الفصل الثاني: التيارات والاتجاهات الأساسية في فكر لاهوت التحرير
We, Hayder Ibrahim's family, are making all his books freely available for the public good and to continue his project of enlightenment. All rights remain reserved: the books may not be printed or published without written permission.
تجلى التعبير عن الدور الجديد للكنيسة في علاقتها بالمجتمع وانحيازها وأحيانا تماهيها مع الفقراء، في مقاربات وتناولات فكرية عديدة مع استمرار بؤرة اهتمامهم الواحدة، وهي كيفية مقاومة الاستغلال والتخلف ضمن أسس العقيدة المسيحية؟ ويأتي الاختلاف حول أي جانب يكون تركيز التحليل والحلول، هل يكون أكثر على الظروف الاجتماعية - الاقتصادية أم على مقتضيات وتأويلات العقيدة والإيمان؟. رغم أن المصدر واحد هو الانجيل أو حياة المسيح ولكن تعددت التيارات وكما قال البعض: كأننا نرى انعكاس وجوهنا في بئر عميق، أو حسب كارل كاوتسكي كل شخص يعرض من المسيح ليس ما علمه ولكن ما يتمنى أن يكون قد علمه ومن هنا حاول تفسير مؤسس المسيحية كشيوعي بدائي شبه أسطوري1. لذلك كان كل مفكر أو مؤلف يقدم لاهوت تحريره الخاص حسب شروط تكوينه بجوانبه المتعددة وحسب انعكاس الظروف على وعيه وحسب الظروف الموضوعية نفسها. ويواجه الباحث في هذا الموضوع بتفرعات عديدة تعقد عملية تصنيف تيارات واتجاهات لاهوت التحرير وقد تجعلها غير دقيقة تماما بسبب التداخل ولكن في النهاية نعتمد على بروز فكرة محورية متكررة أو مؤكدة من خلال نصوص الكاتب أو المفكر. قد نحاول في الصفحات التالية تتبع التقسيمات السابقة وفقا لمدارس واتجاهات أساسية مع تعريفات لشخصيات ذات إسهامات متميزة مثل بوف وغوتييرز وآسمان وغيرهم، كذلك عرض الاختلافات الاقليمية أي لاهوت تحرير آسيوي أو إفريقي بالإضافة لأثر الماركسية كإيديولوجية لونت كثيرا في الاتجاهات وجذبت العديد من المفكرين بمفاهيمها القابلة للتطبيق في مجتمعات أمريكا اللاتينية والعالم الثالث مع ضرورة تحويرها حسب مجال لاهوتي.
يهدف هذا الجزء الى تعريف أشمل لمقولات لاهوت التحرير والتي مر ذكر بعضها في الجزء السابق، وتناولها بإسهاب أكثر ومناقشة بعض نواقصها، وتقديم بعض الرواد والأسماء الشهيرة في الحركة. وندرج كل ذلك في تيارات واسعة قد لا تكون صارمة بمعنى أنه قد تفيض بعض الأفكار والمفاهيم على حدود التقسيم، ولكن خشية الكثرة المضيعة لمضامين الأفكار نصنفها معاً بحكم علاقة ما قد تبدو بعيدة أحيانا.
1. الاتجاه التحليلي - الاجتماعي - الشعبوي
يمكن أن يشتمل هذا الاتجاه على جوانب تاريخية أو تاريخية - ثقافية تستلهم الروح الثقافية للشعب الأمريكي اللاتيني خلال تاريخه أو الممارسة التاريخية للشعوب. ويرى هذا الاتجاه أن الشعب مقولة ثقافية - تاريخية لذلك قد لا يهتم أحيانا بالطبقات الاجتماعية ويرى الصراع بين صفوة تملك السلطة وشعب مضطهد وليس صراعا بين البروليتاريا والبورجوازية كما تقول الماركسية. لهذا يُقَيِّم إيجابيا العقلية الشعبية والتدين الشعبي ويعطي الوحدة الوطنية أفضلية في الكفاح بدلا عن التناقضات الطبقية2 هذا التيار يدعو الى العودة الى القيم الأساسية «الطبيعية» الموجودة بين الناس البسطاء والتي تظهر في حالات ومواقف عديدة. ففي حالة الحاجة أو الأزمات مثلا تبرز قوة غيرية ووطنية كانت مجهولة عند بسطاء المواطنين المسيحيين قبل ذلك يمكن أن تنظم وتظهر التضحية بصورة رائعة، لذلك لابد من الاستفادة من القيم الأخلاقية والاجتماعية الكامنة وتأسيس هذه الخبرات الإيجابية الخفية وهذا ممكن من خلال رعائية ملتزمة تستنبط وعي الشعب أو ما يسمى وعي شعب إلهي3. هذا فكر قريب من التراثيين الجدد الإسلاميين، مع اختلاف لغة الخطاب. يتميز هذا الاتجاه بالتركيز علي التحليل الاجتماعي المتماسك بسبب واقع أمريكا اللاتينية المزري والعاري في عنفه واستغلاليته من قبل الأنظمة الدكتاتورية التابعة.
