ختاماً: اكتمال الزمن أو لعبة الدهر
We, Hayder Ibrahim's family, are making all his books freely available for the public good and to continue his project of enlightenment. All rights remain reserved: the books may not be printed or published without written permission.
أتبادل السؤال عن الصحة مع بائعة الجرائد القابعة كل النهار داخل كشك صغير في (المعادي - دجلة)، وهي تعاني مثلي من آلام الظهر:
- كيف الصحة؟
وترد بحكمة بليغة ورضى مفتوحا:
- كتر خير الدنيا.
واندهش لهذه الحكمة البليغة التي تأتي من إمرأة لم تدخل المدرسة، وتتعرف على أسماء صحفها بالشكل فقط. فقررت أن أخذ الحكمة من فمها، وصرت أردد هذه اللازمة الفلسفية: نعم كتر خير الدنيا! فقد منّت عليّ بعمر فاق السبعين بعامين، رغم تاريخي مع الأمراض العديدة والمتعاقبة قبل الثلاثين. فقد كنت باستمرار أقرب إلى الموت منه إلى الحياة. وقد يكون هذا سبب مغامرتي ومقامرتي مع الحياة، وعبثي معها. وشكرا للدنيا أنني مازلت بذهن صاف، أقرأ وأكتب واستمتع بالفكر والثقافة والفنون. ومازلت أقف على أرجل تمشي رغم الوهن والغضروف والتعب السريع، فقد سمحت لي الدنيا - حتى الآن - بالمشي في الأسواق والمكتبات. والتمتع بمعدة تأكل الفول، والرجْلة رغم (القاوت) وتحذيرات الأطباء التي أطبق عليها الوصية: "شاوروهن وخالفوهن". وتركت لنا الدنيا عيونا تقرأ، وتستمتع باللوحات الفنية البهية، وبهبات الطبيعة والفصول، وأحيانا قد "تبصبص" للصبايا. كما حبتني الدنيا رغم السنين بلسان يتذوق الشاي بكل أشكاله ومنابته، وبالحلو مر، والشربوت، والدليخ، والكُسكُسي وسمحت لنا الدنيا بأذن ما زالت تصغي لعثمان حسين، وفيروز، والشيخ إمام و(Donna Summer). وتركت لي أنفا يستمتع بشم النعناع، والياسمين، وفواح الحنّا في الأمسيات عند أركان بيوت القرية، والرياحين، ورائحة العشب المبلل - مثل ويتمان - عند التهذيب أو عقب المطر، ويستنشق الـ (aramis) عطرا هادئا.
فعلا كتر خير الدنيا، ليس في هذا قناعة زائفة وزهدا في الحياة، وبعدا عنها، بل هو الامتنان والرضى والسعادة الداخلية الحقيقية. وهناك مثل عميق يقول: "إذا لم تجد شهيتك فلا تلم الطعام". وبالفعل عليّ أن أعدد النعم وأتحدث بها، وأعيد القول: كتر خير الدنيا، فقد أعطتني الكثير رغم أنني في أحيان كثيرة كنت "أستل من الشوك ذابلات الورود". قلت لأحد الأصدقاء: لم يعد لنا حق الحديث عن الأمل والمستقبل بل حق تذكر الأجمل، والذكرى ليس مجرد حنين للماضي ولكنها زينة للحاضر وتفاخر خفي مع الدنيا بأنك لم تفرط في جعل الحياة تستحق أن تعاش. وكتابة السيرة الذاتية هذه من إغواءات الشيطان اللذيذة حسب الآية الكريمة: "فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى" (طه:120). وهذه من المحاولات غير اليائسة في البحث عن ذلك الملك. فالحياة مثل التاريخ، ليس فيها: لو، ما حدث هو الذي كان يجب أن يحدث ولا شىء غيره. لذلك لم أعرف الندم: "تفيد بإيه يا ندم؟" ولم أدخل في الحسد ولا التمني، ويعيب (عمر بن ربيعة) ذلك ولكن قصد النساء فقط: "وكم مالئ عينيه من شىء غيره". ولا أكرر القول الدارج: ولو عاد الزمن كرة أخرى لعشت نفس حياتي. بالتأكيد لن أحاول نزول النهر الواحد مرتين، سأعيش حياة أخرى ولكن بنفس الرؤية والمبدأ.
