباهي رواية (بيضة النعام) بأجوائها السودانية المصرية، فتعرفت على كاتبها المتمرد الخالد (رؤوف مسعد).

الشوام واللبنانيين في كل أشيائهم يحرصون على أن تكون رائقة وراقية حتى شيوعيتهم فالشيوعي النبيل (كريم مروة) وكأنه فارس (cavalier) آت من العصور الوسطى.

من سوريا تعرفت على (صادق جلال العظم) الذي كنت أقرأ له بشغف عظيم، لأنه أول من كسر تابو الكتابة حين نقد الفكر الديني، لتعود تهم الرّدة والتكفير. دعاني للموسم الثقافي لجامعة دمشق. واستقبلني ذلك العالم الجليل المتواضع بنفسه في المطار، رغم أمطار (آذار). وحماني من غضب البعثيين بسبب ورقتي عن "التنوع الثقافي في الوطن العربي". وكنت محظوظا بالتعاون في "المبادرة العربية" مع (بسمة قضامي) و(سلام الكواكبي)، وكان لهما فضل صدور كتابي (الديمقراطية السودانية). وكانت لي علاقة جيدة مع (عارف دليلة)، و(نبيل سلمان)، و(وليد إخلاصي).

جمعتني لقاءات ونقاشات مع (برهان غليون) ولكنني لم أغفر مساندته لنظام الإسلاميين في أيامه الأولى. ومن الجزائر يمثل (زبير العروس) صديقا حميما وهم يهتمون بكتاباتي كثيرا فأصدروا طبعة ثانية من كتابي (سوسيولوجية الفتوى) عن (دار القصبة) ومنهم (علي الكنز) و(ناصر قابي).

تعرفت في (الرباط) على مجموعة العُمانيين المبدعين الهاربين نحو الحرية والجمال، فاستقر بعضهم تماما منذ بداية الثمانينيات، ويزور البعض الآخر المغرب عدة مرات في العام: عبدالله الريامي وله ديوان شعر (فرق الهواء) وأسس مع الشاعر (محمد الحارثي) دار "منشورات نجمة"، وله ديوان (عيون طوال النهار)، وعلمت أنه ذهب بعد المغرب لجزيرة في جنوب شرقي آسيا. ومعهم (ناصر العلوي) وله ديوان (نصف الحلم يسرد نصفه الآخر)، وأغزرهم إنتاجا (زاهر الغافري) وله شعر بديع:

هل كان ينبغي أن تمضي
كل تلك السنوات
كي أكتشف أنني صيحةٌ عائدة من الموت.
من عزلةٍ أخفّ من ريشة طائر
يحمل إلى رائحة الندم
والظلال.

وكان يزورهم الشاعر المعروف (سيف الرحبي) رئيس تحرير مجلة (نزوي)، وهو يبعث لنا - مشكورا - المجلة مجانا في الخرطوم.


تصبح هذه السيرة ناقصة وخائنة، لو تعمدت تجاهل فئة هامة رغم أنها مهمشة وتُجبر على أن تكون في مكان معتم في المجتمع. فقد تعرفت مباشرة ولأول مرة في القضارف، على عدد كبير من هذه الفئة من المهمشين أو القادمين من قاع المجتمع، أبناء الظلام. وقد كانوا مثل الـ (untouchables) ننظر إليهم من بعيد، ولكن كيف تم هذا التعارف والتفاعل عن قرب؟ عند مجئ العسكريين للسلطة في انقلاب 1958 تفتقت عبقرية المجلس العسكري عن حل "حربي" للمشكلة الأخلاقية في السودان. وذلك بجمع كل المثليين وإدخالهم السجون بقصد عزلهم وإبعادهم عن الاحتكاك بالناس العاديين. ولكنهم حولوا السجن إلى ملهى: الدلوكة والغناء والرقيص، طوال اليوم. ووجدت إدارة السجن الحل في توزيعهم على بيوت الموظفين كمضامين (المضمون في لغة السجن هو من يخرج بكفالة ويعود نهاية اليوم للحبس). وكان من نصيبنا (علي مرسال) والذي يناديه زملاؤه بـ (علوية) وجاره (محمد بكري) ويُنادي بـ (محمد بكي). ووجدت (بت أحمد) وجاراتها في (حي الموظفين) مسرحا نهاريا لا يتوقف، بالإضافة لطبخ أشهى أنواع الطعام.

يطلق عليهم في اللغة الشعبية صفة "الطاعمين" وأما الفرنجة فيستخدمون كلمة (gay) ومن معانيها: الفرح، والمرح، وزاه، أو مستهتر. وهم أنفسهم في السودان، بعد انتفاضة 1985 الشعبية، سربوا خبر أنهم أسسوا حزب (البهجة). ويروى تاريخيا، أن أحدهم يُدعى (عبدالله) وعندما سأله الخليفة (عبدالله) عن أسمه، رد: الإسم سالم! انبسط الخليفة ويروى أنه قال له: كلامكو حلو ولكن فعالكم قبيحة. وكان (التيجاني الماحي) يقول عنهم أنهم يتميزون بفراسة نادرة فهم يعرفون بعضهم منذ الومضة الأولى في النظر! عندهم لغة اصطلاحية غنية، ويمتازون بدقة الوصف، وسلاطة الهجاء والتهديد، ولهم لغة بليغة ومقتصدة. أذكر أن (علي مرسال) كان يجيد طهي مُلاح (أم دقوقة) وكان والدي يكثر من دعوة الضيوف لهذه الوجبة، فكان يصيح مازحا: "الله يلعن أم دقوقة الما خلت فوقي مخروقة!" ولهم صور كاريكاتورية في التهديد: والله الا أمرق لك لباسك بي راسك. وفي هجاء التكبر: غز الكوع الفوق الجوع وصر العين الفوق الدين. وانتشرت في الآونة الأخيرة لغة متأثرة بهم، تقع في حدود أنثوية المجتمع الاستهلاكي الإسلاموي ومجون المثلية، وقد تستخدم من الاثنين، ففي التفاخر، مثلا:

نحن تربية بيت وفرش موكيت
هوى نحن تربية عز ورضاعة بز
الغدا ضان والتحلية برتكان
العشا حمام والتحلية شمام

وفي هجاء الخصوم والمنافسين:

ديل خسارة الداية وتعب السماية
ناس الشمار والبوبار
ناس الشوبار وعدم الدبار

من ضمن فئات المهمشين والمنبوذين، القادمات من دول مجاورة بطرق غير شرعية، تتم محاكمتهن، وتقرر أيضا توزيعهن على بيوت الموظفين. وكنت أتعاطف معهن كثيرا، في عمرنا، صغيرات وناضرات يبحثن عن حياة أفضل. وبعد قضاء المدة يذهبن للخرطوم ليمارسن أقدم مهنة في التاريخ. وبالمناسبة لا توجد في لغتهن الأم تسمية لهذه المهنة وتستخدم الكلمة العربية فقط! وكان ناس (أبرهيت) و(اتخدان) يقابلوني في بعض أمسيات الخميسات في سوق الخرطوم، صدفة مع زملائي، وسلام بالحضن وبوس على الخد، صائحات: حيدر حوي! ويقوم أصدقائي بمكايدتي. وكنت أتعامل معهن - كما يقلن كـ (حفتي) - حيث يختلط فيهن الحسن واللطف مع طينة البؤس. وما زالت عاطفتي نحو بلادهم لم تفتر حين ألاقي بعضهم في أي مكان في العالم.