ورغم صعوبة وخطأ إرجاع نشأة وانتشار لاهوت التحرير الى شخصيات معينة، إلا أن هناك بعض الأسماء المؤثرة بمساهمتها الفكرية ومن هؤلاء Leonardo Boff وClodovis Boff وقدم الاثنان مجموعة من الدراسات والمقالات عن لاهوت التحرير ولكن Leonardo أكثر أصالة وعمقا، فقد دعا الى ما أسماه مسيحوية Christo logy أو علم مسيحية للاهوت تحرير أمريكا اللاتينية، ووضع عددا من المعايير لبناء علم مسيحية مناسب منها أن تركز مسيحية أمريكا اللاتينية القومية على الحاجة الانسانية أكثر من البناء الاكليركي الوثوقي (الدوغمائي)، وأن يكون توجهها للمستقبل، متسائلة ماذا يمكن أن يفعله المسيح للمضطهدين؟ وأن تكون مفتوحة للحوار مع العالم وليس لتثبيت أمر الواقع الديني. وتكون أسس دعوتها في مسيح يطلب منّا تصحيح أفعالنا أكثر من تصحيح عقيدتنا، ومن المهم الاهتمام بالبعد الاجتماعي والتركيز عليه لإسماع صوت المضطهدين. ويرى أنه عند تطبيق هذه المعايير بالذات الثلاثة الأخيرة تكون صورة المسيح هي مثال المحرر للظروف الإنسانية والمدافع عن حب جذري لا يعرف تفرقة بين بنى الإنسان ويعكس كل ما هو أصيل في الإنسان المفتوح تماما على الرب والذي يحضنا على معارضة المضطهدين كما فعل المسيح في زمانه. ويقول ليوناردو بأن المسيح لم يكن يهدف الى إنشاء كنيسة جديدة ولكن كان يريد توضيح الصفات المسيطرة في الإنسان الكامل ويؤكد بأن المسيحيين ليسوا هم الطيبين والصادقين والعادلين ولكن كل الصادقين والطيبين والعادلين هم المسيحيون. وقد يكون العنف - في نظره - ضروريا من أجل التحرير الاجتماعي - السياسي، ولكن المسيحيين لن يبدأوا العنف بل سيلجأون اليه حين يجبرهم المضطهدون. ويعقد مقارنة بين أوضاع أمريكا اللاتينية وزمن المسيح4. أما Clodovis فقد اهتم بالعلاقة بين مملكة الله والتحرير أو بين الخلاص والتحرير أي جمع بين الخطاب اللاهوتي الديني والخطاب الاجتماعي التحليلي.