بدأت الآن النزول من الجانب الآخر من الجبل، في تمهل، مما يجعل التأمل ممكنا في هذه التجربة العجيبة التي تُسمى الحياة. وتظل لغزا عصيا عن الفهم ولكن تُعاش. فنحن لا نعرف كيف جئنا ولا متى نذهب؟ ومع ذلك نجيب، ومن خلال الحياة نفسها، على سؤال: لماذا نحن هنا؟ وقد ثار رجال الدين على قصيدة من غير ليه التي تقول:
جايين الدنيا ما نعرف ليه
ولا رايحين فين
ولا عايزين إيه
داهمتني أسئلة الوجود الكبرى مبكرا، لذلك سارت حياتي في دروب مختلفة، جعلت مني غريبا ومغتربا في سن غضة، يسهل فيها تشكيل رؤية الإنسان للكون، والإنسان، والمجتمع. ففي الرابعة عشر من عمري ومع وفاة الشاعر (إيليا أبوماضي) (1889-1957) حين كثر الحديث عنه، قادني حب الاستطلاع لقراءة ديوانه (الجداول) فامتلكتني قصيدة (الطلاسم) وصرت أردد معه:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرتُ قدامي طريقاً فمشيت
وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري
وكثيرا ما استوقفني المقطع الحائر وعمّق شكوكي وقلقي وبحثي عن إجابة، بقوله:
قد سألت البحر يوماً: هل أنا يا بحر منكا؟
هل صحيحٌ ما رواه بعضهم عني وعنكا؟
أم ترى ما زعموا زوراً وبهتاناً وإفكا؟
ضحكت أمواجه منِّي وقالت: لست أدري
وتعرفت على (عمر الخيام) من خلال كتاب (المازني) المعنون (حصاد الهشيم)، وكان مقررا في السنة الثالثة ثانوي. وقد ساهم كثيرا في تعميق حيرتي وشكي. واتخذت من (الخيام) مرشدا ومعينا لحل ألغاز الحياة أو التعايش مع تقلباتها بدون تنازلات. ولم أكن أنوي تقليده، لأن التقليد يناقض السلوك الوجودي، والوجوديون يقولون: "لا يشعر بشعور الشخص إلا الشخص نفسه". وقد ارتبط (الخيام) عند الكثيرين بحبه للخمر وتمجيدها. ولكنني أكره الكحول وكل أنواع المكيفات، ليس لأسباب دينية أو أخلاقية بحتة، ولكن لأنها تُنقص الحرية من خلال عادة تفرض على الإنسان نداءات وأوامر من خارجه يعجز عن رفضها أو مقاومتها. ولكنني كنت أقول: لو وجدت نبيذ الخيام لجربته، لعل فيه كشفا لمستور. فهو يقول مناجيا خمره:
سأنتحي الموتَ حثيث الورود ويَنمحي اسمي مِن سجِل الوجود
هات أسقنيها يا مُنى خاطري فغايةُ الأيام طولْ الهجود
ولكنني فضلت السير معه في نفس دروب الحيرة، وقد ذهب بي بعيدا، خاصة حين يقول:
لَبستُ ثوبَ العيش لم أُستشَر وحرتُ فيه بين شتّى الفِكَر
وسوفَ أنضو الثوب عنّي ولم أُدرك لماذا جئتُ، أينَ المفر
عندما تجاوزت العشرين، وهي نصف سن النبوة، تزايد صراعي مع الحياة، وتفاقم شعوري بلاجدوى الحياة وعبثيتها. وصار شعاري هو مقطع شعر (أبي العلاء المعري): "تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد". ولم أعد راغبا في ازدياد لكي لا يعجب (أبو العلاء) من قلة عقلي. ووجدت فكرة الانتحار مكانا متقدما في تفكيري ولم تعد غريبة أو شاذة. ويبدو أن اعتلال صحتي المستمر قوى في داخلي إحساس الفناء. ففي تلك السنة، أصبت بيرقان ولم يكتشفه الأطباء بل نبهني فنان لمرضي. فقد كنت أتردد على كلية الفنون بالمعهد الفني كثيرا، وفي إحدى المرات صادفني الأستاذ (ربّاح) فنظر إليّ بطريقة غريبة وهو يصيح فيّ:
"ياولد أنت عندك يرقان شديد أمش بسرعة لدكتور".
ولكن يظهر أن الحالة كانت متأخرة على معالجة الطب الحديث، فذهبت سريعا للبصير (ود مختار) قرب سوق السجانة، ليضع على كل ذراع 7 كيات من النار قال أنها طريقة جديدة للأفندية، فهي علامات نار أقرب للدوائر الصغيرة. ومنعني من أكل كل ما هو دسم. ورقدت في بيت (حسن بدري) في الإشلاق الغربي بالخرطوم غرب. وكان يمارضني صديق في سني هو (عوض الله عبدالرحمن القُلّقُ)، ويصر على إغاظتي بالتهام ما أنا ممنوع منه. ذهب إلى (الدويمات) لعيد الأضحى، وأصيب باليرقان ولكن مع لحوم خرفان الأضاحي، ساءت حالته، نُقل لمستشفى (أم درمان) وقد تورمت أطرافه وصارت صفراء فاقعة. وبعد أسبوع مات (عوض الله) وعشت بعده أكثر من نصف قرن! هل هناك عبث أكثر من هذا؟ ولذلك كان لابد لي أن أطبق قول المتنبي:
"ولا تلق دهرك إلا غير مكترث".
