الفصل الأول: تاريخ وتطور لاهوت التحرير
We, Hayder Ibrahim's family, are making all his books freely available for the public good and to continue his project of enlightenment. All rights remain reserved: the books may not be printed or published without written permission.
في التاريخ والبداية
يعتبر لاهوت التحرير إعلانا عن حقبة جديدة في تاريخ الكنيسة والمسيحية لا تقل أهمية في طروحاتها ومقارباتها وحركيتها عن الإصلاح الديني وظهور البروتستانتية. ولكن محاولات التعتيم والتحوير وتزييف توجهات ومضامين هذا الفكر الديني الجديد نجحت في تقليل أهميته وأثره، إذ يرى البعض - بالذات من المعارضين والمتحفظين - إن فكرة التحرير موجودة أصلا في جوهر المسيحية نفسها لأن مهمتها كانت مواجهة شرور العبودية في العالم القديم ورفع الظلم عن الضعفاء، لكن العبرة ليست بوجود النصوص والتعاليم - ظاهرة أو ضمنية - في الديانة المسيحية بل بالممارسة والمواقف العملية التي تحول تلك المعاني السامية الى واقع معاش. على العكس فقد ساد خلال تاريخ الكنيسة الطويل الموقف الداعم دائما للطبقات الحاكمة والمسيطرة اقتصاديا، ومنحتها غطاءً إيديولوجيا من خلال قراءة للكتاب المقدس تتغنى بوهم حب وسلام فوق معاناة المحرومين والمسحوقين، واتُهمت الكنيسة بقبول الأمر الواقع، لذلك نجد - دون انقطاع - كنيستين في المجتمع الواحد: كنيسة المؤسسة مقابل كنيسة الشعب أو كنيسة الأغنياء مقابل الكادحين. كنيسة ذات لاهوت تقليدي مع النص الجامد والسلطة والنظام في مواجهة لاهوت تحريري، نقدي يقف مع المقهورين ولكنه يتعرض للتهميش ويبقى صوت الكنيسة التقليدية سائدا.
إن الكنيسة مثل غيرها من المؤسسات ليست كائنات مجردة متعالية ولكن ذات وجود تاريخي ملموس ومن المفروض أن تكون أكثر حساسية للواقع والتحولات الاجتماعية بسبب رسالتها الخلاصية للبشر والتي تتلمس حياة وروح الانسان في الأحوال المتغيرة. لذلك اصطدم المتدينون بمظاهر الفقر والتخلف كشكل للمعاناة الأرضية اللاعقلانية والتي تتعرض لها غالبية البشرية. فالأكثرية توجد في ظروف قاسية تهددها المجاعات والموت المبكر والفقر المدقع والحرمان من أدنى الحجات الضرورية مع انتشار البطالة الكاملة أو الجزئية، مقنعة أو ظاهرة، حيث يعيش الكثيرون دون عمل أو تعليم نظامي أو عناية صحية أو ظروف بيئية مناسبة أو مياه صالحة للشرب، بالأضافة لعدم المشاركة السياسية والعزلة الثقافية والاجتماعية والإعلامية. وهنا يبدأ مدخل تناول لاهوت التحرير الذي ينطلق من ضرورة وجود حد أدنى للمشاركة في الإحساس بهذه المعاناة التي تصل الي أغلبية عظيمة من الإنسانية، لذلك يرتكز لاهوت التحرير على التزام نبوي ورفاقي تجاه الحياة1. مع هذا التحدي تبرز بداية الاختلاف والافتراق بين اللاهوت التقليدي السائد ولاهوت التحرير، إذ يستحيل أن تقف الكنيسة موقف الحياد. ويقول فريري Freire على حق أنه لا يمكن الحديث عن حياد الكنيسة، لأن الحديث عن مثل هذا الحياد يأتي إما ممن يجهلون الكنيسة والتاريخ أو ممن يخفون الفهم الحقيقي. والإثنان مخطئان لأنهم عندئذ يأخذان موقفا سياسيا ينحاز بالضرورة الى سلطة الصفوة ضد الجماهير وغسل اليدين من الصراع بين الأقوياء والضعفاء يعني الانحياز للأقوياء وليس الحياد2.
يُوصف اللاهوت التقليدي بأنه مدرسي وخالد ولا تاريخي وغير وجودي، أصولي، مركزي في لاهوتيته وهرمي وطبقي؛ بينما يميز لاهوتيو التحرير ميدانهم بأنه تطوري، تاريخي، وجودي، مركزي في مسيحيته جماعي مشترك، ومساواتي3. وهناك فكرة أساسية لفهم وتحديد لاهوت التحرير وهي موضع التاريخ في هذا الفكر الديني الجديد بحيث يحافظ على روحانيته وتعاليه مع ربطهما بالواقع والناس. ينطلق البعض من كلمة لاهوت أو Theology حيث تفسر logos بأنها تعني التأمل والذكاء والفهم والكلمة المعقولة والخطاب و Theos تعني الله أو الإله. وبالتالي تأخذ معنى تجلى سر الله في التاريخ وهو تاريخ صراعي، تاريخ الاضطهاد والنضال من أجل التحرير، وفي صميم هذا التاريخ يتجلي الله كسر بطريقة جديدة غير مألوفة. ويفهم لاهوت التحرير كتأمل لاهوتي أو خطاب فهم الله من جانب أدنى للتاريخ أي تاريخ الفقراء وليس التاريخ المنتشر والمعروف. أو ما سماه غوتييرز (Gutierrez) في رده على اللاهوتي الألماني (Jürgen Moltmann) التاريخ الأدنى أو الآخر4. لذلك يبحث لاهوت التحرير عن وسيلة لكي يُميز كمنهج يفرق بين وجود أو غياب الله في التاريخ، وكاستجابة لمعاصرة الله كتجلي جديد، باستمرار، في قلب الحقيقة، باعتبار اللاهوت تأمل في واقع محدد وتعبير عن كلمة الله في لغة الحاضر، بمقولات زمان ومكان محددين. وهنا ارتباطه بالتاريخ، لا يأتي من فراغ ويقوم على نقطة ما. ومن هنا يجيء السؤال: لماذا ظهر لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية وفي هذا الوقت بالذات أي الستينات وما بعدها؟
ويحذر بعض الباحثين من تضييق وحصر مجال لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية مؤكدين عالمية لاهوت التحرير، يقول Araya في هذا الصدد: «رغم أن لاهوت التحرير أمريكي لاتيني ولكن لابد من إبعاد الجانب الغرائبي والفولكلوري باعتبار هذا اللاهوت نتاج تلك المنطقة فقط»5. فلاهوت التحرير يحاول أن يكون عالميا، رغم نصيته التي قد تجعله يبدو نسبيا ومحدودا ولكنه يفاخر بعالميته، وأي لاهوت يسعى لأن يكون أصيلا لابد أن يحدد على المستوى النظري الوجود الملموس للرب والمسيح المصعد المصلى (Risen One) في أوضاع إنسانية متعددة أي أن يكون نصيا وتاريخيا. فاللاهوتيون يرون أن اللاهوت لو حاد عن نصيته يقع في خطر تأمل اله معكوس، بايديولوجية الطبقة المهيمنة.6 هذا التشابك بين التاريخي والنصي يؤكده الإنجيل بوضوح وحين يصلي المسيحيون قائلين: «لتكن مشيئتك، كما في السماء، كذلك على الأرض» وهذا يعني: «إننا نجعل الأرض بداية للسماء فهي الموقع الذي تتحقق فيه مشيئة الله الممتدة عبر الزمان والمكان الى الأبد. ووجود المؤمنين في العالم هو تواجد رعية قديسين وأهل بيت الله. وأهل البيت هنا في العالم، يتمتعون بالمدينة السماوية هنا على الأرض حتى ينتقلوا إليها في المجد»7. وهذا يعني انتماء الكنيسة والمؤمنين لرعية في هذا العالم الأرضي أي في مجتمع. ومن هنا تأتي المبادرة التي اقتحمها بعض لاهوتيي أمريكا اللاتينية من خلال قراءة الانجيل وكل التراث المسيحي والتجربة على ضوء محيط ثقافي واجتماعي وسياسي أمريكي لاتيني وبأعين الجماهير الفقيرة التي عاشت لقرون منزوعة الإنسانية. انطلق لاهوت التحرير هناك من تأويل تاريخي جديد يستند على معرفة جيدة وفهم بنائي وأكثر شمولية لتاريخ أمريكا اللاتينية أوصل الى كشف حقيقة التبعية والتخلف كسمة أساسية في تاريخ المنطقة شكلت كل الأبعاد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. لذلك نشأ لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية ببساطة لأنها أصبحت أكثر خضوعا لسيطرة الامبريالية والرأسمالية حيث أطلقت هذه القوى أقصى قمعها واضطهادها وصار التخلف والتبعية فوق الاحتمال8.
ويختلف لاهوتيو التحرير عن غيرهم من اللاهوتيين سواء المسيحيين أو المسلمين أو غيرهم في جعلهم مهمة التحرير من التخلف والقمع مشكلة مركزية في أمريكا اللاتينية وبالتالي اندراجهم في التاريخ وأن يخلصوا الكنيسة والمسيحية من تاريخ رديء مخجل. فخلال أربعة قرون لعبت الكنيسة الكاثوليكية دورا أساسيا في استعمار أمريكا اللاتينية تحت دعوى التبشير الذي حملته الأساطيل الاسبانية والبرتغالية، وساهمت في المواجهة الدموية بين الغزاة والوطنيين بوقوفها مع الاستعمار. فبعد سنتين من وصول كولمبس لجزر الهند الغربية عام 1492 فاوض البابا الاسكندر السادس حول معاهدة Tordesillas التي قسمت العالم الجديد بين إسبانيا والبرتغال ودشنت مرحلة وصاية تعني سيطرة ملكية على الكنيسة في مناطق التبشير التي ستحتلها الدولتان. وعملت الكنيسة والدولة سويا في مستوطنات أمريكا اللاتينية، وفرضوا البنى الاقطاعية المعروفة لديهم على المناطق المفتوحة حديثا. واعتنق الهنود الأمريكيون المسيحية غالبا تحت الإكراه، ولكنهم لم يتخلوا تماما عن ثقافاتهم ومعتقداتهم المحلية9. ولم يكن المبشرون أقل طموحا عن الغزاة في تحقيق أهدافهم الدينية لذلك لجأوا لكل الوسائل لتحويل السكان المحليين الى المسيحية. ليس من أغراض هذه الدراسة تقصي تاريخ أمريكا اللاتينية ولكن ما يهم هو أن لاهوت التحرير وجد هناك مجاله الخصب بين مسيحيين ومضطهدين وكنيسة تحاول أن تبعث كمُحَرِّرة. وهنا نحاول تتبع ظهور هذا الشكل الجديد للكنيسة واللاهوت ضمن معطيات مرحلة ما بعد الحرب في أمريكا اللاتينية لأنها المنطقة الأكثر تمثيلا للاهوت التحرير مع الإشارة لبقية العالم.
