Hayder Ibrahim AliAutobiography
أزمنة الريح والقلق والحرية

الفصل الخامس: بين العمل ومغازلة الحرية

Contents

We, Hayder Ibrahim's family, are making all his books freely available for the public good and to continue his project of enlightenment. All rights remain reserved: the books may not be printed or published without written permission.

بعد التخرج من معهد المعلمين تم توزيع الحاصلين على امتياز على مدارس العاصمة، قريبين، لاحتمال استدعائهم في أي وقت لإجراءات الابتعاث. وهذا سبب وجودي بمدرسة (الخرطوم بحري) الثانوية. وكانت تلك النتيجة مفاجأة للكثيرين أن يحرز ذلك الأشعث الأغبر ذلك التقدير الرفيع. وأحدثت النتيجة ارتباكا حتى في الإدارة التي سيحرجها اختياري مُعيدا. وعلمت من أساتذتي في شعبة التاريخ أن العميد (محمد التوم التيجاني) مُعترض، وعامل (فيتو) على أن أكون يوما ما مدرسا يخرج مدرسين. وطبعا عنده حق - لحد ما - فقد كان يرى شكلي الغريب، ويسمع عن أفكاري الأغرب من زملاء لنا كان يقربهم.

المهم، فقد تم تعييني في الدرجة (Q) بمرتب 48 جنيه، وهي من الدرجات أو الأسكيلات العليا في الخدمة المدنية. وبعدها بدرجتين (DS) ثم (B) ويدخل الأفندي زمرة كبار الموظفين. وهكذا يخرج المتعلمون السودانيون من مصيدة التنافس على (العشرة الأوائل) ثم القتال على (Grade one & two) ثم النزاع حول مرتبة الشرف الأولى والثانية في الجامعة. وبعد ذلك يبدأ الجهاد الأكبر في دهاليز الخدمة المدنية. فقد كان على الأفندية المساكين أن يفنوا زهرة عمرهم وأن يبذلوا ماء وجههم رخيصا لإرضاء الباشكاتب حتى المدير والكيل. وصارت بيئة تتسم بالخبث والكيد أو ما تسميه البيروقراطية العتيقة ب: "الزُمبة"، وهي مقسمة مثل الصواريخ لأنواع: زومبة أرض جو، أو جو جو.. الخ. ومع غياب الإنتاج والعمل الإبداعي تتجه كل الجهود لتحقيق أحلام عصافير الأفندية. وأتذكر الطاقة والجهد الذي بذله أحد زملائنا المدرسين ببحري الثانوية للترقية. وبعد أن نالها، بدأ معركة (طربيزة أو مكتب) الدرجة الجديدة، بادراج أكثر ومكسوة بجوخ أخضر. وكل هذا على حساب وقت تجويد دروسه والتحضير وراحة باله ليركز على احتياجات طلابه. فالأفندية طبقة طفيلية تسببت في تخلف الوطن ثم ضياعه. وقد أكتسبت بفهلوتها (يعرف حامد عمار الفهلوة بأنها الوصول إلى أقصى النتائج بأقل المجهودات) تسميات وصفات مثل الخريجين، والصفوة، والنخبة، والمثقفين، والطليعة، والقيادة... الخ. وهي في الواقع لا تمتلك أي قدرات أو طبائع تؤهلها لأي من تلك الصفات؛ ومن المعروف، أن الأفندية "المطاميس" يتميزون بعدم جدية مُطلقة. فهم يميلون إلى السهر، والقعدات، ولعب الكوتشينة، خاصة: الكنكانات والوست، والسكسكة أي السامبا أو السمبة والرمبة. والمزات وأكل كبدة الجمل النيئة، وأم فتفت، والحلة: الجقاجق (صوت الطعام في الحلة يثيرهم فأطلقوا عليه هذا الاسم) ويرددون الأغاني الدكاكينية، مثل: الحجل بالرجل يا الأفندي سوقني معاك، وتعجبهم أغنية: الغالي تمر السوق كان قسمو ما بحوق. ويُعتبر (الكابلي) رغم أنه يقال عنه فنان "مثقف"، مارشال بارع في الأغاني الدكاكينية، بل يحول ويحور بعض المدائح، سمعت له في عام 1961 قصيدة الشيخ الكباشي:

جيت أزور جبلوا

مالقيت قبلوا

الكباشي قيدو في شبلو

الكبير ذوقو دردقو وزقلو

دحرجو ونبلو

قالو هاك شوفو بلعو جب أكلو

أهلو جو يشكولو

عدمو الصوفه من الطرق زقلو

كما غني: "لبس المايوه ود مدني ورقص البايو ود مدني". وهناك (دكاكينيات أفندية) لا يمكن كتابتها بسبب مستواها الهابط، هذا ويوجد في أغلب مدن السودان "نادي الموظفين" وهو ملتقى للكوتشينة والنميمة والهزل، ولم يفكروا أبدا في فصول محو أمية أو حركة مسرحية أو فنية. رغم أنه قبل الاستقلال كانت أندية الخريجين جادة نسبيا وخرجت منها دعوة (أحمد خير) لكيان يجمع الخريجين واتفق على (المؤتمر). ولم تعد الأفندية توصيف لمهنة أو عمل، ولكنها تحولت إلى إيديولوجية وثقافة وفلسفة أي نمط حياة ورؤية متكاملتين (effendism). وقد انعكس تأثيرها على العمل السياسي، والاقتصاد والمجتمع. وسلبيات من نسميها الشخصية السودانية هي وليدة عقلية الأفندية وروحهم، مثل: الخيال الفقير، عدم المثابرة والصبر لتجويد الأشياء، الحسد والمنافسة العمياء، الأنانية، والمظهرية، والميول الاستهلاكية والتفاخر. ومن مظاهر عقلية الأفندية، يحدث لهم نوع من التثبت أو (fixation) في مراحل مبكرة من حياتهم، لأنهم لم يحققوا إنجازات جديدة. وفي بالي قانوني كبير تجاوز الثمانين كان أول الشهادة الثانوية سنة 48 أو 1949، ولكنه يتعامل كأن نتائج الامتحان قد أعلنت بالأمس. كما أن من عُقد الأفندية، أن الواحد يعيش حياة مقلوبة يفعل في شيخوخته ما كان يجب أن يفعله في شبابه. فهو يستهل حياته ملتزما وجادا وصارما في مواقفه الفكرية والحياتية - يساريا كان أم يمينيا - ولكن مع تقدم العمر بالذات عند ما يُسمى (أزمة منتصف العمر) أو (mid-life crisis) يعود الأفندي مُراهقا شرسا وكأنه يريد أن يعوّض ما فرط فيه من ملذات في شبابه حين كان مُضحيا من أجل الايديولوجيا والوطنية، يجري وراء البنات الصغار، متأسيا بود الرضى: "الله يكبرن الكبرني وكبرن"، ويلهث وراء جمع المال خاصة لو اغترب أو تقلد "منصبا دستوريا" في زمن "دار أبوك إن خربت شيلك منها شلية". ولا يضع في الاعتبار قانون الدهر الذي يرفض أن تأكل (أم جُركم) خريفين، فتكون الرغبات والشهوات عظيمة ولكن يكبحها "خذلان الجسد" كما يقول درويش. فقد يكون بالنسبة له زمن الفلوس الكثيرة والأبُهة، ولكن يلازمه - لسخرية القدر - السُكري، وضغط الدم، والرطوبة، والديسك، والقاوت. كما يمارس الكثير من الأفندية عودة غريبة للتدين تتسم باختيارات خرافية، وشعوذة، والبحث عن شيوخ. رغم أنه كان من الممكن أن يعتنق دين المستضعفين كما يقول (علي شريعتي). ولكنهم قلدوا الإسلامويين، فاختاروا دين الكروش، والفلوس، والمنازل العالية، والنسوان المنتقية - كما يقول نجم - في قصيدة (نحن مين وهما مين). كل نقاش المجلس الوطني الإخواني، حول التعدد الزواجي وليس السياسي، وامكانية زواج القاصرات، وختان الأناث، هذا اختزال غريب للحياة وهموم الشعب. وللإستزادة راجع مداخلات الشيخ الداعية (دفع الله حسب الرسول) في المجلس.

كانت تجربة التدريس مبهرة وكاشفة، وتعاملت معها بصدق ومحبة. ولم تكن مجرد مهنة، ومن أسباب هذه العلاقة الإيجابية، تأثير فيلم (To Sir, with Love) للممثل الرائع: (سيدني بواتييه). وطبعا مسرحية (مدرسة المشاغبين) اقتباس ممصرن ظريف. ولم يكن يعجبني تظلم المدرسين الدارج والدائم في السودان: "المعلم شمعة تحترق لتضئ للآخرين"، كذلك لم تجذبني مبالغة: ".. كاد المعلم أن يكون رسولا". فالقول الأول لا يخلو من امتنان وتنبيه للجحود، والثاني مغرور وينتظر المكافأة والثواب. فقد حرصت على ألا أكون شمعة أي أداة نشر النور والضوء ولكن أن أكون النور نفسه أي جزء من عملية تنوير. وفي دروس التاريخ، كنت عند تعليم الثورة الفرنسية أشعر وكأنني داخل الجمعية الوطنية أجلس على يسار المدخل مع اليعاقبة وانظر للجبليين والجيروندين. ونفس التماهي التاريخي أعيشه مع الثورة البلشفية، مستدعيا كتاب (جون ريد) المعروف: (عشرة أيام هزت العالم). أشعر وكأنني على درج (قصر الشتاء) في انتظار حضور (فلاديمير إيلتش لينين). ويدخل بقامته القصيرة وصلعته الوضاءة، ويتقدم اليه فلاح خشن اليدين على المنصة، ويلبسه معطفه الريفي الكثيف فقد خشي عليه من برد موسكو في أكتوبر. وبدوره أخرج لينين ساعة جيبه الضخمة ووضعها للفلاح في جيبه ردا للتحية. أشعر - حقيقة - وكأنني حاضر لكل تلك الأجواء الحميمية الودودة مضمخة بعبق الثورة. وكونت في المدرسة جمعية (الفكر الاشتراكي)، وكان (الإخوان المسلمون) يجندون الطلاب من خلال جمعية (الثقافة الإسلامية). وكانت عملا جريئا جلب عليّ متاعب من جهات عدة. والغريب أن أصدقائي من المعلمين الشيوعيين في المدرسة تقبلوا الفكرة على مضض لأنها لم تكن مبادرة من "التنظيم". وكونت مكتبة للقراءة وانتظمنا في عقد محاضرات وندوات، كما كنا نقوم بنظافة وتجميل المدرسة في العطلات والقيام برحلات داخلية.

من تجارب التدريس الممتعة والصعبة معا، حين فرض وزير تعليم (النميري) (محيي الدين صابر) سلما تعليميا غريبا اقتبسه من مصر. فقد تقرر تقسيم التعليم إلى مسارين: أدبي وعلمي. وعند التطبيق، اقترح الناظر (محمد سعيد معروف) أن يكون آخر (35) طالبا في الترتيب هم الفصل الأدبي. واعترضت على ذلك تربويا، باعتبار أن هذا التقسيم يعني أن أبلد الطلاب هم الذين يلتحقون بالقسم الأدبي. وحاججت بأن من الأدبي قد يأتي مؤرخون عظام وشعراء مجيدون ودبلوماسيون. وبعد جدل فاز اقتراح الناظر، وبخبث شديد خاطبني: "مادام دافعت عنهم كدة تبقى أبو الفصل الأدبي". وقبلت التحدي، وتجمع لديّ أغرب 35 شخصية من شباب (الخرطوم بحري) وضواحيها، في سن المراهقة، من متنوعي المزاجات والقدرات والمواهب مع إحساس باختلافهم وبالتأكيد مع علمهم بكيفية طريقة اختيارهم. وقمت بإعداد دفتر سجلت فيه معلومات أسرية وعامة عن كل واحد ولمتابعة الحضور والغياب والعقوبات والمشكلات مع الأساتذة. وكل شيء كان ممكنا في ثالثة أدبي، كان من بينهم اثنان من الطريقة البهائية وبينهم مدخنون لأنواع عليا من السجائر. وفي امتحان الهندسة في الشهادة، وكنت أساعد كل المراقبين في مراقبتهم، نادي على أحدهم وقال: "يا أستاذ البرجل دا كل ما أفتحه القاه ضيق!" وكان البرجل مفتوحا للآخر ولكن كانت له عيوبه الخاصة. وبعد دقائق سلم الكراسة وخرج. وقلبت الكراسة فوجدته كاتب أغنية الحقيبة: أندب حظي أم آمالي.. دهري قصدني مالو ومالي.. تقول كتابني عند رمّالي. ولكن حقق بعضهم نتائج جيدة والتحقوا بالجامعات والمعاهد، ومازالت علاقتي بهم حين القاهم مليئة بالقصص والطرائف. وأذكر أن أحد الطلاب (ع. ن.) أصيب بحالة نفسية وكان يسكن ب(الشعبية) وكنت بـ (المزاد) على شارع المعونة، وعندما يتضايق يأتي إلى في أي وقت وقد أذهب به لحديقة (عبود) مثلا، حتى يرتاح وأعود به إلى منزله. وحين علم بسفري جاء لوداعي، وقال لي بطريقته الضاحكة المقهقهة:

ياستاذ ياستاذ: زمان الناس هداوة بال وأنت زمانك الترحال!

وكأن ملائكته أو شياطينه سمعت تعليقه وحولته لمصير أو أمنية تلاحقني، وحتى اليوم حين أحزم - استف - شنطتي لأي سفر، أردد بيته أو بيت الكابلي.