ولكن في عام 1970 زاحمت فكرة الانتحار في رأسي خياران آخران، وصارت ثلاثية الخلاص عندي، تقول: إمّا الانتحار، أو التصوف، أو الهجرة البعيدة بلا عودة. وبالمناسبة القاسم المشترك الأعظم بينها هو: الموت، فالانتحار موت مادي مباشر، والتصوف انتحار عقلي، والهجرة أن تقتل تاريخا وعمرا سابقين، لتبعث من جديد في الغربة والمنفى المخالفين جذريا عن نسغ وروح الوطن. ويبدو أنني لم أطلق الحياة ولم أيأس يأسا بائنا، وأبقيت شعرة معاوية، وأنا ممانع وراغب فيها، علاقة حب /كراهية في تناولها. ولذلك انتصر خيار الهجرة، وهذا يعني غياب الخيارين الآخرين بلا رجعة.
كنت قد عثرت في أوراقي القديمة على نص بتاريخ 31/12/1963 تحت عنوان: "حصاد عام"، يبدأ هكذا: "لا أدري هل أقول لقد سقطت زهرة من شجرة حياتي بانتهاء العام الماضي أم أقول: لقد تفتحت واحدة جديدة بقدوم العام الآتي؟ لو قلت الأولى أعد متشائما. ولكن سأجمع شجاعتي وأقف لحظات مع عامي المنصرم وأقدم كشف حسابي في هذه الليلة التي أختم بها حولا كاملا من عمري الضئيل الخالي: ماذا جنيت من عامي المنصرم؟ وماذا أعطيت؟ وماذا كتبت في صفحة حياتي من تجارب خلال تلك الأشهر؟" وأضيف: "ببداية ذلك العام المنصرم كنت قد قضيت عشرين عاما على هذه القطعة الطينية التي تسمى الأرض وكان يمكن أن تختزل في عام واحد، فكلها تكرار وإعادة ولكنني لم املّ هذا التكرار بل كنت أتقبله على أمل جديد، ولكن كل عام يجيء على صورة من سابقه". وكان من محفوظاتي قول لمجهول: "إنها الأرضُ مَنذورةٌ للشّقاءْ".
من الواضح أن الحياة عندي ليست عبثية تماما ولهذه الدرجة التي أصفها بها أحيانا. ولذلك لماذا لا تجرب - وأنت الوجودي المغامر - دروبا أخرى فيها؟ وكان قراري، نحن البشر، لكي نستحق هذه الصفة، وأيضا شرف الخلافة على الأرض، لابد أن نملأها بالمعنى والجدوى. ولذلك، عليّ أن أقوم بمشروع وجود ظل ومازال يتحقق. وهذا هو فعل الحرية والاختيار الذي يحوّل المشروع إلى وجود، وحياة ملموسة، ومصير. فالإنسان محكوم عليه بالحرية - كما قال سارتر - وسرنا معا، الحرية وأنا. وكل حرية تتضمن المسؤولية ومشروطة بها، وهي تجسيد العيش في خطر الذي قال به نيتشه. فالإنسان لا يستند إلا على ذاته، ولا يبحث عن أي تبرير هروبي لأفعاله وسلوكه، ولا يلجأ لحائط مبكى أو مشجب. وفي نفس الوقت لا يتوقع من محاسنه وفضائله، جزاءً ولا شكورا. ويقول أبو العلاء المعري:
ولتفعل النفس الجميل لأنه خير وأفضل لا لأجل ثوابها
وهذا نبل بلا حدود وجوهر الإنسان الصادق والحر. وهذا يعني الخروج عن كل ما هو نمطي، وعادي، ومألوف أي مفارقة عقلية القطيع وأمنه. وهذا المقصود بأن الإنسان موقف، وكان عليّ أن أعاني كثيرا للتمسك بالموقف أو جمرة الوجود الحارقة. وهذا كان يعني بالنسبة ليّ، تمرينا صعبا ورياضة صعبة أمارسها طوال العمر. كان عليّ تقليل الفجوة أو الغائها تماما، القائمة بين داخلي وخارجي، الاتساق بين القول والفكر والفعل، رفع التناقض الوجودي: عدم مفارقة السلوك للأفكار والأقوال. وتنبهني وتحثني دائما الآية الكريمة: "كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون". وهناك قول جميل لـ (أرسطو): "ليست الشجاعة أن تقول كل ما تعتقد ولكن الشجاعة أن تعتقد كل ما تقوله".
