الفصل السادس: فى دروب العمل العام والمجتمع المدني
We, Hayder Ibrahim's family, are making all his books freely available for the public good and to continue his project of enlightenment. All rights remain reserved: the books may not be printed or published without written permission.
مارست العمل العام أو النقابي أو بلغة اليوم الانضمام لمنظمات المجتمع المدني من خلال الاتحادات الطلابية في المدارس ثم بعد ذلك في نقابة معلمي الثانويات واتحادات الجامعة وقد لاحظت في التجربة السودانية للمجتمع المدني، ظاهرتين: الأولى، ضعف الحس الجماعي في العمل. أما الثانية، فهي التسييس الفائض للعمل النقابي ومنظمات المجتمع المدني. وقد تكون الظاهرتان مترابطتين بمعنى أن التسييس الفائض يضر بالاتفاق والقدرة على المساومة والوصول للحلول الوسط، وهذا ما يتطلبه العمل النقابي القائم على التفاوض. وفي السياسة السودانية هناك استقطاب يجعل المواقف غالبا حدية ولعبة صفرية: كل شيء أو لا شىء.
كانت معارك الاتحادات الطلابية السودانية انعكاسا للحرب الباردة التي كان يعيشها العالم. فهي لم تكن بالطبع، بين الشيوعية والرأسمالية، ولكنها بين الديمقراطية والأخوان أو (الكيزان) كما يحلو لخصومهم أن يسموهم. ولم يكن الخلاف عميقا في فكريته بل غلبت عليه الصفة السياسوية والقدرات التنظيمية أي التجنيد والحشد والتجييش. وقد تميز طلاب الاتجاهات الإسلامية بالعنف، ويعود لشحنهم بأفكار مثل: "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف". وهنا يخلطون بين العنف والقوة، والفرق بينهما شاسع. والشخص العنيف هو جبان وضعيف في دواخله ويمثل العنف لديه ميكانيزم دفاع واستباقا لعدوان يخشاه من قبل الطرف الآخر. ومن أسباب عنفهم، توهم أنهم يملكون الحقيقة المطلقة ومن واجبهم هداية الآخرين.. ومن الواضح أن الإسلامويين يكيفون مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصة التغيير باليد وليس بالقلب واللسان فقط، وفقا لمتطلبات الصراع السياسي. وبالتأكيد كان هذا هو فهمهم حين فضوا بالقوة مهرجان الفنون الشعبية بجامعة الخرطوم الذي أقامته (الجبهة الديمقراطية) عام 1968، وتضمن (رقصة العجكو) من غرب السودان. وهتف الطالب (عبدالرحيم علي) رئيس مجلس شورى الحركة الإسلامية لاحقا: (حرام!) راميا بكرسي على المسرح، لينفجر عنف الإخوان المسلمين. وقد دربت الحركة الإسلامية شبابها على ثقافة السيخ والمطاوي، للأسباب السابقة.
رغم أنه يفترض في هذه التنظيمات أن تكون طوعية، وبالتالي أن تُدار ديمقراطيا. ولكنها في الواقع، ورغم صوتها العالي الداعي للديمقراطية، لا تمارس أي نوع من الديمقراطية الداخلية والتي تعني حرية الاختيار في كل القرارات. فالانتخابات الدورية للتنظيم تعرف عادة مايسمى بـ"التربيطات" وهي عملية للتحالفات والترضيات والمحاصصة، مما يعني أن النتيجة قد حُسمت مقدما قبل الاقتراع. وهذه انتخابات "مطبوخة" مسبقا، وبعيدة عن الاختيار الحر والواعي. ومن ناحية أخرى، من الملاحظ أن هذه التنظيمات لا تجتذب أكثر من ثلث الأعضاء المفترضين أي المنتسبين للمنشأة أو المعهد. كما أن كل العمل يقع على ثلاثة أو أربعة من أعضاء اللجنة التنفيذية يكونون أكثر نشاطا واهتماما وشعورا بالمسؤولية. وهذا ما جعل عمل التنظيمات موسميا، ينتعش عند الانتخابات أو قبلها بقليل. وغالبا ما تحتكر هذه الفئة النشطة كل شيء في النقابة أو الاتحاد. وهذا ما يفسر سهولة استيلاء النظام الإسلاموي على العمل النقابي وتوظيفه لصالح الدولة والحكم. ولذلك يتساءل المرء: أين ذهب ذلك التراث النضالي النقابي العظيم الذي امتد منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي وقدمت من أجله تضحيات جساما؟ هل ضاعت هباء منثورا جهود وتضحيات: سليمان موسى، ومحمد السيد سلّام، والشفيع أحمد الشيخ، وإبراهيم زكريا، والأمين محمد الأمين، ويوسف أحمد المصطفى، وكامل محجوب، وغيرهم من النجوم الزاهرة في سماء العمل النقابي؟ هل قام البناء على أساس خاطئ وإلا أين هي الاستمرارية الطبيعية والتي عرفها العالم كله حين أسس نقاباته وأحزابه؟
أُرجع هذا الاندثار السريع وعدم الصمود طويلا أمام الهجمة الشرسة والقمعية التي أطلقها النظام من البداية بقصد التخويف والترعيب، إلى أسباب بنيوية تاريخية- اجتماعية وأخرى ثقافية مرتبطة بالشخصية السودانية. فقد ظلت العلاقات والعقلية البدوية والخرافية، هي التي تتحكم في تكوين المجتمع السوداني وشخصية الفرد السوداني، رغم الطلاء الحداثي الظاهري الذي يبدو على بعض قطاعات المجتمع. فالعقلية البدوية تنتظمها العلاقات القبلية والعشائرية، وهي انقسامية وانشطارية وتميل دائما للتشرذم والتفتت. فالقبيلة عرضة بسبب التزايد للانقسام فنجد بطون القبائل، والفخوذ، و"خشم بيوت". وهذا الشكل التقليدي ينتقل لبني يفترض فيها الحداثة، ومن هنا تأتي الأجنحة والتكتلات في النقابات والأحزاب. وهذه بدعة أدخلها الإخوان في الحياة العامة في السودان، حين قابلوا (اتحاد العمال) بآخر أضافوا له صفة الوطني أو (مؤتمر النقابيين الوطنيين). كذلك أسسوا (منظمة الشباب الوطني) مقابل (اتحاد الشباب السوداني). وصفة (الوطني) مُثقلة بخبث متمكن عُرف به الإخوان، فهي تريد أن توحي بأن الطرف الآخر غير وطني وله ارتباطات خارجية.
شملت ظاهرة الانقسامات كل التنظيمات والأحزاب بلا استثناء، وهي ليست صحية كما يصفها البعض، لأنها تفتقد أسس الخلاف الموضوعي أو الفكري العميق. فقد ظل الخريجون في انتخابات اللجنة الستينية منذ عام 1938 يتعاركون منقسمين تحت رايتيّ: (الشوقيون) أنصار (محمد علي شوقي) يسانده الأنصار والسيد (عبدالرحمن المهدي) و(الفيليون) وهم اتباع (أحمد السيد الفيل) بمساندة الختمية والسيد (علي الميرغني). وظهر هذا الانقسام منذ انتخابات نادي الخريجين عام 1931 أي قبل قيام المؤتمر. وكانت بداية تدخل الطائفتين والسيدين في الشؤون العامة وما رافقه من تدجين للمتعلمين. ولكننا حتى اليوم لا نعلم ماهي الفروقات الايديولوجية الحقيقية التي فرقتهما أو الفكرة الأساسية العميقة المختلف حولها؟ ثم جاءت مرحلة تكوين الأحزاب، ورغم أن الاختلاف الرئيسي هو حول: الاتحاد مع مصر أم الاستقلال، ولكن نبتت عشرات الأحزاب. فقد كون دعاة الاتحاد مع مصر، أحزاب: الاتحاديين، والأشقاء، والأحرار، ووحدة وادي النيل. وقد أجبرهم المصريون على التوحد في (الحزب الوطني الاتحادي) ولكن عقب الاستقلال مباشرة إنشق منه الختمية وكونوا (حزب الشعب الديموقراطي). أمّا الحزب الشيوعي، فرغم "حداثته" فقد أنشق مبكرا جدا، ويكاد يكون فور مولده وتحوله من (الحركة السودانية للتحرر الوطني) (حستو) إلى (الحزب الشيوعي السوداني). ففي أول مؤتمر عقد نهاية عام 1950 كان الخلاف مع الأمين العام (عوض عبدالرازق) والذي هُزم، ليقسم الحزب إلى (منشفيك) أو أقلية، مقابل (بلشفيك) أو الأغلبية. ويلاحظ أصولية الحزب حتى في اقتباس الكلمات الروسية في وصف أوضاعه. وفي الستينيات، عرفنا (حزب الأمة - جناح الصادق) مقابل (جناح الإمام أو الهادي). وهذه الأيام نسمع بـ (الوطني الاتحادي الأصل) و(حزب البعث الأصل). وطبعا هناك حزب (المؤتمر الوطني) يقابله (المؤتمر الشعبي).
كان للقوى الحديثة، وبالتحديد الشيوعيين واليساريين، فضل مبادرة قيام منظمات المجتمع المدني خاصة النقابات والاتحادات الفئوية والمهنية. ولكنهم في نفس الوقت نقلوا إليها كل أمراض البورجوازية الصغيرة. فعوضا عن أن يخونوا طبقتهم فعلا ويتحولون إلى فكر وحياة الطبقات الكادحة، تأثرت قيادات العمال والمزارعين، بنمط حياة الأفندية المتبرجزة. فقد جذبتهم أجواء القعدات والسهرات، والاستهلاكية، والمظهرية، والتصيف والعلاج في الدول الاشتراكية. وقد جعلت القوى الحديثة من الاتحادات والنقابات، ضيعة أو ملكية خاصة مطلقة اليد فيها. وقد نافس (اتحاد الشباب السوداني) أسلوب (قائمة الختمية) في جامعة القاهرة، فكان يقوم بابتعاث طلاب غير مؤهلين أحيانا لدراسة الطب والهندسة في الدول الاشتراكية. وفي نقابة المدارس الثانوية، كنت - للأسف - شريكا أو متواطئا في مؤامرة احتكار وتوظيف النقابة سياسيا. فقد كنا نعمل على وضع الأستاذ (عبدالله علي عبدالله) المستقل ومدرس العربي والدين، والذي يمكن أن يجذب عددية كبيرة من هؤلاء، رئيسا للنقابة واتحاد المعلمين. ولكن القيادة الفعلية كانت لدى اليساريين: مكاوي خوجلي، صلاح كردوس، سيداحمد محمود، مصطفى محمد صالح، وصالح خليل وآخرون.