يحاول البعض استعمال شرعية القدم التاريخي وبالتالي انتقاء لحظات تاريخية سحيقة باعتبارها بداية لفكرة أو حركة ما. وفي هذا السياق يذكر بعض الباحثين أسماء مبشرين ولاهوتيين من القرن السادس عشر باعتبارهم الأسلاف الموحيين للحركة اللاهوتية المعارضة لأنهم تساءلوا عن نوع وجود الكنيسة في علاقتها مع الفقراء والسكان الأصليين والملونين والفلاحين المعدمين. ونجد أسماء قساوسة مثل: Bartolome de Las Casas الذي جاء الى سان دومينقو عام 1514 وحرر عبيده الخاصين ووقف الى جانب الفقراء والسكان الأصليين في إسبانيا والعالم الجديد. لذلك دعته الكنيسة «حامي الهنود» حتى موته عام 1566. ويعتبره الكثيرون الآن موسى لاهوت التحرير اللاتين أمريكي. وهناك شخصيات شامخة في تاريخ الكنيسة مثل Antonio de Valdivieso قسيس نيكاراغوا خلال العقد 1540 والذي عارض معاملة السلطات الإسبانية للسكان الأصليين وقتل بسبب ذلك ويأتي في القائمة Juan del Valle الذي ترك منصبه الرفيع في الجامعات الاسبانية وجاء قسيسا في كولمبيا خلال 1550 مدافعا عن حقوق السكان المحليين. وهناك أيضا رجال مثل Antonio de Montesinos وAntonio Vieira وCaneca. ويري دوسيل أن شعار Casas «التبشير بدون سلاح» هو الذي وجه لاهوت التحرير اليوم لكي يكون نضالا في صالح أنسنة المستضعفين وليس ضد «المخربين» كما تروج بعض أوساط الكنيسة10. ولكن هذا لا يمنع من القول أن الكنيسة كانت طرفا أساسيا في الصراع الطبقي في أمريكا اللاتينية ومع سقوط النفوذ السياسي الاسباني كانت الكنيسة هي الوريث الاقتصادي لتلك الامبراطورية، إذ كانت ملكية معظم الأراضي الصالحة للزراعة - مع بداية القرن التاسع عشر - تعود لرجال الكنيسة فقط. لذلك وجدت الكنيسة نفسها طرفا مباشرا في الصراع مع القوى الاستعمارية الجديدة والطبقات المحلية المهيمنة، وأخذت جانبا حسب إمكانية ضمان نفوذها - منفردا أو مشاركا فيه مع قوى تكفل الحماية السياسية والدفاع بالقوة إذا اقتضى الأمر. فهكذا نحن دائما أمام كنيستين ولاهوتيتين.
فقد أتى لاهوت التحرير الحالي في سياق تاريخي - اجتماعي مختلف ولكن يظل شكلا من أشكال الصراع الاجتماعي الممتد في القارة منذ القرن السادس عشر وبلغ ذروته في ستينات هذا القرن مع ازدياد الاستغلال والقمع من جهة وتنامي الوعي والفعل السياسي من ناحية أخرى. فقد شهدت الفترة من الثلاثينات اهتماما متزايدا داخل الكنيسة بالمشكلات الاجتماعية بالذات في الأرجنتين (1920) وبيرو (1925) وبوليفيا (1928) واتسع أفق الكنيسة من خلال مظاهر تجديد من فهم النصوص واللاهوت التي برزت في المؤتمرات وحلقات النقاش مثل لقاء ريو دي جانيرو عام 1955 والذي حضره البابا بيوس وناقش عددا من القضايا من بينها الدور الجديد للكنيسة في النظام الاجتماعي11، ولكن ظل مجرد تيار غير محدد المعالم يتحدث بعمومية عن مملكة المسيح بين الفقراء وعن الأنباء الطيبة القادمة، حتى دعا الباب يوحنا الثاني والعشرون الى لقاء مجمع الفاتيكان الثاني في كانون الثاني (يناير) 1959 وسط متغيرات إقليمية ودولية أجبرت الكنيسة على مواجهة واقع جديد بصورة إيجابية أكثر من السابق وبالتالي أعطى دفعة رسمية لظهور لاهوت التحرير. وأصبح من العادي أن تتحدث المنشورات البابوية عن قضايا الفقراء والعاملين، وتطالب بالمساواة والصالح العام بل وإدانة استغلال دول العالم الثالث ومسؤولية الدول الغنية في مساعدة تلك الدول، ليس من منطلق الصدقة المسيحية بل لتصحيح مسؤوليتهم في تسبيب الفقر. ومع الشعور المتزايد بالدور الكنسي في بناء نظام جديد ظهرت الحاجة الى بلورة تلك الأفكار، حضر 600 كاهنا من أمريكا اللاتينية المداولات الافتتاحية للفاتيكان الثاني عام 1962 ليدشنوا حقبة جديدة في تاريخ الكنيسة الأمريكية اللاتينية التي بدأت تهتم بالفقراء وضرورة مقاومتهم للظلم والأمر الواقع12.
وهذه التحولات من موقف الكنيسة لم تكن نتيجة مراجعة ذاتية أو تأمل جديد لإنجيل، ولكن فرضها واقع عاصف اجتاح أمريكا اللاتينية. فقد كان جيش الثورة الكوبية بقيادة كاسترو وجيفارا يجتاح البلاد منتصرا محاولا أن يقدم كثورة وحزب - فيما بعد - نموذجا لحل مشكلات التخلف والتبعية. فقد حاولت الأنظمة الشعبوية (Populist) خلال الخمسينات والستينات، مثل بيرون في الأرجنتين وفارجا في البرازيل وكاردينا في المكسيك حل مشاكل بلادهم التابعة ولكنها فشلت رغم أنها ألهمت شعورا وطنيا عاما. كما أنها أقامت صناعات محلية مكملة للسوق العالمي، وانتفعت من هذا النمو الفئات الوسطى والبروليتاريا الحضرية لحد ما، ولكن في نفس الوقت قذفت هذه السياسة الاقتصادية بقطاعات كبيرة من الفلاحين إلى تهميش ريفي أشد وزادت من بؤس أحياء الصفيح في المدن. وزاد ارتباط أقطار أمريكا اللاتينية بالرأسمالية العالمية وتعمقت الفروق الطبقية واشتد البؤس، مما قاد الى قيام حركات شعبية قوية تسعى للتغيير الجذري وقامت انتفاضات عسكرية في عدد من الأقطار - على النمط الكوبي - هدفت الى القضاء على النظم الحاكمة وإقامة نظم جديدة اشتراكية التوجه. من ناحية أخرى، أثارت هذه الحركات خوف القوى الحاكمة وظهرت دكتاتوريات عسكرية شرسة لحماية مصالح الامبريالية والرأسمالية المحلية وصاحب بروزها مستوى عال من القمع أو ما يسمى «الأمن القومي» الذي أحكم قبضته على أي شكل من المقاومة أو الاحتجاج13.
ازداد التوتر الاجتماعي والعنف وتبنت الولايات المتحدة عددا من النظم العسكرية التي جاءت نتيجة انقلابات عسكرية متتالية فقد تلاقت المصالح خاصة وأمريكا كانت ترفع شعار محاربة الخطر الشيوعي فوجدت في أنظمة الأمن القومي بغيتها. ولم تنج الكنيسة أو بعضها - بالذات الكنائس المحلية - من حملات القمع العسكري. ونجد موقف العسكر واضحا في تصريح رئيس المجلس العسكري البرازيلي في ديسمبر 1976 عقب اضطرابات اجتماعية: «... للأسف يحرض رجال الكنيسة هذا الشيطان الفقير (أي الفلاحين) لكي يثوروا بدلا عن تهدئتهم. هذه الكنيسة الشيوعية التقدمية ليست كنيستي. ديني هو دين السيد»14. واعتبرت مثل هذه الكنيسة عقبة ضد نظرية «الأمن القومي» لذلك حاول الحكام العسكريون استغلال الدين وادعى أغلبهم تمثيلهم للمسيحية وأنهم ملهمون من قبل الكنيسة، وكانوا سباقين في ممارسة الطقوس واستعمال لغة الكنيسة والاستشهاد بالتعاليم والوثائق المسيحية. كما حاول العسكريون استمالة بعض رجال الدين وإقحامهم في وظائف إدارية، وهذا جانب آخر للدين يعتمد على نفس المرجعية ولكن يستخدم ضد الجماهير وتستغله السلطة الدكتاتورية في مجتمعات جديدة ذات أديان مختلفة ولنا في المجتمعات العربية - الإسلامية أمثلة عديدة. كذلك في التاريخ المعاصر وأحسن مثال ما يورده أحد الباحثين عن أوربا الثلاثينات والأربعينات: «في الوقت الذي كان فيه شعار (إن الله معنا) مطبوعا على حزام السفاحين الفاشيين فقد كان المؤمنون يشاركون في حركة المقاومة في مواجهة الفاشيين»15. فالدين كعامل إيديولوجي يتشكل حسب احتياجات وظروف الواقع، ومن هنا تهيأت ظروف نمو لاهوت التحرير خلال الستينات وفي تلك البلاد التي ازدادت فيها الأزمة الاجتماعية - الاقتصادية والسياسية حدة ولم يعد للحوار جدوى مع تصاعد العنف والذي استدعى عنفا مضادا من قبل الجماهير.
وقد تميز المؤتمر الثاني للفاتيكان بفتح المجال لحوار واسع بين الكنيسة والمجتمع بدون كثير قيود وتحفظات في تأمل مشكلات مجتمعات أمريكا اللاتينية. وظهر أثر ذلك عمليا في لقاءات المفكرين الكاثوليك والبروتستانت ضمن مجموعة الكنيسة والمجتمع في أمريكا اللاتينية (ISAL) وفي هذا الإطار برزت الأسماء الرائدة في لاهوت التحرير، كما تبلورت نقاشات حادة حول العلاقة بين العقيدة والفقر، والانجيل والعدل الاجتماعي وغيرها من قضايا. وفي البرازيل بالذات خلال الفترة بين 1959 و1964 كان النشاط واضحا، وأصدر اليسار الكاثوليكي العديد من النشرات الدورية الأساسية التي تحدثت عن الحاجة الى نموذج مثالي مسيحي للتاريخ، يرتبط بالفعل الشعبي. وطالبوا بالتزام شخصي في العالم مسنود بدراسات من العلوم الاجتماعية والتحررية مدعومة بالتعاليم العامة للمسيحية16. وفي عام 1967، نشر قساوسة من أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا ما سمي: «خطاب الى شعوب العالم الثالث» جاء فيه أن الثورة اداة مناسبة للتغلب على الظلم ولأن الأغنياء يحرضون على العنف17. كما تواصلت اجتماعات عديدة في أمريكا اللاتينية خلال الستينات كرست لتعميق هذا التوجه الجديد وكانت بمثابة التمهيد لأهم لقاء خصص للاهوت التحرير.