لذلك، كان لابد أن أنشأ صريحا، وناقدا، وساخطا، ولم تساعدني حياتي الخاصة ولا تكويني النفسي، ولا المجتمع والبيئة، على تجنب ذلك. كنت حتى بلغت الثامنة والعشرين وبالضبط حتى هجرتي لألمانيا، كثير المرض وضعيف المناعة. وقد يكون السبب لكل ذلك عجزي عن التكيف مع مجتمع كثير النفاق، ويتميز أفراده بعدم الصدق والتعبير عن مشاعرهم الحقيقية، وينسبون ذلك "للأدب السوداني"، والتهذيب، والمجاملة. وكثيرا ما أبدو مصادما، ونشازا، بل وعدوانيا لدى البعض، ولكن كل سلوكي وطبعي يقوم على رفض الكذب مهما كان لونه، وعدم التعبير عن المشاعر الحقيقية أمام الشخص لا في غيابه وخلفه. ويتوجب على مثل هذه الشخصية أن تحمل على كاهلها عبئا ثقيلا ومرهقا. وكانت حياتي ملحمة من المصاعب والصدمات، ولكنني عشت سعيدا لأن مطالبي من الدنيا قليلة، فالزهد فيها أكثر ما يفسد أسلحتها في أن تملكك. وكانت التعويذة القاهرة في دنياي هي: الأمل، وعند كل منعرج هابط، أردد: "ما ضيق الحياة لولا فسحة". ومع التعاسة الظاهرية التي لازمتني، أتذكر القول: "لقد خلق الأمل لهؤلاء الذين لا أمل لهم". وقبل فترة قرأت مقابلة مع المخرج الإيراني (محسن مخملباف) قال فيها: "الحياة عبارة عن تفاحة إغراء تدفع الناس في سعيهم اليومي إلى اقتناص لحظات السعادة والصدق وامساك نبضها وزخمها. الحياة أهم من الفن". (صحيفة الحياة اللندنية 2/3/1998). وفي مقام آخر:
"سئل عبد ربه التائه: هل تحزن الحياة على أحد؟" أجاب: "نعم.. إذا كان من عشاقها المخلصين". ("أصداء السيرة الذاتية" لنجيب محفوظ). ظللت محبا للحياة دوما، وعملت في ظروف صعبة: المنفى، الغربة، والهجرة، وعدم الضمانات. ولم انتظر حتى تجىء الظروف الملائمة. ولم أذهب لوادي عبقر مثلا لأكتب، وأقول: "إن الإلهام هو القدرة على أن يصنع الإنسان لنفسه أنسب حالات العمل".
السودان مجتمع مثقل بالثقافة الدينية العالمة والشعبية التي تتجاور فيها أو حتى تتساكن فيها، الخرافة مع العقيدة. وفي كثير من الأحيان قد يحدث التعايش والتثاقف بينهما، لدرجة لا نعرف أين تنتهي الخرافة وأين تبتدأ العقيدة؟ والسودان بلد هجين وخلاسي في كل شيء، ليس فقط في الألوان والأعراق. كما أنه في حالة انتقال، بدت وكأنها القاعدة وليس الاستثناء. ويكاد السودان أن يكون صدفة تاريخية، وجغرافية، وسياسية أيضا. وقد اختصر الصحفي البريطاني (أنتوني مان) في كتابه عن السودان، والصادر عام 1954، الأمر حين فبرك مثلا عربيا خياليا قوله ما يلي: (When God made the Sudan. He laughed)، وعنوان كتابه: (Where God Laughed. The Sudan To-day). لا أدري هذا الخواجة هل أراد أن يقول أنه بلد مسخرة؟ لا أظن، ولكن أدهشته التناقضات. فقد جاء لتغطية انتخابات تقرير المصير، فوجد حزبا يسمى (تقدم السودان) برئاسة العم (أزرق) يطالب ببقاء الاستعمار 25 عاما أخرى (نشر دستوره ص 176 بالعربية). ولم يستطع السودانيون التعامل مع هذه التناقضات الهائلة ولكنهم ظنوا أن الحل يكمن في معضلة وهم أسموه "الهوية" وهي تعني الإجابة عن سؤال: من نحن؟ ونسوا أن المرء حين يبدأ بتساؤل مثل: من أنا؟ يكون - بالتأكيد - قد دخل مرحلة التيه والارتباك الثقافيين، بكل ما يحمل ذلك من اختلالات أخرى.