كانت تجربتي المبكرة في العمل الطوعي ومنظمات المجتمع المدني، هي النشاط في (اتحاد الطلبة العرب) في فرانكفورت والمانيا. ودخلت في صداقات حميمة مع الطلبة الفلسطينيين تجاوزت حد العمل النقابي والسياسي. وعشت معهم حياة مشتركة عميقة ولم يكن فيها أحيانا ما نقتسمه غير الود الخالص. واندمجت فيهم لدرجة كادت لهجتي أن تتغير، ولا أكل بمزاج وترف، غير المقلوبة، خاصة حين يكثر في القاع الباذنجان والقرنبيط. ثم أهضمها بكوب من (المرمية) ونستمع لأشعار (درويش) و(سميح القاسم). وكانوا يساندونني في الانتخابات للاتحاد وفزت أكثر من مرة رغم حملات البعثيين ونشاط مندوبهم (محمد التونسي) الذي يستخدم كل الأساليب.
وكانت المجموعة التي أتعامل معها وثيقة الصلة ب(فتح) ولكن بدأت بوادر انتهازية مبكرة من بعض العناصر. والغريب أن هذه العناصر تم تصعيدها بعد التخرج ومنهم: (عبدالله أفرنجي) والذي تقلد منصب وزير اللاجئين والعون الإنساني، و(عبدالرحمن علاوي) سفير السلطة في الدول الإسكندنافية. أبقيت على صلاتي الاجتماعية وصداقتي الإنسانية مع الفتحاويين، وتقاربت سياسيا من (الجبهة الديمقراطية) من خلال (المناصرة) و(مواسي). وبعد تخرجي كان البعض قد اقترح على الالتحاق بمركز الدراسات الفلسطينية ببيروت أو بالجامعة الأردنية بعمان. وكانت للمركز تعقيدات وصراعات كثيرة، فقدمت للجامعة وتم قبولي وأخبرني الزملاء هناك لاحقا (ساري وإبراهيم عثمان) أنهم جهزوا لي المكتب، ولكن الأمن الأردني اعترض. وكنت قبلها قد ملتُ نحو الذهاب لليبيا.
كنت أعمل أثناء فترة (فرانكفورت) ضمن مجموعة - لا أدري الآن ماذا أسميها؟ - أهدافها دراسة وتدريس الماركسية، والتثقيف، والتذوق الفني، وتقديم المساعدات لحركات التحرر في كل العالم، والمشاركة في المظاهرات والاحتجاجات. وكان من بينهم: الماركسي والفوضوي السعودي (محمد الدعفس) و(خليل طُعمة) من الأرض المحتلة عضو حزب (ماتسبن) اليساري، ومصريان من (حزب 17 يناير الشيوعي) هما: (سمير ذكرى) و(مصطفى بدوي) وكل الفصائل الفلسطينية، و(طاهرة) الإيرانية من حزب (تودة)، و(اليزابيث) الشيوعية الألمانية المتطرفة صديقة (بدوي). ومن داخل هذه الحلقة تصادقنا مع (أحمد فؤاد نجم) و(الشيخ إمام) في عام 1975 وكانت تصلنا كل حفلاتهم. وكنا ندعمهم، وكان من واجب أي واحد منّا في حالة الذهاب إلى القاهرة، أن يبدأ بزيارتهما في (حوش آدم) بالغورية. وضمن هذه الاهتمامات، نمت علاقتي مع المناضلين التشيليين الهاربين بعد انقلاب (بينوشيه) عام 1973 فقد كنت معجبا بالرئيس (سلفادور اليندي) (1908- 1973) الذي قاتل من نافذة القصر الجمهوري بمدفعه الرشاش حتى قُتل، وأقارنه بزعمائنا في مواجهة الانقلابات الديكتاتورية. طبعا تعرفت بتشيلي من خلال الشاعر (بابلو نيرودا) (1904-1973) الذي اتكأ على شعره (عبدالوهاب البياتي) كثيرا. وفي وقت ما، صرت معجبا بموسيقي (فيكتور جارا) (1932-1973) الذي أتلفت أصابعه لكي لا يعزف على الجيتار، ثم اغتيل. ومن أغنياته الرائعة تلك التي يقول فيها:
"أنا لا أغني لأنني فقط أحب الغناء
ولا لأن صوتي جميل
أغني لأن جيتاري يمتلك إحساسا وسببا للغناء
إن له قلب الأرض
وأجنحة الحمامة
إنه كالماء المقدس
يبارك الحزن والسرور"
وتعرفت على ممثل يجيد مسرح الرجل الواحد، ويعرض في كافتيريا قرب الجامعة، وكثيرا ما كنت "المشاهد الواحد" أيضا.
الحرية لا تتجزأ في كل مكان كنت أشارك في كل مظاهرات المضطهدين أيام السبت: فيتنام، تشيلي، إيران، إرتيريا، ومساندة الثوار في جبهة (ظفار وجنوب الجزيرة) ونرسل لهم الأدوية التي نجمعها من المصانع والصيدليات، من خلال مؤسسة (medico) من برلين الشرقية إلى عدن (اليمن الديمقراطي) ومنها تهرب لعُمان. ولم تعد الأممية (internationalismus) بالنسبة لي مجرد شعار، ولكنها جزء أصيل من تكويني النفسي. أتألم عندما تغرق الفيضانات الأكواخ في (بنغلاديش) أو تضرب الأعاصير سكان إحدى جزر المحيط الهندي، وأكاد أبكي عند قراءة انهيار عمارة في حي (أمبابة) القاهري. وهذا يمكن أيضا أن يقرب إحساسي اليومي وأنا أتابع أخبار وطني الصغير على الإنترنت كل صباح.
ولجت العمل العام بقوة مع اندماجي في التدريس الجامعي، باعتبار أن الأستاذ الجامعي يجب ألّا يحصر نفسه داخل الحرم الجامعي وصفحات الكتاب الجامعي والمذكرات، ولابد أن يكون متابعا بجد، كل المستجدات الأكاديمية والفكرية. ومن هنا كانت ضرورة المشاركة في النشاطات المرتبطة بالكتابة، والمناقشات التي تعصف الذهن. وضمن هذا التوجه، كانت ندوة "البترول والتغير الاجتماعي" في (أبوظبي) عام 1981. وقد كان من أكبر مكاسبها، هو التعرف على مجموعة "المعهد العربي للتخطيط -الكويت". وهي ثلة متميزة علميا وذات أفق تحرري وطنيا وقوميا. ومن رموزها العراقي (دارم البصام) والمصري (عبد الباسط عبد المعطي)، ومن خارج المعهد التونسي (طاهر لبيب). وقد ظهر بينهم خلال المؤتمر اتجاه فكري نقدي ومتأثر بنظريات التبعية والعالمثالثية، وبتوجه ماركسي مستقل. ولاحقا صار الليبي (مصطفى التير) من رموز المجموعة، رغم ميله أكثر للمنهج الإمبيريقي، ونظرية التحديث الغربية. وبالطبع كان هذا أعلى سقف فكري مستقل، مسموح به في جماهيرية العقيد القذافي. وشرعنا من حينها في تداول فكرة إنشاء "جمعية عربية لعلم الاجتماع". وتقرر قيام ندوة تحت عنوان: "نحو علم اجتماع عربي"، وبالفعل عُقدت في ينايرعام 1985م، في تونس العاصمة، وعلى شرف الندوة قررنا عقد اجتماع تأسيسي للجمعية. وقد كان اللقاء جامعا على المستوى الجغرافي، فقد ضم أهم علماء الاجتماع من المشرق، والمغرب، والخليج العربي. ولكن على المستوى الفكري، ظهر الاستقطاب واضحا ومبكرا في تيارين متوازيين، أحدهما يمكن أن يكون ليبراليا غربيا مثله سعدالدين إبراهيم وسليم نصر وفؤاد الخوري. أمّا الثاني فهو الموصوف أعلاه، ولكن صنفه (سعدالدين) بأنه: تيار أحمر يعني ماركسي أو شيوعي. ولكنه في واقع الأمر، ضم طيفا واسعا من العناصر التي تتبنى في علم الاجتماع، المناهج المادية في التحليل خاصة تلك المهتمة بالتشكيلات الاقتصادية-الاجتماعية، والصراع الطبقي، نظرية التبعية. وعلى مستوى الموقف السياسي، فهم معادون لأمريكا وإسرائيل، والدول العربية المحافظة، ولبعض منهم ميول قومية وناصرية.
احتدم الاستقطاب، وقبل التصويت بقليل، وصل الاجتماعي العراقي (جاسم البياتي) لمكان اللقاء، والقى على الحاضرين خطبة عصماء، قائلا: "هذه خيانة فكيف تسمح لكم ضمائركم إنشاء جمعية عربية بعيدا عن (بغداد) البوابة الشرقية التي تدافع عن العروبة كلها؟". وكان يحمل معه بطاقات سفر لجميع الحضور للانتقال فورا لبغداد. ولكن اقتراحه قُوبل بالاستهجان وعاد (البياتي) خائبا وعلمت لاحقا، أنه عُوقب على هذا التصرف المغامر، لأنه أساء لسمعة العراق. فقد رأت السلطات أنه كان عليه أن يتأكد من أن دعوته ستكون مقبولة، قبل أن يتسرع ويطرحها. وأما على مستوى تكوين الجمعية، فقد فازت مجموعتنا على حساب قائمة (سعدالدين) ولم يغفر لي هذا الموقف لأنني كنت نشطا في الإقناع والحشد ضد مجموعته. ووضعني "الليبرالي" المدافع عن حقوق الإنسان في قائمة سوداء، وأبعدني عن المشاركة في أي نشاط يقوم به هو أو مركز (إبن خلدون). ولكنه تراجع بعد سنوات لموقف سأرويه لاحقا.