يستعرض الكاتبان في مؤلفهم بعنوان: «تقديم لاهوت التحرير» - والذي استشهدنا ببعض نصوصه ومعلوماته في الفصل الأول - الكثير من أفكارهم الأساسية وتصوراتهم للاهوت التحرير. لن نعيد ذكر تلك المساهمات التي أضافها بوف وبوف وذكرت ضمن الفصل التعريفي، ولكن نتناولهم كممثلين للمدخل التاريخي - البنائي، ينطلقون من أن الفقر ظاهرة جماعية وكذلك صراعية ويمكن التغلب عليها باستبدال النظام الاجتماعي القائم بنظام بديل والمخرج هو الثورة. وهنا تبرز أسئلة متوقعة: عندما نتحدث عن الفقراء والمضطهدين كيف نستطيع تجنب أن نكون على صلة أو اتصال بالمجموعات الماركسية (على المستوى العملي) وبالنظرية الماركسية (على مستوى أكاديمي)؟ وهذا واضح في ضرورة نهوض الفقراء وفي استعمال مصطلحات مثل الجدلية أو التفسير البنائي والتاريخي لظاهرة الفقر الاقتصادي - الاجتماعي. ويجيب المؤلفان بأنه في لاهوت التحرير لا تعالج الماركسية في حد ذاتها ولكن من ناحية علاقتها بالفقر. وبسبب التزام لاهوتيي التحرير جانب الفقراء، فهم يسألون ماركس: «ماذا تعطينا عن فهم الفقر وإمكانية التغلب عليه؟» ومن هنا يحاكم الماركسيون حسب الموقف من الفقراء وقضيتهم وليس العكس5. ومن هنا يتعامل لاهوتيو التحرير مع الماركسية كأداة دون أي تقديس وليسو ملزمين بمصطلحاتها رغم أن لاهوت التحرير أخذ مؤشرات منهجية أثبتت أنها مثمرة في فهم عالم المضطهدين مثل: أهمية العوامل الاقتصادية والاهتمام بالصراع الطبقي وقوة تأثير الإيديولوجيا ومنها الدينية. ويقف لاهوت التحرير - حسب بوف - موقفا نقديا من الماركسية، استمرارا لخط مؤتمر بيوبلا القائل «ماركس رفيق طريق ولكن ليس بأي طريقة القائد، لأن إنجيل متى يقول للمسيحيين لديكم معلم واحد هو المسيح»6. لذلك لا تغري مادية الماركسية لاهوت التحرير الذي يختلف في توسيع مفهوم الفقراء ليشمل السود والسكان المحليين والنساء مثلا. ويطالب المؤلفان بالخروج عن مفهوم الطبقوية Classist الذي ينحصر في الفقر الاقتصادي - الاجتماعي ويهمل مستويات أخرى للاضطهاد العرقي والاثني والجنسي مثلا رغم أنها ثانوية أحيانا لأن الصراع الطبقي هو التناقض الأساسي لأن هذه المجموعات ذات مصالح متناقضة لا تقبل الحل الوسط أو المساومة7.
يجيب المؤلفان على السؤال المكمل وهو: كيف نرى عملية الاضطهاد / التحرير على ضوء العقيدة؟ أو ما هي كلمة الله عن المضطهدين؟ ويذهب لاهوتيو التحرير إلى النص حاملين كل ثقل المشكلات وآحزان وآمال الفقراء يبحثون عن النور والإلهام في الكلمة الإلهية. هذه طريقة جديدة في قراءة الإنجيل، أي تأويل التحرير الذي يقرأ كل الأنجيل من موقع المضطهدين وككتاب للحياة. وهنا يظهر أهم موضوع في لاهوت التحرير، أي الطريقة الجديدة لقراءة الإنجيل التي تسمى «الدائرة التأويلية» أو الميل المتبادل بين الكلمة والفقراء ويقصد بذلك التفسير المستمر لكلمة الرب حسب كل حقيقة جديدة. ولكن مع التأكيد على أن الاسترشاد في هذا الجدل يعود إلى سيادة كلمة الله و التي يجب أن تحتفظ بأولوية القيمة وليس بالضرورة المنهج.
تتميز إعادة القراءة من موقع الفقراء وتحريرهم بخصائص معينة. فهي تأويلات تفضل التطبيق على التفسير أو الناحية العملية في النص. يسعى التأويل التحريري لاكتشاف وتنشيط القدرة التحويلية للنصوص الانجيلية، والبحث عن تفسير يقود إلى التغيير الضروري (التحول) والتغيير في التاريخ (الثورة). وهذه ليست قراءة من مفاهيم إيديولوجية مسبقة، فالدين الإنجيلي - حسب المؤلفين - مفتوح ودينامي بسبب طابعه الرسالي والقيامي. وستركز القراءة اللاهوتية - السياسية على السياق الاجتماعي للرسالة بقصد الوصول إلى ترجمة ملائمة (تأويل). وبالتأكيد ليست حرفية للنص تؤسسه في الواقع دون اختزالية. ويهدف هذا إلى الوصول للاهوت تحرير يعي بأنه جديد لارتباطه بالفترة التاريخية الحاضرة ويخاطب جماهير كبيرة من المسيحيين وغير المسيحيين في العالم الثالث. وفي نفس الوقت لا يبتعد عن الصلة المستمرة مع التقاليد الحية لعقيدة الكنيسة المسيحية، وهذه مهمة إبداعية تتطلب قدرة على معالجة أسئلة جديدة في واقع مختلفة يتسم بالاضطهاد8.