السوداني شخصية مركبة، وذو نفسية وعقلية أقرب لجبة الدرويش أي تجمع كل الألوان. ففي داخله تتصارع مشاعر وعواطف واتجاهات شتى، وهذا ما يفسر - لحد ما - أنه لا يعبر عن مشاعره الحقيقية، ولا يستبعد أن يتعمد ذلك مجاملة. ولكن في كل الأحوال، على حساب اتساق الشخصية. وهذه السمات نجدها بوضوح لدى المتدينين وأصحاب الايديولوجيات والعقائد، لأنها تتطلب ارتقاءً في التفكير والسلوك، يظهر مثاليا لحد ما. وقد أظهرت لنا تجربة حكم الإسلامويين، كيف يمكن أن يتعايش التدين، والفساد، والكذب، والشهوات في شخص واحد. كما نجد التقدمي أو اليساري، صاحب الموقف الرجعي المتخلف من المرأة، كما يطلق صفة "عبد" ببساطة ومجانية. والفتاة المحجبة التي يمكن أن تقيم علاقات خارج الزواج. ويبدو لي أن فترة المراهقة تنضج كل هذه التناقضات في الفرد، وفي نفس الوقت تتبلور الشخصية نهائيا. ومن بعض مظاهرها أنها تمثل مرحلة شك ديني عند الشباب الذي اندرج في التعليم الحديث مقابل الخلوة والمعهد الديني. ولكن قد يطال هذا الشك أصحاب التعليم الديني أيضا، مثل (التيجاني يوسف بشير) القائل: "يؤلمني شكي". ولم أكن استثناءً في هذه المرحلة، لم أكن متدينا لأن والدي لم يكن متشددا، وجدي (أحمد) المتشدد كان يدللني، فهو يوقظ أبناءه بغلظة، صباحا للصلاة، ويتركني أكمل نومي. لقد كانت أسئلتي وشكوكي مختلفة، وقد واجهت في البحث عن اليقين مشكلة الظلم والحرمان والفقر وهل تتسق مع العدالة الإلهية؟ وكيف يمكن التوفيق بين أوضاع العالم هذه والإيمان؟ كان السؤال كبيرا في ذلك العمر فهزني كثيرا. وحاولت أن أركن جزئيا للآية الكريمة: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". ثم كان عليّ مواجهة سؤال البشرية السرمدي: الموت. فهو مفزع، وقد تكون مقدماته أكثر إفزاعا: الشيخوخة، والمرض، والعجز. ولشد ما يقلقني "الموت الفجأة" الذي أراه باستمرار "خبط عشواء" أي حين يموت من لم يكمل مشاريعه وأحلامه. ويرى (المتنبي) مثل هذا الموت نوعا من القتل، أو حسب قوله حرفيا:
"إذا ما تأملت الزمان وصرفه تيقنت أن الموت ضرب من القتلِ"
كان (أبو ذر الغفاري) يحدد المكروهين عند الناس، وهما: الفقر والموت. ومن المفارقات، كنت عندما أسأل أحد الإخوة الفلسطينين عن الأحوال، يرد:
عاشين من قل الموت! مع أن الموت "طنّ" باستمرار في تلك البلاد، كما قال (أحمد عبدالمعطي حجازي).
وقد أردد مع خيال عمر الخيام:
"ودنياك دار القرى للنزل
وللدار بابان نور وظل
فكم طارق إثر آخر حل
ليرتاح يومين ثم ارتحل "
أين تذهب تلك الوجوه الجميلة البهية بعد أن تمر عليها عجلات الزمن؟ لا أؤمن بالعدم والغياب الأبدي، يبدو لي أحيانا أن الدهر لديه مكان مثل متحف مدام تسود للشمع يحتفظ فيه بهذه الروائع البشرية، وهذه هي الأطياف، والأحلام وحتى الأشباح التي تزورنا مرارا. وحيل التملص من قبضة الموت كثيرة، وطرق إدعاء الخلود تمتد من بناء الأهرامات وتاج محل، وكل الفنون، ووصولا إلى كتابة السير الذاتية مثل هذه. فالذكرى محاولة إعادة الحياة وعيشها مرة أخرى بطريقة تجريدية وخيالية في نفس الوقت ولكنها متعة زائلة، سريعة التلاشي، مثل وضع قطعة سكر وسط لسان لاحقته مرارة الواقع وبالذات الفقد. ويهرب البوذيون إلى (النيرفانا) وتعرف بأنها: "حالة الخلو من المعاناة" أو "حالة الانطفاء الكامل التي يصل إليها الإنسان بعد فترة طويلة من التأمل العميق، فلا يشعر بالمؤثرات الخارجية المحيطة به على الإطلاق، أي أنه يصبح منفصلا تماما بذهنه وجسده عن العالم الخارجي". والهدف من ذلك هو شحن طاقات الروح من أجل تحقيق النشوة والسعادة القصوى والقناعة وقتل الشهوات، ليبتعد الإنسان بهذه الحالة عن كل المشاعر السلبية من الاكتئاب والحزن والقلق وغيرها. ويصل الكهنة البوذيون والفقراء الهنود إلى حالة الـ (نيرفانا) بعد فترات طويلة جدا من التأمل العميق. وهذا يذكرني بقول الشاعر المجيد، الحزين، البائس والذي أحبه كثيرا (صلاح عبدالصبور):
أنا رجعت من بحار الفكر دون فكر
قابلني الفكر، ولكني رجعت دون فكر
أنا رجعت من بحار الموت دون موت
حين أتاني الموت، لم يجد لديّ ما يميته،
وعدت دون موت.