ووتعتبر البداية مؤتمر ميدلين (كولمبيا) وهو في الأصل المؤتمر العام الثاني لأسقفيات أمريكا اللاتينية الذي تعقده الكنيسة الكاثوليكية وعرف اختصارا ب (CELAM II)، وحسب غويتيرز (G. GUTIERREZ) فإن عام 1968 الذي انعقد فيه المؤتمر هو الميلاد الفعلي للاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية18. وكان تحت شعار «الكنيسة والتحول الراهن لأمريكا اللاتينية على ضوء المجلس» وقدمت ست عشرة وثيقة عالجت موضوعات مثل العدل، السلام، التعليم والشباب، كذلك عن القداس، والحركات الشعبية والإعلام الجماهيري وفقر الكنيسة. وحضر المؤتمر حوالي 145 من رجال الكنيسة في مختلف المواقع الدينية وكانوا متأثرين إيجابيا بالفاتيكان الثاني بل كانت هناك شخصيات قد حضرت ذلك اللقاء. وكان واضحا أن الحاضرين أرادوا التعبير بوضوح عن دور الكنيسة في مواجهة المشكلات الاجتماعية والسياسية التي يعرفونها مباشرة19. كذلك كان أثر البابا بولس السادس ملموسا إذ يمكن أن نرجع مصطلح التحرير الى كتاباته، فقد استعمل مفهوم التنمية كمشروع إنقاذ أمريكا اللاتينية من الفقر خلال الخمسينات ومطلع الستينات وصعد البابا المفهوم الى «التنمية المتكاملة» بحيث لا تعني مجرد التطور الاقتصادي بل تعني تقدم الإنسان الملموس في كل المجالات وبأبعاد التقدم الدينية والأخلاقية باعتبارها عملية تقود من الأقل إنسانية الى الأكثر إنسانية. هذا الاستهلال أثر على المؤتمر في ميدلين واستعملت كلمة التحرير لأول مرة رسميا كتعبير عن تأمل وتحديد لمهام مسيحيي أمريكا اللاتينية واستعملت الكلمة دائما كمرادف للتطور أو الترقي الإنساني أو التنمية المتكاملة بكل ظلالها وتعنى وضع الإنسان في قلب مصيره وتاريخه الخاص وكما أن فكرة التقدم هنا أبعد من العبودية والتبعية غير العادلة20.
تنير وثيقة ميدلين حول السلام التي نشرتها السكرتارية العامة ل CELAM في بوقوتا (كولومبيا) عام 1970 كثيرا من مواقف ومنطلقات لاهوت التحرير. فهي تبدأ بالقول: «لو كانت التنمية هي الاسم الجديد للسلام (حسب المنشور البابوي لبولس السادس) فإن تخلف أمريكا اللاتينية بخصائصه المحددة في مختلف الأقطار هو وضع غير عادل ويثير التوترات التي تتآمر ضد السلام». وصنفت الوثيقة التوترات الى ثلاثة مجالات: بين الطبقات والاستعمار الداخلي، توترات عالمية مرتبطة بالاستعمار الحديث الخارجي، وتوترات بين أقطار أمريكا اللاتينية نفسها بسبب الوطنية المتضخمة والتسلح. وكانت هذه التحليلات من أهم مساهمات لقاء ميدلين في تناول قضية الفقراء ومصادر وتأثير الفقر ثم تحديد دور الفقراء، في بنى الكنيسة والمؤسسة السياسية. نجم عن هذه التوجهات الاجتماعية والانجيلية الجديدة تغيرات جذرية في النظر الى الفقر عند المسيحيين بإرجاعه الى معطيات بنائية وليس نتيجة فشل أو سوء حظ شخصي. هذا المنظور قلل بشدة من القيمة الممنوحة تقليديا لدور الكنيسة في الإحسان والرعاية وما يظهره الأغنياء تجاه الفقراء من تعاطف مزيف. يظهر مطلب جديد يرى ضرورة تغيير البنى التي تسبب الفقر وهذه مسألة قوة وفعل سياسي. كما أن أفكار الخطيئة السائدة التي تتجذر في الأخلاق الشخصية وسعت لكي تشمل كل النظم الاجتماعية بالذات الموقف من نظم المجتمعات غير العادلة المتميزة باللامساواة المكشوفة والعنف العادي بكل أشكاله وهذه هي الخطايا والأخطاء الحقيقية، من هنا يكتسب العمل السياسي شرعيته من ناحية التحرر من الخطيئة وهذه مهمة أساسية في حد ذاتها يجب أن تقوم الكنيسة بها. وتغير المعنى الرمزي للفقر، ليس في القبول السلبي والتضحية ولكن تحول الى الدعوة للمساواة والعدل وصار للآية: «الفقير سيرث الأرض» ظلالا جديدة بعد ميدلين21.
فقد كان مؤتمر بيوبلا Puebla (CELAM III) عام 1979 إضافة نوعية لنتائج ميدلين وحاول أن يكون أكثر تجديدا وانحيازا للفقراء وأن يتبنى بوضوح مفهوم التحرير بتأكيد ضرورة التغلب على معاناة الفقراء والمجتمع من خلال صلة الله والإنسان لتحقيق ذلك. فقد كان لقاء بيوبلا حصاد سنوات بدأت في ميدلين ونتيجة عمل دؤوب في اتجاه لاهوت ينحاز الى جانب الفقراء دون تردد وعلى أسس إنجيلية ورعائية باعتباره الاختيار الأفضل. وأكد المؤتمر أساسيات استرشد بها المؤمنون بلاهوت التحرير مثل: اعتبار مفهوم الفقراء لا يقل أهمية عن مفهوم الله لأن عبادة الله لا معنى لها دون العدل وحب الفقراء، يتم الخلاص بحب الله والجار وأن الممارسة المسيحية للتحرير هي مصدر الروحانية22. وأعطى اهتماما كبيرا لتنقية مفهوم الفقراء خلال المناقشات والتي جاءت في أجواء الأزمة في أمريكا اللاتينية أي بعد سقوط حكومة اليندي الاشتراكية في تشيلي وقبل ثورة الساندينيين في نيكاراغوا بقليل، كما تزامن التحضير للمؤتمر مع العنف المتزايد في السلفادور والذي لعبت فيه الجماعات الدينية ورجال الكنيسة دورا مركزيا23.
ويرى (Boff) إن بداية السبعينات تمثل الميلاد الحقيقي للاهوت التحرير أو ما أسماه «اللاهوت الناشئ» لأنه من بين التيارات اللاهوتية الموجودة يظل أكثرها ديناميكية، وهذ الحيوية والحركة نجد جذورها في الحركات الشعبية وفي المجتمع وفي الكنائس المحلية أكثر مما في اللاهوت نفسه. مضمون ومحتوى هذه الحركية متطابق ومحدد، وكتاباتها مقرؤة في دوائر واسعة بالذات عند القائمين بعمل رعائي بين الفقراء24. وفي السبعينات انعقدت عدة مؤتمرات كاثوليكية، على سبيل المثال في بوغوتا (كولومبيا) في مارس 1970 ويوليو 1971 كذلك نظمت ISAL البروتستانتينيه مؤتمرا في بوينس آيرس خلال نفس الفترة. وظهرت مؤسسات تعليمية ساندت التوجه الجديد مثل: لجنة الدراسات لتاريخ الكنيسة الأمريكية اللاتينية (CEHILA) ومركز الدراسات الانجيلية (CEBI) والمركز المسكوني لخدمة وتبشير الشعب (CESEP) والأهم من ذلك: كونفدرالية أمريكا اللاتينية للأديان (CLAR). بالإضافة لظهور عدد من الناشرين الكاثوليك ودور النشر التي عملت على إنتاج وإشاعة أفكار لاهوت التحرير. وظهرت كتابات هامة من بينها كتاب غوتييرز وندوة ASSMANN بعنوان: «الاضطهاد - التحرير: التحدي للمسيحيين». ومقالات Leonardo Boff تحت عنوان: «المسيح المحرر» عام 197125.
ورغم أهمية الفاتيكان الثاني ومؤتمر ميدلين وبيبولا وما تلاها من لقاءات فكرية وما ظهر في إسهامات نظرية، إلا أنها لم تنتج لاهوت التحرير. فهي عوامل مساعدة قوية الأثر ولكن لاهوت التحرير ظهر في حيوات الفقراء والمضطهدين بأمريكا اللاتينية وبالتحديد في التجمعات القاعدية المسيحية (Church Community Basic (CEB)) وهي في الأصل مجموعات صغيرة تجتمع لدراسة وإقامة الطقوس والعمل الاجتماعي غالبا دون قسيس «مهني» ولكن بقيادات مدربه وهي أقل من حجم أبرشيه ولكن يمثلون القاعدة أو جذور المجتمع التي كانت الأداة العملية للاهوت التحرير واقعيا. فقد كان تكوين وبناء هذه التجمعات الصغيرة هو الرد الحاسم على أنظمة الحكم الشمولية، حيث يجد الفرد المضطهد فيها نفسه ويشعر بالاحترام والجماعية في المناقشة ويكون الدعم المعنوي المتبادل ممكنا. وكلما زاد الضغط من الخارج ازداد تضامن المضطهدين وزادت الحاجة الى التعاون والحماية المتبادلة. وفي هذا المجال دشنت الكنيسة تجديدا حقيقيا في علاقات المؤمنين العاديين26. ووجدت هذه التجمعات في الأرياف وأطراف المدن بين فئات غير متعلمة في الغالب، لذلك سعت على تبسيط المسيحية وربطها بالحياة اليومية وجعل المسيح حقيقة في حياتهم - كما يفسرون المسيح. ومع نهاية السبعينات كانت هناك حوالي 80 ألف من هذه التجمعات في البرازيل وحدها، وهؤلاء كانوا مادة لاهوت التحرير. لأنهم «الفقراء في الفعل» وهذا ما يعبر عنه لاهوت التحرير وتعتبر الكنيسة الكاثوليكية في البرازيل أكثر الكنائس تقدمية - لاهوتيا واجتماعيا - لانحيازها للجماهير فعليا وليس لفظيا بسبب مبادرتها الممثلة في تشكيل منظمات ديمقراطية أو تكوين الجماعات القاعدية27.
أما من الناحية الفكرية فقد تأثرت التنظيمات الكنيسية بكثير من الشخصيات والتيارات التقدمية والإنسانية، فقد استعملت غالبية التنظيمات طريقة باولو فريري (P. Freire) التعليمية بالذات ما يسمي بمفهوم الوعينة (conscientization) كمنهج والذي يقصد به في معناه العام تلك العملية التي لا يكون الناس فيها مجرد متلقين بل ذوات عارفة تحقق إدراكا عميقا بالحقيقة الاجتماعية - الثقافية التي تشكل حياتهم، ويكون لهذه الذوات القدرة على تغيير تلك الحقيقة (الواقع). يرى أن المشكلة الأساسية في التربية التحريرية هي: كيف يستطيع المضطهدون المنقسمون والمغربون أن يساهموا في تحرير أنفسهم؟ ويجيب بأن نقطة الانطلاق لأي تنظيم أو فعل هي الحاضر والوضع الوجودي الملموس الذي يعكس طموحات الشعب28 وتتضاف تيارات فكرية عديدة تبدو متباينة ولكنها تحسب كمؤثرات على الفكر اللاهوتي بعد الستينات مثل اللاهوت الأوربي عامة المهتم بالحقائق الأرضية الإنسانوية المتكاملة لجاك مارتين، الشخصانية الاجتماعية لمونييه، والتطورية التقدمية لدى تيهارد شاردين (Chardin)، وتأملات هنري لوباك في البعد الاجتماعي للوثوقية، ولاهوت Yves Congar للعلمانية (اللائكية)29. هناك تأثيرات ماركسية واضحة سنفصلها في موضع لاحق، كذلك ظهور حركة المسيحيين من أجل الاشتراكية التي كانت بداياتها في تشيلي عام 1971 حيث اجتمع حوالي ثمانين قسيسا وأصدروا وثيقة تؤكد أنهم كمسيحيين لا يرون أي تناقض بين المسيحية والاشتراكية. بل قالوا بأن العكس صحيح، لذلك فمن الضروري تحطيم التعصب وعدم الثقة القائمة بين المسيحيين والماركسيين. هذا وقد ذهبت الوثيقة أبعد من مؤتمر ميدلين الذي حاول إيجاد طريق وسط بين الرأسمالية والاشتراكية30.