ظللت ببحري الثانوية في انتظار استدعاء إدارة المعهد للتعيين، ولكن راودني شك ما، وفي نفس الوقت خشيت الوقوع في شراك "الأفندوية"، وأن تجرفني أجواؤهم ونمط حياتهم البائس. فقررت الالتحاق بجامعة القاهرة - فرع الخرطوم، وانتسبت لقسم الاجتماع في عام 1966 نفس سنة التخرج من المعهد وحصلت على ليسانس بدرجة جيد. وكانت تجربة مفيدة لنوع مختلف في التحصيل العلمي. فقد كنت اعتبر "الفرع" والانفتاح على الجامعات في المعسكر الشرقي، شكلا جيدا لديمقراطية التعليم وتنوع مصادره. وتميزت "الفرع" بوجود نوعية ممتازة من الأساتذة خاصة وأنهم نشّطوا الكتابة عن السودان، فألفوا في ميادين عديدة في الأدب، والقانون، والاقتصاد، والتاريخ، والاجتماع وعلم النفس. وقد تفوقوا في بعض على رصفائهم السودانيين. وقد قصدت بديمقراطية التعليم، توسيع قاعدة من نالوا درجات جامعية، لأن أعداد المقبولين محدود للغاية بسبب قوانين القبول المتزمتة. ولكن هذا لا يمنعني من إدانة فساد الأحزاب وتدخلها في القبول، ففي جامعة القاهرة - الفرع عُرفت قوائم الختمية التي كانت ترسلها قيادات حزب (الشعب الديمقراطي) بزعامة شيخ (عبدالرحمن)، لإدارة القبول والتي لم تكن تملك - لأسباب سياسية - حق الاعتراض، رغم أن الكثيرين في هذه القوائم لم يكونوا يستوفون الشروط الأكاديمية المطلوبة. وطالت القوائم السياسية كليات القمة - الطب والهندسة - في مصر نفسها. وحدث نفس الشيء بالنسبة للدراسة في دول شرق أوربا، فقد كان الحزب (الشيوعي) يستغل، في بعض الأحيان، العلاقات الرفاقية، مخترقا صرامة الشروط الأكاديمية بفرض طلاب أقل من المستوى المطلوب في شهادات القبول.

أما الجوانب الإيجابية في هذا التوجه، فقد أتاح فرصا أوسع لأعداد كبيرة من الطلاب الذين كان يمكن أن تضيع منهم فرصة التعليم العالي بسبب قلة المقاعد المتاحة مما يقتضي رفع سقف تقديرات النجاح في الشهادة. ولم يعد التعليم الجامعي صفويا والتشغيل محتكرا، فاتسعت المنافسة. وتفتق ذهن الأفندية على بعض الحيل لوقف تدفق الخريجين على سوق العمل. فقد صارت كلية الحقوق بجامعة القاهرة-فرع الخرطوم، منافسا خطرا لخريجي القانون من جامعة الخرطوم. فكانت فكرة "امتحان المعادلة"، وكان القصد منه وضع حاجز أمام الآخرين من خلال تفوق خريجي جامعة الخرطوم في اللغة الإنجليزية. وبالفعل، واجه الخريجون من الجامعات الأخرى، عقبة كؤود سرعان ما تغلبوا عليها وأظهر خريجو جامعة القاهرة قدرات وكفاءة عالية في المحاماة والقضاء.

من إيجابيات هذا التوسع أيضا، كسر احتكار الثقافة الأنجلو-ساكسونية، لعقول الخريجين والإنتلجنسيا عموما. فقد انفتح الباب واسعا أمام الثقافات العربية، والسلافية، والفرنسية، واللاتينية. وحتى من النواحي غير الأكاديمية، فقد تعرف جيل ما بعد الاستقلال من الخريجين على ثقافات ومجتمعات أخرى، ولم يعد السودانيون منغلقين ومحليين، بل حدثت في بعض الأحيان زيجات مختلطة. ولا أشارك الرأي الذي يقول بأن تنوع مصادر التعليم العالي، قد تسبب في تدهور مستوى التعليم الجامعي. فالتعليم الجامعي يعتمد على رغبة الطالب الذاتية في الاستزادة من البحث والمعرفة، وعدم الاعتماد كلية على الأستاذ والكتاب الجامعي (أو المذكرات). وهذا هو المفقود في كل الجامعات العربية، بسبب غياب الحرية في المجتمع نفسه وهيمنة السلطة المطلقة في كل مسارب العقل والحياة العربيين. فمازال التعليم الجامعي العربي يهدف لتخريج موظفين وليس مفكرين ومبدعين.

بدأت الاهتمام بالعمل النقابي بعد أن عملت بالتدريس منذ عام 1966 حتى يونيو 1971. ونشطت في رابطة (المعلمين الاشتراكيين) داخل اتحاد معلمي المدارس الثانوية واتحاد المعلمين. وقد نشطت أثناء إضراب المعلمين التاريخي في عام 1968 في الجانب الإعلامي. وكنت أكتب موضوعات مؤيدة ومبررة استمرار الإضراب، بالذات في صحيفة (الرأي العام) فقد أفسح لنا أحد المعلمين المتعاونين (الطاهر عبدالكريم؟) مع الجريدة صفحة دورية. هذا وقد أثر انشقاق الحزب الشيوعي في عام 1970 على وجود اليساريين في النقابة. وكنت أساند جناح (عبدالخالق محجوب) في انتخابات النقابة. لذلك قدم ناظر المدرسة (محمد سعيد معروف) اسمي كأول شخص في قائمة التطهير بعد فشل حركة 19 يوليو 1971. ولكنني كنت خارج البلاد منذ أكثر من شهر.

خرجت من التدريس، رغم كل الظروف السيئة والمضايقات الرسمية، برصيد رائع من الصداقات الرائعة والنادرة. فهناك (شكر إبراهيم) الإنسان النقي، البريء، المخلص، الوفي، والذي لم تنقطع علاقتي به منذ أن عرفته في عام 1966. والخواجة (روجيه عبدالسيد) - كما نود أن نغيظه - وحتى قبل شهرين جاءا - هو وجوليت - في زيارة من (كندا) وبالطبع لابد أن نلتقي ونتذكر. وصارت هنالك علاقة وطيدة مع الأسرة من كلا الجانبين، منهم عمك (دانيال روفائيل سعد) والد (جوليت) ويقال أن القضارف سُميت على جدهم: قضروف سعد. وما أجمل الدنيا حين تزينها صداقة مع (محمد غبوش) ولكنه فاجأنا برحيل فاجع مُبكر. والفنان (محمد مضوي شيخ إدريس) بالوانه البهية وبعض من مدرسة (الخرطوم) والغرق في حدقات الصبايا، وقباب العيلفون ومشرديها الظرفاء. وتطول القائمة: (بشير قسم الله، علاء الطريفي، الهادي أحمد محمد صالح، أولاد نمر أحمد، محمد علي، عبدالحميد الحلفاوي، عبدالمنعم (موني) صائد اللغة الإنجليزية، وأسدالله، محمد الفاتح، أولاد رستم، سعيد عبدالقادر الحاصل على أول ميدالية ملاكمة ذهبية في الدورة الأولمبية الأفريقية عام 1962، عثمان ألمو "رائد الجاز" .. كما كان لي شرف تدريس عدد من الطلاب النوابغ المنثورين في كل أنحاء العالم. وما زالوا يتعاملون معي، حين ألقاهم بنفس الاحترام وذلك الود القديم حين كانوا. وفي كل صيف التقى بعدد منهم في لندن وقد صاروا أطباء ومهندسين وتكنوقراط مبرزين، وهذا بعض من سعادتي ورضاي.

التحقت بالمركز الثقافي الفرنسي، كان في عمارة التأمينات بشارع القصر، في أول أغسطس 1968. فقد كان الدكتور (محمد علي مختار) أستاذي في التاريخ الإسلامي وخريج (السوربون)، صديقا لي أيضا. وكان (الدكتور) - حصرنا هذا الأسم فيه حتى بعد ما ملأت الدرجة البلاد - متعاطفا مع حالتي في القسم بالمعهد. ولكنه عجز عن فرض رأيه على الإدارة. فوعدني بأنني لو ذهبت لفرنسا ممكن يدبر لي منحة خاصة. وكنت مُعجبا به، لأن بيننا ما هو مشترك. فقد كان فيه قدر كبير من الوجودية والصوفية والفوضوية. وكان من أوائل السودانيين الذين حصلوا على درجة الدكتوراة في منتصف خمسينيات القرن الماضي. وكانوا مجموعة طلاب من مصر استفادوا بما سُمي ببعثة الوزير المصري (عبدالرازق السنهوري). ومن بين هؤلاء الدكاترة: أحمد السيد حمد، بشير البكري، عقيل أحمد عقيل، محيي الدين صابر.

بعد أن أكملت كورسين في اللغة الفرنسية بنجاح، قلت للدكتور: الآن وفرت عليك بعضا من زمن تعلم اللغة بفرنسا. ولم أفقد الأمل تماما في المعهد، ولكنني بعدها حسمت قرار خيار الهجرة وخططت لمستقبلي: أن أجاور (سارتر) و(سيمون دوبوفوار) في الحي اللاتيني وأن يكون وطني الجديد (سان جرمان). فأخبرت الدكتور بقراري وتواعدنا على اللقاء هناك في نهاية يوليو 1971. وفي يوم 11 يونيو 1971 كنت في (أثينا) وقطعت تذكرة ذهاب فقط (كانت بالمناسبة 61 جنيه!) ولم أمنح نفسي فرصة تردد أو تراجع. ومن اليونان توجهت ل(براغ) وهناك قابلت طلابي من بحري الثانوية. وعندما علموا بنيتي عدم العودة ورغبتي في دراسات عليا، اقترحوا على البقاء في (تشيكوسلوفاكيا) خاصة وقد كنت أحمل - احتياطا - توصيات لنقابات المعلمين الصديقة في بعض بلدان المعسكر الاشتراكي. كما أن الملحق الثقافي هناك، كان الأستاذ (عثمان محجوب) شقيق (عبدالخالق) وزوج الدكتورة (خالدة زاهر)، وقد درسني في الثانوي وزاملته بعد ذلك. وكانت أمامي في جامعة (شارلس) و(17 نوفمبر) وكان الصديق (عبدالسلام نورالدين) يحضّر هناك في تلك الفترة. وأصرّ طلابي على بقائي، ترددت ثم حسمت أمري، وقلت لهم: "ياجماعة أنا بتصور نفسي اشتراكي شديد جدا، ولكن لو قعدت في البلد دي سوف يهتز إيماني بالاشتراكية. لذلك خلوني أمشي بلد رأسمالي وأحافظ على حلمي".

وبالفعل، كنت في مساء اليوم التالي في طريقي إلى (ميونخ). وأثناء تجوالي في المدينة قابلت (أحمد اليوغسلافي) لاحقا. فهو طالب يأتي كل عام من يوغسلافيا للعمل في فرانكفورت. واتفقنا على الذهاب سويا، وفي صباح اليوم التالي، كنا في ال (highway) قاصدين المانيا نستوقف السيارات بطريقة (ياعم) أو (hitch-hiking). ورق لحالنا، جندي أمريكي - أفريقي، قال أنه ذاهب للقاعدة الأمريكية في (فيسبادن) ويمكن أن يوصلنا أطراف (فرانكفورت) وقد كان. ولأن (أحمد) يعرف (علي الشيخ) من العام الماضي، والذي قام باستضافتنا في أريحية نادرة. فقد تقاسم معنا النبقة أي غرفته، ولم أنس مطلقا هذا الجميل من (علي) رغم كل شطحاته، وسوف تأتي بعض التفاصيل عنه لاحقا.

ضمت (فرانكفورت) مجموعات بشرية نادرة وتمثل في تفردها كل البشرية بخيرها وشرها، نجاحاتها وفشلها، حبها وحقدها. ومن البداية، كانت خطتي تمضية أسبوع فقط في المانيا. ولكن سألني (حرافيش) المدينة: "لماذا تريد الذهاب لفرنسا؟" وكان ردي: "أدرس وأحضّر" .. سألوا: "عندك منحة ولا أهلك غنيانين ممكن يدفعوا ليك؟" .. رديت: "ولا هذا ولا ذاك، ح اشتغل وأقرأ".. كان ردهم: "إنت الآن في أحسن بلد ممكن تقرأ وتشتغل فيها، أحسن تقعد قبلك". وقعدت وبدل سبعة أيام، قعدت سبعة سنين من 71 وحتى 1978. ولم أصل الدكتور في الحي اللاتيني حسب موعدنا وقابلته سنة 80 في الرياض واعتذرت له عن خلف الموعد! وشرعت في تدبير أمور الاستقرار من عمل وكورس لغة وسكن وإقامة شرعية فقد انتهت مدة (الفيزا) السياحية. وكانت الفترة من يوليو 1971 حتى يناير 1972 قمة المغامرة والعيش في خطر، وكان من الممكن أن أفكر في التراجع. ولكن أحداث يوليو 71 الدامية في السودان، قالت لي: العدو من أمامك والبحر من خلفك!.

وجدت نفسي فجأة من أفندي في (DS) إلى عامل في الخدمات التي يرفضها الألمان ولكن الساعة بسبعة ماركات. كنت أحمل كارت اتحاد الطلاب العالمي المسمى بـ (international card) والذي كان يعطيني خصما كبيرا في السفر والحق في سكني بيوت الطلبة (hostels). ولكنه أعطاني ميزة عظيمة، حين قُبل كبطاقة طلبة المانية ومُنحت الحق في كارت "عمل مؤقت" كطالب في العطلة، ويمكن أن أنافس في الوظائف القليلة التي تأتي لمكتب التشغيل السريع للطلبة (Schnell dienst). كان النظام مثل اللوتري تسحب رقما وينادي على المهمة ويكسب صاحب أصغر رقم. وحصلت على أول عمل متواضع - نقل ركام تجديد عمارة لشركة (Hapag-Lloyd) - وهي تقع في قلب المدينة في الشارع الرئيسي (Kaiser Strasse) أي ستكون مكشوفا، وقد حدث أن صادفني عدد من السودانيين، ولكنني قلت: "البرقص ما بغطي دقنو!".