المرأة

يقول المناطقة في الأمر أنه كذا وزيادة، فالمرأة في رأيي رجل وزيادة. وفي تونس مابعد الانتفاضة تقول النساء: إن المرأة رجل ونصف. بالطبع هذا ليس تناقضا مع الشرع ولكن من ناحية الدور الجديد والوظائف المتغيرة. وأؤمن حقيقة بأن "الأنثى هي الأصل". ينسب ل(روسو): "الرجل رجل في بعض الأوقات والأنثى أنثى في كل الأوقات". لديّ شعور أن المرأة مكتفية بنفسها ذاتيا، فهي أقرب للطبيعة من الرجل، ولكن الرجل لا يكتمل إلا من خلال المرأة. فهي التي تعطيه هويته كرجل. وتُوجِد المرأة الرجل ليس بمعنى ولادة الأم، فالرجل يجد نفسه حسب الصورة التي تكونها هي عنه، وتتحدد قيمته وفق اهتمام المرأة به وليس العكس كما يبدو. فلو قالت له مثلا: أنت لست رجلا. يهتز كل كيانه باعتبارها المرجعية التي تعطيه الصفة. وقد ينتقم منها بقتلها، ولكن هذا يؤكد قوة حكمها ولا يغسله الدم. ومقولة: وراء كل عظيم إمرأة، أعمق من المعنى الدارج والمستهلك. فهي تعني أن المرأة التي تمنحه الثقة في ذاته الهلامية قبل أن ينتسب لامرأة ما. وهي التي تجعله أنيقا، وهي التي تجعله ينفق زهرة عمره مغتربا ليبني بيتا فخما عالي الطوابق إرضاء لنزوات زوجة، وهو يستعرض من خلال مظهرها قدراته المالية وبذخه وتفاخره. يبدو ظاهريا أن الرجال قوامون على النساء، والحقيقة أن القوامة في يد المرأة في سياسات الأسرة، فهي التي تقرر شكل المصاهرات واختيار العريس أو العروس القادم للارتباط بأسرتها الصغيرة. علاقات القوة الداخلية تمتلكها المرأة، ولذلك بحث الرجل عن آليات التعصيب. وأغلب الفتاوى الدينية تصمم للسيطرة على المرأة بلا جدوى. واحتار الرجال في تصنيف جنس النساء، فقال أحدهم:

" إن النساء شياطين خلقن لنا فأعوذ بالله من شر الشياطين "

وخالفه شخص آخر - إمرأة أم رجل - قائلا:

" إن النساء رياحين خلقن لنا وكلنا يشتهي شم الرياحين "

ولم يذهب الشيخ (فرح ود تكتوك) بعيدا فقد وقف حائرا في صفاتهن:

" فيهن دهب مخزون قديم
فيهن نحاس خارج رميم
فيهن عقارب ساكنات هشيم "

قال صاحب تحفة الأحوذي:

"وقد قال بعض الحكماء النساء شر كلهن وأشر ما فيهن عدم الاستغناء عنهن ".

يدعي البعض أنه يستطيع الاستغناء ويطرب لسماع صفة "عدو المرأة" تطلق عليه، ومن هؤلاء الكاتب (عباس محمود العقاد) أو (العملاق). ولكن في قصة (سارة) وهي قصة حبه لـ (مديحة يسري) نجد طفلا ضعيفا.

ويقول البحتري:

" ولَوْلاَ الهَوَى ما ذَلَّ بالأَرضِ عاشقُ ولكِنْ عَزِيزُ العاشقِينَ ذَلِيلُ "


لازمتني المرأة في كل مراحل حياتي، وتشكلاتها، واحتياجاتها، وضروراتها، فقد كانت: الأم، والزوجة، والعشيقة، والحبيبة، والشقيقة، والابنة، والصديقة، والقضية. وكنت منذ مولدي ذا صلة ما بإمرأة ما، ولم تكن حياتي خالية من وجودها. وهذا ما جعل حياتي تستحق أن تعاش بمتعة ومزاج رغم كل تقلبات الدهر، حتى لو حاصرني القلق والمرض والفقر، لديّ حيلة سيكولوجية نافعة أو تمرين: استدعاء الجميل واللذيذ، خياليا، لأنسى أو أهرب من واقع تعيس أو مؤلم أو ما أسميه التذكر أو الذكرى الإيجابية.

وقد سمعت (الخوارزمي) يقول إن أحسن ما قيل في مدح النساء قول الشاعر:

"ونحن بنو الدنيا وهن بناتها .. وعيش بني الدنيا لقاء بناتها"

وكأن منطق (rationale) الدنيا والحياة هو لقاء الرجل بالمرأة. وبالمناسبة كل النساء جميلات من زاوية ما وجديرات بالاهتمام وهنا لا أدري لماذا تذكرت قصيدة (محمود درويش) بعنوان "الجميلات":

الجميلات هنَّ الجميلاتُ
نقش الكمنجات في الخاصرة
الجميلات هنَّ القصيراتُ
يُشرَبْنَ في كأس ماء
الجميلات هنَّ الكبيراتُ
مانجو مقشرةٌ ونبيذٌ معتق
الجميلات، كلّْ الجميلات، أنت ِ
إذا ما اجتمعن ليخترن لي أنبلَ القاتلات

إن دونية المرأة المقننة والممنهجة، هي السبب الحقيقي في التخلف الشامل لمجتمعاتنا في كل المجالات. وليس ذلك نتيجة عدم مشاركة المرأة في الإنتاج والثروة والسلطة، كما تقول الدراسات الدولية النمطية والتقليدية، والتي تغرقنا في الأرقام والإحصائيات. ولكنني اعتقد أن السبب العميق للتخلف، هو غياب الحيوية واللذة والإشباع الجنسي في حياتنا. وقد أدرجت الأمم المتحدة في تقاريرها الأخيرة، مؤشر السعادة في قياس تقدم المجتمعات وتطورها. وقد يغامر المرء ويعطي الخفاض الفرعوني دورا في تكريس التخلف السوداني. لأن الحرمان الذي يعانيه الجنسان أو نقصان الإشباع الجنسي، هو بالتأكيد خصم على الإبداع والرغبة في جعل الحياة أفضل وأجمل. فيلجأ الرجال لتعدد الزوجات، أو "التجريب" عله يعثر على هذا المفقود في علاقة ما أو زوجة أخرى. أما المرأة فلها آلية أكثر تعقيدا بسبب القيود الأخلاقية المطبقة عليها أكثر من الرجل. فهي تلجأ للجنس المظهري الخارجي، وتحول جسدها لمسرح يشبع الرغبة خياليا وتوهما، بدلا عن الجسد والروح الحقيقيين. وهذا هو سبب المبالغة في التجميل، والعطور، والكحل، والكريمات، و"الكبرتة" أي الدخان والدلكة. وهو جنس أقرب للفتشية حيث توجه الرغبة لشيء مرتبط بالجنس وليس الجنس عينه. وهذه هي الغواية التي تخيف الرجل وهو يريدها عند الأخريات بينما "يحصّن" نساءه القريبات ويحجبهن وينقبهن.