ورغم أن مثل هذه الحركة لم تدم كمؤسسة ولكن نجد أثرها في تكوينات وتشكيلات عديدة تظهر اندماج رجال الدين الفعلي في المشكلات الحياتية، ففي البرازيل مثلا ظهرت حركات ومراكز عديدة استجابة لتحديات جديدة؛ فهناك مراكز لوحدة السود، وحقوق الإنسان، والدفاع عن سكان مدن الصفيح، والمرأة المهمشة أو السكان الأصليين بالإضافة لاستراتيجية الكهنة الرعائية الريفية التي تهتم بالفقراء الباحثين عن التحرير31. وفي أمريكا اللاتينية هناك أسماء يجب التوقف عندها فهي ذات تأثير مباشر أو غير مباشر على لاهوت التحرير بتجسيدها لمعاني هذا الفكر، ومن أبرزها أرنستو شي جيفارا الذي دعا منذ مطلع الستينات الى الكفاح المسلح المتواصل ضد الامبريالية دون أي وهم في التصالح معها باعتبارها العدو الأعظم للإنسانية مثلا في الولايات المتحدة الأمريكية. كذلك كاميليو توريز (Torres) القس المنحدر من أسرة غنية في كولوميا والذي تميز أفكاره السياسية والاجتماعية بعد دراسته لعلم الاجتماع في لوقيان (Louvain) حيث زامل غويتيرز. ثم ترك الجامعة ليلتحق بالقوات الثورية الكولمبية. وقتل عام 1966. وبموته صار مع جيفارا، رموزا للثورة وكفاح اليسار في أمريكا اللاتينية. ويضيف لهما أحد الباحثين اسم Dom Helder Camara بسبب نشاطه الاجتماعي الجم وحياته المكرسة للقضية حتى اكتسب اسم «أسقف الفقراء» وهو أحد مؤسسي المؤتمر الوطني لأساقفة البرازيل» (CNBB) وكان خطيبا مفوها يدافع عن الفقراء والمضطهدين لخص شعاره بالقول: «احتجاجات الفقراء هي صوت الله»32.
في المعنى والضرورة
لا يفلت أي لاهوت من روح عصره من حيث الخطاب السائر ويتأثر بمضمون وشكل أي لغة هذا الخطاب. لذلك ولد لاهوت التحرير في خضم صراع اجتماعي حاد في عالم التناقض بين التخلف المنتشر والمتضخم وبين نمو الرأسمالية نحو أعلي مراحلها. لذلك كان لابد أن تحتل مفاهيم مثل الفقر والتحرير والعدالة وحقوق الإنسان والاستغلال والتبعية...الخ، مكانا بارزا في لاهوت التحرير. كما أنه كان نتيجة لاستعانة لاهوت التحرير بالعلوم الاجتماعية الحديثة المختلفة والتي منحته أدوات تحليل جيدة وقربته من علوم ومعارف إنسانية عديدة. هذه هي المجالات أو المنابع والمصادر التي وجد وازدهر فيها لاهوت التحرير ولكن في نفس الوقت حافظ بشدة على روحانيته ولم يبتعد عن لغته اللاهوتية فاستعمل الكلمات القديمة بعد أم ملأها بمحتوى جديد لذلك نجد مفاهيم مثل: الخطيئة، الخلاص، الملكوت، القيامة... الخ. ولكن في إيحاءات ودلالات جديدة.
يبرز تيار قوي يعلى من قيمة الممارسة وبالتالي يعتبر النقد المفاهيمي خارج الموضوع لأن الحكم هو بالالتزام الحقيقي الى جانب المستغلين. ويقول بوف (Boff) بأن الانجيل لم يوجه أصلا للناس الحديثين بروحهم النقدية ولكنه يتوجه أولا وأخيرا الى أولئك غير المشخصين "non persons" أي الذين حرموا من كرامتهم وحقوقهم الأساسية. وهذا ما يقود للتأمل في روح النبوة والتضامن التي تهدف الى جعل غير المشخصين بشرا كاملين وحديثين، فالالتزام بالتحرر من قبل الملايين من المضطهدين في عالمنا هو الذي حفظ للإنجيل مصداقيته التي كانت له في البداية وفي الفترات العظيمة للقدسية والشهادة. «والله المشفق على التعساء، المسيح الذي جاء ليطلق سراح السجناء، يدعوان لأنفسهم بوجه جديد وفكر جديد. فالخلاص الأبدي الذي يقدمونه يتوسطه التحرير التاريخي الذي يعيد كرامة أبناء الله ويجعل ممكنا مجيئ يوتوبيا، مملكة الحرية والعدالة والحب والسلام». وهذا شكل آخر للمعرفة في الانجيل، ليس مجرد القراءة ومناقشة النظريات والمفاهيم وحضور المؤتمرات بل يبحث عن إطار مرجعي إنجيلي تعني المعرفة فيه المحبة والاندماج كلية - روحا وجسدا - والتواصل مع الفقراء والمحتاجين33. وهذا ما أسماه Araya العدل والحب التاريخي الفعال لأنه يتوجه نحو أشخاص حقيقيين يعانون من البؤس والاستغلال والحرمان، فممارسة التحرير تنبع من تضامن أصيل مع الفقراء والمضطهدين. هي ممارسة حب حقيقي، مؤثر وملموس لمخلوقات حقيقية مادية ثم بعد ذلك يجد جذوره في حب الأب الحر. فلاهوت التحرير بهذا الفهم «إنسانية جديدة» Humanism رغم ارتباطه بالدين والمتعالى والمطلق34. وعبر عن هذا بأن التحدي لا يأتي من غير المؤمنين بل من غير الإنسانيين. فهناك «مؤمنين» غير إنسانيين رغم أن المسيحية إنسانية حيث يتحول المرء الى إنسان حقيقة باعتناقها - حسب لاهوتيي التحرير - وبالتالي تظهر صعوبة الدعوة للرب في مجتمع لا إنساني فكيف يكون المضطهدون ومستغلوهم معا أبناء الرب؟
تحتاج فكرة الممارسة لقدر من التوقف والتحليل لمركزيتها في لاهوت التحرير رغم تعدد تفسيراتها ومنظوراتها. فاللاهوت أصلا ممارسة، أي يعني الاعتقاد أو الإيمان الذي ينبع من تجربة العقيدة وليس مجرد تأمل. رغم أن كثيرين يرون أن المعيار المطلق للاهوت هو كلمة الرب وليس الممارسة. وهذا مصدر الجدل حول مدى تسييس اللاهوت؟ وكيف يحتفظ لاهوت التحرير بروحانيته؟ لذلك يلجأ لاهوتيو التحرير الى حل توفيقي - بالمعنى الإيجابي للكلمة - فرغم إيمانهم بأن البداية المنهجية هي الممارسة التحريرية للمسيحيين، فهم يكملون ذلك بإضافة: الممارسة على ضوء العقيدة أو الإنجيل. يقصدون بذلك أن الممارسة ليست معيار لاهوت مستقل عن كلمة الله ولكننا نفعل لاهوت التحرير عندما نفسر ونعمق وننقد وننقي كل ممارسة للتحرير، ونواجهها بالقيم الموضوعية للعقيدة كما أوصلتها الكنيسة. ويقول Galilea بأن لاهوت التحرير يتضمن منهجية ثنائية المصدر هي أولا واقع الكنيسة في أمريكا اللاتينية (أي الممارسة التحريرية للمسيحيين)، بالإضافة إلى العقيدة الموضوعية للكنيسة التي تثبت صحة هذه الممارسة. فلاهوت التحرير يتقدم جدليا من الممارسة الى الإثبات (أي اختبار الصحة والمصداقية) الذي تقوم به عقيدة الكنيسة، ثم من العقيدة الى الممارسة المسيحية. وهذا تركيب بين الممارس والعقدي الأصولي أي Orthodoxy orthopraxis35. فلاهوت التحرير طريقة جديدة لممارسة أو فعل اللاهوت، وهذا ما عبر عنه Gutierrez في صياغة أقرب الى وصف ماركس للفلسفة، حين قال بأن مهمة اللاهوت تغيير العالم وليس مجرد فهمه وبالتالي ضرورة الانحياز للنضال ضد الاضطهاد والفقر. وهنا تعني ممارسة تفضيل الفقراء36.
عبرت وثيقة Puebla بوضوح عن الخيار التفضيلي الى جانب الفقراء حسب الأسس الانجليلية والرعائية. وهذه هي الفكرة المركزية في لاهوت التحرير والتي اقتضت تأويلا وقراءة جديدة تؤكد مسيحيتها وعدم تأثرها بمذاهب أخرى. ويؤكد Assaman هذا الخط بقوله: «أي لاهوت لا يبدأ بالإصغاء لصراخات الفقراء سيستمر في طرح الأسئلة المجردة ويقنع بالإجابات المثالية الخاطئة ويغرق في المطلقات. الاصل الممارسة والاحتكاك بالفقراء، فحي الانجيل والموروث وتاريخ الكنيسة والعقيدة هي مصادر ثانوية للمعرفة الحقيقية. ولا يوجد منظور لاهوتي معياري مرجعي له الأسبقية على الالتزام الى جانب الفقراء والمضطهدين».
وقد أكدت وثيقة Pueble أن مفهوم الفقراء في المسيحية لا يقل أهمية عن مفهوم الله أولا يمكن فصله عن الله لأن عبادة الله لا معنى لها دون العدل وحب الفقراء واعتناق العقيدة الحقيقي يعبر عنه بخدمة الإخوة بالذات المضطهدين والمحرومين منهم. فالفقراء هم المباركون والذين ستصلهم الأنباء الطيبة، ويمكن الخلاص في حب الله وحب الجار (بالذات الفقير) وهذه هي الأبعاد التاريخية لخلاص المسيح، فهو محرك التاريخ والملهم لتغيير اجتماعي حقيقي والمتضامن مع الشعب الفقير.