كان العمل الأول في المانيا دراميا ولن أنساه ما حييت. فقد وجدت الشخص الآخر الذي سيعمل معي مصريا وكان ضابطا شابا في حرب يونيو 1967، اسمه (جلال).

ومع بداية العمل رآني نشطا أملأ (الدرداقة) بالدراب والخشب والحديد الذي يجب علينا رميه في الخارج، فأوقفني قائلا: "شوف يا حيدر الشغلانة دي مكتوبة أربعة أيام ونرجع نفتش شغل تاني، لازم الشغل دي ما ينتهي خالص، رجع تاني الحاجات اللي طلعتها". ورديت عليه: "لكنهم سيلاحظون البطء ويطردوننا". قال: "طب مالو ح يطردوننا بعد ثمانية أو عشرة أيام، حنكون كسبانين كام يوم". ونفذت خطة العمل والذي استمر فعلا أسبوعا. وفي هذا الأثناء، وقع (جلال) في حب محاسبة الشركة ذات الستين خريفا. وفي أحد الأيام جاءت الينا في الـ (keller) تبكي والبودرة مع الدموع لطخت الوجه المجعد و(جلال) يصرخ فيها بانجليزية تضرس:

"No, you will stand in the street under the light!"

وسألته ما قصده؟ فقال لي أنت مش شايف العاهرات الواقفين بالليل في الشارع تحت أعمدة النور؟ قلت لها حتكوني زيهم لأنه لقيت معاها صاحب. وبعد فترة قصيرة أرسلت له ورقة قرأناها معا، تقول:

"I love only three mans: Jalal and Abd and Fatah!"

وأخيرا بعد عشرة أيام أعطونا إنذار 48 ساعة أن يكون المكان بلا حصاة واحدة، وفارقت (جلال). ولكن في أحد الأيام وأنا جالس في الكافتيريا (mensa) جاء لي بعض السودانيين بإمرأة فوق السبعين قائلين: "أهو دا السوداني اللي بيعرف جلال!" وكانت زوجته (مارية) القبطية التي تزوجها بعد مقتل زوجها اللواء في الحرب وكانت لديهما عقارات ضخمة مما جعل (جلال) يقفز على حاجز الدين والسن. أوصلتها لشقة (جلال) ثم التقيته بعد حوالي شهر، وبعد السلام سألته عن (مارية). فرد كعادته بلا تردد: "هي في مصر، أديتها مقلب ابن كلب، أول ما إقامتها انتهت رحت مبلغ البوليس ورحلوها على طول!"

شرعت في خطوات الاستقرار - رغم أنني أكره هذه الكلمة الميتة الراكدة - وكانت البداية السكني. استأجرت من الباطن غرفة في نفس بيت الطلبة في (Bockenheimer Warte) من الطالب (Bischop) مع صديقته الجامايكية التي كانت تذكرني بناس (دونا سمر) و(ديانا روس). لذلك تعاطف معي وأهداني بالطو جيد لاستقبال الشتاء، وزرت معهما كنائس الجنوب القوطية، وعلمني السماع للسيمفونيات. ولكنه ترك الدراسة وشارك في افتتاح كافتيريا دار الأوبرا الجديدة، كما انفصل عن الجامايكية. ولكنهما ساعداني كثيرا في التقديم للإقامة. وصادفت ضابط جوازات متساهلا يجيد الإنجليزية، فسألني: "أريد أن أعرف كيف مكثت في البلاد ستة أشهر بلا إقامة شرعية؟" فأجبت: "هذا دليل على أنني شخص جيد، لأنه كان من المحتمل أن تقبض الشرطة عليّ في مشاجرة داخل بار أو ملهى ليلي، أو ملاحقتي متهربا من دفع تذكرة الترام. كما أن وظيفتي المبينة في الجواز هي (معلم) وليس عاملا أو تاجرا، فأنا شخص طموح أتيت للدراسة والعلم". فارتاح الضابط كثيرا للرد، وقال لي: "سوف أتجاوز عن المخالفة وأعطيك ستة أشهر جديدة حتى يوليو وعندها لو وجدت قبولا في جامعة سأمنحك عاما كاملا مع حق العمل في عطلة الصيف".

التحقت بمدرسة لغة اسمها (Lingua) في وسط البلد، لأن الدراسة في معهد (Goethe) كانت مكلفة، وهذه نفسها لم أستمر أكثر من شهرين وعجزت عن دفع المصروفات. فجمعت كتبا للغة الألمانية وبدأت في التعلم ذاتيا بمساعدة (محمد العلي الدعفس) أو (محمد السعودي) كما اشتهر. وكان بعض (حرافيش) من السودانيين، قد أوصوني بأن البارات والصديقات هما أسرع وسيلة لتعلم اللغة. وجلست للامتحان في يونيو، ونجحت، ولم يصدقني الحرافيش لأن حياة أغلبهم تأسست على الكذب المستمر بعد تراكم سنوات الفشل. وذهبوا بأنفسهم للتأكد من وجود اسمي على لوحة إعلانات الجامعة. وبعد ذلك تقدمت لعدد من الجامعات، وجاءتني موافقات أخترت من بينها جامعة (هايدلبيرج) لسمعتها وعراقتها الأكاديمية. ولكنني قررت الاستمرار في (فرانكفورت) للسكن وفرص العمل، كما أن المسافة ساعة واحدة بالقطار السريع والجامعة على بعد عشر دقائق من المحطة. وسجلت ووجدت أستاذا غانيا اسمه (Asamoa) شيوعي درس في (برلين) الشرقية، وبدأ في مساعدتي في إجراءات المعادلة وشروط الموضوع. كنت قد اخترت الكتابة في موضوع: الاشتراكية الإفريقية، كذلك تعلم لغات أفريقية خاصة الهوسا والسواحيلي. فقد برز العنصر الأفريقي في هويتي نتيجة لتعامل الألمان المتعالي وإشعاري بلوني الأصلي. ولكن فاز الحزب الديمقراطي المسيحي (CDU) في انتخابات الولاية. وكانت أول قرارات وزير التعليم هو تجفيف معهد الاجتماع والإثنولوجي، باعتباره وكرا للشيوعيين واليساريين، وبدأ في تقليص الميزانية، ثم أغلق وتوزعت أقسامه.

بدأت من الأول في البحث عن مشرف في فرانكفورت وموضوع آخر. وأثناء تصفحي لدليل الجامعة عثرت على أسم (كروننبيرج) (Andreas Kronenberg) وقرأت في سيرته الذاتية أنه مهتم بالسودان وله كتابات عن النوبة وترحيل أهالي حلفا. فاتصلت فورا بمكتبه وعلمت أنه في إجازة علمية وسوف يستأنف عمله في منتصف أبريل أي بعد شهر، فحددت مواعيد مقدما. وفي اليوم المعين ذهبت إليه في معهد (Frobenius). دخلت على رجل يميل إلى القصر، عريض الابتسامة وبشوش، حياني بالألمانية ورددت عليه. ولكن ما أن قدمت نفسي وسمع أنني من السودان، حتى صرخ بعربية مسودنة: "ياسلام أنا طوالي بحلم أنو سوداني يجي يحضّر معاي وكلمت ناس (نجم الدين محمد شريف)".

كنت محظوظا، ولكن (كروننبيرج) من المدرسة الأنثربولوجية التقليدية، بينما أنا لم أصدق أنني سأدرس في بلد المدرسة النقدية أو (مدرسة فرانكفورت) حاضنة أدورنو، وهوركايمر، وهابرماس، وفروم، وهربرت ماركوزة، وغيرهم المتعاطفين أو المتأثرين بالموجة.. وكان هذا مصدر خلافي مع (كروننبيرج) ولكنه كان طيبا وودودا ومن البداية كان واضحا حين قال لي: "هر (Herr) إبراهيم.. أنت عقلك كويس ولكن تفكيرك إشكالي (problematisch)، لذلك نتفق تعمل حاجاتك وتعمل حاجاتي كمشرف". ولابد من الاعتراف بأن ذلك الأستاذ المحافظ - قد نصفه بالرجعية - قدم نصائح مغرقة في التقدمية، وكيف يكون أبناء العالم الثالث واقعيين؟ وكان النقاش حول الموضوع، وأصرّ أن أكتب عن بلدي الكبير وإن أمكن قريتي والابتعاد عن الموضوعات (الإيديولوجية الرنانة). وقال لي: "بالمناسبة لا يوجد موضوع في الدنيا تافه ولا يصلح للبحث، يوجد فقط منهج تافه أو تحليل سطحي، فأنت يمكن أن تكتب رسالة جيدة عن تقليح أو تخصيب النخل أو تأديب الجحش". واتفقنا على كتابة (إثنوغرافيا الشايقية من خلال قرية القُرير)، هذا مطلبه وأضفت له، (التغير الاجتماعي-الثقافي بين الشايقية)، لكي أناقش نظريات التحديث والتحولات. وكان عملا مضاعفا ولكنني استمتعت به. وكان عليّ أن أدرس مادتين أخريتين ثانويتين (minor subjects)، فاخترت علوم سياسية وبالتحديد العالم الثالث (Dritte Welt) ونظريات التبعية فقد كانت موضة السبعينيات. والمادة الثانية كانت تسمى (Amerikanistik) وهي دراسات للأدب والمجتمع في أمريكا، فاخترت دراما وأدب الأمريكان الأفارقة أو (Black Drama) بتركيز على الفترة التي عرفت ب(Harlem Renaissance)، وكان لابد من الاهتمام اجتماعيا بنشأة موسيقي الجاز (Blues). وكنت قد قرأت كتابا طريفا ل(كامل زهيري) عنوانه: (ممنوع الهمس) يحكي فيه عن أسباب ظهور الجاز. فقد كان أصحاب المزارع من البيض يمنعون العمال الزنوج من الكلام همسا مع بعضهم، خشية التآمر والتخطيط للهروب. لذلك، كانوا يغنون أو يصرخون بأصوات عالية وحزينة.

وكانت من أهم وأمتع مكاسبي الفكرية في هذا الكورس، هو تعرفي على الكاتب والناقد الموسيقي والمسرحي (Le Roi Jones) والذي حوّل أسمه في بحث عن هوية إلى (Imamu Amear Baraka) (1934-2014). وبحثت في أدب (جيمس بالدوين) و(رايت).

مارست عددا من الأعمال الشاقة والتجارب الصعبة لتمويل الدراسة، وتصادفت بعض فترات "الركود" أو سوء الحظ حيث نقارب الجوع والتشرد. ولكن كنت قد "أمّنت" السكن بصورة وجودية وفوضوية رائعة لأكثر من عامين. فقد سكنت في (studentenheim) في شارع (Porthstrasse 1-3, Eckenheim) وتقرر إخلاءه وهدمه. وهنا تكونت لجنة من تروتسكيين وشيوعيين صينيين (KPD) وليس شيوعيين سوفيت (DKP) بالإضافة لفلسطينين من الجبهة الشعبية؛ وتقرر تحويل المبنى لكومونة مثل (Paris Commune) في عام 1871 ولم نعد ندفع إيجارات ونترك الدواليب الصغيرة والثلاجات في المطبخ العام مفتوحة، ولو غلطت واغلقت كيس بصل في دولابك الصغير، يسبوك كبورجوازي أناني ومتعفن! وكان عندي غرفتان 203 و 204 عشان لو لاقاني سوداني في المحطة مثلا مقطوع ممكن أبيته أو استضيفه يومين تلاتة. وبعد سنتين وثلاثة شهور تسربت لنا أخبار خطة اقتحام واجلاء بالقوة مما يعني احتمال القبض علينا وتغريمنا، فهربنا قبلها. وكان شعار الاحتلال هو: أن ندمر أو نخرب ما يدمرنا (أي الرأسمالية) أو (Wir machen kaputt, was uns kaputt macht).

من التجارب المضحكة في العمل، قمت في إحدى المرات بطلاء منزل بالجير وكان السقف متعبا ولكنني بعد أن أكملت "الوجه" الأول انبسطت واديته واحد تاني، وعندما رجعت اليوم التالي وجدت الطلاء قد وقع. ولكن كان أصحاب المنزل ظريفين وقالوا لي: "بالتأكيد أنت طالب وما عندك فكرة"، أدوني أتعابي ومعها كتاب هدية لأن الكريسماس كان على الأبواب. وفي أحد المرات كاد نيجري أن يتسبب في قطع قدمي، فقد كنا نحاول معا رفع سخان ثقيل الوزن فتركها ليقع عليّ وسحبت قدمي في لمحة، ونجت قدمي. ومرة أغلق على السواق عربة نقل موبيليا الباب الخلفي وذهب يشرب بيرة وكدت اختنق. ولكن خدمني الحظ في عملين الأول في شركة (Roland) للتأمينات، فقد كانت لأربعة أسابيع حتى يعود صاحب الوظيفة من الإجازة ولكنه لم يظهر مرة أخرى وعملت عاما ونصفا، وأعطيت إجازة سنوية 4 أسابيع ذهبت فيها للسودان ولكنني عدت واستمريت بعد الإجازة. أما العمل الثاني، فقد كان بناء مطار (فرانكفورت) واستوعب جميع طلاب الجامعة في المرحلة الأولى. وعندما بدأت المرحلة الثانية داخل المطار وعلى ال (counters) تقرر استثناء العرب وطلبوا تعبئة أرانيك توضح الجنسيات. فكتبت في خانة القطر (sued- sudan) فقاموا بتصنيف الأرانيك إلى عرب وغير عرب وبقي واحد غير محدد، فنادي المشرف على أسمي وسألني: أنت عربي؟ فقلت له مشيرا إلى لوني: "شفت قبل كده عربي لونو زي دا؟" فنادي على مجموعة من الغانيين وطلب مني أن أساعدهم في اللغة أثناء العمل. واعتبرها الأصدقاء العرب خيانة مبررة لأكل العيش. وقد عملنا معا في مطابع في أطراف المدينة، مما كان يقتضي الاستيقاظ مبكرا للحاق بموعد الشغل. واستمرت معي هذه العادة الجيدة حتى اليوم، إذ أنني أجلس من الساعة الخامسة صباحا على المكتب، مهما كانت الظروف الجغرافية، والمكانية، أو الصحية.