كانت عضويتي في مجلس أمناء الجمعية منذ إنشائها وحتى 2010 تجربة خصبة للغاية. فقد مكنتني من التعرف على أغلب الاجتماعيين والمفكرين العرب وبعض الاجتماعيين العالميين، بل وقامت صداقات عميقة مع بعضهم. وقد شاركت في ندوات كثيرة في عواصم عربية عديدة بالإضافة لمدريد، ومونتريال وبودابست، والأخيرة بسبب عضويتي في (الجمعية العالمية لعلم الاجتماع الديني). وكانت الجمعية هي التي رشحتني لرئاسة قسم البحوث والدراسات في المجلس القومي للثقافة العربية (الرباط -المغرب) من عام 1991 وحتى نهاية 1994. ولكن جدل الحياة يجعل لها دائما وجهين، فإلي جانب المكاسب والإيجابيات، فقد جلبت الجمعية لي بعض المشكلات. ففي دورة 1998م تم انتخابي أمينا عاما للجمعية، ولكنني فوجئت، فقد وقع الأمر على أصدقائي المصريين كالصاعقة. وأبدى أقرب الناس لي شوفينية غريبة، ولم يتخيلوا أن يكون "سودانيا" على قمة جمعية أغلب عضويتها مصريون خاصة وهم الذين "علّموا" السودانيين وأدخلوا علم الاجتماع للسودان. وكانوا يظنون أنني حصلت على الدكتوراة من مصر. وحاول مصريون عقلاء عرفوا السودان والسودانيين جيدا أمثال (حلمي شعراوي) رأب الصدع في علاقتنا، كما وقف معي بعضهم ولكن بسبب الصراع بين ما يسمون أنفسهم (مدرسة عين شمس) وغيرهم من الاجتماعيين المصريين. ففي إحدى ندوات وزارة الثقافة، كان (السيد يس) رئيسا لجلسة شاركت فيها، رفض أن يقدمني كأمين عام للجمعية، لأنه لم يعترف بعد بذلك! وشعرت بكثير من الضيق وقررت الاستقالة. وجاء السبب القاتل سريعا بسبب الخلاف حول سياسة مجلة الجمعية.
تمكنت في دورتي إصدار مجلة للجمعية تحت إسم (إضافات) بعد 13 عاما من قيام الجمعية. وكانت المنظمة العربية للثقافة برئاسة (خير الدين حسيب) تدعم المجلة المفترضة ب 5 آلاف دولار ولكن المبلغ يعود مع نهاية العام لأن المجلة لم تصدر. وحين توليت الأمانة العامة قررت البدء بإصدار المجلة ونشرت دعوة للكتابة. وجاءني مقال جيد بالإنجليزية من (سعد الدين إبراهيم) فترجمته ونشرته في العدد الأول. وتقابلت بعد ذلك مباشرة ب(خيرالدين) وما أن رآني حتى زعق فيّ: "كيف مجلة الجمعية تنشر لسعدالدين وهو المعروف بمواقفه الأمريكية؟" ورددت بغضب: "ياخيري نحن نقابة وليس حزبا سياسيا، وبعدين أنظر لعناوين إصدارات مركزك الأولى كلها لسعدالدين أو مشترك فيها". فرد (خيرالدين): "نحن ما مستعدين ندعم مجلة تنشر لأمثال سعدالدين". وكان ردي: "وأنا ما مستعد أقبل مساندة مشروطة ولا أسمح بأي تدخل في سياسات التحرير". هذا الخلاف مع الموقف المصري، عجّل باستقالتي فورا كأمين عام، واستمرت عضويتي العادية لكي أراقب وأقاوم كل أشكال التدخلات والتشنجات. وهنا قارنت بين موقف المانحين الأجانب الذين نصفهم بـ"الاستعماريين"، وبين دعم أبناء جلدتك - كما يقولون.
لابد هنا من إثبات فضل آخر ل(مركز دراسات الوحدة العربية)، ومديره العام (خيرالدين حسيب). فقد أتاحت لي دعوات المركز للمشاركة في الندوات واللقاءات والكتب الجماعية، التعرف على الكثيرين. كما نشر لي المركز كتاب: "التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية"، طبعتان، الأولى عام 1996، والثالثة أصدرها مركز الدراسات السودانية كطبعة شعبية لمصر والسودان ولكن دفعت مقابلا ماديا لحقوق نشر كتابي! كذلك نشر لي المركز العديد من المقالات في مجلته "المستقبل العربي"، وقد تعرف الكثيرون من السودانيين المغتربين على كتاباتي من خلالها.
فشلت تجربة الحوار القومي-الديني التي رعاها (مركز دراسات الوحدة العربية) بسبب تكشف انتهازية كل طرف: القومي والإسلامي. ثم تفتق ذهن (خيرالدين) ضمن البحث عن التحالفات والعمل الجبهوي، على فكرة (المؤتمر القومي العربي) وهو تجمع لأحزاب وشخصيات متنافرة، ولكن يجمع بين تيارات تغلب داخلها، فكرة قبول الاستبداد، لو كان يمكن أن يؤدي في النهاية للوحدة أو هزيمة إسرائيل. ولذلك لم تكن اجتماعات المؤتمر الدورية، تتطرق لإدانة انتهاكات حقوق الإنسان خاصة في بلدان مثل السودان، والذي اكتسب في فترة قيام المؤتمر أي مطلع التسعينيات، سمعة سيئة بسبب سجله الفاضح والمخجل في الانتهاكات والقمع الداخلي. وكان كل العالم والمجتمع الدولي يدين مايحدث في السودان ويتضامن مع شعبه. ولكن (المؤتمر القومي) ذهب بعيدا في الاتجاه المعاكس في صمت وتواطؤ مع النظام السوداني، بل منح المؤتمر، أعضاء الحزب الحاكم السوداني، وضعية مميزة في لجانه. وقد انسحبت والأخ محمد بشير أحمد (عبدالعزيز حسين الصاوي) من دورة في المغرب واستقلنا، بسبب غياب الحس الديمقراطي في المؤتمر. وظلت بيني و(خيرالدين) مناوشات مستمرة متعددة ومتفاوتة الحدة. ولكن الغريب أنه لم يقطع صلته بي مطلقا ولم نتخاصم.
رغم تداعيات ظروف (الجمعية العربية لعلم الاجتماع) مع بعض الاجتماعيين المصريين، فقد أقمت علاقات إنسانية أعتز بها مع عدد كبير من الزملاء في مصر، خاصة بعد تأسيس (مركز الدراسات السودانية) في القاهرة والرباط. فقد سانده بحماس بالغ، الصديق (حلمي شعراوي) مدير (مركز البحوث العربية) وهو المحب للسودان والمتخصص في أفريقيا سياسة وفولكلورا. فقد عمل مع (محمد فائق) في مكتب الشؤون الأفريقية منذ عام 1960 إلى جانب نشاطه في (الرابطة الأفريقية) و(الجمعية الأفريقية للعلوم السياسية). وقد استضاف مركزه العديد من نشاطات مركز الدراسات السودانية، ويكاد يكون قد شارك في جميع نشاطاتنا بالقاهرة ودعيناه أكثر من مرة للخرطوم. وبالمناسبة، عمل (حلمي) في جامعة (جوبا) في منتصف السبعينيات حين طارده (السادات). وتوثقت علاقتي مع اليسار المصري، خاصة (حزب التجمع الديمقراطي) وبالذات مع (رفعت السعيد) وبنات (النقاش) (فريدة وأمينة)، وأخيرا مع الشاعر الرائع (حلمي سالم) وقد دعوته مع الفنان (عزالدين نجيب) للخرطوم عام 2009.
نشأت علاقة مميزة مع (د. جابر عصفور) وهو رجل حبوب ومرح وصادق، وبالتالي مع المجلس الأعلى للثقافة اشتركت في عدة نشاطات كما تعاون معنا في تكريم الطيب صالح وندوة الثقافة والديمقراطية. وقد شاركت مع (العفيف الأخضر) في مائدة مستديرة أدارها (محمود حمدي زقزوق) وزير الأوقاف، ضمن ندوة حول: "تجديد الخطاب الديني" يوم 2 يوليو 2003 عقده (المجلس الأعلى للثقافة) وأمينه العام (عصفور). ضمت أحمد عبدالمعطي حجازي، وجمال البنا، وحسن حنفي، وفيصل دراج، ورضوان السيد. وقد أطلق (فهمي هويدي) علينا حملة صحفية، وهاجمنا للمرة الثانية، محتجا على أن يتحدث "العلمانيون" عن التجديد، فهذه مهمة رجال الدين والمتدينين. ورددت عليه في صحيفة (القاهرة). وكنا "نتحامر" في اللقاءات، وهو بغض النظر عن مواقفه السياسية، شخصية سمجة، وجلف، وحربائي لا تستطيع الإمساك به، وفيه بعض من "الترابية".
اُعتبر عند بعض المصريين أنني "فاجومي"، أي أقول ما أريد قوله طالما اقتنعت أن ما أقوله صحيحا. وفي إحدى المرات في جلسة هادئة على (البحر الميت) بالأردن، صارحني الصديق المرحوم (محمد السيد سعيد) بالقول: "يرى البعض أنك معاد للمصريين". وكان ردي: "أنتو يا محمد ما تعودتم أن ينقدكم غير مصري في بلدكم، بالعكس هذا دليل على عدم شعوري بفروق الجنسية والبلد. المصريون -خاصة المثقفون- لديهم إحساس وطني جارف يمنعهم من تقبل النقد الخارجي، كما أنهم لا يفرقون جيدا بين نقد مصري (رئيس أو كاتب) ونقد مصر البلد. عند زيارة (السادات) لإسرائيل، كنا نقول السادات خائن. فيتصدى لك مصري وقد يكون قوميا عربيا أو ناصريا، ويقول: "ما تشتمش مصر!"