يبرز المؤلفان موضع الاختلاف بين لاهوت التحرير وغيره من أشكال اللاهوت بأنه «تأملي عملي» ينطلق من الفعل ويقود إلى الفعل ولكنها رحلة مشبعة ومرتبطة بالعقيدة. يبدأ من تحليل حقيقة أوضاع المضطهدين مرورا بكلمة الله ليصل أخيرا إلى فعل ملموس، ومن هنا توقه ليكون مقاتلا وملتزما ومحررا، هذا اللاهوت يقود إلى نتائج عملية، لأن في حاضرنا وفي عالم المعذبين في الأرض، الشكل الحقيقي للعقيدة هو «الحب السياسي» أو الصدقة الكبرى». لأنه بين فقراء وبؤساء العالم الثالث ليست العقيدة سياسية أيضا بل هي فوق كل شيء سياسية، ولكن لا تختزل العقيدة للفعل فقط، فلاهوت التحرير يقود إلى المعبد والتأمل ويرجع بنا مرة أخرى إلى ممارسة التاريخ مسلحين بقوة إلهية، وهكذا يقود لاهوت التحرير إلى الفعل، والفعل إلى العدالة، العمل للحب، والتحول، تجديد الكنيسة وتحويل المجتمع9. ويصل Boff إلى هذا الاستنتاج الذي يلخص لاهوت التحرير في هذا التيار التوفيقي.
يتفق Jon Sobrino مع ليوناردو بوف في مسألة ضرورة تطوير علم مسيحي يتناسب مع ظروف أمريكا اللاتينية، وكانت هذه هي القضية الأساسية في كتابه: «المسيحوية في مفترق الطرق: مقاربة لاتين أمريكية»10. وقد توصل مثل ليوناردو الى وجود تشابهات بين الوضع اللاتين أمريكي الراهن وزمن ظهور المسيح. جعل سوبرينو من السلفادور موطنا له بعد قدومه من الباسك عام 1957 وعاش في قلب كنيسة مضطهدة باستمرار وشهيدة مما أجبره على طرح أسئلة جديدة جذرية لكن يوسع ويعمق رؤية لاهوتية غنية كان أهم منطلقاتها تطوير موضوع التاريخ الآخر أو السفلى. ورأي البداية في مصاحبة التاريخ أو مجانبته أي تكون الى جانبه وبالذات التاريخ الآخر. ويقصد بذلك الارتكاز علي الأحداث الفعلية لحيوات الجماهير المضطهدة وحياة المسيح الذي تجذر، نفسه، في التاريخ المحدد. ونقد النظرة التقليدية لطبيعة المسيح التي تخلو من المقاربة التاريخية والارتباط بالكادحين والبسطاء. ويسميها مسيحويات التنازلية Christologies of descent لأنها تحاول أن تفرض على أي وضع ثقافي مشروع مجرد وجاهز للخلاص. وبدأت هذه الأفكار الكلاسيكية في رأيه - مع الادعاء الوثوقي (الدوغمائي) بأن الله أصبح إنسانا في المسيح وأستمر في تعميم التعبير عن آثار هذا الفعل الإلهي علي كل الجنس البشري. لذلك تبدو هذه المسيحويات مغتربة تاريخيا وعرضة للاستغلال الموظف وينقصها الارتباط بالإنسان الفعلي11.