وأصبحت أدبيات لاهوت التحرير مهمومة بإيجاد ما يدعم ذلك المفهوم الجديد من الكتاب المقدس وحياة المسيح والتراث ومن هنا جاءت الدعوة للتأويل والقراءة الجديدة للمسيحية. فالمؤتمرات بالذات ميدلين أو بيبولا - توصلت الى مجرد إصدار إعلان، التوقف عند هذا الحد قد يوصل الي لاهوت خطابي فقط وغير معرفي ولابد من شحنه بمضامين عقلانية وعاطفية قائمة على تفسير وفهم ملتزمين، من الكتاب المقدس. لذلك قال Araya مباشرة وبجلاء، لا توجد قراءة محايدة تماما بالذات في مبادئ التأويل لأنها تنطلق من نقطة تفسير محدد تبحث عن معنى37. وبالنسبة لأي معرفة ومنها اللاهوت (النظري) هناك وجهة نظرة مركزية تحكم كل الرؤية، وتحديد أي إشكالية نظرية هو نتيجة خبرة إنسانية تاريخية ملموسة. وفي لاهوت التحرير هذا المنظور هو الفقر والفقراء، والذي يُتخذ كأداة لفهم وتفسير وقراءة مجمل المسيحية، وهذه القراءة مفتوحة لأنها تاريخية وصحتها ومصداقيتها نسبية تماما. وهذا ما عبر عنه José Severino Croatto بأنه لا يوجد تفسير أو تأويل محدد إذ تستوجب التراكمات التاريخية وتغير الظروف تجديدا في التفسير. لذلك فلاهوت التحرير هو نتيجة تحد تأويلي لظهوره بين المستضعفين والفقراء والنضال معهم ومن أجلهم. لاهوت التحرير يحاول فك شفرة إله مُحَرّر جديد يتجلي في مواقف الظلم والاغتراب، يختلف عن ذلك الذي تم استغلال اسمه وكلمته لتكريس وتأبيد أوضاع غير إنسانية، فالرب - ضمن التأويل الجديد - ليس أفيونا ولكن خميرة حقيقية للتحرير لأنه ارتبط بالمعاناة ورغب في أن يشارك البشرية في التاريخ لذلك فمعاناة الرب ستستمر مع الإنسانية والتاريخ حتى نهاية العالم. فالوصول الى الرب ليس فقط عن طريق العبادة والصلاة، والوصول لا يبدأ من الطبيعة ولكن في التاريخ. أما سر الرب فهو في التضامن المخبوء؛ فالتبشير كما تقول وثيقة IECT (1981) هو أن «تعلن الرب الحقيقي، الرب الذي تجلى في المسيح، الرب الذي دخل ميثاقا وعهدا مع المضطهدين ودافع عن قضيتهم، الرب الذي ينقذ شعبه من الظلم والاضطهاد والخطيئة»38. وجدت معاناة الحب الرباني تجسيدها التاريخي في صلب المسيح والذي يرمز - حسب هذا التأويل - الى تضامن الرب وتماهيه مع كل المقهورين في التاريخ ليصل درجة الموت على الصليب. ويقول Sobrino «على الصليب كان صلب الرب». وهذا ما يسمى بالممارسة الخلاصية Salvific Praxis التي هي حقيقة الرب المختبئ في قلب التاريخ، يعمل ويحرر شعبه بالقوة المنتصرة التي تتغلب على الموت وتخلق الحياة مجددا. رب الحياة هو رب الملكوت، والمملكة هي التعبير الكامل عن إرادة الرب في التاريخ، فالتحرير والعدل والحياة هي في الحقيقة أبعاد تعبير للإرادة الخلاصية للرب الذي يرغب في مجيء المملكة. وأخيرا الإيمان هو أن نفعل كما يفعل الرب، وألا نفكر فيه فقط بل أن نفعل مثله.
والفقرة السابقة نموذج للقراءة المخالفة والتي أخترقت التعاليم والوثوقيات dogmas المسيحية ومثل هذه المحاولات في حد ذاتها تحرير للدين حتى وإن لم تكن لاهوت تحرير متكاملا. فقد عرفت الكنيسة احتكار المعرفة الدينية المكتوبة باللاتينية التي اقتصرت معرفتها على رجال الدين والكهنة. كذلك الفتوى في الإسلام وشروط من يحق له أن يفتي ويفسر وقصرها على بعض الفقهاء ثم مؤخرا إنشاء مجتمعات ومراكز للفتوى. المقصود من كل هذا إبعاد الدين الحقيقي عن متناول الشعب العادي وكرد فعل ظهر التدين الشعبي كدين مواز للدين الرسمي. نجح لاهوتيو التحرير في الوصول الى تركيب بين الشعبي والأورثوذكسي - الرسمي مع استمرار ارتكازهما على النص والتراث المسيحي. ويحذر بعض اللاهوتيين من أن يعني ذلك الابتذال المعرفي فمن التبسط القول بأن الرأسمالية هي الشيطان والاشتراكية مملكة الرب39. وعلينا أن نفرق بين لاهوت تحرير شعبي غالبا ما يكون منطوقا أو استفهاميا ويلجأ الى تبسيط ضروري ومفيد ملئ بالرموز والدلالات، ويحاول تجسيد مشاهد وصور الكتاب المقدس لتنطبق على الواقع. ففي حلقة عن سفر الرؤيا تم رسم تنين له سبعة رؤوس يواجه حملا مجروحا وطلب من الحاضرين تسمية رؤوس التنين. كتب الحاضرون عليها عبارات مثل: «الشركات المتعددة الجنسيات، قوانين الأمن القومي، الديون الخارجية، الدكتاتوريات العسكرية وبعض أسماء الحكام. وكتب أحدهم على الحمل: المسيح، المحرر. وفي هذا تفكير ديني أصيل في فهم قصص الأنجيل وتوظيفها في فهم وتحويل الحياة اليومية40.
إن هذه الاجتهادات والتأويلات الجديدة تواجه مجددا بنقد وتساؤلات حول مدى لاهوتيتها أو روحانيتها ونقديتها. فالمثال السابق دفع البعض للتساؤل: هل نعتبر مثل هذا الحديث لاهوتا؟ يجيب Boff قد لا نعتبره لاهوتا بالمعنى الشائع وقد لا يحتاج لتلك الصنعة ولكن يؤكد حقيقة بسيطة عن وجود لاهوت جماعي ومجهول المصدر له قوته الخاصة وحقيقته. فهو يماثل العلاجات الشعبية التي قد تكون علاجات صحيحة رغم اختلافها عن الطب الحديث. وهو نقدي لأنه واضح ونبوي ورؤيوي، قد لا يكون نقديا بالمعنى الأكاديمي ولكن لأنه قد يعطي أسبابا ويضع مقاييس التعامل معها (أي النقدية). لذلك يذهب أبعد من النقدية الظاهرية لأساتذة اللاهوت الذين يعدون كل شعره في جسم الوحش دون أن ينظروا في وجهه!41
أما عن روحانية لاهوت التحرير - خاصة حين يتهم بغلبة التسييس عليه - فهناك من يفهم الروحانية بأنها اللاهوت عندما يصبح نمط حياة وصوفية تحتوي على متابعة المسيح، وفي هذه الحالة، حسب دوافع ومتطلبات متسقة مع الالتزام المسيحي في أمريكا اللاتينية. وتركز روحانية لاهوت التحرير على التاريخية الإنسانية لمسيح الناصرة، لأنها تجد في حياة المسيح وأفعاله والبيئة التي عاشها تماثلا مع الواقع الحالي. وهي روحانية تكتشف الله في الفقراء ولا وجود لها بدون تجربة معاشة لأمل المسيح والذي يعني التحرير الكامل للأنسان وعالمه42. ورأى البعض في لاهوت التحرير روحانية خاصة بوقوفها ضد النظم الشمولية ورغم النضالية فهي ليست كراهية لأنها غير موجهة ضد الأشخاص بل ضد النظم والبنى مع تأكيد التضامن مع الضعفاء وتفسير المعاناة والمشاق حسب فهم آخر مختلف43.
وهذا التفسير يعيدنا مرة أخرى الى مركزية موضوع الفقر وظهور التجمعات القاعدية المسيحية والذي أعطى - حسب البعض - روحانية غريبة عن جوهر المسيحية وواقع المجتمع الملموس وقد يختزل الإنجيل الى موضوع الفقر فقط. ولكن مفكرين مثل غوتييرز Gutierrez يرون أن الموقف مع الفقراء موقف نبوي يجب أن يصل الى مدى تحرير الفقراء من أوضاعهم المزرية ومن الفردية الأنانية ومن إغراء المثل الزائفة للمجتمع الاستهلاكي. والخيار بمعنى الانحياز للفقراء تفضيلي وليس حصريا أو إبعاديا، فالإنجيل جاء للجميع ويخاطب الأغنياء أيضا بهدف تغييرهم وتحريرهم من المادة ومن أنانيتهم. تنطلق هذه الأفكار مع مسار التطور الاقتصادي في أمريكا اللاتينية حيث ظهرت عمليتان متناقضتان إحداهما تتجه نحو التحديث وتعطي نموا اقتصاديا، وأخرى نحو الإفتقار وازدياد البؤس والتهميش من العملية الانتاجية. وهنا برز صراع بنائي لأن الغنى المتزايد لفئة معينة لازمه من جانب آخر الافتقار المستمر للجماهير. وهذا شكل لما يسمي «الظلم المؤسس» والذي يذكرنا بمفهوم العنف المؤسس أيضا44. قاد هذا الفهم الكثيرين، ومنهم Dussel، الى رفض الصنمية الجديدة أو الإلحاد في المسيحية بوجه آخر، فالمسيحيون قد يؤمنون بآلهة زائفة، وللتخلص من هذه الهيمنة لابد من تفضيل تحرير الفقراء وأن يكون المسيحيون ناقدين لكل النظم الإنسانية أو الوضعية التي تعيق التحرير الكامل45.
لاهوت التحرير بين التأثيرات والتقاطعات
من الصعب الحديث عن لاهوت تحرير موحد. فهناك تيارات واتجاهات عديدة تندرج تحت هذا الاسم الواحد. ويرجع ذلك الى المؤثرات الفكرية السائدة خلال فترة نشوء لاهوت التحرير والأهم من ذلك كيفية تناول واقع أمريكا اللاتينية أو الزاوية التي ينظر منها لواقع الفقراء والمضطهدين في تلك المنطقة. ويرى البعض أنه ظاهرة ثقافية واكليركية (كنسية) أو طريقة تفكير تضم كثيرا من رجال الدين في العالم الثالث ومن البديهي أن تتباين آراؤهم ومواقفهم. لذلك لا يعتبر عند الكثيرين منظومة لاهوتية بل لاهوت في حالة حركة لأنه ليس تيارا يؤثر على الآخرين في الكنيسة ولا يحاورهم ضمن تعددية لاهوتية ولكنه حركة في كل اللاهوت لها تأكيدات معينة تُنَشِّط وتُفَعِّلُ كل اللاهوت، فهو سبب أو عامل دينامي لاتجاه عالمي غير مقسم يلهم اللاهوت بقضايا ومقولات جديدة وعندما تندمج في اللاهوت الأصلي الواحد لن نتحدث عن لاهوت تحرير متمايز46. فلاهوت التحرير متنوع كما أنه لا يمثل قطيعة بمعنى إنشاء كنيسة جديدة، وحسب Rossa هو قبل كل شيء لاهوت كاثوليكي وعلينا ألا نبالغ في الاختلاف والتعددية فالجميع يلتقون في مواقفهم من الفقراء والمضطهدين بممارسة فعل تبشيري أصيل وصادق من الكنيسة وتشكيل معنى أكثر وضوحا للعقيدة الكاثوليكية مع اعتبار الأوضاع في أمريكا اللاتينية47. وعندما اجتمع القساوسة من كل القارات في مؤتمر الفاتيكان الثاني ظهر وعي جديد لتقدم المجتمع حسب المعنى العالمي للكنيسة، ومن خلال الحوار ظهرت وحدة فكرية في آراء المسيحيين تجاوزت أي فواصل أو حدود واكتسبت مفاهيم مثل: السلام، حقوق الإنسان والعدالة... الخ اهتماما خاصا48. كما أن التأكيد على الممارسة وضرورة الارتباط بل التماهي بالفقراء ولّد الرغبة في المشاركة والدفاع عن قضاياهم وأحوالهم، مما قاد العديد من القساوسة والراهبات للذهاب الى الشعب بطريقة تقرب من الشعبوية الروسية في القرن التاسع عشر49 وكل هذا يتطلب قدرا من التنظير والتقعيد الديني مما جعل اللاهوتيين يجربون الكثير من الأدوات والمناهج ويتعرضون لكثير من التأثيرات والتيارات الفكرية.