تقتضي الأعراف أن تكبت المرأة مشاعرها تماما، ولا تعبر عنها حتى تلميحا. ولكن في بعض المجتمعات وبسبب استقلالية المرأة، فهي قد تكسر قيد التقاليد هذا، وتحاول أن تكون عادية وإنسانة طبيعية. ولذلك نجد هذه الأنثى الشايقية الجريئة تعبر عن عواطفها بلا مواربة أو خوف، وتنشد إعجابها شعرا:

يا الرهيف عود الأراك
مابطيق لي مجلس بلاك
وين لقيتك لمن أباك
راقدي في صدرك ومشتهاك

ويعبر الرجل أيضا عن رغباته، ولكن قد تختلط الرغبة مع العنف، وتبقى الروح الشايقية الساخرة حتى في الحب، فهو يعبر عن شوقه بالقول:

" جيتَ فتران من قنتي أرقدي جنبي ترقدي ميتِي "

لا أدري هل هو حكم القافية أم نوع الحب برومانسية شايقية ببلاغة المدح بما يشبه الذم والعكس؟ وهذا أمر عادي في الثقافة الشايقية، إذ يمكن أن تخاطبك والدتك أو قريبتك لو أرادت التبسط والمرح والتودد، وتناديك: "آ الخرابة دا" (أيها الخرابة هذا، أو أيا هذه الخرابة). وفي التندر على رومانسية الشايقية، فقد حاول الشاب التغزل في يد حبيبته البضة، فما كان منها إلا أن مدتها له متحدية: "هاك الِوا" أي خذ الويها لو كنت قادرا.


كنت دائما قريبا من النساء منذ الطفولة وكأنني لم أكن أود مفارقة الطبيعة أو ما علمه لنا أبونا آدم الذي سن المعاصي وعلمنا مفارقة الجنان. وفي حضن المرأة كنت أجد نفسي في داخل الطبيعة أو في قلب الوجود. وكنت صغيرا أبيت مع الجارات الوحيدات بسبب غياب الأزواج في العمل الليلي، في سرير واحد وكأنني في حضن أمي. وصار أمرا عاديا وممتعا ولا أدري ماذا كان شعوري، وتلك هي السنوات التي قال فرويد أن الشخصية تتكون فيها من ناحية وجود عواطف ومخاوف تترسب في العقل الباطن ولا تغادره. ومن التجارب التي لم تغادر ذهني من قبل سن السادسة أن جارة في سني، كنا نلعب داخل الحطب الذي يجمع من الخزان عند الدميرة، وتقول لي تعال نلعب زي أمي وأبوي. وفي مقتبل المراهقة، أدخلني (أحمد) في تجربة جنس مخالفة لحسي بالمرأة، فهي لم تكن مرتبطة عندي بالجنس حتى ذلك الحين. ولم تكن تجربة ممتعة لأي من الطرفين. وعندما تكررت كانت أقرب لادمان فاقد المتعة وعدم الاقتناع. استمر الأمر لفترة طويلة بحثا لشيء قد لا يكون موجودا أسمه المتعة أو اللذة الحقيقية. تتبعت قول الكاتب الأوروغوايي (جاليانو):

الكنيسة تقول الجنس خطيئة
و العلم يقول الجنس آلة
و الدعاية تقول الجنس تجارة
و الجسد يقول إنما أنا حفلة

كنت أبحث عن الحديقة، ولكنني كنت أردد كلما خرجت من تلك الأماكن العطنة، قول (صلاح عبدالصبور):

" هذا زمن السأم
نفخ الأراجيل سأم
دبيب فخذ امرأة مابين إليتي رجل
سأم
لا عمق للألم
لأنه كالزيت فوق صفحة السأم
لا طعم للندم
لأنهم لا يحملون الوزر إلا لحظة
و يهبط السأم "

لم أجد الخلاص أو المتعة، بل كانت حياة أقرب لتجربة (روكنتان) في رواية (سارتر) المعروفة: "الغثيان". ولم أخرج من الحياة الرتيبة والسأم الذي ينزلق على روحي بصورة منتظمة. وكان للخيال والشعر والهروب للفن المتاح، دوره الهروبي الذي يجعل الاستمرار في الحياة ممكنا. وصارت حياتي تذكرني دائما، بقصيدة "رتابة" ل(كفافيس) حين يقول:

يوم رتيب يتبع يوما آخر
رتيبا، ويماثله. الأشياء ذاتها
سوف تحدث، سوف تحدث من جديد
اللحظات، كذلك، تلاحقنا وتبارحنا.

أو:

أما الغد فينتهي بينما لم يظهر غد بعد

كان يشغلني سؤال فلسفي عميق عن كيفية التمتع أو الاستمتاع بالجمال؟ هل الجنس هو الوسيلة الوحيدة "للامتلاك" أو "الاتحاد" أو فلنقل استبطان الجمال أي أن يكون جزءا منك: مزاجا، وشعورا، امتلاءً للروح أو متعة غير حسية، وترقيقا للحسي والمادي فيك. واستمر قلق السؤال، ولم أجد جوابا شافيا، خاصة وقد ساء ظني في الحب العذري. فقد كشف (صادق جلال العظم) عن نرجسية وشبقية العشاق العذريين، فالعاشق العذري لا يحب في الحقيقة حبيبته ولكن يحب عشقه لها. فمن المعروف أنه لن يُسمح له بزواج من تشبب بها. ولكن تقاليد ومستوى تطورنا الاجتماعي يدفع بنا إلى "الرومانسية المريضة" والتي غالبا ما تتمثل في الحب من جانب واحد. وغالبا ما يهدر شباب المجتمعات المتخلفة والمتزمتة، شرخ شبابه في حب خيالي وعلاقات جنسية مثقلة بالندم، أو حرمان يجبر على تهريب الرغائب في مسارب توصل إلى كراهية الذات. فقد أصبنا ب"شيزوفرينيا" أو انفصام عاطفي وجنسي، حين عشنا تجربة التعليم المختلط أو (co-education) في معهد المعلمين. فقد كان حب الزميلات، خياليا ممكنا، مجرد أمنيات وأحلام يقظة. وفي نفس الوقت، تكون للشخص علاقة واقعية مع أنثى أخرى حقيقة ولكنها ليست المحبوبة الموهومة.