حصلت بعد جهد جهيد وبعد أن أثبت أكاديميا أن مسيرتي جيدة على منحة في السنتين الأخيرتين من مؤسسة (فريدريش إيبرت) (Friedrich-Ebert-Stiftung) وهي تابعة للحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD). وهي تخليد لذكرى القائد الاشتراكي وأول رئيس لالمانيا بعد أن صارت جمهورية من عام 1919 حتى وفاته عام 1925. وهكذا يظهر أنني صرت عميلا لجهات أجنبية منذ فترة مبكرة! المشكلة هي أن عملية الوقفيات للعمل الخيري والتعليم، تعتبر جزءا من شخصية الأوربي الغربي وثقافته. وهذا - للأسف - ما نفتقده في مجتمعاتنا، رغم أن ديننا حثنا عليها، ووعدنا بالثواب لو أنفقنا في هذه المجالات. ولذلك، من الطبيعي أن ننظر للعلاقات بين المانحين الغربيين للمؤسسات المحلية كمؤامرة وعمالة. لذلك، منظمة أطباء بلا حدود غربية، ومنظمات العفو الدولية وحرية الصحفيين، ومراصد حقوق الإنسان، كلها غربية.

وتتكاثر في الغرب الوقفيات (Endowments) والمؤسسات (Foundations). فنحن لا نملك تراثا مؤسسيا في العمل الإنساني والخيري الإنساني، وحين أردنا مجاراة الأوربيين ومنافستهم، لم تكن منظماتنا محايدة. فقد نظرت للعمل الخيري كوسيلة للتبشير الديني والدعوة الإسلامية. ففي الصومال مثلا، كانت المنظمات الإسلامية التي تبني المدارس، تفرض الحجاب على الفتيات - الأطفال.

استطعت بعد المنحة تنظيم تحصيلي الأكاديمي مستفيدا من نظام "الحياة الأكاديمية الحرة" (Frei akademische Leben) في تثقيف نفسي وليس مجرد الحصول على شهادة، كان من حقك اختيار المواد، والأستاذ، لأن المادة الواحدة يمكن أن يدرسها عدد من الأساتذة. ويمكن حتى اختيار موعد الامتحان، وهذا ما جعل الطلاب القادمين من مناطقنا يصبحون طلابا دائمين. ومن أطرف التخريجات لادمان حياة الطلبة، أن هؤلاء الطلاب قرروا حساب المدة التي أتموها بالدورات الأولمبية وليس بالسنين. يعني من الأسهل والمقبول أن تقول: حضرت أربع دورات أولمبية في المانيا، بدلا عن 16 سنة!

كانت أجواء ثورة ربيع 1968 الشبابية مازالت تهيم في الأرواح والأنفاس. وكانت الماركسية - فلسفة وعلم الاجتماع - تهيمن على الأكاديميا والحياة الفكرية. وقد صدقت نبوءتي التي قلتها في (براغ) فقد وجدت ماركسية في المانيا الرأسمالية أكثر من تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية. وكانت الجامعات غارقة في النظريات والمناهج الماركسية بكل تياراتها، والمدرسة النقدية، واليسار الجديد، والتبعية. وجميعها ذات أسس ماركسية بطريقة أو أخرى، أو على الأقل هيجلية، مع محاولة بنيوية (شتراوس) أن تجد لها جيوبا في أقسام الأنثروبولوجيا. وقد استغرب الكثيرون في ردودي في حوار مجلة (أوراق) (سبتمبر 2006) حين قلت أنني ماركسي ووجودي وصوفي، وفي نفس الوقت لست شيوعيا، فمازلت أؤمن بأولوية وأهمية التحليل الماركسي للمجتمع، لا يغير في ذلك سقوط (الاتحاد السوفيتي العظيم). فكثير من الشيوعيين ليسوا ماركسيين لأنهم غير مرتبطين بالواقع ولا يفهمونه لاعتمادهم على الإيديولوجيا وليس المعرفة العلمية. فقد اكتفى الشيوعيون بالشعارات وتحويل التنظيم الجيد إلى غاية في حد ذاته وليس مجرد وسيلة سياسية تساعد في إحداث التغيير. ولم يقدم الشيوعيون خريطة اقتصادية-طبقية، فقد ظلت علاقات الإنتاج في الريف الذي يمثل أغلبية السكان، توصف بمفهوم غير دقيق هو "شبه الإقطاع". وخلط بعض منظريهم بين "الاقتصادوية" والتحليل المادي-الطبقي.

كان مدخلي وتأثري الفكري الأول بمدرسة فرانكفورت، وباليسار الجديد؛ مصدره الأساسي هو: (هربرت ماركوزة) (Herbert Marcuse) (1898-1979) وقد كان الأكثر شهرة ومقروئية من بين رواد مدرسة فرانكفورت باعتباره "أبو اليسار الجديد" فقد قرأت له في السودان كتابه الشهير والذي صار عنوانه وحده كاف لوصف وضعية الإنسان المعاصر (One- Dimensional Man) أو (الإنسان ذو البعد الواحد) بالإضافة لكتاب (الإيروس والحضارة). وقد هاجم (محمود أمين العالم) - رغم تقديري الشديد له - هذا التيار بستالينية دوقمائية واصفا أيّاه بالتحريفية. وقد نجح (ماركوزة) في تمليك الشباب تلك الأفكار الفلسفية المعقدة أحيانا. فقد كانت (مدرسة فرانكفورت) وليدة عمل جماعي لأكاديميين مميزين، بينهم فلاسفة واجتماعيون، واقتصاديون، تعاونوا في (معهد البحث الاجتماعي) (Institut fuer Sozialforschung) بمدينة (فرانكفورت/ماين) عام 1923م. وتبنت المدرسة ماعرف بالنظرية النقدية، وهو توصيف تسمى به المدرسة كلها. ووصل قمة نشاطه منذ مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، حين صار (هوركايمر) مديرا له. ولكن مع تقلد الحزب النازي السلطة في يناير 1933، أضطر أغلب الأعضاء للهجرة إلى سويسرا والولايات المتحدة الأمريكية، لأنهم كانوا يهودا. ووجدوا في جامعة (كولمبيا) ملاذا، حتى عودته عام 1950 م.

يرجع البعض نشوء المدرسة لتداعيات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، حيث تحول مركز ثقل الاشتراكية شرقا بقيامها في روسيا وفشلها في أوربا الأكثر تطورا في رأسماليتها. وكان هذا عكس تنبؤات النخبة الاشتراكية، بالذات في المانيا. ومع واقع معقد وضعهم في خيار قبول الاتحاد السوفيتي للثورة الاشتراكية أو مساندة جمهورية (فيمار) المعتدلة. ولكن مال كثيرون منهم لخيار ثالث يقتضي مراجعة الماركسية جذريا، وهذا هو مبرر المدرسة النقدية. فهم رغم ماركسيتهم انتقدوا الفهم السائد لـ"المادية الجدلية" بالإضافة لنقد "دولة الايديولوجيا" في الاتحاد السوفيتي وقمعت تحرر نبضات الإبداع في الماركسية. وقادوا ما أسموه "مأسسة الماركسية"، وصعود الفاشية، وهزيمة حركات الطبقة العاملة في المانيا والتي تصدرها عدد منهم؛ شخصيات مثل (ماركوزة) و(أدورنو) إلى الوصول إلى نتيجة تقول بأن البروليتاريا لم تعد أداة التغيير الثوري. وافترضوا أن هذا الدور قد آل الآن للمثقفين أو للعقل نفسه. فالبروليتاريا أفسدها المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي الذي صارت تقلده، بتأثير من الثقافة الجماهيرية التي انتقدتها المدرسة حتى اتهمت بالنخبوية والصفوية.

صار التحليل النفسي جزءا من بنية المدرسة النقدية، ويرجع الفضل في ذلك، لكتابات (فروم) و(ويليام رايش) عن تحليل الشخصية. وجاءت الدراسة التي أنجزها (أدورنو) وآخرون بعنوان (الشخصية التسلطية) أو (Authoritarian Personality) ضمن سلسلة "دراسات التعصب"، لترفض تركيز الماركسية النصية على دور الرأسمال الاقتصادي في قيام الفاشية. فقد استخدمت الدراسة التحليل الإحصائي للاستبيانات، لدراسة استعداد الفرد لقبول الدعاية المضادة للديمقراطية، والتفكير الجامد المتعصب.

وهذه هي المدرسة التي جمعت بين التحليل النفسي والمعطيات والوقائع الاجتماعية. وتصل النظرية إلى أن سبب وجود الشخصية التسلطية والفاشية، هو ظاهرة سيكولوجية وليست سياسية بحتة، ولكن فلسفيا يمكن أن تمثل النظرية النقدية الترياق الوحيد لها.

وقد كانت مدرسة فرانكفورت ومدارس قريبة منها، في زماننا ذاك، تهاجم (الاتحاد السوفيتي) وتنتقد تجربته وهيمنته على الحركة الشيوعية الأممية. وقد راجت بيننا موضة توصيف تجربته ب"الإمبريالية الاشتراكية" أو (Sozial imperialismus).

وكنا معجبين بتجربتي (الصين) و(ألبانيا) ثم بعد إخفاقات الثورة الثقافية، بقيت تجربة (أنور خوجة) (1980-1985) فقط في (تيرانا). وتكتمل هذه الحقبة الفكرية والنظرية بانتشار نظرية التبعية أو (dependency theory) كما نحب أن نصطلح عليها. وزاد نفوذها بيننا لارتباطها مع تزايد الاهتمام بالعالم الثالث، أولا بدعم حركات التحرر الوطني ثم بالإفقار العالمي الذي عبرت عنه نظرية التبعية: المركز والهامش. وقد بدأت في أمريكا اللاتينية مع (Singer) و(Raul Prebisch) وبعد التطوير درسنا (Baran) و(Paul Sweezy) و(A. Gunder Frank) ثم صار لنا نصيب فيها، حين أصدر (سمير أمين) كتابه (التطور غير المتكافئ) في السبعينيات. وكانت هذه من مكونات نظرية عالمثالثية (نسبة للعالم الثالث) وكانت من قراءتنا في الميدان، كتابات (فرانز فانون) (Franz Fanon) (1925-1961) بالذات كتاب (المعذبون في الأرض) و(بشرة سوداء، أقنعة بيضاء) (Black Skin, White Masks). ووقفنا عند آرائه المبررة للعنف المضاد في مواجهة الاستعمار لتطهير الذات من الخوف والخضوع.

وأعجبنا بـ (أمليكار كابرال) في غينيا الاستوائية، و(أغوستينو نيتو) في أنجولا. ودرسنا تجربة تنزانيا الاشتراكية (Ujamaa) وفقا لميثاق (أروشا) الذي أعلنه المعلم (جوليوس نايريري). وتوقفنا عند (زنوجة) (Négritude) (ليوبولد سنغور) (1906-2001) بحذر وبقدر ما تساعد في الوحدة الأفريقية (Pan-Africanism). وقرأت في متابعة أدب الزنوج كل من: (ريتشارد رايت) (Richard Wright) (1908-1960) و(جيمس بالدوين) (James Baldwin) (1924-1987).

لم تنحصر التحولات الجذرية على الفكر والتعليم، بل طال التغيير أو الرغبة كل مناحي الحياة، بالذات السياسة والمجتمع. وكانت شعارات مثل: (كن واقعيا وأطلب المستحيل) أو (أهرب يا صديقي فإن الماضي يطاردك). ففي السياسة، سادت المجموعات اليسارية المتطرفة، فقد تمت استعادة أفكار (تروتسكي) و(روزا لوكسمبرج) (1871-1919) فقد كانت أفكارها تحظى بقبول واسع بين الطلاب، فقد كونوا في الجامعات تنظيما بنفس الأسم الذي أسست به مع رفيقها (كارل ليبكنخت) (Karl Liebknecht)، أي "عصبة أسبارتكوس" أو (Spartacus League). وكانت ناقدة للتجربة السوفيتية، ورفضت فكرة "دكتاتورية البروليتاريا". وحولا العصبة إلى (الحزب الشيوعي الألماني)، وأُعلنت انتفاضة (أسبارتكوس) في يناير 1919 (الجمهورية الألمانية الاشتراكية). ولكن اغتيل الاثنان من قبل ميليشيات يمينية ولم تحمهما حكومة (فريدريش إيبرت) الاشتراكية الديمقراطية بطريقة صادقة. وفي ذلك الزمن، كان (أسبارتكوس) يسيطر على أغلب الاتحادات الطلابية. ووجد الطلاب الأجانب أجواء جيدة للعمل السياسي في المانيا. فقد كان طلاب حزب (تودة) الإيراني من أنشط التنظيمات، لأن (الشاه) كان قد ابتعث أعدادا كبيرة لدراسة الهندسة والتكنولوجيا. وكانت علاقته مع السوق الألمانية قوية، خاصة شركة (كروب) للحديد وشركة (مرسيدس) للسيارات مقابل السجاد العجمي والكافيار. وكانت مظاهرات الإيرانيين عنيفة في أيام السبت وغالبا ما يصطدمون مع الشرطة. عاد الكثيرون منهم بعد انتصار الثورة ولكن أغلبهم أعدم، رغم أن من أسباب انهيار نظام الشاه الإضراب الذي نفذه حزب (تودة) بين النقابات في قطاع النفط. وتحول بعضهم لتيار (الخميني) الإسلامي وتقلدوا مناصب هامة. وكانت كل حركات التحرر الوطني، والمعارضات اليسارية والثورية، تجد في (فرانكفورت) موضعا صديقا ومساندا.