ويروي عن (بلال بن سعد):
" داركم وحدها، تتغير، أنتم
للبقاء خلقتم،
ولم تخلقوا للفناء "
كانت صفقة دكتور (فاوست) مع الشيطان، في مسرحية (كريستوفر مالرو)، والتي قررها علينا مستر (آتكنز) في معهد المعلمين، تعبيرا عن خلود مؤقت أو تكثيف للحياة بمتعها وشهواتها ومعرفتها، يقلل من مرارة الفقد والموت. ولكن هذا الوضع يضاعف الفزع مع اقتراب نهاية الصفقة. فهل يضطر المرء لمثلها لاقتناص بضع سنوات لاكمل بعض ما بدأته؟
الحياة الغنية المليئة تهزم الموت جزئيا أو تقلل من سطوته. لذلك تجدني شديد الإعجاب بالشعراء الصعاليك في لهوهم مع الحياة واستهتارهم بها، فقد عاشوها كاملة بلا خوف أو ملق. ويهزني (عُروة بن الورد) حين يقول:
إني امرؤٌ عافي إنائي شركة وأنت امرؤ عافي إناؤك واحد
أتهزأ مني أن سمنتَ وأن ترى بجسمي شحوب الحق والحق جاهد
أفرق جسمي في جسوم كثيرة وأحسُ قراح الماء والماء بارد
وقد جاراه آخر نثرا (نسيت القائل):
"ويطيب لي أن أوزّع نفسي على الأشياء، خصوصاً على تلك التي لا تتوقّف جراحُها عن النّزيف ".
وكنت قد حلمتُ بأنّني أبَحْتُ لدمي أن ينثر ما يشاء من حمرته على شقائق النّعمان العربيّة التي هي نفسها الشقائق التي نبتت في الأسطورة من دم أدونيس.
يرى الكثيرون أن الإنسان خلق هلوعا، ولكن كراهية الموت والخوف منه، لها سبب آخر. فالإنسان الذي أتى إلى هذه الدنيا بغير إرادته، لا يريد أن يغادرها دون أن يحقق أقصى ما يمكن من رغبات. ويقال أن أشياء كثيرة في الإنسان تضعف وتذبل مع الزمن، ما عدا طمعه. الطمع ليس الوصف الدقيق لأشواق الإنسان التي لا تنتهي، بل هو الأمل. فهو صاحب يوتوبيا (وهي كلمة تعني الموجود في اللا مكان) شخصية، وليست مجتمعية فقط. وهذه اليوتوبيا هي ما نسميه (السعادة) وقد تكون (إكسير الحياة)، وكل أعمارنا هي بحث عن ذلك الحلم وإنزاله لأرض الواقع. وتتفاوت التصورات للسعادة، وإن كان الكثيرون قد اختزلوها في متع مادية أو مقتنيات. وقد ساعدني أحد الحكماء، منذ زمن مبكر، في تحديد ماهي السعادة؟ فرد: "كثير من الكتب وقليل من الأصدقاء". وفي نفس الاتجاه كتب (هشام شرابي) أنه أحب شيئين فوق كل شيء آخر: "الكتب وأصدقائي فقد بدت لي حياتي مليئة وحافلة بالأحداث ولم أكن أدري أن الكتب قد تصبح وسيلة للهرب والاختباء، وأن الصداقات تنفصم ولا يبقى منها إلا الطعم المر". (مقدمات لدراسة المجتمع العربي. بيروت، الدار المتحدة للنشر، 1975:11). التصقت بالكتب أكثر، أما الصداقات فعندي منها الكثير والأهم من ذلك أحباء لم التقهم مباشرة، وهذه نعماء كبرى. ولكن كل هذا لا يزيل الطعم المُر ولا الدهشة والحيرة، لانفصام صداقات قوية وعميقة بلا أسباب ولا حديث أو "لم يقل حتى وداعا في الرحيل". السوداني وبالذات أغلب الأفندية أو المثقفين، لهم أمزجة متقلبة وقرارات عشوائية في العلاقات الإنسانية. لقد أفسدتهم حياة التنافس التي تمتد من العشرة الأوائل في المدرسة الابتدائية حتى الشوق للتوزير. فالأنا المتضخمة لا تفسح مجالا في داخلها لحب آخرين. كما أن الاستقطاب الايديولوجي الحاد، جعل الصراع والتنافس يسودان في رسم العلاقات. وهذا الانقسام بين يساريين وشيوعيين وبعثيين من جهة مقابل إسلاميين وطائفيين وسلفيين من جهة أخرى، حفر خندقا فاصلا داخل المجتمع وشرخا، خاصة بين النخب. وفي حالة مشابهة، يقول (جورج أوريل): "تعتبر الكاثوليكية والشيوعية على حد سواء أن الخصم لا يمكن أن يكون صادقا أو ذكيا. ضمنيا كلاهما يعتبر أن الحقيقة قد كُشفت سلفا". (مقالة عن الإبداع والحرب نشرها عام 1946). ومما يزيد الوضع سوءا في السودان عملية خلق النجوم والحنين للأبوة بين المثقفين - للمفارقة- وكنت حسن الحظ ونجوت من فخ البحث عن أيقونات وأصنام، وهناك مثل صيني معبر، يقول: "صانع الأصنام لا يعبدها لأنه يعرف المادة التي صنعت منها".