يقول الشاعر والمغني (جون لينون) أحد مؤسسي البيتلز: "أن الحياة هي ما يحدث لك وأنت منشغل بوضع خطط لها". وكنت - حسب خلفية ما - أشبه الحياة بمحطات التقاطع في السكة حديد مثل عطبرة وسنار، حيث تتفرع القطارات إلى خطوط مختلفة. فقد يكون هناك ثلاثة قطارات في المحطة متجهات لـ: بورسودان، وحلفا، وكريمة. ويبدأ أحدهم في التحرك وتظنه قطارك المتجه لكريمة وتلحق به وبعد محطة تكتشف أنه قطر حلفا. هكذا الحياة أحيانا تركب القطار الخاطئ ولا تستطيع العودة لمحطتك الأولى. وللصدف دور كبير في تشكيل حيواتنا، وعلينا أن نكيفها حسب إرادتنا لا حسب ما تريد هي. فقد كان من طبيعة الأشياء أن أواجه العتبة الثانية في دورة الحياة، بعد الميلاد وقبل الموت، وهي الزواج وتكوين أسرتي الخاصة المباشرة. وحين بلغت العمر الذي يهيئ فيه الناس أنفسهم للدخول في التجربة العاطفية الموصلة للزواج و"الاستقرار". وبالتأكيد لم يكن من الممكن أن أتزوج بلا حب صادق. ولكن لم يكن واقعي ونمطي الحياتيان يشجعاني على الدخول في مغامرات عاطفية. فبالإضافة لدنياي المختلفة وعالمي الموازي لهذه الدنيا، لم أكن وسيما ولا أنيقا، أهتم بالهندام والمظهر لكي أنافس وأغري الصبايا أو أجذبهن بشكلي الخارجي. ولأنني إنسان يعرف قدر نفسه، ولدي ما يشغلني ويملأ وقتي، أي أنني عوضت هذا المنشط الشبابي بخلق عالم مواز قائم على القراءة والتفلسف والرفض والتمرد. وقد كانت اهتماماتي مختلفة كلية عن كثير من أقراني القريبين وكنت أقول مثل الشيخ (فرح ود تكتوك): "منهم ومتبري منهم". ومثل هذا الكائن ليس مؤهلا للمغامرة العاطفية، ولكن إله الحب معصوب العينين، أطلق سهما نافذا. ولأن الحب خارج أي منطق أو عقلنة، وليس للحب تعريف أو وصف جامع مانع، وحتى الإمام (إبن حزم) الأندلسي، والذي أفرد للحب كتابا أسماه: (طوق الحمامة) يكتفي بالقول: "الحب - أعزك الله - أوله هزل وآخره جد. دُقّت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة، وليس بمنكر في الديانة، ولا بمحظور في الشريعة، إذ أن القلوب بيد الله عز وجل" فأسلمت أمري للقدر. فقد جاءت في صيف عام 1968م قريبتنا (حياة) التي تدرس في (شندي) الثانوية، في عطلة مدرسية لتزور أختها (نفيسة) زوجة خالي (بابكر) ولأول مرة أحس بميل بالتأكيد يصعب عن الوصف والتحديد، نحو شخص ما. وبالفعل عندما وقفت أمامها للمرة الأولى، واستنجدت بـ (أحمد شوقي) و(جارة الوادي):

وتعطلت لغة الكلام وخاطبت عيْنَي في لُغَةِ الهوى عَيْناك

وكانت العيون عندي هي النافذة لروح الإنسان وهي لغة نفسه ومشاعره وخلجات قلبه. وكانت ذات عينين كنجوم الهداية تخترقان أحلك السماوات، تومضان كسيوف القدر الذي لا يرد أو كبروق ليالي خريف البطانة. وتمتزجان بصدق وبراءة بلا حدود، لأنهما ثابتتان وواثقتان بلا حدود، ليستا زائغتين ولا كثيرتي الحركة مثل العيون التي تتهيأ للكذب أو الخبث وتبحثان عن لحظات لصياغة الزيف. سُئل مرة الزعيم الكونغولي (باتريس لوممبا): "كيف تميز المخلص من الخائن؟"، رد: "أنظر اليه في دواخل عيونه عميقا فأعثر فيها على شعوره الحقيقي". ويبدو أنه في المرة الأخيرة لم يمسك بحقيقة مشاعرهم، فتمكنوا من الغدر به واغتالوه.

أمضت أسبوعا اهتزت فيه جذور روحي وبدت الدنيا كما تقول الست:

"شىء خللي الدنيا زهور على طول وشموع على طول"

وصرت أرى كثيرا من الأشياء الجميلة واعتدت على رؤيتها يوميا ولكن لم تكن في مثل هذا الجمال والبهاء. صحيح كلام أهلنا أن العين لا ترى بل يرى القلب، وصارت عيوني الجديدة في رؤية الكون. وعلق خالي دون أن يعرف السبب تماما: "حيدر اليومين ديل بقي مهتم بنفسه شوية يحلق دقنو ويغير قمصانو". ولم يكن من الممكن أحداث قطيعة بين حياتين بهذه السهولة. وتركت جدلية الأشياء تعمل: صراع أو تعايش أو ميلاد مركب للنقائض. فأدخلت حبي في وجوديتي من خلال تثبيت التجارب والحياة بكتابتها. وكانت هذه البداية الحقيقية لمحاولات الكتابة، وكان التمرين الأول: خطابات العشق والهوى. كنت قبل ذلك أتقمص شخصيات أصدقائي وأعبر عن مشاعرهم في خطابات ملتهبة لحبيباتهم. وفي الثانوي كنت أكتب لصديقي (م. ص) الذي عاد بعد العطلة الصيفية من مصر حيث يعمل والده، بحب جارف لصبية مصرية. كانت تصلها الخطابات الموشحة باقتباسات من أغاني (عبدالحليم حافظ) من قصيدة (الجواب) مثلا:

حبيب الغالي من بعد الأشواق
باهديك كل سلامي وحنيني وغرامي
نور عيني روح قلبي حبيبي حياتي
مشتاق لعينيك

أما خطابات (حياة) فكانت ملكا مشاعا تقرأها معها كل الداخلية في (شندي الثانوية) وأحيانا تُقرأ قبل أن تستلمها. وكانت هذه حيلة بديعة، فقد عوضت أناقة مظهري ورسمي بأناقة الكلمات واللغة، وكانت بديلا ناجعا. وكانت (حياة) تحتفظ بتلك الرسائل حتى وقت قريب، ولكنها ضاعت في كثرة الترحال. ومن ناحيتي، كان صديقي الفنان المدهش القادم من شارب (سلفادور دالي) المرتفع ومن قباب (شيخ إدريس ود الأرباب) الذي انتهى لأنصار سنة يحرم الرسم. يكايدني بناسك (الدقاقين). وصار هذا هو أسمها الحركي.