كانت (أنجيلا دايفز) (مواليد 1944) من أيقونات الحركة الطلابية واليسار في تلك الفترة، وكانت حيطان غرفنا لا تخلو من صورها، بشعرها المميز الذي دشن ال (Afro-look) وبسببه رفعنا شعار (Black is beautiful) لنعيد الثقة لأنفسنا جماليا وعقليا وإنسانيا. وكانت فرقة الـ (Rolling Stones) قد أهدتها ألبوم (Sweet Black Angel) وقد سبق لها أن درست علم الاجتماع والفلسفة عام 1965 على يد (ماركوزة) و(هوركايمر) وانضمت لاتحاد الطلبة الاشتراكي. كانت عضوة في الحزب الشيوعي الأمريكي ثم في مجموعة (الفهود السود) (Black Panthers) والتي كان من قادتها (ستوكلي كارمايكل) (Stokely Carmichael). وهي الآن أستاذة جامعية مرموقة "نديدتنا" في العمر. وكان (تشي جيفارا) هو الأيقونة الثانية الذي تملأ ملصقاته بالبيريه الأحمر كل أركان الحرم الجامعي. وكان رمزا للمثقف الثوري الحقيقي الممارس والمؤمن بالثورة في كل مكان. وقد حارب في (الكونغو) مع أنصار الزعيم الثائر (باتريس لوممبا) الذي اغتالته السلطات البلجيكية والقوي الرجعية المحلية. ثم انتقل للحرب في (بوليفيا) علما بأنه كان وزير الصناعة في حكومة الثورة الكوبية. وهناك تمكنت ال (CIA) من اغتياله في كمين. وقد نعاه (الشيخ إمام ونجم) في مناحة حزينة - لم تنس هجاء ثوارنا - يغني:

ما رأيكم دام عزكم
يا انتيكات
يا غرقانين
فِي المأكولات والملبوسات
يا دفيانين
و مولعين الدفايات
يا محفلطين
يا بتوع نضال آخر زمن
في العوامات
ما رأيكم دام عزّكم
جيفارا مات
لا طنطنة
و لا شنشنة
و لا إعلامات واستعلامات


شهدت فترة السبعينيات انتشار الحركات المسلحة، وقد جذبت فكرة المثقف الثوري، المناضل بالسلاح، أنظار الكثيرين. وكان المفكر الفرنسي (ريجي دوبريه) من بين ما سموا بالجيفاريين، وألّف كتاب: "ثورة في الثورة". وقد التحق بالقتال في أمريكا اللاتينية،

وحوكم بالسجن في بوليفيا، لثلاثين عاما. وتم التوسط وأطلق سراحه، ولكنه تراجع عن كل أفكاره بعد عودته لباريس وتحول لمفكر محافظ، أو على الأقل عمل مستشارا للرئيس الفرنسي (ميتران) (1980 - 1988). والشاهد، هو أن الثورة المسلحة وحرب العصابات - في المدن أيضا - هيمنت على تفكير قطاعات كبيرة من اليساريين، بطريقة تقارب التفكير الجهادي الإسلامي الراهن. وفي المانيا، تأسس عام 1970 (الجيش الأحمر) أو (Rote Armee Fraktion) والذي عُرف اختصارا ب(RAF). كما كان يُنسب لأشهر قياداته: (بادر-ماينهوف) وقاموا بكثير من العمليات المثيرة. وكنا نتابع خطف وقتل رجل الأعمال (Schleyer) في أكتوبر 1977، مثل مسلسل يومي مثير، حتى النهاية ووضع جثمانه في "ضهرية" عربة (فولكسواجن) خارج مدينة (كولن). وبعده تم التضييق على المجموعة، وانتهوا في عمليات انتحار جماعي. وكان بعض الثوار قد تخلى عن العنف مثل (كوهين بنديت) أو (كوهين الأحمر) وهذه إشارة لشعره أيضا وليس فكره. وكان معنا دائما في أوقات الغداء، في الميز في الجامعة، فقد كان يدير مكتبة صغيرة مجاورة أسماها (Karl-Marx-Buchhandlung).

أخذت فلسفة تحطيم المؤسسات التي أطلقتها الثورة الطلابية، شكلا آخر لدى مجموعات كبيرة أخرى. وقد عبرت عن رفضها وخروجها بأساليب رمزية أخرى من بينها إطلاق الشعر المرسل، والملابس خاصة الجينز الممزق والمتسخ. وكان يُنظر لأصحاب الشعور القصيرة المرتبة والهندام الأنيق، باستغراب وقد يسأل: هل أنت من أسرة كاثوليكية محافظة. وكان لبس (الكرافتة) كارثة مثيرة للاستهزاء. وكانت مجموعات الهيبيز أغلبية ويسمون (Blumen-kinder) أو أبناء أو أطفال الزهور. وفي هذا رمز مزدوج، رفض لأب بشري (سلطة الأسرة) كذلك الارتباط الوثيق بالطبيعة.

وشهدت الفترة اعتناق الأديان الشرقية، خاصة (كريشنا)، وممارسة اليوغا، وانتشرت معابد صغيرة في المدن ينطلق منها البخور والعطر الهندي، وطريقة اللبس، والنقطة الحمراء في الوجه. ومع هذه الروحانيات الدافقة، انطلقت - للمفارقة - ثورة جنسية هدّمت كل التابوهات والممنوعات، مرحلة مابعد الفرويدية. وصارت الحرية الجنسية بلا حدود، تسندها ثقافة متكاملة تمثلت في الروايات المحرمة سابقا، وانتشار الـ (pornography) في شكل أفلام ومجلات وصور. وصارت أفلام الإغراء تلاقي رواجا كبيرا مثل (Last Tango in Paris) وفيلم للمخرج الإيطالي (بازوليني) المسمى (Salo) أو (120 يوما من سادوم) رغم أنه في حقيقته نقد لعنف وانحطاط الفاشية.

وحتى اليابان "المؤدبة" دخلت المنافسة بفيلم المخرج (أوشيما) باسم (In the Realm of the Senses) وقد مُنع حتى في فرنسا. وطالت ثورة الجنس، الملابس والموضة، وأدخلت بعض المطاعم والبارات والمقاهي، موضة الجرسونات عاريات الصدور، أو بالألماني (oben ohne) حرفيا: فوق ما في!

كان من الطبيعي أن تتعرض مؤسسة الزواج لهجمة قوية وحاسمة من قبل ثورة الشباب. فقد رفض الشباب الزواج الرسمي المعلن في الكنيسة أو المجلس البلدي. وصار من العادي العيش المشترك بلا روابط اجتماعية وقد ينتج عن ذلك أطفال، وفي هذه الحالة قد يتم تسجيل بقصد منح الطفل أوراق ثبوتية. وكنا نسكن في بيوت الطلبة بطريقة مختلطة تماما: بنات وأولاد. وكنت أسكن في الـ (Heim) بين صديقتين هما (أنقريد) و(إنقا) وكانت علاقتنا وثيقة جدا. وهنا يظهر الأثر الإيجابي للثورة الجنسية، لم تعد المرأة أداة للمتعة والجنس، وانحسر تشيؤ المرأة. وكان عليّ أن أتأدب بالثقافة الجديدة في النظرة للمرأة ونظرتها لنفسها. فقد كنا نتبادل الزيارات مع الجارتين ونجلس حتى أوقات متأخرة من الليل ولم يكن الشيطان ثالثنا. فقد كان موضوعنا مع (أنقريد) العالم الثالث وأفريقيا ونظريات التبعية. وكنت احترم ارتباطها بـ (صادق) التونسي الذي يدرس في باريس وكنت شاهد زواجهما وأزورهما حين أكون في تونس. ولكنهما انفصلا بعد طفلين. أما (إنقا) فهي فنانة وتدرس تاريخ الفنون، وكانت تربطنا أفلام الإيطاليين (بازوليني) و(فيلليني) ولنا برامج مشتركة لحضور العروض في (Kommunales Kino) وهي مجموعة سينمات صغيرة جدا في مبنى واحد. وفي عام 1981 زرتها في المستشفى الجامعي كانت قد أصيبت بالسرطان ولم أسمع عنها. هذه صورة للعلاقة الجديدة بين الجنسين.

كانت هذه هي أوربا السبعينات، ولكن الأحوال تغيرت كثيرا وسريعا. ففي زياراتي في الثمانينيات، كانت أغلب الظواهر والمظاهر السابقة قد اختفت. فقد زحفت الرأسمالية المستوحشة، والمحافظون الجدد، والتاتشرية والريجانية، وعودة الكاثوليكية وظهور تضامن في بولندا، والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وانتصار المجاهدين وطالبان على الغزو السوفيتي، وثورة الاتصالات، وأخيرا سقوط حائط برلين وسقط معه المعسكر الشرقي أو "الاشتراكي".


انتظمت في صيف عام 1978م مع عدد من الخريجين الأجانب، في برامج إعادة تأهيل المانية تهدف للتمهيد لعودة الكفاءات القادمة من الدول النامية. فقد تم تصميم برنامج مشترك بين وزارة التعاون الدولي وبعض المؤسسات المانحة للطلاب، يقوم بمساعدة الخريجين في العودة لبلدانهم الأصلية أو بلدان نامية أخرى، وعدم الاستقرار نهائيا في الغرب. ويقوم هذا البرنامج بالبحث عن الوظائف، ويمنح تذاكر السفر لإجراء المقابلات أو تغطية تكاليف السفر للبلد المستهدف، والإقامة المؤقتة لو تم الاختيار للوظيفة. وقد شاركت في هذا البرنامج وكانت هناك عروض كثيرة من الجامعات الليبية. فقدمت وتم قبولي في جامعة (الفاتح) بـ (طرابلس). وغادرت إلى (الجماهيرية العربية الاشتراكية العظمى).

وصلت إلى مطار طرابلس لكي أواجه مبكرا "جماهيرية الفوضى" وعليك أن تترك عقلك على أقرب كاونتر لكي تعيش في هذا البلد الخارج عن كل أشكال التنظيم والترتيب. وتضيق السماوات عن اللافتات الممجدة لليبيا والشعارات الشوفينية. فخارج المطار مباشرة لافتة مكتوب عليها: "من ليبيا يأتي كل جديد". والمقولة للمؤرخ الإغريقي (هيرودوتس) وكان يقصد المنتوجات الأفريقية الغريبة على بلاد اليونان مثل جلود الحيوانات وبيض النعام، والطيور والحيوانات الأليفة والمتوحشة أحيانا. ولكن واضعي اللافتة قصدوا بالجديد النظرية الثالثة التي تجاوزت النظريتين العالميتين: الاشتراكية والرأسمالية. استقبلني مندوب الجامعة وأوصلني لمبنى الجامعة وسلمني مفتاحا للسكن وقادوني إلى الداخلية في الحرم الجامعي، ودخلت غرفة ستكون بيتي. فقد كان العقيد (القذافي) قد أعلن قرار: "البيت لساكنه" وهذا يعني أن أي مستأجر أصبح صاحب المنزل وليس عليه أن يدفع إيجارا للمالك! وكان من الطبيعي أن يتوقف الملاك عن تأجير البيوت أو أن يبنوا منازل جديدة للاستثمار في الإيجارات. وبالتالي لا توجد بيوت في المدينة يمكن أن يستأجرها الأساتذة المتعاقدون. فتقرر إسكانهم في داخليات الطلبة بالإضافة للمعيشة أي الطعام في سفرة خاصة يديرها مالطيون. وكان كل ذلك مقابل خصم عشرة دنانير فقط كبدل سكن. الحقيقة العمل في الجامعات الليبية كان مجزيا للغاية من الناحية المادية ولكن البلد سجن كبير وغابة سائبة. ومن بين القرارات الكوميدية، تطبيق شعار: "شركاء لا أجراء". فقد قام العاملون في الشركات والمصانع بـ"الزحف" عليها و"تصعيد" مديرين وإداريين جدد من بين العمال أنفسهم. وقد كان (ميرغني عبيد) أخ زوجتي (حياة) من بين الزاحفين على مصنع أحذية صغير كان عاملا فيه، فعينه أصدقاؤه من الليبيين مديرا له.

كان أول من تعرفت عليه الأستاذ (محمد المعتصم حاكم) خبير التربية البدنية واستمرت صداقتي معه حتى اليوم رغم مواقفه وتقلباته السياسية. فهو شخص لطيف وودود للغاية، ناقص السياسة، وبالفعل كان يكره الحديث فيها ولكن وجد نفسه في قلبها بدون خلفية وممارسة سابقة. فقد كان (Peter) لاعب سلة ماهر وصاحب حياة اجتماعية صاخبة. ولكن مصاهرته لآل (دندش) ربطه بـ (حسين الهندي) وذهب معه للندن محررا لصفحة الرياضة بمجلة (الدستور) المعارضة، ثم تسرب للعمل السياسي حتى صار قياديا. وهذا نموذج لكيف تفسد السياسة السودانية الناس الطيبين؟ وقرر (معتصم) إعادة تثقيفي سودانيا باعتبار انقطاعي في المانيا. وبدأ بالغناء، وبالفعل كنت متوقفا في هذا المجال. فذهبنا للتسوق فنيا ونصحني بعدد من الفنانين وكانت شركة (منصفون) تقوم بإنتاج أشرطة الكاسيت من (أثينا). ونصحني بـ (جيلاني الواثق) والذي أدهشني كثيرا. وأعجب به الأستاذ الأمريكي - اللبناني (فاروق السنكري) وأخبرني أنه يدرس طلبته في العلوم السياسية بجامعة (ويسكونسن) التعدد الثقافي من خلال موسيقي ليست عربية ولا أفريقية. وكان يردد: "أبقى زي ما قلت ليك" - ضمن أغاني جيلاني الواثق.