يرى أن اللاهوت غائي يبدأ وينتهي بالرب وهذه العودة ليست عقيمة ولكنها فعالة. ومن هنا يتبنى لاهوت سوبرينو مصطلح: «الشعب المصلوب» لأن سر وحقيقة الرب هي في الوقوف الي جانب هؤلاء الفقراء. فالله ليست كلمة مجردة متعالية بعيدة بل العكس هو مصدر كل الحياة والعدل والحب والحقيقة والأفق المطلق الذي يصله كل ذلك. وهو الذي يطلب منا أن نعيش حيواتنا بطريقة جديرة بالإنسان ونتخلص باستمرار مما يقلل إنسانيتنا. ويتساءل: هل يسهم الرب فعلا في حل مشكلات التاريخ الملموسة؟ هل الخطاب عن الرب في زماننا وفي سيرورة التحرير صالح لكل شيء؟ يجيب بأن الخطاب عن الرب صالح للاشيء في جانب وصالح لكل شيء من جانب آخر. يقصد بأن الخطاب عن الرب لا يضيف شيئا كأداة للتحليل وليس وصفة ملموسة لتخطيط الاقتصاد الوطني أو تنظيم الجماهير مثلا، ولكنه من ناحية أخرى صالح لكل شيء لأنه تحقيق كل الممكنات. الرب هو المبدأ الطوبائي الخالص، وكحقيقة يوتوبية تكون تأرخة الرب غير ممكنة. وهذا لا يعني التركيز على التعال على حساب التاريخي. فحتى القيامة هي تفكير في المستقبل ليس القائم على الحاضر فقط بل يوتوبيا غير محققه. لذلك فالنظرة للرب هي من وجهة نظر المستقبل وليس من الأصل والبدايات الأولى وهي ليست أيضا نظرة تأملية لتمتلك فكرة الرب ولكن من خلال الأمل وضرورة تحديد هل هو أمل نشط فعال أم سلبي. وهذا يوصلنا الى جوهر أفكاره حيث يقابل بين مملكة الرب والكنيسة مؤكدا أن المسيح جاء ليدعو إلى مملكة الرب وليس الكنيسة المؤسسة.
يعطي سوبيرنو إجابة عن سؤال محوري: ماذا يقصد المسيح بمملكة الرب؟ من هذا البداية نكتشف أن المسيح دعا الى تعايش المضطهَد والمضطهِد مصرا على ان هذا الوضع نتيجة إرادة الإنسان الحرة وليس إرادة الله والذي لم يسمح بذلك. واعتبر أن الفقر نتيجة لأن الغني لم يقتسم ثروته، وسبب الجهل أن العارف سرق مفاتيح المعرفة، والاضطهاد لأن الفريسيين فرضوا عبئا غير محتمل على الشعوب كما تصرف الحكام كطغاة. لذلك صارت مملكة الرب بناءا جديدا لحياة جديدة لا يفهم الرب فيها كإضافة للحياة ولكن كتأكيد كامل للحياة نفسها. ويرى أن بعث المسيح يمثل انفتاحا جذريا على الإمكانية المستقبلية مما يؤكد أن مملكة الرب يمكن أن تتحقق12. وتبقي فكرة التاريخ الآخر أو الأدنى موجهة لكتاباته مطالبة بضرورة البدء من الأحداث والحياة الفعلية للجماهير المضطهدة وحياة المسيح المتجذر في التاريخ الواقعي المحدد لتعني التغيير والتطور، وصولا الي مملكة الرب. وهكذا يتعامل اللاهوت عامة والمسيحيوية علي الأخص مع موضوعات فيها معنى يشتمل الوجود والتاريخ وينبع من حقائق مدروسة مثل: الرب، المسيح، التحرير والعالم الخاطئ13.
ولم يستطع أغلب لاهوتي التحرير تجنب التأثر بالمقولات والأدوات التحليلية الماركسية لموقفها من المضطهدين ولكن الأهداف مختلفة. ولم يكن سوبيرنو استثناءا رغم أن اسم ماركس لم يتردد كثيرا في كتاباته ولكن أثر الفلسفة الماركسية واضح. فقد نقد اللاهوتيين الأوربيين الذين أقاموا آراءهم على أفكار عصر التنوير وبالذات كانت Kant الذي دافع عن تحرير العقل البشري من السلطة الإلهية، لأن كانت سعى لفهم الحقيقة من خلال العقل البشري بينما يدعو ماركس لتغيير الحقيقة بواسطة الفعل الاجتماعي وهذا هو المطلوب. يقول: أن تعرف الحقيقة هو أن تفعل الحقيقة، أن تعرف المسيح هو أن تتبع المسيح. أن تعرف الخطيئة يعني أن تحمل عبء الخطيئة، أن تعرف المعاناة هو أن تحرر العالم من المعاناة، أن تعرف الله هو أن تذهب اليه في العدل14. ويطالب بكنيسة هي امتداد لفعل المسيح التحريري ولها دور في أن تحمل نظرة للحياة قائمة على ضوء العدل والتحرير وبالذات تلك الجوانب من الحياة التي حطمها العنف والظلم المؤسسيين وأن تكون شاهدا لله في ذلك المسيح السياسي والتاريخي والإنساني. وهذا يعني تأكيد حياة العدل والتحرير والذي يتضمن أبعادا اقتصادية واجتماعية وسياسية. وسمي ذلك عملية الانسنة المستمرة للوجود البشري. وهذا الربط بين الأنسنة والمسحنة صار الموضوع الرئيسي في أفكاره ويدافع عنه - مع ليوناردو بوف - بقوة. ويرون أن الكنيسة لو عجزت عن فعل عملية الإنسنة فقد خذلت المسيح. وكان همه أن يبعث المسيح - حسب فهمه للبعث - في ظروف أمريكا اللاتينية15.