وفي قمة النشوة، تأتي الرياح بعكس ما تشتهيه سفن حياتي، وتتدخل سياسات الأسرة السودانية بكل لؤمها وشراستها لتمسك بأنفاس مولودنا في مهده. إنطلق الكلام المرسل بلا مصادر موثوقة: أنني خطبت (حياة) مع أنها سبق أن تعللت لخالي أنها تريد إكمال دراستها. وأطلقت (بت أحمد) عقال حرب (داحس والغبراء) في شكل ميكانيزمات دفاع خشية أن تتهم بمساندة ولدها، وصارت ملكية أكثر من الملك. كنت وقتها قد حسمت أمر الهجرة، فكتبت ل(حياة) بأن أعقد قبل سفري، ولكنها لم ترد. وبدا الأمر لا يخرج من احتمالين، أمّا اعتبرتني غير جاد ولم ترد إشارة لقطع العلاقة، فكيف أكون سأهاجر وأعقد في نفس الوقت، أو يترك الأمر معلقا. وفي الحالتين لم يكن الموقف إيجابيا، فاتجهت للغربة بجرح إضافي.

صرت أتفلسف وأرى أن أرض السودان قد تنبت القطن والنخيل، ولكن غير قادرة على إنبات الحب كجبال اليونان مثلا رغم أنها غير منبسطة. فالمجتمع الذكوري يرى في الحب ضعفا، و"خيابة"، وتخنثا خاصة حين ينطق الرجل بكلمة: "ياحبيبتي" بصوت رخيم أو رقيق. من ناحية أخرى، المرأة عديمة القيمة في المجتمع الذكوري، وفي الحب إعلاء لقدرها خاصة حين يتوسل الرجل طالبا قربها ووصالها. ولذلك، كثيرا ما تبدو عاطفة الحب مشوهة سودانيا، ومكملة لعقدة الحرمان الجنسي. فالحب لا يعرف الانتقام، ولكن المحب السوداني يصدمني حين يقول للحبيب: "جاي تترجاني أغفر ليك ذنبك ما كفاية الضقتو من نارك وحبك". ويذهب آخر بعيدا، وينهر حبيبته: "لو طلعت القمرة وجيت ما بريدك مهما بقيت". ولا يرتبط الحب بالفرح، والمتعة، واللذة، والسعادة؛ بل العكس تماما بالحزن والدموع والهم: "يوم قسموك يا هم كتبوا عليك اسمي وكان رووك بالدم يا هم روك دمي". فميراثنا هو الحب الدامي. فوصلت أوربا وقد تكسرت النصال على النصال في دواخلي، ولم أكن أملك أي مناعة عاطفية، وأشعر بهشاشة جارفة. حاصرتني الغربة، واللا أمان والدخل غير المنتظم، والمستقبل المجهول في نظام تعليمي معقد ومفتوح لا تجد من يرشدك. وكان عليّ أن أسدّ فجوة الروح التي تركتها في (حياة)، ولكن خشيت أن تعجز أي تجربة جديدة في التعويض، وكان يلاحقني قول القائل المجرب:

" نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول "

ولأنني كنت أبحث عن مبرر (rationalization) وليس عن سبب عقلاني لا أتحمله، فقد ملت لعاشق آخر يناقضه تماما حين يقول:

" دع حب أول من كلفت به ما الحب إلا للحبيب الآخر
ما قد تولّى لا ارتجاع لطيبه هل غائب اللذّات مثل الحاضر "

قمت بعملية إخلاء طرف عاطفي، ولم تعد هناك موانع أخلاقية وصرت مهيئا لعلاقات جديدة، خاصة وأنني قد فقدت كل شيء: البحر من أمامي، فعلا لا مجازا، والعدو من خلفي وهو كل ما تركته من غبن وسأم، ووطن بلا أفق. وفي الأراضي الجديدة، وجدت معايير مختلفة للاختيار العاطفي قد تناقض ما تعارف عليه وفي بعض الأحيان كنت أقول في هذه البلاد بالفعل الحب أعمى وقد يكون أحيانا عوير: "وكل فولة ولها كيّال"، في هذه البلاد وجدت أن صفات الوسامة أو الجمال لا تشبه ما تعودناه. وهنا لم ألاحظ الميل للوسيم أو طرير الشباب - كما تقول أغنية سيد خليفة- وهي تعني: ذو أناقة وهيئة حسنة، وكنت طبعا عاطلا من هذه الصفات. ولذلك، كان عليّ أن أحاول إقناع الصبايا محذرا بقول العباس بن مِرداس:

"ويعجبك الطرير فتبتليه فيخلف ظنك الرجل الطرير"

وكأنني أقول لهن جربونا، نحن فالوسيمون أو الطريرون سيخذلونكن. كنت عشوائيا في علاقاتي ولم أجد ما افتقده، لأنه في طائفتي الدينية: الجهل يحجب أي جمال أو حسن ويطفئه. تعرفت على البريطانية التي لم تسمع بكلمة "شيوعية" أو "اشتراكية". بالغت وأهديتها كتابا لـ (هربرت ماركوزة)، افترقنا ولم استرد كتابي. والإغريقية الضئيلة خلافا للتماثيل المعتادة، مستهبلة، ذكرتني بمستر (جون) اليوناني الذي درسنا إنجليزي في الثانوي، واحتججنا عليه واستبدل بمستر (هيندل) وأخيرا، قررت أن أحلق فقط دون ارتباط.

جاءت تلك الفتاة الآتية من إحدى الدول الاشتراكية لإكمال دراسة الطب في المانيا الغربية بدعوى غياب الحرية هناك، مثل (تسونامي) من عواصف العواطف، ولم يعد أي مجلس للسودانيين يخلو من أسمها وذكرها. ملأت الدنيا وشغلت الناس، وكنت بعيدا عن (هوجة عرابي) إلا بعد مدة، ولم تثر اهتمامي وتعاملت معها كزميل عادي خاصة وقد كانت ترتدي الجينز المنتشر حديثا. وتم تعارف عام ثم المصادفات في (المنزا) أوقات الوجبات، ولم يتغير عدم اهتمامي ولا مبالاتي - طبيعي - في وجودها من عدمه. ومن قوانين المرأة ألا تستمتع بثناء المعجبين ولكن بهزيمة الخارجين عن الإجماع حول سطوة جاذبيتها والتغني بالفريد في عصره. تعتبر إعجاب الآلاف أمرا طبيعيا ومن سنن الحياة، ولكن ما يزعجها نشوز شخص واحد، ومن "خرج عن الجماعة فاقتلوه". وكم من شهيرات الغواني، طلبن رؤوس مخالفين على طاسات. يبدو أنها قررت أن تدخل معي في لعبة صفرية (zero-sum-game) مقلوبة. فالنتيجة المعروفة للعبة هي كل شيء أو صفر. ولكنها لعبت وفي بالها نتيجة تقول كل شيء أو كل شيء. ولذلك جاءت للمعركة بكل الأسلحة: المسموحة والمحرمة، وهذا عادي لأن الهدف واحد: الانتصار.