يمكن أن يؤرخ لبداية سقوط تجربة اليسار، والماركسية، والفكر التقدمي عموما من مصر. فبعد هزيمة 5 يونيو 1967 العسكرية، شرع مثقفون مصريون في التأسيس لهزيمة فكرية وسياسية. فقد تراجع عدد كبير من المفكرين عن تاريخهم منكرين ماضيهم، وبانسحابات فكرية غير منتظمة الخطي. فتدافع كثير نحو اليمين، وكانت ظاهرة هجرة الماركسيين والقوميين العرب إلى الإسلام السياسي والتي شملت في مصر: طارق البشري، وعبدالوهاب المسيري، ومحمد عمارة، وفهمي هويدي، ومن فلسطين منير شفيق، وكثيرون في السودان لأسباب إضافية. وكان (عادل حسين) المفاجأة الصادمة، فقد أمضى خمس سنوات في سجون الواحات 59-1964 بسبب أفكاره. وهو اقتصادي ومحلل سياسي من الطراز الأول، رغم أنه خريج علوم جيولوجيا. ومن أهم مؤلفاته، كتابه المهم: "الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية"، ثم البحث عن نموذج معرفي مستقل. يموج في داخله صراع النخبوية والشعبوية، فقد عاش تجربة عمه (أحمد حسين) زعيم مصر الفتاة. خاصمته بعد تأييده غير المحدود للانقلاب الإسلاموي في السودان، فقد كتب مقالا في جريدة (الشعب) لسان حال حزب (العمل) يرحب بالعسكر بمقال عنوانه: "مجلس الصحابة الذي يحكم في السودان" وشاركه في الترحيب الصحفي (فهمي هويدي). وفي أحد اللقاءات الفكرية، أصرّ (عادل) على أن يجلس لقربي ويفتح موضوع تأييد الانقلاب. وفعل ذلك لأنه كان يقدر معزتي له ولم يكن يرغب في فقداني. وأتذكر عندما كنا نشارك في وضع "الاستراتيجية الاجتماعية العربية" في (تونس) بتكليف من جامعة الدول العربية، نظل بعد العمل نتناقش حتى وقت متأخر وأحيانا يأخذني النوم فأنام في السرير الثاني بغرفته، ويفعل نفس الشيء معي. فقد كان بسيطا بصورة لا تصدق، وكان كلانا يتصف بقدر من الفوضى أو العفوية، وهذا ماقربنا. لذلك لم أرفض سماع وجهة نظره، رغم غيظي. ابتدرني بسؤال: نحن مش أيدنا (عبدالناصر) وهو الذي سجننا في الواحات وعذبنا من 1959 حتى 1964؟ ليه؟ أقولك: عبد الناصر كان وطنيا معاديا للإمبريالية والصهيونية، والجماعة عندكم قدموا أنفسهم كوطنيين ومعادين لأمريكا وإسرائيل في وقت تشهد فيه المنطقة انبطاح كل الأنظمة. رددت: "لا يمكن لأي نظام يقمع شعبه ويقول سأحرر فلسطين، حتى ناصركم إنهزم سنة 67 لأنه حرم شعبه الحرية. والحقيقة عدد من القوميين أغراهم العشم واليأس معا في تأييد انقلاب الإخوان في السودان". ابتدر (عبدالباري عطوان) صاحب "القدس العربي"، بقوله عندما التقينا في (طهران): "أنا مدين باعتذار للشعب السوداني، جماعتكم غشونا". وكان يرفض نشر المقالات التي كنت أرسلها من (الرباط) وكان يقول لمراسل الصحيفة (محمود معروف): عليه أن يخفف اللهجة والوصف.
من المفارقات، أن (عادل) الماركسي السابق، هو الذي صك الشعار الرائج: "الإسلام هو الحل". ولكن من أهم معاركه، الزوبعة الدينية المفتعلة، حول رواية (حيدر حيدر) المشهورة: (وليمة لأعشاب البحر) بعد سنوات من صدورها. ومن معاركه السياسية ذات الأساس الاقتصادي، كان فتح ملف الزراعة المصرية وقضية الأسمدة والبذور المسرطنة، بالاشتراك مع المهندس (إبراهيم شكري) رئيس حزب العمل. وهو بالمناسبة، حصل من حلفائه - الصحابة الذين يحكمون في الناس - على مشاريع بآلاف الأفدنة لزراعة الأرز في السودان.
يفسر موقف (عادل) الفكري والسياسي، وقد اتضح لي من بعض المناقشات مع عادل وطارق البشري والذي تربطني به علاقة تقرب من الصداقة حين نلتقي، أن الدافع الأساسي هو أنهم يمتلكون فكرا صالحا لإيجاد الحلول ولكن تنقصهم الجماهير، والعكس بالنسبة للإسلاميين لديهم الجماهير وتنقصهم الأفكار. لذلك التحالف بين الفئتين سوف يجمع بين الحُسنيين، فتصالح الماركسيون مع الفكر القومي كخطوة نحو ما سمي بـ"الحوار القومي-الديني" الذي رعاه (خيرالدين حسيب) -كما ذكرت سابقا، وقد نظم عددا من اللقاءات لتعميق الفكرة وترسيخها. ولكن لم يحدث أي تقارب فكري حقيقي، فقد شعر الإسلاميون بدوافع القوميين، ولذلك لم يذهبوا بعيدا في قبول بعض الطروحات ذات الطابع العلماني. وقد شاركت في بعض هذه اللقاءات، كان آخرها بمكتبة الإسكندرية برعاية (المعهد السويدي). وظل الخلاف قائما حول قضايا المواطنة (وضعية غير المسلمين)، وحرية التعبير والعقيدة (الردّة)، وحقوق المرأة والمساواة، المسألة الاقتصادية (الاشتراكية ودور الدولة). وكانت نهاية هذه العلاقة "الانتهازية" عند وصول (الإخوان المسلمين) للسلطة، ومحاولة إقصاء كل القوى الأخرى رغم التعهدات التي سبقت الانتخابات، مثل اتفاق فندق (فيرمونت). وأعلن (حسيب) رسميا في أجهزة الإعلام ومجلة المركز: "المستقبل العربي"، وفاة مشروع الحوار القومي-الديني.
سمحت لي ظروف وضع استراتيجية التنمية الاجتماعية، فرصة للتعرف عن قرب على (حامد عمار) (1921-2014) أو شيخ التربويين العرب. وكنت قد استفدت كثيرا من رسالته (Growing Up in an Egyptian Village. Silwa)، الصادرة عام 1954، في رسالتي عن القُرير في السبعينيات. ونشأت بيننا صداقة، فالرجل عالم ودود ومرح ووطني. وهو الذي صك مصطلح "الشخصية الفهلوية" في كتابه (في بناء البشر)، ويعرّف الفهلوة بأنها: "الحصول على أعلى النتائج أو المردود بأقل مجهود ممكن" وهذا يعني بالطبع استخدام وسائل أخرى غير العمل والاجتهاد والجدية.
كانت تونس من البلدان العربية التي أقمت فيها علاقات صداقة وزمالة أعتز بها. ومن أقربهم: (الطاهر لبيب)، ومن بين الأصدقاء (عبد الباقي الهرماسي) و(عبد القادر الزغل)، وعدد من شباب الأكاديميين من الاجتماعيين، و(آمال قرامي) من تلاميذ عبد المجيد الشرفي، والصديق (صلاح الدين الجورشي) من مؤسسي مجموعة (الإسلاميين التقدميين) مع (احميدة النيفر). وكان من معارفي المقربين (محمد مواعدة) الأمين العام لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين وفي نفس الوقت (رئيس مركز إبن خلدون للبحوث والدراسات) وقد شاركت معه في عدد من الندوات. وقد دعاني في تونس لندوة: "آليات التحول الديمقراطي في الوطن العربي" في 11-12 يونيو 1993.
عملت بالرباط في (المجلس القومي للثقافة العربية)، وكانت المغرب تجربة رائعة، ومن عطايا السماء الطيبة، فقد كان الأمر بالصدفة. لقد تعرفت على صفوة تملأ الروح شخصيات جميلة داخلا وخارجا: محمد نورالدين أفاية مثقف فنان تجذبه السينما، وأحمد المجاطي-عليه الرحمة- كان يذكرني بشاعرنا محمد محمد علي في شكله وتوتره وحركاته القلقة، تناسخ أو تشابه البشر وفي إبداعه الشعري. والروائي مبارك ربيع، وأحمد اليابوري، وأساتذة الفلسفة: محمد سبيلا، وكمال عبداللطيف وأحيانا محمد عابد الجابري ولكنه كان أيقونة تحيطها الشهرة ولم يكن من الممكن التعامل معه بعفوية. وفي مجالات أخرى، تعرفت على الاجتماعيين المغربيين: عبدالصمد الديالمي المهتم بسوسيولوجية الجنس والمرأة، ومحمد جسوس الشخصية عميقة الثقافة، والاشتراكي النشط، والشخصية الودودة.
مواقف القوميين معادية للديمقراطية، في إهداء كتابي "أزمة الإسلام السياسي..." لـ (مظفر) كتبت: "... من أجل وطن لا يهدده تحالف الأمويين الجدد والعسكر وصمت المثقفين.." قال لي (عمر الحامدي) الأمين العام للمجلس القومي للثقافة العربية: "ما عيب الأمويين بنوا الإمبراطورية العربية!" لم يكن يهمه طريقة وصولهم للسلطة وقمعهم للناس. مثلا (معاوية بن أبي سفيان) من ممارساته أحضر سبعة من معارضيه بينهم صحابيون، وأمر بأن يطالبوا بالبراءة من عليّ، فأبوا، فأمر أن تُحفر قبورهم أمامهم، وتهيّأ أكفانهم ثم يقتلون، وقد حدث.
هناك الكثير من مظاهر تناقضات الإنتلجنسيا العربية أو المثقفين العرب عموما. ومن مظاهرها علاقتهم مع (سعاد الصباح). فقد تهافت كثير من المثقفين على الأميرة الشاعرة الجميلة "التقدمية". فقد صرفت بسخاء على المنظمة العربية لحقوق الإنسان بالإضافة لجائزة أدبية اختارت لها مجلس إدارة من أهم العقول العربية. ولكن كل هذا الحماس إنطفأ فجأة وتوارت وتحجبت. ولكنني دخلت معها في تجربة صعبة خلال ندوة حول المرأة الخليجية عام 1985 فقد كلفني منسقو الندوة التعقيب على ورقة (الأميرة) ولم يكن الأمر يخلو من خبث، فقد كانت الورقة ضعيفة بل خارج الموضوع. وكانوا يدركون مواقفي السابقة وبأنني لن أجامل. وبالفعل قدمت تعقيبا نقديا موضوعيا، وفور انتهائي من تلاوة ورقتي حتى انبرت لي كل حاشية الأميرة المنثورة داخل القاعة. وتعرضت لهجوم يبدأ بمقدمات مثل: "يظهر أن الدكتور لم يقرأ الورقة وإذا قرأها لم يفهمها!" وهكذا. ومنذ ذلك الوقت، صار الود مفقودا في كل لقاء، وافسد الخلاف للود قضية.