ويعرض Galilea منطلقا هاما في تحديد لاهوت التحرير الذي لا يدعى أنه يستنفد كل المهام اللاهوتية وهو مجرد تأمل في معنى التزام كل أعضاء الكنيسة بالحق والدفاع عن حقوق الإنسان وتحرير شعوبها حسب منظور تبشيري. ولكن هذه مسألة ليست مقصورة على لاهوت التحرير، لذلك السؤال: كيف نفرقه عن لاهوتيات وإيديولوجيات أخرى مماثلة؟ فهناك تأملات دينية في نفس القضايا ولكن يصعب تصنيفها كلاهوت - إذا أردنا الدقة. كما أن هناك لاهوت التحرير بمعناه المحدد والذي يتلائم مع اهتمام الكنيسة الخاص بالعقيدة والتبشير. فتأمل المسيحيين في التحرير قائم في حالات كثيرة على مستويات إيديولوجية أو تعليمية أو سياسية - اجتماعية. كلا الموقفين مطلوب للمسيحيين العائشين في المدينة الزمنية رغم أن التأمل الأخير قد لا يجد تجسيده في الإنجيل أو ليس معبرا عنه صراحة في العقيدة. ومن هنا يحذر من الخلط الذي يعتبر أي تأمل في التحرير، سواء لاهوتي أم لا - لاهوت تحرير مثل المواثيق وإعلانات المبادئ والنشرات والوثائق التي تتضمن محتوى تحريريا وتنشرها جماعة مسيحية. هذا تداخل بين مستويين، بين لاهوتيي التحرير وبين المسيحيين الذي ينظرون في قضايا اجتماعية أو سياسية مرتبطة بالتحرير، مما أضر بلاهوت التحرير الحقيقي. وبسبب هذا الخلط تعرض لاهوت التحرير للنقد بدعوى أنه يركز على البعد السياسي فقط دون تأكيد كاف على النواحي اللاهوتية والرعائية. وهذا ما ألصق بلاهوت التحرير بعض الشك والشبهة التي تصل درجة اعتباره خارجا أو غير رسمي أو حتى كلاهوت شبه سري! وحاولت النظم السياسية القائمة ومراكز القوى الرجعية ترسيخ مثل هذه الصورة المشبوهة50.
في الواقع لم يختزل اللاهوت الى مجرد السياسة ولكن من المستحيل تجنب السياسة بالمعنى الشامل الذي يتسرب الى كل المجالات في الحياة الفردية والاجتماعية. فقد كان مدخل لاهوتيي التحرير من خلال خطاب اجتماعي تحليلي جديد انطلق من واقع الحياة البائسة في مجتمعات أمريكا اللاتينية، ومن ضرورة المعرفة التاريخية السببية لفهم ذلك الواقع. ومن أحسن التفسيرات لهذا التوجه السياسي تلك التي نجدها في كتاب Araya بعنوان: «إله الفقراء» حيث حاول إعطاء فهم جديد للفقر يستهله بشرح ما أسماه الجانب المدمر للفقر لأنه ضد الإرادة الإلهية فهو يخرب الخلق ويحرمهم من كرامتهم كبشر وكأبناء وبنات للرب، وكما قال خطاب IECT نقلا عن الإنجيل: «هذه ثمرة ظلم كبير تصيح للسماء مثل دم هابيل الذي قتله قابيل». ثانيا: الفقر بنائي بمعنى أنه ليس طارئا أو مصادفة أو قدرا ولا نتيجة الكسل أو النقص أو قلة الحظ أر عدم التعليم. فهناك بناء شامل اقتصادي - ثقافي - اجتماعي والفقر نتيجة هذا النظام الظالم الذي صمم لمصلحة صفوة، بينما الفقراء يحرمون من ثمار عملهم ويصبحون مكشوفين لكل أشكال الاستغلال. ثالثا: الفقر موضوع جماعي وليس للفقير خيار لأنه لا يتميز ماديا عن طبقته فلابد أن يتضامن معها، ولا يوجد أسوأ من فقير يعيش في عزلة. فلابد أن ينضوي الى تجمع ما - اجتماعي أو عرقي أو ثقافي أو جنسي، أي أن يكون مع الآخرين ذاتا جماعية محددة تاريخا. ومن مزايا مؤتمر CELAM في بيوبلا أنه أعطى الفقراء اسما جماعيا ملموسا. ولكن الفهم وحده لا يكفي والمطلوب هو العمل والنضال ضد الفقر المدمر والبنائي وأن يقوم بذلك الفقراء كذات جماعية، وهذا الخيار يقود حتما الى عالم السياسة. ويؤكد Araya أن كل شيء سياسي ولكن السياسة ليست كل شيء، والحقيقة الإنسانية لها دائما بعد سياسي بالمعنى الشامل والواسع. وذهب الى أبعد من ذلك حين اكتشف البعد السياسي للحب المسيحي في البحث عن الخير العام وتأسيس حق الحياة لصالح جماهير الفقراء، وحب المضطهدين - وهذا ما يجعل العاملين في الفكر السياسي فعالين حسب الربط بين مملكة الرب والالتزام السياسي51. وتترجم ممارسة الحب الآن الى عهد وميثاق لتغيير النظام الاجتماعي الذي ينتج الفقر والتهميش. كما أن حب الفقراء قد يعني المواجهة وعدوات مع طبقات أخرى، وهنا تبرز إشكالية العنف أو «حب الأعداء» أو الاختيار بين حب المصالحة وحب المصادمة.
لأن لاهوت التحرير يتميز بالتنوع وعدم النمطية لذلك من الطبيعي أن نجد بعض الأصوات التي تؤكد على الجانب السياسي، أكثر من مجرد الظاهرة العامة الموجودة بين غالبية لاهوتيي التحرير وهي سعيهم للربط بين الفعالية السياسية والاهتمام العميق بالعقيدة. ويُعتبر كومبلين Comblin مثالا جيدا للتشديد على السياسي، فقد ألف العديد من الكتب وقام بمهمة محلل سياسي جاد بالذات في كتابه «الكنيسة ودولة الأمن القومي» حيث دافع عن دور الكنيسة كعنصر سياسي في مساندة المضطهدين والمحرومين وكفاحهم لبناء مجتمع عادل. وحاول الجمع بين حياة التكريس للعبادة والممارسة الثورية، واعتبر الخلاص دينيا - وروحيا وسياسيا. فهو سياسي لأننا نعيش في بنى استغلالية علينا أن نتحرر منها لنقيم العدل. وضرورة روحانيته تأتي من خشية أن يتحول العمل السياسي الصرف إلى اضطهاد آخر لو خلا من دافع الحب والحرية الإنسانية. هذا التشبع السياسي أصبح مطلوبا بين لاهوتي التحرير بسبب الدعم غير المحدود الذي قدمته CIA والبنتاجون للأنظمة القمعية والبنى الاجتماعية الاستغلالية التي أصبحت أكثر شراسة في اضطهاد المعارضين ومنهم عناصر نشطة من اللاهوتيين52. ومن هنا أعطى مؤتمر بيوبلا أهمية خاصة للسياسة والالتزام السياسي للمسيحيين في مواجهة تحدي التحرير ويعني هذا بالضرورة النضال ضد القوى المعادية للتحرير. والكنيسة كأداة لتحقيق الخير العام الشامل لابد أن تظهر على مسرح السياسة.
المقابلة الموازية بين الدين والسياسة أو تسيس الدين لوصف وضع الكنيسة في قلب تطورات أمريكا اللاتينية ليست دقيقة وتعتم الحقيقة كثيرا لصعوبة الفصل بينهما مع وجود كنيسة نشطة وملتزمة أو واقعية. بالفعل قد تكون للدين مصالحه الخاصة وقيمه وارتباطاته وحتى منطقه الخاص، ويتجلى في مجموعات تنظم نفسها وأهدافها بطريقة محددة تختلف عن السياسي. ولكن هناك علاقة جدلية بين الدين والسياسة مع احترام استقلالية وصلاحية كل واحد، وكلاهما يتوجه الى نفس الجماهير المشتركة. يرى بعض الباحثين أن الفرضية القائلة بعلاقة عكسية بين زيادة التغيير الاجتماعي والتحديث، وازدهار العلمانية وتدهور الانتماء الديني، ليست صحيحة تماما. فقد ظهرت حيوية جديدة وتفاعلات ضمن الدين (الأديان) تتجه نحو تركيب وتوفيق بين الدين والسياسة تجاه الأحوال الواقعية المتغيرة53. وللمسألة وجه آخر إذ يعتقد محللون أن النشاط المتزايد للمؤسسات والمنظمات الدينية مصحوب بضعف عام في أوضاع الدين وتحاول المنظمات الدينية في أغلب الأحوال المساعدة في حل قضايا ذات حساسية وخارج الإطار المباشر للدين مثل التنمية والسلام والنضال ضد الامبريالية والرأسمالية وغيرها من مشكلات الحياة اليومية والشخصية. ومن المهم عدم تطبيق نفس المنهج في دراسة الدين والسياسة كذلك ضرورة الفصل بين الديني والسياسي الصرف، وكما يقول مشيدلوف في هذه النقطة: «من الأهمية بمكان عدم إبدال التصنيفات السياسية بالتصنيفات الإيديولوجية، وعدم تجاهل التباين بين المظهر الديني الإيديولوجي للحركة وبين مصالح المؤمنين التي يحددها وضعهم الاجتماعي - السياسي»54.