وبلا تفاصيل مجانية، كنا نسكن معا في بيت الطلبة المحتل (Eckenheimer) في غرفة (203) مثل غيرنا من بنات وأبناء ثورة ربيع 1968. التقينا كل يحمل جنونه الخاص، وهو الوحيد المشترك الأعظم أو بالأصح التناقض الأعظم المفرد الذي يجمع بيننا. يمكن تصنيفها وجودية أيضا، ولكنها كانت وجودية بالجسد وأنا وجودي بالعقل. ومن أجل حياة ممتعة ومقنعة - ليس بالضرورة سعيدة - كان لابد من التقاء وجوديتي العقل والجسد، وأن يتعايشا ويتكاملا. فقد كانت مستنيرة الجسد، فجسدها يعرف الطريق جيدا إلى ملذاته، فلا يخطئها ولا يجامل فيها. وقد كانت لديها قدرة مذهلة على فصل الروح عن الجسد. إذ يمكن أن تكون أحيانا جسدا فقط بلا روح، وتظنها أحيانا أخرى روحا صافية. وكانت متدينة جدا لم تتوقف عن أداء شعائرها الدينية حتى في أقصى حالات سلطة الجسد وعنفوان مطالبه. ولو نسيت وضع المصحف تحت رأسها فسيكون يومها مختلا، حسب عقيدتها التي يختلط فيها المقدس بالإيروسي (erotic). ولكن قد يختلط عليها الحلال والحرام حين يتعلق الأمر باللذة والمتعة. كنت أتخيلها أحيانا (عشتار) الهة الحب والخصب، قادمة من أحد معابد (بابل) القديمة حيث يتجمع النساء المانحات أجسادهن قربانا للآلهة بمضاجعة زوار المعبد. وأظنها كانت تتساءل هل الحرام في الحرمان أم في عدم تقييد الممارسة بما هو سائد أم كانت ترى في بذل اللذة، والمتعة، فعلا يرمز للشكر، والحمد، والمن!

تميزت بكونها صاحبة الجسد المثقف، المتعدد اللغات، المتنوع الروائح والنكهات، والعارف بنفسه، القادر على أن يستمتع ويمتع بلا حدود ولا شعور بالذنب. وكان هذا جوهر تجربتنا، وتحملنا بشجاعة نتائجها في محيط عدائي يدافع عن شرف التقاليد الجماعية الرفيع. ورغم الظروف المرعبة وتصاريف قدر لا يرحم، ارتوينا من حياة رائعة، وكأننا ننوي تشييد فردوس أرضي. وفي نفس الوقت كان يمكنني أن أردد لاحقا، صادقا، وواثقا، مع (محمد المكي إبراهيم): "وتذوقنا حلاوة أن نعيش الرعب والحمى، ونصمد للجليد". حرفيا، صمدنا للجليد، حين كنا نتجول ممسكين ببعضنا في أطراف المدينة المستوحشة، في عز شهر يناير، نبحث عن العمل في المصانع والفنادق الطرفية.

وضعتني تلك العلاقة في وضع صعب وكأنني المسيح في طريق الجلجلة ليصلب. طرحت أحد أسئلة الوجود واختبار حقيقة إمكانية تطابق داخلي وخارجي بالقدرة على أن أفعل كما أفكر باعتباري أنني كنت أقول ما أفكر فيه. فهذه وحدة الفكر، والقول، والفعل. كنت أكثر الحديث عن الحرية حصرا وعن حرية المرأة وحقوقها. وكنت أعرّف الديمقراطية بأنها حق الخطأ. سؤال مستمر مع التاريخ الشرقي بالذات: كيف ينظر الرجل الشرقي أو السوداني لإمرأة أعطته نفسها بلا شروط؟ هل يحترمها خاصة إذا مع حقوقها من حق التصويت حتى حق الخطأ - حسب العرف والشرع - في تلبية دعوة غريزتها؟ فاتحتها بقرار الزواج، فوجئت، ازدادت تعلقا بي واحتراما، ولكن ربطت مصيرها بي بمعنى التملك المطلق. وهنا انفتحت بوابات الجحيم شابت العلاقة غيرة كبراكين يابانية تشعلها عادة فوبيا عدم الأمان وهذه عقدة حين تترسخ يستحيل علاجها. رفيقتي عرفت أبا عدّد الزوجات وعرفت والدتها، ولذلك كانت تردد دائما: الرجال كِلابات. وصلت الغيرة حدا تعطلت فيه عن دراستها وتخصصت في ملاحقتي لدرجة فكرت في استئجار مخبر (detective). ورأيت الحل في الانفصال على الأقل تدريجيا بأن تنتقل هي أو أنا لمدينة أخرى، وافقت في البداية وذهبت إلى مدينة (Essen) ولكنها عادت وبحل مقتبس من التراجيديا الإغريقية أو الشكسبيرية: الموت معا أو القتل. قالت لي بلغة تعكس تماما امتزاج الحسي والروحي فيها:

"شعوري العلاقة دي بقت زي الـ (Tätowierung) قالتها بالألماني تقصد (الوشم) أو ال (tattooing) لو بتقدر تمسح الوشم دا مني خلاص نفترق".

وأضافت بأنها لا تتصور الحياة بدوني أو أن أذهب لإمرأة أخرى غيرها. لذلك لابد أن نختفي معا أو واحد يقضي على الثاني. وحكت عن فيلم بلغاري شاهدته في (صوفيا) عن حبيبين مثلنا عجزا عن الاستمرار في علاقتهما، فقررا الإمساك ببعضهما وأن يرقدا على قضيب القطار ليموتا معا، وقد حدث. لم ترق لي الفكرة، بل أسرعت في إجراءات الطلاق الرسمية، صدمت لأن الأمر صار جادا ومعلنا، فابتعدنا. ولكن بعد مدة عادت وبقوة وأطلقت على العلاقة اسم أغنية (الكابلي): "ريدة تاني". وقالت: "جئت هذه المرة جارية إذا لم تقبلني عاشقة، لو طلبت مني أن أجلس في ركن الأوضة كل الوقت، سأفعل طالما سأكون معك". ورفضت قائلا: "لست (هارون الرشيد) فقد أحببتك أصلا لحريتك ووجوديتك". افترقنا ولكن واصلت زياراتها نهايات الأسبوع للتأكد من أنني وحيد. وفي إحدى المرات، وفي منتصف الليل أطلقت صرخة واستيقظت فزعة، فسألتها: "مالك؟" وردت: "حلمت أني قتلتك". ورفعت المخدة لأجد سكينا كانت كفيلة بتجويد المهمة. واتفقنا على فراق بائن إكراما لتلك العلاقة والا تكون نهايتها عكس. أرسلت لي كرت يقول: هل تظن أنها لم تكن تجربة سعيدة، لأنها لم تكن سعيدة؟