كان لهجوم التتار على الوطن صبيحة الثلاثين من يونيو 1989م، فضل التعجيل في تأسيس (مركز الدراسات السودانية)، تلك الفكرة التي تأجلت كثيرا بسبب تسويف و"محركة" الإنتلجنسيا السودانية. وقلت هذه المرة ليس بعد انقلاب الإسلامويين كفر، فلابد أن يواجه هذا النظام فكريا وسياسيا للقضاء على هذا الطاعون العقلي منذ الاستقلال. وعندما كنت في جامعة (الجزيرة) وبعدها، كان موضوعي الدائم الحديث عن مركز دراسات. وجاءت رحلة المنفى للقاهرة مطلع التسعينيات، وأفسد الغزو العراقي للكويت، احتمال الاغتراب مرة أخرى، ولكن عوضني القدر بالعمل في المغرب. والمغرب بلد - خاطفة لونين - كما نقول: نصفها أوربي والآخر عربي مغرق في عطر التاريخ والشعبي. ورغم أخبار الوطن المختطف، عشت بمزاج لكي أفعل شيئا مفيدا. وكانت جلسات المقاهي الرباطية استنساخا محليا لتلك الباريسية. واتخذت من مقهى (باليما) شارع محمد الخامس، متكأ بعد التجول في وسط البلد. أما في حي (أكدال) حيث أسكن، فقد كانت مقهى (نكتار) الهادئة، هي مهد فكرة المركز ومواصلة كتابة: "أزمة الإسلام السياسي" والتخطيط لمجلة: "كتابات سودانية". وفي صيف عام 1992 حملت الكتاب والمجلة للقاهرة للطباعة، وقام الفنانون: حسين شريف، وحسان علي أحمد، والباقر موسى، بتقديم الدعم اللازم، وصار للمركز (logo) عبارة عن شمعة وقلم كرمز للاستنارة والمعرفة. وكان رأسمال البداية هو ألف دولار فقط، دفعنا ل(حلمي) منها تكلفة كتاب "أزمة الإسلام السياسي" وطبعنا المجلة في مطبعة (الأمل) مع جريدة (الأهالي). وحتى ذلك الحين كنا نتجول بالمركز، (صلاح الزين) وأنا. وكنت قد تعرفت على (صلاح) من خلال أسرتي كما شاركت في مناقشته- كما أسلفت. وكان مهتما بالكتابة وشكل مجموعة للبنيويين كانت تقيم ندوة منتظمة في الفتيحاب. وتحمس للفكرة بشدة متابعا بإخلاص نشأتها الأولى. ولم أسجل لعدم وجود مقر ولأنها أول مرة يُسجل مركز سوداني أو منظمة مجتمع مدني في مصر. ولم يجد (فاروق أبوعيسى) و(أحمد عبيد المحامي) مدخلا قانونيا جيدا لهذا النوع من النشاط. ونصحني (رفعت السعيد) أن أشوف (منى ذو الفقار المحامية). وبالفعل سجلت المركز كشركة مدنية غير ربحية بشركاء مصريين، كانا (محمد شومان) وزوجته (أماني الطويل). وحاولت تكوين مجلس أمناء أو هيئة مستشارين، ولكن كل من خاطبته كان يراها فكرة خيالية وانصرافية، فالجهود يجب أن تتجه جميعها ل"معارضة النظام". وكأن المركز سيكون فرعا لتنظيم الجبهة الإسلامية في القاهرة. ولهذا لم أفكر ثانية فيما يسميه الأفندية "المؤسسية" أي تكوين جسم مترهل يُعطل العمل الجاد. وتحملت تهم "التكويش" والفردية. أما المقر، كان (عثمان عامر) و(علاء عبدالحليم) خبير البورصة حاليا، قد أغلقا شركتهما المسماة (زاندي) في 35 شارع شامبليون- وسط البلد، فقمنا بالاستمرار بدلا عنهما في استئجارها. والشقة غرفتان صغيرتان وصالة متوسطة، بإيجار 400 جنيه مصري شهريا وكان في الدور فوقنا المخرج (يوسف شاهين) بصوته العالي ومشاجراته الدائمة ومن بينها واحدة مع عمك (يونس الدسوقي).
لقي قيام المركز ترحيبا كبيرا باعتباره فكرة جديدة وجيدة جاءت في وقتها تماما، إذ لا تكفي المعارضة الحزبية والسياسية فقط، خاصة مع وجود كثير من المستقلين وغير الحزبيين ولكنهم يعارضون النظام بشدة وبحاجة لإطار يجمعهم. وجاء العداء من حيث لم احتسب، من ذوي القربى: استلت شلة ومن اليساريين والشيوعيين والديمقراطيين، سيفها وأعلنت حربها غير المقدسة على المركز وصاحبه، بدءا من الأسطوانة المشروخة: مركز مشبوه، حتى: شغل بتاع أمريكان. وما أفجعني أنه فيهم أصدقاء، كما أن كل العاملين معي كانوا ينتمون لهذا التيار. وكان كل الخصوم والأمنيين ينسبون المركز لليسار والشيوعيين. وكان أحد المحققين معي في مقر الجهاز الكائن بين مقابر (فاروق) وكازينو (أوزون) يقول لي بإصرار - في التحقيقات- أنني كادر شيوعي سري وأحاول تضليل الناس. وفي إحدى المرات قال لي الضابط الشاب: نحن الشيوعيين ديل نشمهم شم وأنت عايز تفلت مننا. فقلت له: والله لو دا شمك أحسن تشوف طبيب أذن وأنف وحنجرة عشان تريح نفسك وتريحني! فزال توتره وضحك. ونزل معي حتى الباب الخارجي. وسألني: عربيتك وين؟ قلت له: ماعندي عربية. قال لي: نحن ممكن نديك عربية فورا. فرديت: شكرا أنا عربية الـ (CIA) والمخابرات المصرية أحسن من عربية الأمن! لأنه كان يتهمني أثناء التحقيق بالشيوعية، وأيضا بالعمالة للجهتين.
هذه الحملة جعلتني أحاول خلال السنوات الثلاث الأولى، تسيير المركز بالعون الذاتي، ولكن المركز كاد أن ينهار. فقد قمنا ببعث أحد الشباب "الكويسين" - الكلمة التي صرت أتحسس مسدسي عندما أسمعها - إلى ليبيا حسب طلب الأصدقاء الراغبين في دعم المركز من خلال شراء إصداراته بأسعار تشجيعية. وقام الأصدقاء بهذه المهمة بأريحية شديدة، وتباروا في التشجيع. وعاد مندوبنا للقاهرة ولم نره، وحين سألنا عنه، علمنا أنه غارق في ليال حمراء ملاح وكرم حاتمي يغدقه على شلة الأنس. وحين حاولنا ملاحقته، استقل القطار والباخرة للخرطوم متنازلا عن دور المعارض. ومن ناحية أخرى، تبرع أحد الناشرين بتوزيع مطبوعات المركز في السودان، وبالفعل قام بمهمة التوزيع ولكن كان توزيعا في اتجاه واحد: ذهاب فقط بدون إياب للإيرادات للمركز. أما التوزيع في القاهرة، فقد عُرف عن الحاج (مدبولي) أنه لم يدخل بعد مرحلة التعامل بالنقود، وقد وقف في عهود المقايضة والتبادل السلعي. وحين تحاسبه ويتضايق، سرعان ما يحسم الجدل: "أنا حا أديك كتب مقابل الفلوس ده!" وما عليك إلا الرضوخ و"المال تلتو ولا كتلتو".
كاد المركز أن يتحول إلى أوقاف أو جمعية أبناء (القلعة) الخيرية. وكما ذكرت سابقا، فإن حس الثقافة العربية-الإسلامية للعمل الخيري والإنساني ضعيف. لذلك لا توجد مؤسسات عربية تتبرع - دون شروط - بالأموال لمنظمات المجتمع المدني وللعمل الثقافي المستقل. وفي ذلك الوقت، جاء الصديق القديم (عبدالله النعيم) في مهمة لمدة عام في (مؤسسة فورد التعليمية) وتناقش معي في مستقبل المركز، واقترح عليّ لو لدينا مشروع أن نقدم لفورد. وقلت له: أنت تعرف حساسية بعض السودانيين. فقال لي: أنت كده كأنك بتشكك في أنا ذاتو لأنني أعمل فيها. وبعد نقاش وتوضيح بأن منحها غير مشروط أبدا. وبحثت في حقيقتها. أولا اكتشفت أنه يكاد يكون كل الأكاديميين من الرعيل الأول استفادوا من منح فورد بطريقة أخرى. كما أن أغلب مشروعات الجامعات البحثية قد مولتها فورد. ثانيا، هذه مؤسسة ليست لها أي صلة بالحكومة الأمريكية. فقد قرر (Henry Ford) وابنه (Edsel Ford) في عام 1936م تخصيص مبلغ 25 ألف دولار لـ"تطوير الرفاهية الإنسانية وخاصة التعليم". وأوصى آل فورد بأسهمهم في شركة فورد للسيارات وبعد وفاتهما عام 1947 آلت أموالهما للمؤسسة الخيرية والتي بلغ استثمارها المرصود عام 2011 أكثر من عشرة بلايين دولار كانت قيمة المنح في نفس العام حوالي 500 مليون دولار. هذه هي مؤسسة فورد "الاستعمارية" هناك فرق كبير في العقليات والثقافات. واقتنعت بدورها وقررت التقديم في أقرب فرصة، خاصة وأن المسؤول عن منطقتي كان اللبناني (سليم نصر) وهو وزوجته أصدقاء وزملاء في الجمعية العربية لعلم الاجتماع.
في الحقيقة، امتلك المركز من البداية، رأسمالا رمزيا وأخلاقيا أكبر من أي رأسمال مادي. فقد قمت باستثمار علاقات صداقة واحترام اكتسبتها خلال فترة طويلة من التعارف والسفر والعمل المشترك. وسأكون عاطلا وعاجزا فعلا إن لم يساعدني هذا الرصيد الإنساني في مشروعي الجديد. كان المركز حينها قد أصدر 5 كتب، ثم كان أول عمل فكري كبير وهو إقامة ندوة: "الديمقراطية في السودان- البعد التاريخي والوضع الراهن وآفاق المستقبل". وهو فعالية مشتركة مع (مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام) وكانت هذه هي المرة الأولى التي يعقد فيها مركز الأهرام ندوة أو مؤتمرا مع مؤسسة سودانية. واحتشدت قوى سياسية وحزبية ومفكرون سودانيون بمقر الأهرام خلال 4 حتى 6 يوليو 1993. وقد قدمت الأحزاب لأول مرة، نقدا ذاتيا واعترفت بأخطائها التي أضرت بالتجربة الديمقراطية في السودان. وقد تقدمت بطلب لفورد لدعم طباعة وقائع الندوة، وقامت بذلك دون أن تشترط حتى وضع أسمها في الإصدارة - كما جرت العادة.