أتسلى في الزمن الأخير بأبي العلاء المعري في نظرته ومواقفه من الناس والدنيا (أم دفر). وقد تجاوز في حزنه وخيبة أمله (المتنبي) كثيرا، لأنه صاحب علة بالإضافة لنكد الدنيا. ويختلف عن (المتنبي) في الطموح والتطلع، الذي يظن أنها قد بسمت له وستحقق آماله، ولكن:
أظمئتني الدنيا فلما جئتها مستسقيا مطرت عليّ مصائبا
وهو القائل:
ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت على عينه حتى يرى صدقها كذبا
أما (أبو العلاء) فقد فضّل العزلة والابتعاد، لأن البشر لا قيمة لهم ولا فائدة:
و زهدني في الخلق معرفتي بهم وعلمي بأن العالمين هباء
وعلى المستوى الشخصي تعرضت في السنوات الأخيرة لكثير من المرارات والعداوات، بسبب ما يظنه البعض نجاحات لا استحقها. ولكنني لن أفعل مثل (دويد بن زيد الحميري)، إذ يروى أنه جمع أبناءه حوله وهو يحتضر، وقال لهم: "أوصيكم شرا بالناس!".
التاريخ السوداني والعربي/الإسلامي، غريب وعجيب، فهو مليء بالموت، والقتل، والتعذيب ويعود ذلك للنزاعات القبلية والثأر ثم لنظم الحكم الاستبدادية، كما أنها ثقافة تقدس الموت أكثر من حبها للحياة وهي مجرد محطة في سفر سريع، فالدنيا متاع للغرور أكثر من كونها مجالا للعمارة وممارسة لواجب الاستخلاف. من ناحية أخرى، كان الاستبداد يدرك جيدا مقولة أن من جاء بالسيف بالسيف يذهب. ولذلك بالغ في ترويع خصومه ومعارضيه، ونشر أجواء لا تنتهي من الخوف. وتفتقت أذهان القائمين بأمر حماية السلاطين عن أساليب لا تخطر إلا على عقول ممعنة في شذوذها. وقد أصدر الباحث (عبود الشالجي) كتابا عنوانه (موسوعة العذاب) أورد فيه أنواعا من التعذيب والوحشية تفوق كل خيال. وتتراوح ما بين أنواع تعذيب مختلفة، لتشمل الحبس في الغرف الضيقة أو في السراديب، التعذيب بعصر الخصية وجبّ الذّكر، وقطع الأطراف، والسّمل، وطرق مختلفة للقتل بالسيف منها التوسيط أي ضرب الإنسان من وسطه بالسيف، وقطعه قطعتين ثم طوره السلطان (محمد بن تعلق) سلطان الهند (725-752) فكان يقطع الرجل بقطعه لثلاث قطع. وهناك أيضا الخنق، والشنق، والتغريق، دفن الإنسان حيا، البناء على المعذّب أو هدم البناء عليه، التعذيب بالنار والماء المغلي، والقتل والتعذيب بالسلخ أو تمزيق البدن... الخ. ولم تنج النساء من أنواع أخرى للتعذيب أو الترويع مثل وضع رأس المقتول في حجر زوجته المفجوعة. وأغلب الناس كما تظهر كتب التاريخ - ماتوا بالعشق أو بالسيف - الكثيرون ماتوا عشقا وليس من النادر أن نقرأ حكايات مثل عروة بن حزام الذي أحب عفراء ابنة عمه، ولكن زوجت إلى غيره، بدون إرادتها، فمات حزنا. ووضاح اليمن يقال أن أم البنين زوجة الخليفة الوليد بن عبدالملك، عشقته وعشقها، وحدث مرة أن سمع الوليد بخبر وجوده عندها، فخبأته في صندوق أخذه الوليد ودفنه حيا في بئر في حديقة داره، سنة 90 هجرية. (أدونيس، الكتاب، ص 258).
حاول الكثيرون إسقاط ما اعتبروه خطا وهميا، مثل خط الاستواء بين الموت والحياة في بحث عن خلود أو عدم الفرار من مشقة الحياة بالموت والفناء. ويروى أنه حبس (أبو محجن الثقفي) لأنه قال:
إذا متُّ فادفنّي إلى جنب كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها
قال (حسين مروة) في مقابلة صحفية: "ولدت شيخا وسأموت طفلا". وفعلا لا تدري نفس بأي أرض أو بأي رصاصة، تموت.
ومن موقف تداخل الموت بالحياة، كانت مراسيم دفن الفنانة (صباح) في يوم 30 نوفمبر 2014 وقد جاء في وصيتها: "أفرحوا وأرقصوا لا تحزنوا"، وبالفعل عزفت موسيقي الجيش طوال اليوم وخلال الدفن. وقد ودعت جنازة (صباح) بالموسيقي والدبكة. وكانت لها علاقة غريبة مع الموت، فقد تعرضت لحادثين فاجعين. الأول كانت مع شقيقاتها في طريق العودة من مدرسة (الجيزويت) عند الظهيرة، فأصاب أختها (جولييت) الأكبر سنا، والتي كانت تسير في المقدمة، رصاصات من قنّاص مجهول، فماتت في الحال. والحادث الثاني، فقد ظن أخوها أن والدته على علاقة مع رجل، فما كان منه إلا أن قتل أمه والرجل رميا بالرصاص وهرب إلى البرازيل.