ويقدم ليفين (Levine) منظورا مغايرا يُرجع العلاقة بين الدين والسياسة في أمريكا اللاتينية الى إشكالية الديمقراطية والدمقرطة Democratization. فالديمقراطية تعني تأسيس وتقنين ومساندة وجود مؤسسات حرة تعددية ومفتوحة نسبيا، بينما الدمقرطة تخاطب خلق عدالة ومشاركة أكبر ضمن المؤسسات الرئيسية ومنها الكنيسة. مهمة الديمقراطية أسهل لأنها تدور حول عمل القادة الدينيين على تطوير حقوق الإنسان والحريات السياسية والحد الأدنى لأفكار العدالة والحق والمساواة. أما الدمقرطة فأصعب كثيرا لأنها تدعو صفوة الكنيسة وكل أفرادها لتقنين مفاهيم العدالة وتطبيق نماذج جديدة للسيطرة الديمقراطية في قلب التراتيبية hierarchy والمؤسسات التسلطية، وتعني الدمقرطة بناء فضاءات والحفاظ عليها ضمن هذه المؤسسات، حيث يمكن ممارسة الديمقراطية ورعايتها والتعبير عنها في الحياة اليومية. ويرى أنه يعبر عن هذا التقاطع بين الديمقراطية والدمقرطة في علاقة الكنيسة بالشعب أي الثقافة الشعبية، الدين الشعبي، الطبقات الشعبية، التنظيمات الشعبية من كل نوع. ويحاول تحديد الفضاءات الاجتماعية المختلفة التي يتلاقى فيها هاتان المجالان (أي الديمقراطية والدمقرطة) ويعطي ثلاثة مستويات للحقيقة في هذا الصدد مثل علاقة المؤسسات (الدولة والكنيسة)، مستوى توضيح الايديولوجيات والمعايير والقيم التي تعطي أرضية شرعية لبنى وسياسات وسلوكيات محددة، ثم مجال خلق تنظيمات وتطوير أنماط متسعة ومنتظمة للفعل والتوقعات. لذلك يتسع الدين أكثر من التنظيمات والممارسات أو الطقوس الكنسية ليصل الى ميدان السياسة ويبحث بالتحديد عن علاقة السلطة أو القوة والعدالة في أي كيان منظم مما يثير أسئلة الشرعية على كل المستويات: ما الذي يجعل أي نشاط يبدو طيبا ومقبولا؟ ما الذي يدعو أفراد مجموعة ومواطنين الى الطاعة؟ ما الذي يعطي السلطة للقوة؟55
وحاول لاهوتيو التحرير باستمرار نفي غلبة الجانب السياسي الاختزالي والمباشر كأساس يقوم عليه خطاب لاهوت التحرير، مع التأكيد علي التحليل الاجتماعي الذي يوصل حتما الى السياسة وضرورة العمل السياسي النشط الذي يصل إلى درجة مشاركة الفقراء في النضال الثوري فعليا. ويقر لاهوت التحرير - دون تردد - باعتماده على العلوم الاجتماعية بل بامتزاجه بهذه العلوم حتى أن بعض رواده مثل Clodovis Boff يتساءل هل ما لديهم هو اجتماعية اللاهوت أم لاهوت الاجتماع56 أو يصفه بالاجتماعويه Sociologism بالمعنى القدحي الذي يسلب البعد اللاهوتي ولا يدرجه تماما في علم الاجتماع. ولكن مثل هذه التهمة تُدفع بأن اللاهوت استعمل دائما أدوات معارف أخرى لإثبات علميته وبحكم ذلك الفترة التاريخية وأي العلوم أو المعارف أكثر تأثيرا وانتشارا خلالها بالإضافة لحاجة اللاهوت نفسه. ففي الماضي استعان بالفلسفة التي كانت علم العلوم خلال ذلك الوقت كما أن ميل اللاهوت للجدل والإقناع والدفاع عن مقولاته استوجب الاستعانة بالفلسفة دون أن يتهم باختزال مضمون العقيدة الى مجرد فلسفة بل كان اللاهوت تأملا بوسائل فلسفية. ونفس الشيء ينطبق على العلوم الاجتماعية بل هذا أمر طبيعي في أمريكا اللاتينية لأن مجال اللاهوت هو الإنسان المحروم من إنسانيته وهذا الحرمان سببه اجتماعي وليس فلسفيا. ومن هنا ضرورة الحوار بين لاهوت التحرير والعلوم الاجتماعية57. كذلك يتوجه لاهوت التحرير بخطابه الى جمهور من الفقراء البسطاء وليس الى صفوة ومتخصصين.
وقد ظهر الاهتمام بالتحليل الاجتماعي منذ مؤتمر مجلس الفاتيكان الثاني والذي اعتبر بداية هامة لقبول حتمية التغيير في التنظيم الاجتماعي ولذلك ترددت آراء حول التحديث والتنمية ولم يعد الفقر والبؤس يرجع الى أسباب طبيعية أو ما ورائية ولكن لأسباب اجتماعية أو بشرية، واستعملت المصطلحات الاجتماعية في وصف الفقر. نسبية النظرة الاجتماعية في التحليل هو السبب الأساسي لوجود تيارات واتجاهات عديدة وذلك ببساطة لاختلاف الكيفية التي يحلل بها واقع المضطهدين وعلى أي عنصر تحليلي أو مفهوم يركز الباحث؟ يري دارسون أن بعض لاهوتيي التحرير أعطوا اعتبارا أكبر للروح الثقافية للشعب الأمريكي اللاتيني (أو الشعوب) ولعمليته التاريخية أي سيرورة علاقة الاضطهاد / التحرير منذ الغزو الإسباني بالإضافة لدور تدين الشعب كعامل مهم في التحرير، وهذا الاتجاه يقوم على التفسير اللاهوتي لفكرة الشعب دون أن يتجاوز دينامية الكتابات والحركات الشعبية في أمريكا اللاتينية. هناك لاهوتيون آخرون يضعون اعتبارا أكبر للعامل الاقتصادي والصراع الطبقي وفكرة الطبقات عموما ويقتربون من الإيديولوجيات التي قد تعارض العقيدة المسيحية (الماركسية مثلا) لذلك تتعرض لنقد متزايد ولكن الاتجاه الغالب في لاهوت التحرير تكاملي يحاول الإفادة من أدوات ومناهج قد تبدو متباعدة أو حتى متناقضة ولكن الغاية هي فهم الواقع ومحاولة تغييره مع الالتزام بالمضطهدين ورفع وعيهم وتنظيمهم وتمليكهم مستقبلهم وإرادتهم على الفعل58.
أجمعت مؤتمرات ولقاءات لاهوتيي التحرير - كما اتضح من العرض السابق - على أهمية انطلاق التحليل من ظاهرة الفقر والبؤس باعتبارها معاناة مهينة ومدمرة للإنسان. ويرى بوف أن من لا يفهم هذه الحقيقة المشينة يعجز عن فهم خطاب لاهوت التحرير، ويعتقد أن جذور هذه الخبرة تظهر على مستويين، أولا كيف تظهر لأعيننا من الوهلة الأولى أي مستوى شعوري ثانيا كيف تتبدى في اواليات (ميكنزمات) بنائية تنكشف للرؤية بالتحليل العلمي أو مستوى تحليلي. هذه طريقة لإعادة عمل الخبرة الواحدة بتناولين الأول قدسي لأنه يعمل مع الإشارات والعلامات التي يتجلى من خلالها الفقر والثاني تحليلي - اجتماعي لأنه يعمل مع البنى التي ترتكز عليها هذه الإشارات. يتمفصل الجانب القدسي للاهوت التحرير في عمليات شعور وممارسة متكاملة: أولها إدراك البؤس (الشعور)، والذي له وجهان: الأول الخوف الذي يسببه الجوع والأمراض المزمنة، الأمية والظلم والوجه الآخر الأمل في التحرير والمشاركة والتواصل. وهنا نصطدم بالتقسيم العميق بين الأغنياء والفقراء والمؤلم أن كلا منهما يدعي الإيمان بالعقيدة المسيحية. ينتج عن ذلك التذمر الأخلاقي - الديني أو الاحتجاج وهذا أول موقف للعقيدة المسيحية تجاه تلك الحقيقة وهذا ما أعلنته وثيقة بيوبلا الختامية حين اعتبرت الفجوة بين الأغنياء والفقراء فضيحة تتناقض مع الوجود المسيحي، وأن ترف الأقلية إساءة لمعذبي الأرض من الأغلبية العظمى وهذا ضد إرادة الخالق وضد الشرف المستحق له. وأخيرا يأتي التضامن في الممارسة من خلال المساعدة أو الفعل. فوعي البؤس والاحتجاج ضده يحركان ضمير المسيحي نحو الفعل. ورغم أن الكنيسة اهتمت بطريقة أو أخرى بالفقراء، إلا أن هذا الاهتمام تحول في العقدين الأخيرين وباستمرار الأوضاع، الى ضمير جمعي حيث تحاول الكنيسة الاستفادة من قدرات الفقراء والاشتراك في نضالاتهم والمساعدة في تكوين التجمعات القاعدية الحية ذات البعد الاجتماعي والتحرري.
ويقسم Boff & Boff تطور لاهوت التحرير الى المراحل التالية59:
1 - المرحلة التأسيسية: والتي وضعت فيها الأسس بواسطة الذين قاموا بتحديد الخطوط العامة للطريقة التي يفعل بها هذا اللاهوت ومن أهم مصادرها كتابات غويتيرز (Gutierrez) وأسماء أخرى مثل Segundo وAssmann وغيرهم من الذين وضعوا أصول ربط اللاهوت بالقضايا الاجتماعية وفتحوا أفق اللاهوت كله على جوانب جديدة.
2 - مرحلة البناء: تقدمت نحو إعطاء اللاهوت محتوى تعليميا منظما ليلبي الحاجات الملحة للحياة الكنسية بالذات الروحية، المسيحوية والاكليركية، وظهرت مطبوعات عديدة في هذا المجال.
3 - مرحلة الاستقرار: بعد تقدم التأمل والنظر ظهرت ضرورة الوضوح المعرفي والربط بين النظرية والممارسة. فلابد من تجنب التكرار والغموض في اللغة والمستويات حين نعبر عن موضوعات الخبرة الروحية، حيث ينتقل المرء من المستوى التحليلي مرحلة «يرى» الى مرحلة «يحكم» أو «يقيم» اللاهوتية ثم مرحلة «يفعل» الرعائية. وقد أصبح مزيد من اللاهوتيين رعائيين أو وسطاء مناضلين لإلهام الجماهير حياة الكنيسة. وصار عاديا أن ترى اللاهوتيين يعودون بعد نقاشات طويلة من المؤتمرات والندوات الى قواعدهم ليندمجوا في قضايا التعليم الديني والنقابات وتنظيم المجتمع.
4 - المرحلة الرسمية (الشكلية): إعادة النظر من أجل الوصول بوضوح الى الأبعاد الاجتماعية والتحررية من مصادرها أي التقاليد أو الرؤيا. وهذه ليست عملية اختزال60.
رغم أن السؤال الذي يواجه الجميع يبحث عن أسباب الاضطهاد والاستغلال إلا أن هناك مستويات متباينة، لذلك يقسم البعض لاهوتي التحرير الى ثلاث فئات: المستوى الأعلى أو الرسمي والقاعدي وبينهما مستوى وسيط من القساوسة والكهنة والراهبات يمثلون جسرا بين فكر «المهنيين» أو الصفوة والقاعدة. من ناحية أخرى يعدد باحثون ثلاث طرق لتحليل الفقر لا تتطابق بالضرورة مع تقسيم الفئات السابقة. حسب Boff & Boff نجد التفسير الأمبريقي ينطلق من حقيقة وجود الفقر ولكن يصل الى إدراك ساذج بإرجاعه إلى الكسل أو الجهل والسوء البشري أي باعتباره رذيلة. لذلك فالحل هو تقديم المساعدة، ويعامل الفقراء كموضوعات للشفقة. الثاني هو الوظيفي، ويفسر الفقر بأنه التخلف أو التأخر الاقتصادي ويعول على المعونات الأجنبية في تحقيق «التقدم» والنمو. والأثر الليبرالي البورجوازي واضح في هذا التناول، كما أنه إصلاحي في منظوره الاجتماعي - السياسي وليس للفقراء دور في تحقيق التقدم. ورغم أنه يفهم الفقر كظاهرة جماعية ولكن يهمل الجانب الصراعي في البنى المجتمعية. وأخيرا التفسير البنائي الجدلي الذي يربط الفقر بالاضطهاد، ويرى أنه نتاج تنظيم اقتصادي للمجتمع، يُستغل فيه البعض مثل العمال، ويُستبعد آخرون من العملية الإنتاجية مثل العاطلين وشبه العاطلين والمهمشين. هذا المدخل لا يقف عند الوعي النقدي بل يصل إلى التحرير والثورة61.