آمنت بوجود مجتمع مدني عالمي يتجاوز الحدود، ولأنني الشخص الأممي الذي أصبح العالم كله بالنسبة له قرية أصغر من (القُرير). ولم تكن لديّ أي نوع من التحفظات في التعامل مع المنظمات التي يسمونها "الأجنبية" وهي ليست كذلك بالنسبة لي. فهي جزء من منظومة واسعة، أنا أيضا جزء منها وليس غريبا عنها. وبعد هذا العمر صارت هويتي إنسانية، ف(مانديلا) و(نهرو) و(جيفارا) و(لالا) الطالبة الباكستانية، أقرب إلى من (عبدالحي يوسف) و(حسن طنون) و(حسب الرسول دفع الله). لذلك لم أجد أي غضاضة في التواصل مع عدد من المؤسسات المانحة طالما ليست لديها شروط مقيدة، وطالما يطبق الطرفان -المانح والمتلقي- شروط العقد بحرفيتها. والأهم من ذلك عدم تحويل أي مال لمصلحتي الخاصة، فأنا لست متعطلا ويأتيني دخل من الكتابة في الصحف ومجلات مراكز البحوث، والاستشارات بالإضافة للقناعة وملذاتي الدنيوية القليلة. وعقب حفل (مارسيل خليفة) سددت الديون من قرض بنكي لأن التكاليف فاقت الـ 18 ألف دولار.
لقد شابت منظمات المجتمع المدني السودانية، كثير من الشبهات والسلبيات. فقد اختطفت عناصر من الإنتلجنسيا -كعادتها- المجتمع المدني وحولته لوسيلة للإعاشة السهلة المرفهة، والنجومية الشخصية، والسفر والتجوال في بلدان العالم للمؤتمرات والندوات دون أن يقدم الواحد أو الواحدة منهم ورقة أو بحثا. واختلطت الأمور في المجتمع المدني ولم يعد يعرف الصالح من الطالح، أو الفاسد من النزيه، أو الجاد من "المستهبل". وصار الانتماء للمجتمع المدني يثير الشبهات بسبب غلبة العملة الرديئة التي طردت العملة الجيدة، على عكس الأمور. وهكذا، لسوء الحظ تحولت أغلب منظمات المجتمع إلى رصيد للتخلف ونزيف لقدرات قوى الوعي والحداثة. وهذا عمل تجيده النخبة، أن تحول وعود المستقبل إلى مصالح ذاتية صرفة: "كلما أنبت الزمان قناة ركّب السوداني في القناة سنانا".
لم تكن أغلب نشاطات المركز من بين تلك الفعاليات التي يرغب المانحون في تمويلها، فهي ليست ورشا وتدريبا وبناء قدرات. فقد حدد المركز أغراض تأسيسه في الكتابة والتوثيق ونشر ثقافة العقلانية والتنوير. فقد أصدر المركز أكثر من مائتين وعشرين (220) عنوانا منتقاة جيدا، وداوم على إصدار مجلة دورية: "كتابات سودانية" وصلت العدد 56 لتكون من أطول المجلات عمرا في تاريخ البلاد. وكان يصدر سنويا تقريرا استراتيجيا، 12 عددا. وقد استضاف المركز أبرز المفكرين والمبدعين العرب، منهم: سمير أمين، محمود درويش، طيب تيزيني، حسن حنفي، علي حرب، كريم مروة، جمال البنا، فريدة النقاش، محمد عفيفي مطر، حلمي سالم، عزالدين نجيب. كما عقد المركز العديد من الندوات الفكرية الهامة والتي صدرت كلها في كتب بقصد التوثيق، وقد صارت مصادر أساسية للطلاب والباحثين.
عند عودتي للسودان، كنت أتوقع أن يجد هذا المركز بطابعه القومي دعما ماليا يكفيه شر تعقيدات مع غير السودانيين. ولكن يبدو أن كل الرأسمالية الوطنية وغير الوطنية قررت عدم التعاون مع المركز ودعمه، خوفا من غضب جهاز الأمن. وذلك باعتبار المركز امتدادا للتجمع الوطني المعارض. فقد خاطبت شركات (دال) و(زين) و(حجار) و(النفيدي) و(إبراهيم مالك) بلا جدوى، بل كنت كاليتيم على مأدبة اللئام. مع أنهم كانوا يساندون نشاطات ليست ذات قيمة كبيرة. أما دعم المثقفين، فكثير منهم يأخذ الكتب كهدايا لأنها "قروش المنظمات". وفي مناسبات معينة حاولنا بيع تذاكر إكرامية بسعر تشجيعي، وأذكر أن (جادين) اقترح تكليف (يحيى الحسين) بتوزيع 12 تذكرة على نواب المعارضة في المجلس الوطني، تم توزيعها لكن لم نستلم مليما واحدا، بينما استخدموا كل التذاكر في الحضور وأحدهم أحضر معه ثلاث أسر إضافية. استغرب لكرم بعض المثقفين السودانيين، يمكن أن "يعزمك" الواحد على أكل في منزله يكلفه ألف جنيه، أو في المطعم الإغريقي، ولكن غير مستعد لأن يشتري المجلة بخمسة جنيهات كسعر تشجيعي.
كان النظام ينتظر أن أتراجع أو أزهج أو أحبط، ولكن هذه مصطلحات لا وجود لها في قاموسي الحياتي. كنت قد افتتحت مكتبة (آفاق جديدة) في شارع الطيار (مراد) غرب الجامع الكبير، وزودتها بالكتب الجيدة من بيروت ودمشق والمغرب، وبأسعار معقولة. ولكن السلطات عمدت لإثقال كاهلي بضرائب ورسوم نفايات إلخ… فاضطررت مكرها لإغلاقها. ثم ركز جهاز الأمن على المركز، فكثرت الاستدعاءات التي تستنزف كل وقتي داخل الجهاز في الانتظار ولا يوجد موضوع. وفي إحدى المرات قال لي أحد الضباط: "نحن لو ما سوينا فيك ما فعله المصريين في سعدالدين إبراهيم، تشوف براك". وقلت في داخلي الناس ديل لئيمين وما عندهم ضمير. وبدأت أفكر في الخروج. ولكن تلك الأيام كنا نفكر في إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل الاستفتاء أي نهاية 2010. شكلنا لجنة قومية للعمل وسط النخبة الجنوبية، ولكن كان واضحا أن الوقت متأخر، وتيقنت أن الانفصال آت لا ريب فيه. وكان من المستحيل أن أعيش في وطن ناقص، وقبل الاستفتاء بثلاثة أسابيع كنت في القاهرة. وكنت موعودا بحضور الانتفاضات الشعبية أو ما درج على تسميتها بثورات "الربيع العربي" من يناير 2011، ولكنها في حقيقتها ثورات ناقصة. فقد أنجزت النصف الأول للثورة أي إسقاط النظام القديم وتوقفت دون إكمال ما تبقى أي تأسيس البديل وإحداث التغيير الجذري.
في 24 ديسمبر 2012 أصدر وزير الثقافة (أحمد بلال) وهو اتحادي، أمرا بإغلاق مركز الدراسات السودانية بدعوى "تهديد الأمن الوطني". وأنطلقت حملة من متضامنين كثر من بينهم أصدقاء قريبون من المركز، وآخرون لم يكونوا قريبين من المركز ولكنهم كتبوا مدافعين عن الحرية أولا. وعاتبت بعض المثقفين الديمقراطيين، ومن نشر لهم المركز، ومن دعاهم لندواته داخل وخارج السودان، ومن استضاف نشاطاتهم المتنوعة. ولكن صدمتي كانت بالغة حين أصدر (اتحاد الكتاب السودانيين) بعنوان (جحود مدير مركز الدراسات السودانية) محتجين ومهاجمين لأنني عاتبتهم على عدم مساندة المركز. ولكن مما خف وقع سقطتهم أنهم من مجموعة اليساريين الخامدين الخاملين الذين عارضوا قيام المركز منذ يومه الأول. وقدمت في يناير 2014 طلبا لعودة المركز لأن سنة الإغلاق انتهت، وافقت الوزارة وطلبت منا عقد جمعية عمومية وانتخاب لجنة تنفيذية وتقديم اللوائح الداخلية، قمنا بكل المطلوب، ووعدوا بالاتصال. وعندما طالت المدة ذهبنا للاستفسار، فطُلب منّا أن نسأل ناس الأمن وترددنا عليهم كثيرا ثم حسم أحدهم الأمر، وقال لمندوبنا: "قول لحيدر دا تاني ما ممكن تفتح مركز طالما نحن حاكمين!".
لن يتوقف مركز الدراسات السودانية بقرار أمني، لأنه مشروع ثقافي تنويري وامتداد لمشروع (عرفات محمد عبدالله) ورفاقه في مجلة (الفجر). المركز إبن شرعي لكتابات (أحمد خير) و(معاوية نور) و(الأمين علي مدني) و(حمزة الملك طنبل) و(المحجوب) و(محمد محمد علي) و(عبدالرحمن علي طه) و(عبدالخالق محجوب) و(محمود محمد طه) و(التيجاني الماحي). هذه هي الروافد التي تشكل نهر الثقافة الوطنية الجادة بكل تنوعها الخصيب. لقد انبعث المركز مثل طائر (الفينيق) من رماده الموهوم، وانتشر في أنحاء كثيرة في شكل روابط أصدقاء المركز وهي فروع نشطة لتقسيم العمل والانتشار.