وكان يمكن أن تطلب (صباح)، بمرحها المعهود، أغنية في وداعها الأخير. وقبل ذلك، وقف الفنان (الكحلاوي) في المقابر عند مراسيم دفن صديقه الفنان (إبراهيم الكاشف)، مغردا بأعلى صوته:
"وداعا روضتي الغنا "
كما أن صديقنا التشكيلي الفلسطيني (برهان كركوتلي) طلب أن تقام (دبكة) ساخنة قرب قبره في مراسم الدفن، وقد حدث حين دفن في (فرانكفورت).
بينما يودع أمثال هؤلاء المحبين للحياة، قد نسمع صوت (فيروز) يشق الفضاء الميت والخاوي، مرددا بحسرة ولوعة:
" وين وجوهم صار في وادي بيني وبينهم
وينم ركبوا عربات الوقت وهربوا في النسيان
و تركوا ضحكات أولادهم منسية على الحيطان
تركوا لي المفاتيح..
تركوا صوت الريح..
و راحوا ما تركوا عنوان.. "
وقد يواسيها (الخيام) بلا جدوى، قائلا:
" لا السماء رجعت ولا الأرض ردت راحلا فات أهله والصحابا " .
يواصل (صلاح أحمد إبراهيم) معاركه، وهذه المرة مع الموت، في قصيدة (نحن والردي) حيث يتفاخر أمامه بلا خوف:
" لم نبد للموت ارتعادا أو فرق
نترك الدنيا وفي ذاكرة الدنيا لنا ذكر وذكرى
من فعال وخلق
و لنا إرث من الحكمة والحلم وحب الكادحين
و ولاء، حينما يكذب أهليه الأمين
و لنا في خدمة الشعب عرق
هذا نوع آخر من الخلود: الذكرى الطيبة والأفعال المجيدة. ولا أدري ماذا كان يقصد أمير الشعراء (شوقي)، فعندما توفي الشيخ (محمد عبده) عام 1905م أرسل ثلاثة أبيات لتلقى على قبر الإمام، ويقول في أحدها:
"مفسر آي الله بالأمس بيننا قم اليوم فسر للوري آية الموت"
لكن الموت نفسه ليس صورة واحدة للنهاية، فالخاتمة قد تكون من جنس عظمة الحياة أو سقطتها. لذلك لم يكن غريبا أن تتمنى الشاعرة (بنونة) ميتة عظيمة مشرفة لأخيها، حين قالت:
ما دايرلك الميتة أم رمادا شح
دايراك يوم لقاء وبدميها تتوشح
الميت مسولب والعجاج يكتح
ويروي أن (عبدالله الطيب) كان يتهم (عنترة بن شداد) بالكذب، حين خاطب (عبلة):
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تشرب من دمي
وذلك، باعتبار أن الإنسان في مواقف الموت لا يتذكر سوى حياته وروحه فقط.
يذكر السودانيون بعض صور الموت العظيم، مثال ذلك (الخليفة عبدالله) في (أم دبيكرات) حين تيقن من الهزيمة، فرش الفروة مرحبا بموت يغيظ العدو. ويقال أن الشيخ (عقيل) حين قطعت رأسه رفض أن تقع على الأرض، فأمسك به ثم مات. ويذكر التاريخ ميتة (عبدالخالق محجوب) ورفاقه، والأستاذ (محمود محمد طه). وهذا ما سماه البياتي: الموت واقفا وأعينه إلى السماء. أو عتاب (شيخ العرب) للموت، حين أخبر بموت صديق حميم وعظيم، فرد: أماني الموت ما اتلوم.
أي نوع من الموت تريد؟ يقول بعض أهلنا الصوفية: "إنشاء الله من القوة للهوة" ويتمنى آخرون: "من المحبرة للمقبرة". وبدوري أحوّر الدعاء أو الأمنية: "من اللاب توب إلى ود اللحد". هذا موت أعظم من معارك القتال، أن يكون حتى النهاية مع الكتابة والقراءة. كذلك ألّا يمرض ويتبهدل، ويصير عبئا على الآخرين. هذه أمنياتي أيضا، لا أخشى الموت ولكن أمقت الضعف والمرض والوهن، وستقتلني مرة ثانية كلمات التأبين المنافقة، من قبيل:... "كان الفقيد دمث الأخلاق"، و"كان أخو إخوان" أو "كان الفقيد محبا لأهله ووطنه" وكل ما له صلة بـ"اذكروا محاسن موتاكم". كيف لا يتبارون وقد جاء "يوم شكرو". هذه ثقافة غريبة تحرمك حتى النهاية حق التعبير عن امتنانك ورضاك... وويل للمنافقين.
Get new additions by email
We are adding Hayder Ibrahim Ali's books, articles and photos over time. Leave your email and we'll let you know what's new.