ينبه لاهوتيو التحرير إلى فرق هام بينهم وبين التيارات والمدارس التي تشاركهم نفس الأدوات ومناهج التحليل. فرغم أهمية المدخل البنائي - الاجتماعي - الجدلي في الوصول إلى فهم نقدي لواقع الفقراء والمضطهدين، فقد تكون صرامته الأكاديمية هي جانب قصوره لأنه رغم إمكانية إمساكه بالبناء الأساسي والشامل للاضطهاد، لا يهتم بالظلال والإيحاءات التي لا تفهم الا بالمعايشة اليومية والتجربة. فالعمل المُستغَل مثلا عند الاقتصادي مجرد إحصائيات وهذه نصف حقيقة لأنه في الواقع والحكمة الشعبية يعني دراما الألم والكرامة والأمن والاستغلال والإنهاك والحياة... الخ، وهكذا الأرض والتعاون وغيرها من المفاهيم. لذلك لاهوتيو التحرير في احتكاكهم بالفقراء لا يكتفون بالتحليل الاجتماعي ولكن يحاولون الإمساك بالتفسير الغني الكامل عند الفقراء عن عالمهم ويربطون المنهج التحليلي - الاجتماعي بالفهم الذي لا ينفصم عن الحكمة الشعبية62. ودون أن تفقد هذه المنهجية مادتها المحددة أي الواقعية أو التحليلية. فقد توسع معان مثل الفقر إلى ما لا حد وذلك بفتحها على اللانهائي. وبهذه الطريقة - منظورا لهم من موقع العقيدة ورسالة الكنيسة - فالفقراء ليسوا مجرد بشر محتاجين ومضطهدين اجتماعيا بل ينظر لهم في نفس الوقت كفواعل للتاريخ. هم كل هذا وأكثر، فهم أيضا حملة إمكانية تبشيرية ومدعون لحياة أبدية63. هذا هو الفرق الدقيق بين لاهوت التحرير والماركسية أو علم الاجتماع أو السياسة. ويتساءل لاهوتيو التحرير هل نريد تفسير العالم اجتماعيا فقط أم يضاف إلى ذلك تفسيرا لاهوتيا ودينيا؟
ظهرت محاولات عديدة لتصنيف لاهوت التحرير إلى تيارات حسب أهم المقولات والمركزات، وفي هذا السياق نستفيد من محاولة Schöpfer باعتبارها الأكثر شمولا من بين المادة المتوفرة لدينا، ولأنها" حاولت تجميع الدراسات التصنيفية السابقة له. ويبدأ بمقالة Frieling التي تحدث فيها عن ثلاثة تيارات في لاهوت التحرير. الأول أسماه الاجتماعي - الشعبوي الذي يقوم على نوع من الاشتراكية - الوطنية وعالمية التكامل كقوة موازية للدول الصناعية المهيمنة مع توجهات قومية، ديمقراطية، لاتين أمريكية، إنسانية، مسيحية ونقدية. هذا ما نجده في نصوص المؤتمر الديني البيروفاني والمربى فريري و Platz ويدعو لذلك Galilea و Vidales. والثاني التيار الماركسي والذي يرجع أصحابه كل تخلف وتبعية القارة إلى النظام الاقتصادي الرأسمالي. ويستفيد هذا التيار من الأدوات الماركسية في بحث الإشكالية الاجتماعية عامة. ويتوق أفراده إلى ثورة اشتراكية بملامح دولية ومواقف استراتيجية أي تضامن أممي مبدئي، ويمثلها Assmann وGutierrez لحد ما، ومجموعة «مسيحيون من أجل الاشتراكية». وبعض تجمعات قساوسة أخرى:
والتيار الثالث تبشيري يرى أن سبب التخلف لا يعود إلى نظرية التبعية فقط، ويظهر فيه الحديث عن التبشير أكثر من الممارسة ويدعو للنبؤة بين المسيحيين والكفاح ضد أي ظلم فردي أوجماعي. ويقف متشككا في خيارات الأحزاب السياسية ويقدم برامج واستراتيجيات باهتة وغير ملهمة، وهذا الخط منتشر لحد ما بين فئات متوسطة القدرات64.
وتراوحت التصنيفات ما بين الفهم الانجيلي للتحرير مع اعتبار المحتوى الغني تاريخيا واجتماعيا ورؤيويا لواقع أمريكا اللاتينية، وبين التيار الذي يركز على الروح الثقافية للشعب الامريكي اللاتيني، واتجاه يركز على الاقتصاد والصراع الطبقي والايديولوجيا، وتيار آخر ماركسي لحد يبعده عن الاكليريكي ويعتبره البعض ايديولوجيا التحرير وليس لاهوت التحرير. ويعتقد أنه لم ينجح أي تيار في أن يعتبر نفسه فارضا لتأويل موحد أو مميز، على العكس يستمر التعدد ويغيب المصطلح الواحد وتنعدم نقاط الانطلاق المتطابقة، يتفق الجميع أنه في المنطوق والمسكوت عنه في جوهر الدين الشعبي قد توجد عناصر مهمة يتوجب تضمينها بهدف تنشئة جماعة أو حتى شعب، وقد يرى آخرون الجوانب المغرِّبة أو المتخلفة في بعض المظاهر والممارسات الشعبية، وقد تبرز جوانب قوة أي صورة السلوك الاجتماعي الإيجابي في التقوى والتمسك الديني الشعبي. وفي الأساس ضرورة الفصل بين الخاطئ والصحيح والتخلص من سلبيات التراث65.
الهوامش
-
Leonardo Boff and Clodovis Boff: Introducing Liberation Theology. Burns and Oates, 1987, pp.: 2-3. ↩
-
Ibid, pp. 121-2 ↩
-
Alberto Rossa (ed.): - The Theology of Liberation. Manila, Historical Conservation Society, 1986, p. 6 ↩
-
Victoria Araya: God of the Poor. Maryknoll, New York, Orbis Books, 1987, pp. 1-2 (trans. Robert R. Barr) ↩
-
Ibid, p. 1 ↩
-
Ibid, p. 1 ↩
-
القس صموئيل حبيب: الكنيسة والدولة. دار الثقافة، القاهرة 1990 ص. 27. ↩
-
Araya, op. cit., pp. 19-21. ↩
-
Daniel William Ferm: - Third World Liberation Theologies - An Introductory Survey. Maryknoll - New York, Orbis Books, 1987, P. 3. ↩
-
راجع في هذا الصدد كتاب Ferm السابق الذكر ص: 6 - 3 وكتاب Boff و Boff ص: 66 وكتاب Enrique Dussel, A History of the Church in Latin America. (Grand Rapids, Eerdmans, 1981, p. ↩
-
Ferm, op. cit., p. 6 ↩
-
Ibid, p. 10 ↩
-
Boff and Boff, op. cit., p. 66 ↩
-
Hans Schöpfer: Latein amerikanische Befreiungstheologie. Kohlhammer, Stuttgart, 1979, s. 84. ↩
-
ميران مشيدلوف: الدين في العالم اليوم. ترجمة جمال السيد. دار العالم الجديد، القاهرة، الطبعة الأولى، 1990 - ص: 14 - 15. ↩
-
Boff and Boff, op. cit., p. 69 ↩
-
Ferm, op. cit., p. 10 ↩
-
National Catholic Reporter, Dec. 11, 1982, p. 11 ↩
-
قدمت 16 وثيقة هامة من موضوعات عديدة أبرزها وثيقة السلام Ferm, p. 11 ↩
-
Alberto Rossa, op. cit, pp. 26 ↩
-
Daniel H. Levine (ed.): Religion and Political Conflict in Latin America. The University of North Carolina, 1986, p. 2. ↩
-
Alberto Rossa, op. cit., pp.: 34-37 ↩
-
Daniel H. Levine, op. cit., p. 12 ↩
-
Boff and Boff, op. cit., p. 78. ↩
-
Ibid, p. 70 ↩
-
الترجمة الموجودة حاليا Hans Schöpfer, op. cit., 97 والتي تختصر (CEB) عن المصطلح الإسباني (Comunidad eclesial de base) وتترجم التجمعات القاعدية المسيحية وأحيانا الكنسية. ↩
-
Thomas C. Bruneau: Brazil: The Catholic Church and Basic Christian Community, in Levine, op. cit., pp.: 106 - 7 Ferm, op. cit., p. ↩
-
Paulo Freire: The Pedagogy of the Oppressed. New York, Herder and Herder, 1972, p. 33. ↩
-
Boff and Boff, op. cit., p. 67. ↩
-
Eagelson (ed.): Christian and Socialism: Documentation of the Christians for Socialism Movement in Latin America. Maryknoll, N.Y., Orbis Books, 1975, p. 4 ↩
-
Boff and Boff, op. cit., p. 73. ↩
-
Ferm, op. cit., pp. 12-14. ↩
-
Boff and Boff, op. cit., p. 8 ↩
-
Victoria Araya, op. cit., pp. 17-19 ↩
-
Segundo Galilea: The Theology of Liberation, A General Survey. in Rossa, op. cit., p. 28 ↩
-
Ferm, op. cit., p. 18 ↩
-
Ibid., p. 32. ↩
-
Rossa, op. cit., pp. 34 - 41, 50-68, 75-77 بالإضافة الى الوثيقة النهائية لمؤتمر (I E C T) International Ecumenical Congress of Theology (Sao Paulo, 1981). ↩
-
Clodovis Boff: - Society and the Kingdom, in Rossa, op. cit., p.180. ↩
-
Boff and Boff, op. cit. p. 17 ↩
-
Ibid., p. 17 ↩
-
Rossa, op. cit., pp. 44-45 ↩
-
Hans Schöpfer, op. cit.; P.P. 982 - 96. ↩
-
G. Gutierrez: Liberation and the Poor. in Rossa, op. cit., pp. 52-58 ظهر المصطلح الأخير في مؤتمر ميدلين بعد أن صعدت الدكتاتورية العسكرية العنف ضد الشعب ورأى رجال الكنيسة الديمقراطية أن الحوار مضيعة للوقت وأن العنف يولد العنف. وأصدر المجلس 15 للقساوسة البرازيليين في 8 - 17 فبراير 1977 وثيقة احتوت على مواد خاصة بحقوق الإنسان وإمكانيات التنظيم السياسي وكل قضايا الأمن والحرية. ↩
-
Boff and Boff, op. cit., p. 47. ↩
-
Boff and Boff, op. cit. pp. 82-3 ↩
-
Rossa, op. cit., pp.: 31-2 ↩
-
Hans Schöpfer, op. cit, p. 7 ↩
-
Daniel H. Levine, op. cit., p. 7 ↩
-
Segundo Galilea, op. cit., p. 22 ↩
-
Victoria Araya, op. cit., pp. 22-24 ↩
-
Ferm, op. cit., p. 45 ↩
-
Daniel H. Levine, op. cit., p. 16 ↩
-
مشيدلوف، سبق ذكره، ص.: 5 وص.: 20. ↩
-
Daniel H. Levine, op. cit, pp.: 236-7 ↩
-
Rossa, op. cit., pp. 154-5 ↩
-
Segundo Galilea, op. cit, pp. 25-6. ↩
-
Ibid, pp. 31-2 ↩
-
Leonardo Boff: - Salvation in Liberation: The Theological Meaning of Socio-historical - Liberation, in Rossa, op.cit., pp. 108-9 ↩
-
Boff and Boff, op cit, pp. 70-73. ↩
-
Ibid. pp. 25-26. ↩
-
Ibid, p. 30 ↩
-
Ibid, p. 31 ↩
-
Hans Schöpfer, op. cit., p. 103. ↩
-
Ibid, pp.: 104-7. ↩
Get new additions by email
We are adding Hayder Ibrahim Ali's books, articles and photos over time. Leave your email and we'll let you know what's new.