أخذ (مركز الدراسات السودانية) حاليا شكلا جديدا، لامركزي، وهو (روابط أصدقاء مركز الدراسات السودانية). وكانت البداية في (لندن) و(كارديف) وهناك اقتراحات في (ليدز) و(مانشستر) ومدن أخرى في الإمارات العربية والسعودية. وصدر العدد 56 من مجلة "كتابات سودانية"، ومدير تحرير: شرف الدين يس محمود، صاحب خبرة جيدة في النشر وهيئة استشارية مميزة. كما قامت لجنة مكونة من: عبدالسلام نورالدين، ومحمد أحمد محمود، وعبدالوهاب همت بإصدار كتاب مرور خمسين عاما على ثورة أكتوبر الشعبية، باسم المركز. وفي الداخل يتابع: عبدالله أبوالريش، عودة المركز وأسس مكتبة لتوزيع إصداراته. كما يحظى المركز بسند معنوي ومادي من ديمقراطيين كثر.
لم أدخل السياسة من بابها الواسع المتهالك المتمثل في الانتماء الحزبي والولاء الطائفي. فلقد جئت إلى السياسة من باب مختلف - أو بالأصح - من شباك، لأن هناك باب واحد مفترض هو التحزب المتعصب التقليدي. أتيتها من نافذة العلوم الاجتماعية، فلذلك السياسة لديّ مكون ثقافي للمجتمع، بمعنى القدرة على التكيف والتطور، والتحديث. فقد حددت طريقة ممارستي للسياسة وفق نص جميل مصدره مجهول، يقول: "بأن للحقيقة أكثر من طريق، ومن الخطأ أن نعتقد أن الطريق إلى الحقيقة واحد وبقية الطرق ضلال وتيه". ويضيف: "الاختلاف ضرورة، والتنوع حياة الفكر، والفكر النمطي هو فكر ميت لأنه شكل بلا روح، وقد يحتفظ بكل مظاهر الحياة ولكنه في جوهره ميت". ويمكن أن تختلف أشكال الممارسات السياسية والتفكير السياسي حسب مداخل أو مقاربات مختلفة. ويجب الا يفسد الخلاف للود قضية عدا في السودان، حيث يشخصن كل خلاف، وبالتالي يفسد الخلاف الود وغير الود، خاصة لو كان الود هشا أساسا.
تتسم بنية المجتمع السوداني بقدر كبير من عوامل الانقسام والتشرذم والخلافات، وهذه أوضاع سالبة لا تساعد في قيام دولة وطنية ديمقراطية قادرة على دمج كل مواطنيها مع حقوق كاملة في المشاركة في السلطة والثروة بلا أي شكل من التمييز. كما أن مثل هذه الخصائص تمثل معوقا وعقبة في سبيل قيام مجتمع حديث، يتميز بالتضامن العضوي والقدرة على أداء وظائفه وأدواره بكفاءة. وهذا ماجعل المجتمع السوداني الفسيفسائي المتنافر، عاجزا عن بناء الدولة الحديثة، واكتفى السودانيون بدولة فاشلة فقدت ثلث أراضيها، ويهدد التقسيم أجزاء أخرى عديدة. فالدولة السودانية لم تعد تسيطر على كامل ترابها الوطني، كما تخلت عن جميع مسؤولياتها التنموية والخدمية من تعليم، وصحة، ومياه نظيفة، وسكن، وطرق. ولكن أخطر نتائج ظواهر التشرذم والانقسامية، هي الخلل الذي يصيب المجتمع ويجعل منه مجتمعا فاشلا يشبه الدولة التي تحكمه، وكأنه ينطبق علينا: "كما تكونوا يولي عليكم". فالمجتمعات الحية لا يمكن أن تعيش تحت دكتاتوريات فاشية لأكثر من ربع قرن دون أن تفقد صفات المجتمع الإنساني والديمقراطي، خاصة لو جاء ذلك النظام بشعار: "إعادة صياغة الأنسان السوداني". فهو في هذه الحالة لن يألو جهدا في فرض كل أشكال ثقافته المتخلفة التي يريدها أن تكون ثقافة الوطن كله، وبكل الوسائل العنيفة والناعمة. خاصة بعد السيطرة والتوجيه الكامل للتعليم والإعلام والاقتصاد.
كانت الأحزاب السودانية، مثل كل المؤسسات ومكونات الحياة العامة، قد فشلت في عملية التحول إلى سيرورة التحديث والحداثة. وحاول السودانيون، خاصة بعد الاستقلال، الوصول إلى معادلة صعبة تتعايش فيها أو تتساكن فيها، التقليدية إلى جانب الحداثة. وقد كانت هذه العملية التوفيقية شبه مستحيلة على أرض الواقع. فقد نتحدث نظريا وفكريا، عن: "التراث والمعاصرة" أو "الأصل والعصر" أو "العالمية والخصوصية" أو "الكونية والهوية"، ولكن الواقع قد يفرض أشكالا مختلفة من القطيعة والتجاوز. وقد انتهت عملية التوفيق في السودان بغلبة واقع تقليدي ذي طلاء حديث أو أقنعة حديثة. وهذا هو هو مقتل الأحزاب السودانية، لأن فكرة الحزب أصلا حديثة تشكلت عقب الثورة الفرنسية. ولذلك واجهت عملية قيام أحزاب في مجتمع تقليدي ومحافظ مثل السودان، كثيرا من الصعوبات. إذ نلاحظ أن عددا من الخريجين تحفظ على فكرة قيام أحزاب في السودان، باعتبار أنها تثير الخلافات والفتن والفرقة بين المواطنين، وكأن المجتمع موحد أصلا. ومن ناحية أخرى، واجه المتحمسون لفكرة الحزبية معضلة التعامل مع القوى والقيادات الدينية والطائفية. فقد كان للسودان أحزابه الخاصة وهي الطرق الصوفية. فهل بإمكان الخريجين أن يحولوها لقوى حديثة أم أنها لديها القدرة على تدجين الخريجين وتوظيفهم؟ كانت القيادات الدينية تمتلك جماهير، بينما الخريجون لديهم أفكار سياسية بلا جماهير. ووقفت فئة صغيرة على رأسها أمثال (أحمد خير) المحامي، مبدئيا ودون تنازلات للطائفية، فانعزلت. أما غالبية الخريجين فقد اختارت دعم الطائفية ودخلت في قفاطين السادة. وبدأت بروفة ترويض الخريجين قبل قيام الأحزاب في منتصف الأربعينيات، وذلك في انتخابات الخريجين الدورية. وقد شهدت تلك الفترة صراعات حادة بين الشوقيين (أنصار السيد عبدالرحمن المهدي) والفيليين (أنصار السيد علي الميرغني)، ولم يكن وراء الصراع والخلاف أي دوافع فكرية أو سياسية أو حتى دينية أو صوفية. ويصف (مدثر عبدالرحيم) تلك الفترة: "ليس هناك دليل على أن أي فريق من الفريقين الذي أسفر عنهما الانشقاق كان له أي برنامج سياسي معين، أو أن الانشقاق كان في الأساس على شيء أكثر من تصادم بين شخصيات أدي تفاقمه إلى فشل لجنة العشرة". (كتاب: الإمبريالية والقومية في السودان. بيروت، دار النهار، 1971، ص 106).
كان هذا هو المناخ الذي أنبت الأحزاب السودانية، ومن هذا الصراع الخاوي بدأ تشكيل الأحزاب من عاميّ:44 و 1945 مثل: حزب الأمة، الاتحاديين، الأشقاء، الأحرار، وحدة وادي النيل، القوميين، الجمهوريين الاشتراكيين وغيرهم. وقد اعتمدت الأحزاب في تماسكها على الزعامات والشخصيات الكارزمية بالإضافة للولاءات الطائفية-الدينية والقبلية-العشائرية. وحتى ما يسمى بالأحزاب العقائدية "الحديثة" لم تخل من علاقات أبوية تربطها بزعاماتها. وهو سبب غياب الديمقراطية الداخلية مما يفتح الباب أمام الانقسامات الحزبية وظهور أجنحة تشكل حزبا منشقا. وقد تعرضت كل الأحزاب بدون أي استثناء للانقسام والانشقاق لعدم وجود نقاش وحوار ثم التزام برأي الأغلبية واحترامه. فالحل الوحيد الممكن هو الخروج.
كشفت تجربة (التجمع الوطني الديمقراطي) المعارض كل عيوب الحياة الحزبية السودانية. وهي تذكرني قول (أدونيس): "نبني جسورا لا لنعبر، ولكن لنرثي أنقاضنا". فقد كنت أتوقع أن يتعلم الجميع من انقلاب الإسلامويين ومن الإذلال الذي تعرض له الشعب السوداني. وأن تكون الاستجابة لهذا التحدي، قوية وعنيفة مثله، وبالتالي يتم التماسك والتوحد ويتسامى الجميع فوق الصغائر والمكاسب الذاتية. وفي رأي، إن خضوع البلاد لهذا النظام لأكثر من 25 عاما هو عار مقيم يدين السودانيين كافة: أحزابا، وقوى سياسية، ومجتمعا مدنيا، ونخبة. وهم الذين عرفوا بادعاء كونهم الأكثر ديمقراطية، وكرامة، وشجاعة، وكرما، وذكاءً بين شعوب منطقتهم والمشكلة هي أن السودانيين لا يقبلون النقد من الآخر، وفي نفس الوقت لاينقدون ذاتهم.