كانت جامعة (الفاتح) تعج بطلاب سودانيين أغلبهم من (مدني) أو (الفاشر) ويعود ذلك لنفوذ (بابكر كرار) و(عبدالله زكريا) القريبين من السلطة، ويشاع أنهما شاركا في وضع (الكتاب الأخضر). رغم أنه لا يحتاج لمثل هذا الجهد، ويمكن إعداد نص مثله في ليلة واحدة، وأثناء وجودي في (طرابلس) لم استطع زيارة أستاذي (عبدالله) لأنه كان يسكن داخل القيادة العامة.

وأصبت هناك بقدر لا يصدق من الضجر والسأم، فقد أمضينا أكثر من شهرين ولم تنتظم الدراسة ولا وضعت جداول حتى. وكنت أقول للزملاء حقو يصرفو لينا (anti-libyiotec) مثل المضادات الحيوية للصمود داخل ليبيا. والغريب أنهم جلبوا أفضل الأساتذة العرب، كان معنا في قسم الاجتماع والفلسفة: الدكتورة حكمت أبوزيد، وزيرة الشؤون الاجتماعية في عهد عبدالناصر وبهذه الصفة كانت صاحبة سلطة مطلقة في الجامعة ويخشاها الأساتذة الليبيون أنفسهم. وزاملت د/إمام عبدالفتاح إمام، ود/صلاح قنصوة. وكان الفيلسوف الوجودي د/عبدالرحمن بدوي، قد سبقنا ولكن انتهى به الأمر إلى السجن لأنه استخف بمقولات العقيد.

حدثت تطورات غريبة، فقد جاءني بعض الطلاب لاقناعي بالذهاب لجامعة (قار يونس) في (بنغازي) لتبديل زميل لهم يعمل كمعيد في قسم الاجتماع وله ظروف عائلية تستوجب وجوده في (طرابلس). واستغربت لهذا التصرف من طلاب وليس من زملائي الأساتذة! وظلوا يترددون عليّ بالحاح شديد، وفي إحدى المرات سألت أكثرهم كلاما عن اسمه. فرد: اسمي موسى كوسا، فاعتبرت ذلك استفزازا لغرابة الاسم. وهنا تدخل (معتصم) وقال لي: "أنت مجنون تعاند ديل؟ دي اللجنة الثورية التي تسير الجامعة.. تقوم بكرة طوالي تمشي ما كلها ليبيا". هذا وكان البعض يقول (بنغازي) أفضل لقربها من مصر وناسها منفتحين أكثر. والمهم أن (موسى كوسا) صار وزير الخارجية وكان اسمه يتردد أيام الثورة الليبية، وأغرق في الضحك كلما أطل على شاشات القنوات الفضائية. وكان من بين تلك المجموعة (عمر السوداني) الذي شارك في إطلاق الرصاص على الشرطية البريطانية من داخل السفارة الليبية بلندن. هؤلاء هم طلبتي ومنهم وزراء وسفراء مثل محمد إبراهيم ومحمد البرغوثي. والأخير فاجأني في المعهد الدبلوماسي في العاصمة الأردنية (عمان) حين وقف معقبا على محاضرتي عن دارفور قائلا: بالمناسبة الدكتور أستاذي وصديقي من جامعة قار يونس، فقد كان سفيرا للجماهيرية هناك.

ذهبت لبنغازي في ديسمبر 1978، ومكثنا في فندق (المختار) الفخم ولكن الدراسة لم تبدأ. وكانت مشكلتي الأولى مع (المفاتيح) كما كنت أسميهم. فقد تقرر ملء الفراغ السابق للدراسة، القيام بالتشجير. وفي صباح اليوم المحدد جاءوا في الاستقبال لترحيل الأساتذة. وظللت جالسا بعد أن خرج كل الزملاء، فرآني أحد الطلاب وقال لي: "نمشي يادكتور". فسألته: "وين؟"، فرد: "للتشجير". فقلت له بحزم وجفاء: "أنا تعاقدوا معاي كأستاذ وليس كمزارع!"، فذهب ولم يسألني أحد حتى انتهى التشجير المضحك. ويحكي الأساتذة أنه بعد يوم كامل من غرس الشجر عند نهاية اليوم، يقوم الطلبة جاريين للبص فيكسرون ويتلفون كل ماعملوه خلال اليوم.

عاصرت الصياغة النهائية للكتاب الأخضر، ولأننا كنا في متناول الأيدي، حيث نسكن في الداخليات، يتم إيقاظنا في أي وقت بالليل لاجتماع مع (العقيد) الذي يريد استماع آراء "العلماء" و"المفكرين" ويتناقش معهم في مضامين الكتاب الأخضر. والكتاب مكون من: المشكل السياسي، والمشكل الاقتصادي، والمشكل الاجتماعي. وفي الأخير وقع علينا عبء أن نناقش خزعبلات وترهات العقيد في التنظير. فتصور أنه عليك أن تناقش مقولات مثل: "المرأة تحيض والرجل لا يحيض"، وهذا في نقاش الأدوار المختلفة للجنسين. ونناقش مقولة: "السود سيسودون" وهذا موضوع الأقليات. ويفسره بأن السود لا يحددون النسل وبالتالي سوف تزداد أعدادهم وسيسودون في أمريكا والعالم. وهو في الحقيقة أعجبته نغمة حرف السين المتكررة فقط. وكنا نجتمع مع العقيد في صالة واسعة، ويجلس هو على منصة عالية فوقها كرسي يدور به وخلفه سبورة وبيده عصا (مؤشر) وينظر باستمرار إلى أعلى. وكان زميلنا السوري، والذي عُين موظفا صغيرا بعد عودته من أمريكا بدرجة دكتوراه، لأنه أخ مسلم، يقول لي:

"العقيد بينظر للسماء لإعطاء الانطباع أنه يُوحى له من السماء!"

كان طلاب اللجان الثورية أكثر نفوذا واستفزازا في (قار يونس) مهد الثورة كما يسمونها. فقد كانت معسكرا للجيش مثل (وادي سيدنا) بالنسبة لانقلاب 25 مايو.

وفي احتفال 8 أبريل الذي يصفونه بيوم تصفية الحساب مع الرجعية ويدعون له اتحادات الطلاب من كل أنحاء العالم. سألت عن مناسبة الذكرى، فعلمت أنهم في هذا اليوم أعدموا أربعة من زملائهم حاولوا تشكيل اتحاد مستقل. وتم تعليق جثامينهم طوال اليوم في ميدان (جمال عبدالناصر). وهم يدخلون مع الأساتذة في نقاش بأنهم يريدون أساتذة ثوريين (أو توريين فقد نسب العقيد كلمة ثورة إلى الثور) وما ضروري يكونوا علماء. وكنت أقول أن الثورة لا يعلموها بهذه الطريقة. وفي إحدى المرات رشحت نفسي رئيسا للقسم أمام مرشحهم، مقدما نفسي: افتكر أن الجماهيرية العربية لا تمانع من أن يكون رئيس القسم من قطر عربي ثوري هو السودان! وضرب المفاتيح لخمة. ثم تنازلت بعد أن ثبت لهم أنني لا يمكن تطويعي، وصاروا أصدقائي وهم بسطاء لدرجة السذاجة والعبط أحيانا. وكانت الجامعة مكان العقيد المفضل لنشر شطحاته، فقد جاء مساء أحد الأمسيات ورأى لافتات "قسم الفلسفة" فطالب بتغيير الاسم الأجنبي وأن يسمى "قسم التفسير". وفي صباح اليوم التالي تغيرت اللوحات والأوراق المروّسة. ولكن المشكلة كانت في طلاب السنة الرابعة الذين سيتخرجون من قسم أسمه التفسير وليس الفلسفة. كما أصدر قرار أو توجيه عدم جواز وجود حلاقين في نقاش بجامعة (قار يونس).

قررت الهروب، فدبرت تأشيرة خروج بواسطة طالب يعمل في الجوازات. وخرجت من (بنغازي) بشنطة يد بدعوى أن مرتباتي لم تحول من (طرابلس). ولم أثر أي شكوك، ومن هناك للمطار إلى (تونس) ويدي فوق قلبي حتى أعلن الطيار ربط الأحزمة للهبوط في مطار (قرطاج). وفي شارع (الحبيب بورقيبة)، وأنا جالس في مقهى فندق (أفريقيا)، شعرت بأنني لم أطر في المكان فقط بل طرت عشرة قرون في الزمان أيضا. وبعد أيام غادرت إلى (كازابلانكا) وهو أسم فيلم لـ (همفري بوغارت) و(أنجريد بيرغمان).

وكانت المغرب ساحرة وخلابة، وقررت عدم مغادرتها، وبالفعل ذهبت لوزارة (التعليم العالي وتكوين الأطر) وقدمت للجامعات. ولكن كان نظامهم غريبا، لا يراسلون من تم اختيارهم، بل يكونون موجودين ويتم تعيينهم مباشرة. ولكن لم يكن من الممكن أن انتظر أكثر من شهرين أي حتى سبتمبر. فغادرت إلى (فرانكفورت) مجددا.

زرت بروفسير (كروننبيرج) واقترح على الذهاب إلى السودان، لأن المانيا لديها مشروع رعاية معهد الإثنوغرافيا في الخرطوم. وهو يرى أن أعمل في المتحف القومي وعندما يبدأ تنفيذ المشروع يتم تحويلي. وكتب لي توصية قوية ل(نجم الدين محمد شريف) ولكن بينما هو يقدم لي المظروف قال لي: "تفتكر ممكن حلفاوي يشغل معاه شايقي؟"

كان كأنثروبولوجي يفهم السودان جيدا، وعندما ذهبت لـ (نجم الدين) وعرف أنني كنت في ليبيا، قال لي: "أنت مالك بتحب الفقر، زول يخلي الشغل بالدولارات ويجي يترمى في السودان؟"

وكان رفضا مهذبا، وقررت ترك السودان على مضض. وكنت أثناء وجودي في المانيا قد صادفت إعلانا عن وظائف لجامعات سعودية في صحيفة (Frankfurter Rundschau). وفي دردشة مع زميلنا (عبد الباقي عبدالغني) أستاذ الجغرافيا بكلية التربية، جاءت سيرة تقديمي للسعودية. واقترح أن يكلم (مالك بدري) ولكن رفضت الفكرة باعتبار أنني لا أحب الواسطة، بالإضافة لاختلافي الفكري معه، فكيف يزكيني؟ المهم اقترح (عبدالباقي) أن أقدم مرة أخرى في السودان، ففعلت. وسارت إجراءات المقابلة في المكتب الثقافي السعودي جيدا حتى اليوم الأخير لتحديد موعد توقيع العقد واستلام بطاقات السفر. صادفني في سلم المكتب (يس عمر الإمام) و(إبراهيم عكاشة) وهو زميل سابق في شعبة التاريخ ببحري الثانوية. ويبدو أنهما عادا وقدما للسعوديين تقريرا عن انتماءاتي السياسية، لأنه في اليوم التالي تغيرت المعاملة وقيل لي أنهم أرسلوا أوراقي لمكتبهم بالقاهرة ولو عايز أتعاقد ممكن أمشي هناك. وبعد مشادة خرجت وفي الطريق فتحت صندوق بريدي 1441 لأجد برقية من الصديقة (إديث) من فرانكفورت تخبرني فيها أن المكتب الثقافي السعودي قد اتصل يستعجل حضوري لبون لإكمال إجراءات السفر للرياض. وكنت قد استخدمت عنوانها في التقديم. وتوجهت فورا للخطوط الجوية البريطانية وحجزت لفرانكفورت تذكرة لأسبوعين، على أساس لو ما نجح الموضوع أحضر معرض الكتاب السنوي يوم 8 أكتوبر وأرجع. ولكن الإجراءات كانت أسرع مما تخيلت وطرت للرياض.

ذهبت صباح اليوم التالي لوصولي لإدارة جامعة (الإمام محمد بن سعود) الإسلامية، مكتب شؤون الموظفين، وصعق مدير المكتب حين رآني أمامه. فقد كان نفس المندوب الذي رفضني في الخرطوم. فاستلم جواز سفري ولكن لم يوقع عقدا وطلب مني الحضور. وكانت هذه بداية متاهة جعلت تجربتي في السعودية أقرب إلى رواية (فرانز كافكا)، الموسومة (المحاكمة) (The Trial)، فقد ضاعت مني خيوط البدايات والنهايات واستراحات المقاتل. كان عليّ أن أتحرك في تلك المدينة - الجُب - بلا جواز سفر (أو هوية فعلا) وبدون مرتب وبدون بدلات للسكن والأثاث، والأهم من ذلك استحالة الخروج. وتعقدت أموري أكثر، ففي (عزومة) غذاء بمنزل أحد الأساتذة من الإخوان المسلمين السودانيين، واعتبرها البعض كأنها اجتماع أخواني، صرح (إبراهيم عكاشة) بأن عميد الكلية (محمد بن عرفة) طلب منه هو و(محمد الأمين البصير) أستاذ الجغرافيا بجامعة أم درمان الإسلامية، تقديم معلومات عني لأنه يتهمني بكوني شيوعيا. وكان من بين الحضور الدكتوران محمد علي مختار وعبدالحي عبدالغني، فقد سارعا بتنبيهي.

كان الخروج من المتاهة عبثيا ودراماتيكيا مثل الدخول فيها. فقد وضع (خالد بوظو) السوري الذي تحمل أسرته الجنسية السعودية من زمن، وهو زميل من المانيا وجاء بمشروع بناء المستشفى السعودي-الألماني، خطة محكمة لكسر الخطر الذي أعيشه. فذهبنا لمقر الأمير (سلمان) أمير الرياض آنذاك والملك الحالي، بعريضة فيها المشكلة باختصار وهي طلب الحصول على الإقامة. فوقع دون أن يقرأها، فذهب بها (بوظو) للأمن وكنت أحمل إقامة مكتوب عليها: حسب الأمر الأميري رقم كذا. وفجأة تغير كل شىء في الكلية والقسم وتم توقيع العقد وطُلب مني تجديده لمدة أربع سنوات إن لم أكن أمانع.