كانت تشبه الجملة الخبرية، قليلة مختصرة للغاية ولكن تؤدي المعنى بسرعة ودون زيادة أو نقصان. لم تزدها الطبيعة كثيرا ولذلك لا تفيض وبالتالي لا تترك أثرا وتنسى على الفور. بهذا الحكم قررت السفر إلى (ليبيا) وعدت خصيصا في العطلة لأسأل عن أحوالها، كانت قد اختفت من الجميع، يقال أنها ذهبت ليوغسلافيا لإكمال دراستها، والبعض الآخر قال أنها هاجرت لأمريكا. كانت تقول لي في الأيام الأخيرة أنها قد تدخل الدير. سألني عنها بعض أهلها كثيرا عندما عملت في الإمارات. ضاع أثرها نهائيا، وأحيانا أتشكك في ما حدث، يمكن أن أكون قد عشت حياة كاملة بين النوم واليقظة. فقد كان العساكر الشبان العزّاب يسكنون في عنابر مشاطئة للنيل الأبيض، يروجون لقصص تقول أن الحوريات الساحرات، نصفهن الأعلى بشر في جمال الملائكة والنصف الأسفل حوت أو سمكة، يداومن على زيارتهم ليلا. هل هذا ما حدث لي بفرانكفورت؟

حاولت سريعا ترميم ما تهشم أو تناسيه والقفز على المرحلة. كثفت من رحلات نهايات الأسبوع، وصرت حاضرا مدمنا لموسيقي الجاز في ديسكو صغير على نهر الماين يسمى (Sinkasten) بالإضافة للعمل والدراسة. ولم تجد كل تلك المحاولات في مسح الوشم. وقررت العودة لنبعي الأول، تواصلت مع (حياة) ولجأت لحيلة تحميلها ما حدث لأنها لم تستجب لطلبي قبل السفر. وكانت الخطة هذه المرة أن أكون عمليا، كتبت توكيلا لوالدي لعقد القران. وتحددت مواعيد سفره للقُرير وتمت كل الترتيبات مع أسرتها هناك. وبينما كان والدي يجهز للسفر لم يجد التوكيل. واستعمل كل خبرته البوليسية في التفتيش والاتهام، ولكنه أخفق تماما. وتحول الأمر إلى كارثة عائلية ولم يكن من الممكن لمثل هذا الشرخ أن يلتئم. بدأت مرحلة ضياع روحي، وصرت أشبه نفسي بعد تلك التجربة المزلزلة، باليهودي التائه عاطفيا وتحولت الحياة عندي لفراغ لانهائي، وضاع طعم كل الأشياء في فمي، هذا الشعور الذي ينتابني مع سماع خبر موت ما. وسقطت من داخلي بوصلة اتجاهات المشاعر: حب، كراهية، إعجاب، استلطاف، امتزجت بلا تحديد، وكأنه قد استوت لديّ الأضواء والظُلم.

وكانت وضعية أستاذ جامعي ومغترب تفتح باب المطامع وليس المشاعر، بين الأسر في البلدان التي عملت بها وكانت لهم بنات في سن الزواج. ولكنني كنت خالي البال ولا أدرك المقاصد حتى ينبهني الآخرون. ورغم حاجتي في بلاد الرمال والخواء تلك، إلى شريك لم تتحول الحاجة إلى رغبة. وعدت إلى سنوات ما قبل سهم كيوبيد، معتبرا أن طول الجرح يغري بالتناسي، وتركت أمري للزمن. تحولت الأوقات إلى أيام عادية ومجرد حركة فلكية، وفي أحد الأيام من عام 1980 وقد حللت بمدينة (العين) يصلني ببريد الجامعة خطاب مكتنز. كان من (حياة) يؤرخ لـ 12 عاما من الحب والفراق والأمل. وما توصلت اليه هو أنها تنتظر صامدة ضد أي محاولات ارتباط أخرى وقد نجاها القدر بعد أن ظننا أن لا تلاقيا. وملأتني السعادة التي غادرتني، حتى أنني لم أعد أميز شكلها أو طعمها. والآن أنا ملىء بالحبور أردد مع نفسي ومع (محمد الأمين): "ومن بعد فرقتنا ديك مين كان بيفتكرك تعود". وكانت العطلة الصيفية على بعد أيام، وقررت هذه المرة أن يكون الأمر مثل الانقلابات العسكرية وأن أقضي حاجتي بالكتمان. وبالفعل، أول ما وصلت حددت يوما شاملا لكل الطقوس، ورغم السرية والتوتر كان لابد أن نحتفي بانتصار ذلك الحب العظيم بطريقة تليق به. وأحيا الحفل (مصطفى سيداحمد) ولم يشتهر بعد، اقترحه زميله (أحمد عبدالله) كان معه في كورس المعلمين. وكان مازال في مرحلة (غدار دموعك) و(السمحة قالوا مُرحّلة) قبل الحداثة والالتزام اللاحقين. ثم تبرع (شرحبيل) بأمسية فقد تعرفت عليه من مكتب النشر حيث كان زميلا لـ (كوثر) وبيننا صداقة مستمرة حتى اليوم. واقترح زملاء كانوا بالقاهرة فنانا من نوع خاص (معتصم الإزيرق) بالفعل غنى لنا: (ريتا) و(يايمة يا مريم) وآخر مرة رأيته لم أعرف فقد أقعده ألم الغضروف. ومع هذا الفرح والحبور كان هناك معسكر وفيه بعض أقرب الناس إلينا، كان يمور بالغضب والسخط والاستهجان. وكان للغربة ميزتها، فقد ابتعدنا عن معارك دونكيشوتية وتجنبنا السودان. وكنا نمضي أغلب الإجازات بعيدا، يعني مثلا شهرين في المجر، وشهر بين فينسيا وفيينا وهكذا.

ولكن في عام 1987 استقلت وعدت للسودان، وبلا تفاصيل حاصرتنا المشاكل والصراعات والمشاجرات، لدرجة لم يعد هناك حل غير الافتراق والانفصال. ووصلنا درجة الترتيبات الشرعية مع المحامين، مثل: الولد يكون مع منو؟ (لم تظهر أنديرا بعد) وأنقسم الأهل لمعسكرين ولم يظهر فيهم عاقل لا من أخوانها ولا من أخوالي الكثيرين - وهذا متوقع - ولا أي من الأقارب، حتى تبنيت المثل الإثيوبي: "الأقارب عقارب". وتدخل الصديق المرحوم (محمد أحمد غبوش) ثم كان الانقلاب، وكان قرار الخروج مرة أخرى، لينقذ القدر ذلك الحب العظيم المتحدي لكل الصعاب.