يبدو أن التاريخ لا يمل إعادة نفسه في السودان، ورغم أنه من المعروف عقليا أن التاريخ لا يعيد نفسه أبدا، ولو حدث ففي شكل مأساة. فقد عرفت البلاد في الفترة الأخيرة ظاهرة حزبية جديدة، هي قيام الأحزاب الميكروسكوبية أي التي لا ترى بالعين المجردة. وقد كان يطلق عليها المرحوم (عمر نورالدائم) صفة بلدية: أحزاب الفكة! وهي ظاهرة تبدو ديمقراطية في شكلها الظاهري، أي حق كل جماعة أو أشخاص في تكوين حزب. ولكن هذه القاعدة تطبق في البلدان ذات الطبقة الوسطى الواسعة والعددية الكبيرة للمثقفين، وتبلور طبقات اجتماعية تحتاج لمن يمثلها، يضاف إلى ذلك "سوق" واسع للأفكار الجديدة والمتنوعة. في السودان، فئة المثقفين ومع كثير من التجاوزات في إطلاق التسمية، محدودة جدا. وذلك بفضل نظام التعليم المهتم بالكم، وبؤس الحركة الفكرية وهزال التنمية الثقافية. فالسؤال هو: هل كانت هناك حاجة مجتمعية حقيقية لهذا العدد من الأحزاب؟ هل يعبر الحزب المعين عن مطالب طبقة أو فئة اجتماعية مؤثرة في المجتمع السوداني؟ يمكن القول بأننا في حاجة إلى دراسة جدوى سياسية، مثل الجدوى الاقتصادية في الأعمال التجارية والاستثمارية. فمن الواجب حين يتأسس حزب منذ الستينيات وتمر عليه ثورة أكتوبر وانتفاضة أبريل وانقلاب الجبهة الإسلامية، ثم تظل عضويته تتناقص أن يسأل عن جدوى وجوده. هناك أحزاب عدد لجنتها المركزية أو مكتبها السياسي هو نفس عدد عضوية الحزب أو جمعيتها العمومية بلغة الجمعيات. مثل هذه الأحزاب تلبي رغبات ذاتية بحتة لدى مؤسسيها وقياداتها ولا تسهم في التطور السياسي للوطن. وأذكر محاولة قبل سنوات لتوحيد القوى التقدمية واليسارية، وطلب من هذه الأحزاب حل نفسها والدخول فرادى في التنظيم الجديد. ولكن نسفت الفكرة كلها بسبب صعوبة تنفيذ هذه التضحية الواجبة. ومن الأكيد أن تكون كثرة هذه الأحزاب الصغيرة عقبة في شمولية أي مؤتمر للوحدة بسبب خلافات تقسيم الأنصبة والمواقع. وكل ذلك مجرد تمثيل بالمعنى الدرامي وليس بالمعنى الديمقراطي والسياسي، لكي نعلن أن المؤتمر أو التجمع يضم كذا وعشرين حزبا.
كنت من المؤسسين للتجمع الوطني بالقاهرة عام 1990 برئاسة المرحوم (محمد الحسن عبدالله يس) وهو من المؤسسين للحزب الوطني الاتحادي. وهو سياسي قدير رغم أنه لا يعتمد على التنظير والسفسطة بل يفهم ويحلل ببديهة وحدس نادرين. وكنت أحرر مع الصحفية (سعيدة رمضان) صفحة (الأشقاء) كلسان حال للمعارضة الخارجية، والتي كانت ذات مقروئية واسعة بين السودانيين. وبعد مدة قصيرة جاء عدد من الحزبيين المعارضين من الداخل، وعملوا على تغيير تركيبة التجمع باعتبار أنه عندما تكوّن في سجن كوبر كان تجمعا للأحزاب. وأخرجت كل العناصر غير الحزبية، عدا ما سمي بـ"الشخصيات القومية" وهم اثنان أو ثلاث. ولقد ولد هذا التجمع المعدل ميتا لأن أساسه كانت الترضيات وتقسيم حسب كوتات معينة وليس وفق القدرات. فقد تحدد أن يكون الرئيس اتحاديا، والأمين العام حزب أمة، وأمانة الإعلام للحزب الشيوعي، وهكذا. ولاحقا كان خلاف (حزب الأمة) المستمر حول ما يسميه "هيكلة التجمع"، إذ لم يعد راضيا عن هذه التركيبة بعد خروج (الصادق) من السودان. وكان من الصعب عليه قبول أن يرأسه شخص غيره، وتكفل (مبارك الفاضل) بعملية فركشة التجمع ثم قتله ببطء.
تضافرت عوامل عدة على أن يولد التجمع ميتا، أهمها وجود (محمد عثمان الميرغني) على قمته، رئيسا. فالرجل عاطل من صفات كثيرة لابد من توافرها لدى القائد أو الزعيم. فهو يفتقد تماما للشفافية بمعانيها المختلفة، بل يتعمد الغموض وعدم التعبير عن حقيقة مشاعره ومواقفه، متبنيا مبدأ قضاء الحاجات بالكتمان. ويقال أن هذه هي الوصية التي قدمها (الزبير باشا) لوالده (علي الميرغني) بأن لا يتبسط مع السودانيين لأنهم "حقارين" لو تواضع معهم. ولذلك، يتميز بحس ضعيف تجاه الناس ولا يتعاطف معهم ويشاركهم مشاعرهم - وبالمناسبة أخوه أحمد عكس ذلك - ويحاول إعطاء الانطباع بالدهاء، ولكنه في حقيقته أقرب إلى التآمر وسوء النية غالبا. ومن أهم صفات القائد والزعيم، الاستعداد للتضحية بالمال والراحة والوقت. وهذه هي الفريضة الغائبة في شخصية (الميرغني). ولن أنس أبدا، أن جريدة (السودان) الناطقة باسم التجمع، توقفت بسبب 300 جنيه، تقاعس الميرغني في دفعها. ولا يقبل أبدا العمل داخل مؤسسة، لأنه يميل للاستفراد بكل طرف أو شخص على حدة. لذلك أبقى على التجمع ككتلة غير محددة الوظائف والمهام ويكفي أن التجمع لم تكن لديه عضوية تدفع الاشتراكات والتبرعات. وفي الجانب الأخير، اعتمد التجمع على الهبات والعطايا، ولم يقدم طوال وجوده ميزانية مفصلة للناس ولا أقول العضوية. وتصور أيها القارئ، أن هذا الكيان الذي يتزعم المعارضة لم تكن له دار إلا في السنة الأخيرة قبل عودته للسودان. فنحن أمام تنظيم بلا عضوية مسجلة ومرصودة، ولا صحيفة باسمه، ولا ميزانية، ولا مقر أو دار؛ ومع ذلك يريد إسقاط النظام. وبعد مدة جاءت مزايدات "العمل المسلح" مجاراة للحركة الشعبية، ولكنه أهدر دماء شباب عزيزة مجانا وعبثا. كان التجمع الوطني، أكبر عملية نصب فكري وسياسي، مُورست على شعبها السوداني. والعجيب في الأمر أننا حتى اللحظة لا ندري هل التجمع مات أم حي؟ ففي الحالة الأولى لم يدفن بصورة لائقة. ولو كان حيا، فهو إذن مجرد "بعاتي".
أتاح لي العمل السياسي في الخارج، فرصة للتعارف والاحتكاك بالقيادات والكوادر التي كانت تحدد مصائر العباد والبلاد. وقد فهمتهم جيدا، مما أوصلني لحقيقة واحدة مُرة، وهي أن الشعب السوداني يتيم فعلا. فقد رفعتهم الصدفة البحتة لأنهم لا يملكون حكمة رجال الدولة ولا فطنة الإنسان العادي حتى. فأنت لا تجد فيهم ما يجذبك لصداقتهم، ناهيك عن أن يحكموك، وأن يمتلكوا أمرك. وكنت أجلس إلى (الصادق المهدي) كثيرا، إذ يمكن مناقشته والتحاور معه. وهو شخص جم الأدب، ودمث، وكريم، ولكن مشكلته التردد مما يدخله في التناقض. ويبدو وكأنه يكذب أو يتآمر، بينما هو في الحقيقة قد يتبنى -باقتناع- موقفين متناقضين كلية. وتصادف أن جلست إلى (الميرغني) مرة واحدة، ومازلت نادما على تلك الجِلسة حتى اليوم. ومن الملاحظ أن أغلب الساسة السودانيين يفهمون السياسة كنوع من الفهلوة وتدبير المقالب والكذب، وقدرا كبيرا من الخبث. وكثيرون منهم معادون للثقافة، ويكرهون التفكير والتأمل، ويبغضون التنظير لذلك يبخسون المرء بالقول: "دا واحد منظراتي ساكت!" فهم يفضلون السياسة بطريقة السوق العربي، أو كما يقولون: "أمسك لي وأقطع ليك".
قمت والأخ (فاروق محمد إبراهيم) بزيارة لـ (جون قرنق) في (أسمرة) نهاية يناير 1996 وذلك لتقديم مقترح حول توحيد المعارضة واعتبار الحركة الشعبية امتدادا لمسيرة الثورة الوطنية الديموقراطية منذ بداية الخمسينيات. ولكن لم نكن نعلم بوجود مراكز قوى داخل الحركة من العناصر الشمالية ترى أن أي اتصال ب(دكتور جون) لابد أن يكون من خلالها. لذلك عطّلت قيام الورشة التي اتفقنا حولها وافسدت كل المقترح. ولم يقف هؤلاء عند هذا الحد، بل وضعوني حتى اليوم في قائمة سوداء. وأذكر أنه بمناسبة احتفالات توقيع اتفاقية السلام في (نيفاشا) دعا الرفاق في الحركة الشعبية، حتى مغنيات الدلوكة وتجاهلوا - عمدا - مركز الدراسات ومديره. ويعملون حتى اليوم على توتير علاقتي مع الحركة.
طرحت عام 1998م مبادرة أسميتها "المساومة التاريخية" دعوت فيها إلى حل سلمى بين القوى السياسية يقود إلى مؤتمر دستوري. فقد شعرت بأن الحكومة والمعارضة في حالة ضعف، وأن صراعهما سوف يستنزف البلاد وقد يقود للتقسيم والتفتت. وجلبت على المبادرة لعنات المعارضة، وأطلقوا شائعات: "قابض من السفارة" وحدد لي أستاذ تاريخ بجامعة أم درمانية المبلغ بالأرقام. وكان عليّ أن أعاني من حملة تشكيك ومضايقات من داخل معسكري نفسه. وطبعا من الأمور الغريبة أنني لم استطع الحصول على عضوية (المنظمة السودانية لحقوق الإنسان) طوال وجودها ووجودي في القاهرة. كذلك عندما عدت للخرطوم لم يكن ممكنا الحصول على عضوية اتحاد الكتاب السودانيين لأسباب لا أعلمها حتى اليوم، مع أنني أعتبر من بعض أكثر السودانيين تأليفا، علما أن من بين أعضاء اللجنة التنفيذية من لم يصدر له ولا كتاب واحد أو ديوان شعر. وكنت قد أشرت لبيان الاتحاد عن إغلاق المركز. هذه هي القوى الحديثة والإنتلجنسيا التي تبشرنا بالتغيير والسودان الجديد والديمقراطية! وهي لا تحتمل الاختلاف والنقد حتى من داخل صفوفها. ولكن فضيلة الاستغناء عن أمثال هؤلاء كانت تجعلني استقبل مثل هذه السلوكيات بكثير من الاحتقار والاستخفاف بقدرتها على أن تجبرني على تغيير مواقفي وقناعاتي.
Get new additions by email
We are adding Hayder Ibrahim Ali's books, articles and photos over time. Leave your email and we'll let you know what's new.