دخلت في المعارك الداخلية في القسم، بأغلبيته المصرية المنقسمة بين إخوان مسلمين والآخرين. وكان الإخوان يتملقون السعوديين بشتم (عبد الناصر) وفي اجتماع، قال (لبيب السعيد) أستاذ القراءات القرانية بجامعة الأزهر:

"والله لو ما مصر حكمها إبن البوسطجي دا (يقصد ناصر) كانت وصلت السماء".

تصديت له سريعا، قائلا:

"تعرف يادكتور لولا إبن البوسطجي دا، إنت ما كنت شفت المدرسة بعينك وكانت البلهارسيا انتهت منك من زمان".

وكانت المعركة الأولى مع دعاة "علم الاجتماع الإسلامي" أمثال (نبيل السمالوطي) الذين كانوا يتحدثون عن الاشتراكية قبل مجيئهم للسعودية. ولكن جامعة (الإمام محمد بن سعود) كانت المقابل لجامعة (لوممبا) في موسكو أي جامعة عقائدية دولية وبها طلاب من كل أنحاء العالم، خاصة المؤلفة قلوبهم. وكان الكثيرون من مسلمي الولايات المتحدة الأمريكية من الطلاب، يعودون سريعا وبالتأكيد سوف يرتدون عن الإسلام. لأن ما يجذبهم في الدين الإسلامي هو فكرة: "أمة محمد" مع كل علاقات المساواة و"إنما المؤمنون إخوة". ولكنهم يصطدمون بواقع عنصرية بغيضة بالإضافة للفساد والتحلل الخلقي في الجامعة والذي يفرزه المجتمع الذكوري الانفصالي غير المختلط.

حضرت حادثة القرن بلا منازع في السعودية، فقد قام (جهيمان العتيبي) فجر يوم الأول من محرم 1400 الموافق 20 نوفمبر 1979 م (الفاتح من القرن والسنة الهجرية) باحتلال الحرم الشريف معلنا ظهور المهدي المنتظر وطالب بمبايعة (محمد القحطاني) مهديا. وأظنه اعتمد على الحديث القائل بظهور مجدد للدين كل مائة (رأس المائة). واستمرت الحادثة لأسبوعين، حتى يوم 4 ديسمبر حيث اقتحمت القوات السعودية، بمساعدة القوات الخاصة الفرنسية والأردنية، الحرم. وقد خلفت العملية حوالي 250 قتيلا من بينهم (جهيمان). وكانت فترة انتعاش للتيار الإسلاموي بعد قيام الدولة الإسلامية في إيران. وكان الطلاب قد احتجزوا الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية بطهران قبل 16 يوما. ثم كان الغزو السوفيتي لافغانستان، وكانت فرصة للسعودية لإرسال العناصر المتشددة كمجاهدين، وهم نواة حركات (طالبان) و(القاعدة).

أمضيت شهور السعودية الخمسة وكأنني في سجن الباستيل قبل الثورة الفرنسية. فقد اشتريت مرتبة إسفنج رميتها على الأرض كمرقد، ولم أغير بنطالي الوحيد طوال المدة، واقتنيت راديو - كاسيت لأخبار (لندن) وأغاني (فيروز) و(Donna Summer). وكان شريكي الصديق (عبدالقادر عبدالغفار) وقد أتينا معا من المانيا.

ومما خفف عليّ وطأة وغمة البلاد التعيسة، صادفت الصديق القديم (عبدالمنعم عبدالحميد) أو (moonie). فقد رطّب بمرحه وروحه الشفافة ومعرفته اللغوية، صحراء حياتنا في الربع الخالي. و(موني) أفضل من يتحدث الإنجليزية بكل اللهجات، كما يقلد لغات لا يعرفها، فكان يحفظ خطب الرئيس الإثيوبي (منقستو هيلا مريام) وخطب (ديجول) و(كندي) و(تشرشل). وله معاكسات لطيفة مع السعوديين، فحين تقف سيارته في الإشارة يفتح زجاج السيارة ويصيح في الشخص الموازي:

"وين يا سمير ما جيتا حجبوك ولا نسيتا؟" ويرد بنفسه: "نسيتا". والسعودي في دهشة.

ونال (موني) ضربات بالعقال على رأسه الخالي من الشعر. مرة حين دافع عن إمراة ضربها زوجها في الشارع العام، فتحول السعودي من زوجته ووقع ضربا في (موني). ومرة تدخل لدى سعودي ترك زوجته في السيارة المكشوفة بالخلف، بينما أجلس عنزة معه في المقعد الأمامي. فقال له (موني): "شو هادا ياشيخ تحط زوجتك في الخلف وعنزتك قربك". فرد عليه: "يا سوداني يا مغفل العنزة تطيح الحرمة لا تطيح!".

خططت للهروب أو الخروج الكبير، فالخروج العادي صعب، لأن المخدم له الحق قانونيا بالاحتفاظ بجوازات سفر العاملين أو المخدمين. فدبرت خطة إرسال برقية من السودان تعلمني بوفاة أحد والديّ. ولكن العام الدراسي انتهى قبلها. خرجت بلا عودة، وتركت للمرة الثانية أغراضي كاملة، لكي لا أعطى أي انطباع بأنني لن أرجع. وكان العميد (بن عرفه) قد كلف الأستاذ (عبدالهادي الجوهري) بالتأكد من عودتي. والسبب في ذلك، أنهم لا يريدون أن يجددوا عقدي ثم لا أعود، فهذا غير مقبول عندهم. لم يكن من حق الوافد الاستقالة فهو يفصل فقط. وكنت خلال الفترة الماضية قد بدأت مفاوضات مع جامعة الإمارات العربية المتحدة بالعين. وقد دعمني صديقي واستاذي (عبدالوهاب أحمد عبدالرحمن) وقد كان يريد تعويضي ما تعرضت له من ظلم في معهد المعلمين. وقد نجحت بفضله في تجاوز التنافس المصري-الفلسطيني في تلك الجامعة ذات المرتبات والامتيازات المغرية.

تعاقدت مع جامعة الإمارات من المانيا لأن تذاكر السفر تكون لمكان التعاقد. تعرضت لمقلب صغير عند وصولي لمكتب شؤون الموظفين قال الموظف والذي كان يريد الوظيفة أنني تخرجت من المانيا الشرقية. ولم تدم "الزمبة" طويلا، ولكن القسم كان صراعا قاتلا بين المصريين والفلسطينين، وكان معي سوداني آخر هو (عباس أحمد) كنا نتفرج على المعارك. ووجدت البلد منفتحة نسبيا خاصة دبي والشارقة، كما أن الإماراتيين أكثر الخليجيين مع العُمانيين، أدبا وتهذيبا وتواضعا. ولذلك استطعت الاستمرار من عام 1980 حتى استقلت بطريقة محترمة عام 1987 ولم أهرب بعد شهور كما فعلت في جامعات ليبيا والسعودية. واستطعت ممارسة كثير من النشاطات، فقد كنت أكتب في الصحف خاصة "الخليج" وفي مجلة "الأزمنة العربية" تحت اسم مستعار، وأشارك في المحاضرات العامة، وفي 30 مارس يوم الأرض. وكان أهم حدث هو انتخابات النادي السوداني حيث الصراع مع الإخوان المسلمين وعلى رأسهم (محمد حسن أحمد البشير) الموظف بمكتبة الجامعة آنذاك وصاحب الأملاك والمنظمات الخيرية اليوم.

قامت بيني وبين عدد من طلابي وطالباتي من الإمارات وسلطنة عُمان، علاقات جيدة وحميمة بسبب اهتماماتي الثقافية والإبداعية. فقد وجدوا شخصا يتحدث ويدرّس بطريقة مختلفة، ويناقش موضوعات غير معتادة في قاعات المحاضرات. وكنت أدرس مواد: "التغير الاجتماعي" بكل نظرياته الجديدة، كذلك درست "علم اجتماع تربوي" وعرّفتهم على علماء من طراز (باولو فريري). وأدخلت مساقا عن "الفولكلور" أو "التراث الشعبي" والإمارات غنية بثقافة شعبية سابقة مصادرها البحر والغوص والصحراء. كان من بين طلابي عدد من المبدعين الواعدين: محمد راشد ثاني، خالد بدر، وهم شعراء محدثون. وأمينة بوشهاب ومريم فرج ومريم مطر، وهن كاتبات قصة. وتحولت (نجوم الغانم) من القصة للإخراج السينمائي. وكان من طلابي صحفيون برزوا بعد التخرج، أما لاعبو كرة القدم أمثال (فهد خميس) فكان لهم وضع خاص. فقد تهرب من مادتي الإجبارية، ولكنه تخرج، وحين سألته، علمت أن المادة نزلت في فصل صيفي ودرّسها أستاذ آخر، فاجتاز (فهد) عقبتي. وقلت له هذا تسلل واضح وكان لطيفا ولكن لا صلة له بالدراسة.

تبرع الإخوان المسلمون السودانيون، مرة أخرى بتقديم معلومات عن توجهاتي الايديولوجية، مستغلين سيطرة الإسلاميين على إدارة الجامعة. فقد كان مدير الجامعة (عزالدين إبراهيم) وهو أحد الإخوان المسلمين المصريين الذين هربوا منتصف الخمسينيات من ملاحقة نظام (عبدالناصر)، إلى السودان لفترة ثم ذهب للخليج أو الإمارات المتصالحة حينها. والغريب أن المدير لم يستجب لهم، وقد أخبرني بالتفاصيل لاحقا، الأمين العام للجامعة وهو إسلامي إماراتي (سعيد حارب) وصار صديقي حيث نلتقي باستمرار في مؤتمرات الإصلاح بمكتبة الإسكندرية. ويبدو أن الرجل ذاق الظلم فلم يكن يريد أن يظلم أحدا. فقد ردهم قائلا: "أنا يهمني تدريسه وعلاقته مع طلابه". ولكن أقنعوه بتعيين (سعاد الفاتح) عميدة لكلية البنات لضبط السلوك بين الطالبات، فقد كن متفوقات على الطلبة أكاديميا ولديهن قابلية أكثر لتلقي الجديد والتحرر. وقد نظمتُ مع آخرين بالذات (غانم غباش) و(أمينة) حملة بجريدة (الخليج) ضد سياساتها. وقد ساعدت بنفسها في نجاح الحملة بسبب شخصيتها الهوجاء والاستفزازية. فقد قررت فرض الحجاب وأن يكون لكل كلية لون مختلف للزي، يعني طالبات الآداب مثلا يلبسن عباءة خضراء، والحقوق سوداء، والتربية زرقاء. ووجد القرار مقاومة وليس معارضة فقط، ومن المواقف الطريفة والمحرجة أن ابنة قيادي مشهور من إخوان السودان، قادت المعارضة، فقد كانت هي أول من يدخل صرخات الموضة لبنات الجامعة. وأول مرة أرى "حجل" أو سلسل الذهب على القدم، لبسته ابنة القيادي الإسلاموي. ولم تكمل (سعاد الفاتح) العام الدراسي، وتم تعويضها ماديا، وعادت سريعا للسودان.

كانت الإمارات تعج بكثير من المثقفين العرب والسودانيين، ووجدت الصديق القديم (محمد أبوالقاسم حاج حمد) والذي كان يعمل في جريدة (الفجر) وافتتح مع وزير الدولة للخارجية (سيف غباش) والذي اغتيل خطأ في المطار وكان المقصود (عبدالحليم خدام)، مكتبة (الإنماء الثقافي) ب(أبوظبي)، وبعدها أقنع الشيخ (أحمد القاسمي) بمعرض الشارقة للكتاب والذي قام بتنظيمه (محمد) عام 1982؟ واستمر حتى اليوم.

وكانت الصحف الإماراتية تجمع: صديق محيسي، ويوسف عايدابي، ومحمد الماغوط، ومحيي الدين اللاذقاني، وأحمد الجمال، ومحمود محمد مدني، ويوسف خليل، محجوب شعراني، كمال طه، الفاتح التيجاني، ومصطفى شردي. وتعرفت على (أسامة فوزي) وهو مدرس وصحفي يحرر الملحق الثقافي لجريدة (الفجر) وشاركت معه في لقاء مع الكاتب الزنجي صاحب (الجذور): (اليكس هيلي) وسببت لي بعض المشاكل بالجامعة لما ورد من أفكار في اللقاء. وتعرفت لديه على المترجم (دينس جونسون) وهو مثقف غربي مرتزق يحب المال والساعات (الرولكس) وترجم مع مدير الجامعة (عزالدين إبراهيم) كتاب: "الأربعين النووية" والذي كنت تجده في كل فنادق الإمارات مثل القرآن والإنجيل. وكان (أسامة) نشطا ولكنه "شرباش" فأبعد من الإمارات خلال 72 ساعة، فذهب إلى أمريكا وأصدر جريدة (Arab Times) وهي واسعة الانتشار لأنها تخصصت في نشر فضائح شيوخ وأمراء الدول النفطية، وقد يمتد ابتزازه أحيانا للقيادة الفلسطينية والأردنية.