في حياتي أناس من نوع خاص، لذلك آثرت الحديث عنهم في الآخر، لأنهم في مرتبة بين الملائكة والبشر. كان من ثمار ذلك الحب العظيم، قرة العين، وزينة الحياة الدنيا بلا منازع (مظفّر 1984) و(أنديرا 1988). وكان من نعماء الحياة نجاحهما وتفوقهما، ففي امتحان الثانوية العامة تنافسا حول الكسر العشري المضاف لنسبة الـ 97% ليفرق أيهما أفضل من الآخر. ودرس الاثنان علوم الكمبيوتر في جامعة (عين شمس) وقد روّج بعض الخبثاء المرضي، في معرض التشنيع بي: "ودرس أبناؤه في أغلى وأرقى جامعات العالم". وتخرجا مهندسين (IT) مُضافا لذلك مواهب وقدرات أخرى. وقد تميزا بإنسانية عالية وبحبهم للناس واستعدادهما للتضحية ونكران الذات بطريقة تقربهما من القديسين حسب سنهما وطريقة تفكير جيلهم. لم يمنعهم تخصصهما الدقيق من الاهتمامات الإبداعية الأخرى. فـ (مظفّر) موهوب في اللغات وله محاولات في كتابة القصة القصيرة أو النصوص المتناصة معها، ويعشق السينما وقد يتحول في أي وقت لدراسة الإخراج وتغيير مهنته، ويتعلم الساكسفون ويقول الغرض هو أن يتخلص من العمل المضجر ويشحذ بالعزف في الشوارع! ويغامر بالسفر البعيد والمختلف مثل الصين ومنغوليا وكوبا.. كريمٌ، متلافٌ، ومحتقر للمال، ينفقه على أصحابه حين يقصدونه، ولسان حاله يقول: "إذا ماجئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت نائله". (مظفّر) فعلا "يلذه طعم العطاء". فهو في سنه هذه يشارك في أي عمل خيري لأهله معطيا بيمينه مالا تعلم شماله: يتبرع ببناء صهريج ماء جامع القرية، مصاريف دراسة، علاج قريب. ومن أريحيته، حين صادف سيدة سودانية في فندق بـ (لاهاي) فقدت فلوسها فقام بتسديد فاتورتها، دون معرفة سابقة بها. وفي (مظفّر) بعض من جده (إبراهيم) وخاله (سيداحمد عبيد).

أمّا (أنديرا) فهي عالم مدهش ودنيا كاملة الزينة والبهرج. كنت شديد الإعجاب بـ (جواهر لال نهرو) وكنت في التدريس ألجا لكتابه: (لمحات من تاريخ العالم)، كما استمتعت بكتابه من السجن: (رسائل إلى أنديرا). ومن هنا جاءت تسميتها تيمنا، وفألا حسنا، بأن تكون هي والبلد هنديين مزاجا، وعمقا، وصبرا، وفنا. فقد بدأت طفولتها برقص الباليه، والرقص في قلب شوارع (الرباط) لو أعجبتها موسيقي، ثم شاركت في مسابقة الأغنية الدولية للأطفال بالقاهرة وكانت متقدمة. وكنت أخشى الا تنتظم في الدراسة المملة بسبب هذا المزاج الناري. ولكنها أحبت التعلم منذ اليوم الأول وأجواء صخب الأطفال واللعب. وكانت (أنديرا) تنوي دراسة الفنون الجميلة، ولكن أقنعها الصديق التشكيلي البارع (حسان علي أحمد) بأن تدرس من أجل تخصص لمهنة، وتمارس إلى جانبها الفن، فهو خريج اقتصاد جامعة الخرطوم ورسام تشكيلي متميز الآن. واتجهت نحو دراسة برمجة الكمبيوتر لتربطه بالقرافيك والتشكيل فأبدعت. وهي التي قامت بتصميم كل كتبي الأخيرة ومجلة "كتابات سودانية". ثم أسست شركة صغيرة للأعمال الفنية أسمتها (Kalia) أو الجمال، وهي في نفس الوقت، عضو أساسي في جمعية (بيت الحياة) التي تهتم بالفلسفة والأديان القديمة بالإضافة للأعمال الخيرية في مدارس الأحياء الفقيرة. فهي تلبس يوم السبت زيا خاصا، لأنهم في هذا اليوم يقومون بطلاء الجير وإصلاح السلالم الداخلية في المدارس. وفوجئت حين اكتشفت أنها تقرأ سنيكا، ومركوس أوريليوس، وإبن رشد، كما تستمع للموسيقي الكلاسيكية وتتابع آخر نجوم الغناء المختلفين، وتعرف كل المقاهي والمطاعم الراقية بالمدينة. لها نظام صارم للطعام والنوم. وهي تحرم قتل الحشرات خاصة الذباب لأنها سابقة لنا على هذه الأرض. وتقف ضد كل ما هو غير أخلاقي وغير صادق، حتى ولو كان شائعا. فهي لا تتحمس للـ "ديمقراطية" المتداولة، وضد "النسوية"، وضد الاقتصاد العالمي. وفي كتاب "الاعتصام" للشاطبي عن (ابن شبرمة): "زين الرجال النحو وزين النساء الشحم". ويقصد بالنحو إجادة الكلام الصحيح، وفي رواية العقل. ونسفت أنديرا المأثور الفقهي، لأن زينتها أيضا النحو والفلسفة والفن وليس الشحم. فهي خفيفة، شفيفة، دقيقة، "لا تثقل أرضا ولا تسد فضاءً".

أحب الأطفال لأنهم يمثلون البدايات، والجدة، والآتي. ولذلك حين رزقت بأطفال، صرت أخشى عليهم من كل شيء لشعوري بندرتهم. ولكنهم رافضون للسلطة وراغبين - على حق - في قتل الأب. وأقول ولكنني لست بالأب الذي يُقتل فأنا متفاهم ومتحرر وأحبهم، ويردون بالمثل، فما كان عليّ إلا أن أوافق قول (جبران خليل جبران) في (النبي):

أن أبناءكم ما هم بأبنائكم، فقد ولدهم حنين الحياة إلى ذاتها
فبكم خرجوا إلى الحياة، وليس منكم، وإن عاشوا في كنفكم فما هم ملككم.
قد تمنحوهم حبكم، ولكن دون أفكاركم، فلهم أفكارهم.
أو قد تصنعون أجسادهم لا أرواحهم، فأرواحهم تسكن دار الغد.
وفي وسعكم أن تجتهدوا لتكونوا مثلهم، ولكن لا تحاولوا أن تجعلوهم مثلكم.
فالحياة لا تعود القهقرى، ولا هي تتمهل عند الأمس.

Share this page

Get new additions by email

We are adding Hayder Ibrahim Ali's books, articles and photos over time. Leave your email and we'll let you know what's new.

Help us document Hayder's work, writings and photos

Do you have a tribute, an article by or about him, or photos and recordings of him? Send them to us and we'll review them before publishing.

Or email us directly athayder@ssc-sudan.org

What would you like to add?