كان مكسبي العظيم في الإمارات هو صداقتي مع (غانم عبيد غباش) وزوجته (أمينة بوشهاب) فقد كانت طالبتي وهي التي قامت بتعريفي به. وكانت هذه العلاقة هي سبب استمراري في الإمارات، فقد كنت أتحرك من (العين) بعد نهاية الدوام يوم الأربعاء لنمضي نهاية الأسبوع معهما بـ (دبي) أو في المزرعة الريفية بـ (العوير). وهو من أسرة متعلمة ولديه عدد من الأخوات والأخوة أساتذة جامعيين وأطباء، منهم (محمد) و(موزة) و(رفيعة). وكان يصدر من الشارقة مجلة (الأزمنة العربية) ذات توجهات قومية تقدمية تضاهي بعض مجلات (بيروت) و(لندن) في طروحاتها. وأعددت فيها ملفا عن الأستاذ (محمود محمد طه) عقب إعدامه في يناير 1985. كان (غانم) صديقا لابني (مظفّر) وبروحه المرحة، عند بدايات تعلم مظفّر قال نبدأ بتعليمه (رأس المال)، ويلقنه: "فلوس كتيرة بطال فلوس شوية حلو". وكان مظفّر بتأثير من (غانم) يحرجني مع الضيوف، فهو في الثالثة ويقول لكل من يأتي بسيارة فخمة: "عمو أنت برجوازي". كل هذا المرح وحب الحياة، كان (غانم) مُقعدا ويسير على كرسي متحرك بعد حادثة مرور خطرة، ولاحقه الدهر فأصيب بسرطان (البروستاتا) ذهبت لزيارته في لندن وكان في روح معنوية عالية ولكنه فارق الحياة في نهاية 1988.

كانت فكرة مركز للدراسات تراودني منذ أن رأيت (معهد البحوث الاجتماعية) والذي أنتج مدرسة فرانكفورت. وكانت لنا جلسات نقاش منتظمة: محمد أبوالقاسم، ود. محمود شعراني المحامي، وشخصي. وفي إحدى المرات طرحت على (محمد) فكرة مركز للدراسات، فتحمس بشدة وفي الجلسة القادمة كان يحمل ماكيت لمجلة (أوراق سودانية) عليها بورتريه للإمام (المهدي) بنية اللون، من تصميم (دار الكلمة) التي كان يتعامل معها في (بيروت). ولكن لم يكن (محمد) يكمل مشروعا حتى النهاية، فقد إنشغل بعلاقته الجديدة مع شيخ (القاسمي) وانتقل إلى (الشارقة) من (أبوظبي) بعد اغتيال صديقه (غباش). وصارت أولوياته ترتيبات لمعرض كتاب والثورة الإيرانية، وبعد أن أصدر كتاب: "السودان - المأزق التاريخي وآفاق المستقبل" (1980)، توجه نحو العالمية الثالثة وإسلامية المعرفة.

كنت قد قررت العودة للسودان ومتابعة مشروعاتي خاصة وقد أمضيت وقتها 17 عاما خارج الوطن. وكانت البلاد تعيش مناخات الانتفاضة وتتوق لديمقراطية ثالثة راسخة ومستدامة، فالثالثة ليست - واقعة - دائما. وكان لابد أن الحق نصيبي من حياة التغيير الجديد، وخشيت على نفسي من "الترطيب" والراحة بسبب امتيازات الجامعة. فقد كنت أدرس 12 ساعة فقط في الأسبوع: 6 أولاد و 6 بنات مقابل مرتب أكثر من 5 آلاف دولار وسكن مؤثث حتى ملاعق الشاي، والكهرباء والماء مجانا، بالإضافة لتذاكر السفر لكامل الأسرة في العطلة. ومرتب الفصل الصيفي هو ضعف الفصل العادي والمدة أقل، وتقدمت باستقالتي والتي كانت الأولى في جامعة الإمارات والتي كانت تمنح أعلى المرتبات خالية من الضرائب مما جذب خواجات كثر. واستغرب الزملاء لأنني الوحيد بينهم الذي لم يشيد بيتا أو برجا. رغم أن د. عبدالوهاب انتزع مني قسطا لشراء أرض عندما حضر وفد رسمي من الاتحاد الاشتراكي عام 1984م، برئاسة (حسن عابدين) وهو زميله في كلية الآداب، لبيع أراضي للمغتربين. وطلب (عبدالوهاب) من والدي أن يأخذ مني الباقي أثناء العطلة ليكمل مبلغ 13 ألف دولار ثمن القطعة وذهب والدي بتوكيل واستلم قطعة أرض. ولم أرها ولم أحاول معرفة موقعها من الورق، وفي عام 2003م، اكتشفت زوجتي (حياة) التي أقلقها تشردنا في بيوت الإيجار، أنها تمتلك 750 مترا في مربع 9 بكافوري.. وكان هذا وحده سببا للتخلص منها، وهذه قصة تطول.

بدأ الزملاء في اقتراح مشروع استثماري عند العودة مثل عربة نقل (قلّاب) أو سيارة أجرة (تاكسي). ولكن أخذت مكافأة نهاية الخدمة الدسمة، وفكرت في رحلة طويلة لجنوبي شرقي آسيا لأنها ستكون بعيدة من السودان. توجهت مع (حياة) و(مظفّر) نحو الفيلبين وتايلاند وهونج كونج، وكانت رحلة ممتعة ومختلفة عن أوربا. ولكن الرحلة كانت في أجواء مزعجة رغم أننا استخدمنا (طيران الكاثي باسفيك) ومشهود لهم بالخبرة ومعرفة المنطقة. وعند العودة كان قد وصلني خطاب ترحيب من الصديق د. ميرغني حمور، مدير جامعة الجزيرة. فقد كان الاتفاق أن أحضر لقسم التنمية الريفية، فابلغته بأنني سأكون هناك بعد أيام. وبالفعل جمعت الأثاث الذي ملكتني إياه الجامعة في حاوية وشحنته من ميناء (دبي) وغادرت إلى الخرطوم. وفور وصولي بدأت الإجراءات ولكن الجامعة كانت في إضراب.

جرفتني خيبة الأمل منذ اليوم الأول في جامعة الجزيرة، فقد كانت الظروف الاقتصادية متدهورة بعد سقوط نظام (النميري). لذلك كان تدبير المعايش هو الشاغل الوحيد للجميع. ولأن البورجوازية الصغيرة أو الأفندية هم الأكثر خوفا من تدهور مستوى المعيشة وأن يتدحرجوا إلى الفئات الفقيرة، فيكونون في حالة هلع وشفقة. وفي الجامعة وجدت أن أغلب الأساتذة مشغولون بحصصهم من اللبن القادم من مزرعة الجامعة ب(النشيشيبة) ونصيبهم من البنزين المخصص لكل سيارة خاصة. هذه هي أهم قضيتين ثم تأتي بقية "الصراعات الطبقية". ووجدت نفسي هدفا ممتازا لرماة الحدق من الأفندية، الذين ظنوا أنني سأكون رجل المدير وأنه قد تم استدعائي لمهمة خاصة. وبدأت المعاكسات، فتكتلوا ضد إعطائي منزلا وأن أخذ موقعي في ترتيب الانتظار وكان بعد الأربعين. ولم يجد دفاع المدير بدعوى التضحية بوضع أفضل كثيرا، ولا السن وكان أغلبهم شبابا وغير متزوجين، ولا الأقدمية فقد جئت أستاذا مشاركا وحاصل على الدكتوراة قبل 11 عاما، بينما كان كثير من المعترضين من حملة درجة الماجستير.

كنت أسكن في الحلفاية (الخرطوم بحري) وأدرّس في مدني. كنت أحضر الصباح بالبص وأرجع مساءً. ورغم ذلك كنت متحمسا وأريد إضافة شيء لهؤلاء الشباب.

وضمن اهتمامي الثقافي، فكرت في إقامة معرض للكتاب في نادي الجزيرة بالاشتراك مع دار (النسق) التي كان يديرها الصديقان (عبدالسلام نورالدين) و(أحمد الطيب زين العابدين). وسمعت تعليقات بعض الأساتذة مثل:

"دا شنو، عايز يعمل لينا فيها بتاع ثقافة وحركات".

تكاد تكون هناك مقاطعة تامة، لم يحضر الافتتاح غير المدير واثنان من الأساتذة. ورغم قلة عدد الإخوان إلا أنهم تميزوا بالالتزام لفرض مواقفهم ومطالبهم. كنت أعرف منهم (عبدالسلام محمود) و(عبدالله بريمة) ولكن كان رأيهم يزعج المدير ويخضع له. لاحظت ضيقه مني، عندما نشرت مقالا في صحيفة (الأيام) في ذكرى إعدام الأستاذ (محمود محمد طه). وقررت ألا أكون عبئا على المدير الصديق، فحضرت ذات صباح وقلت له:

"أنا الحقيقة ما جيت هنا زلمي لمدير ولا جزء من نزاع، كان عندي هدف ولكن لن يتحقق قبل أن ينتهي الأفندية من اللبن والبنزين. لذلك أنا جيت أودعك".

صعقت حقيقة حين قال لي: "عايز عربية تودي ليك عفشك الخرطوم؟"

كان ردي: "لا شكرا، أنا ما عندي عفش أصلا".

غادرت للخرطوم نهائيا ولم أقدم حتى استقالة مما أغضب الرجل الطيب د. الطاهر، ولكنه قدّر موقفي لاحقا.

قررت الّا يكون لي أبدا ملف في الخدمة المدنية، رغم أنني ما حصلت أعمل ملف في جامعة الجزيرة. خططت للعمل في مزرعة الأسرة، فقد كان لدينا خمسة أفدنة اشتريناها من أحد أبناء (تمساح الكدرو) كان أستاذا في المعهد الفني، بـ 500 جنيه سنة 1970 وعملنا بئرا ارتوازية عبر شركة للحفريات. وقد نزعت خلافة الإنقاذ الوطني المزرعة منّا عام 1991 بلا سبب ولا تعويض .. كنت قد بدأت عام 1988 استثمار ما لديّ من الاغتراب في هذا المشروع. وسعيت أن أجعل منه عملا جديدا وممتعا وله جدوى، فقد أضفت للأبقار والدواجن وأشجار النخيل والموالح الموجودة أصلا، مزرعة أسماك ومنحلة (عسل النحل). واندمجت في العمل وسعدت به، وكنت أتعاون مع جامعة القاهرة وكلفت بمهام ممتحن خارجي بجامعة الخرطوم، وقد شاركت في المناقشة النهائية للماجستير الخاصة بـ (صلاح الزين، وحيدر بدوي، وجاد الله). ولكن في السودان، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. ففي صباح الجمعة 30 يونيو 1989 عزفت الموسيقي العسكرية ثم أعلن البيان الأول عن استيلاء التتار الإسلامويين على السلطة. ومنذ ذلك اليوم دخلت البلاد نفقا مظلما لا نهاية له أو جُبّا بلا قرار.

كنت قد استخرجت بواسطة الأخ (عبدالوهاب الجعلي) جواز سفر جديد وتأشيرة خروج، قبل أسبوع واحد فقط من الانقلاب المشؤوم. وكان من المفروض أن أسافر ل(أغادير - المغرب) لحضور ملتقى شباب علم الاجتماع، وغادرت سريعا مطلع يوليو وكانت معي الطالبة (آمال حسّان) والتي رشحتها من السودان. وبعد أسبوعين هما فترة الملتقى ترددت في العودة للسودان، ولكن أسرتي كانت بالداخل. وذهبت من المغرب للقاهرة ثم كانت لديّ مهمة في الكويت. وقابلت هناك الأخ د. مصطفى خوجلي ونصحني بعدم العودة. ولكن قلت له: "الناس ديل لسه ما رتبوا أمورهم بعد، كما أنني غير معروف لديهم لوجودي بالخارج لفترة، والآن لا أعمل في الدولة". وعدت للخرطوم مع أحداث انقلاب أبريل/ رمضان 1990 وخرجت سريعا. وكان توقعي صحيحا، فالجبهة بعد الانقلاب اعتمدت على قوائم خصومهم في الانتخابات النقابية خلال فترة الديمقراطية الثالثة، في عمليات التطهير والاعتقال، ويكتب (المحبوب عبدالسلام) أن الذي قام بهذه المهام هو "مكتب الفئات المختص الذي ظل ضمن الأجهزة المستترة لاسيما شِقه الأمني المعلوماتي، الذي كان يستقصي أحوال العاملين في الأجهزة الرسميّة بين يدي كل الانتخابات النقابية وانتخابات اتحادات العمل والمهن منذ أول الحركة". (الحركة الإسلامية السودانية..، ص 112).

خرجت بأسرتي إلى (القاهرة) وكان قد تم قبولي في جامعة قطر، وتحدد أغسطس لإنهاء الإجراءات النهائية مع اللجنة التي ستكون في القاهرة. ولكن غزو (صدام حسين) للكويت، جعل السودان من "دول الضد" بسبب تأييده للغزو. وقررت الاستمرار في مصر بدون خطة محددة. ولكن "الجمعية العربية لعلم الاجتماع" رشحتني لموقع رئيس قسم البحوث والدراسات في "المجلس القومي للثقافة العربية" بالرباط، وقبلت بعد تردد طويل حين علمت أن الأمين العام هو الليبي (عمر الحامدي) وتذكرت التجربة الليبية ولم أكن أريد تكرارها. ولكن أصر على الصديق التونسي (الطاهر لبيب) وأقنعني بأن البلد مكان بديع ولن تكون لديك صلة كثيرا بالليبيين. وبالفعل كانت تجربة المغرب رائعة، ولكن الأمين العام كان يتعامل مع المثقفين كشيخ نفطي ثوري، وفوض محاسبه (إسماعيل القروي) ليتعامل مع كبار المثقفين. وكثر صدامي معه، وفي عملية ترتيب للأوضاع، قرر التخلص من: الناقد السوري (محيي الدين صبحي) وشخصي.

Share this page

Get new additions by email

We are adding Hayder Ibrahim Ali's books, articles and photos over time. Leave your email and we'll let you know what's new.

Help us document Hayder's work, writings and photos

Do you have a tribute, an article by or about him, or photos and recordings of him? Send them to us and we'll review them before publishing.

Or email us directly athayder@ssc-sudan.org

What would you like to add?