تعتبر مساهمات Juan Luis Segundo (المولود في مونتفيدو عام 1935 والدارس في فرنسا وبلجيكا) من أكثر الإضافات تعددا وتنوعا في لاهوت التحرير بأمريكا اللاتينية، وتميزت بسجالية وحاور الكثير من المفكرين وقد مثلت تمهيدا جيدا للتنظير في لاهوت التحرير. حاول أن يبين العلاقة بين العقيدة والإيديولوجيا، ويري أن العقيدة لا تكون كذلك دون أيديولوجيات، كما أن الإيديولوجيا دون عقيدة ليست إيديولوجيا أبدا. وبحث عن مصطلحات جدية أو معان ليست مشحونة بالعاطفة وتعكس الاهتمام القاعدي للجماهير ليعيدوا بناء مجتمعاتهم من جذور القاعدة العلائقية وإلى أعلى16. كما تميز تفكيره اللاهوتي بأنه رد فعل للمجموعات القاعدية وفي نفس الوقت ظلت العقيدة المسيحية في قلب تفكيره وفعله17. ورفض القول بأن لاهوت التحرير وليد اللاهوت السياسي الأوربي. وأكد أهمية ارتباط اللاهوت بتجربة الناس الحياتية الحقيقية وبالذات المؤمنين العاديين وهذا يبعده عن الأكاديمية الصرفة للاهوت. ويظهر هذا الاتجاه في سلسلة مجلداته الخمس والتي هي في الأصل كورس في اللاهوت قدمه لمجموعات قاعدية في نهاية الستينات وبداية السبعينات. وركز فيه علي قضايا متصلة بحياتهم اليومية18.
وضمن هذا السياق المرتبط بالناس العاديين ومشكلاتهم الزمنية والروحية ركز على موضوعات محددة منها على السبيل المثال أزمة الكنيسة في العصر الحديث. نبه الفاتيكان الثاني الى التحديات بل والتهديدات التي تواجهها الكنيسة في عالم حديث متغير ولكن Segundo رحب بهذه التحديات واعتبر التهديد أو عدم الأمن فرصة لكي تتخلص الكنيسة من رضاء زائف عن النفس، وتصبح علامة خلاص يمكن المسيحيين من أن يعيشوا حياة بناءة أكثر وأصيلة. وعلى الكنيسة أن تعترف أنها لا تملك كل الإجابات وبالتالي تبدأ بأولوياتها وهي خدمة الناس. من ناحية أخرى لم يرفض الطقوس ودورها في تاريخ الكنيسة شريطة ألا تكون نظاما مؤسسا بل كحركات ودلالات للمجتمع تشجع المسيحيين ليتقدموا في طريق التحرير لأنها تمثل حافزا جماعيا19.
وتحاور مع الأفكار المتصلة بوجود الله وموت الرب واعتبرها غير ذات موضوع وانصرافية إن لم ينظر اليها انطلاقا من الاحوال الاستغلالية للمضطهدين التي تجعل حب الله غير حقيقي. ويعتبر نقاشه حول «مسألة الله» ردا جيدا على نقاد لاهوت التحرير الذين اتهموه بأن الله ليس جزءا من مضمونه ولكن يرد بأن كل فكرة الله قد تغيرت. ويري الكثير المشترك بين المسيحيين والملحدين فكلاهما ينكر صورة ما للرب أي رفض الصنمية بعبادة آلهة مزيفة. وكثيرا ما وضع المسيحيون في مواقف تفرض عليهم الدفاع عن إله لا يجب أن يوجد بمعنى أنه لا يعبر عن الإيمان الحقيقي المنحاز للإنسان الحر. ويحاول Segundo إعادة تفسير كثير من المفاهيم المسيحية. ومن هنا طور مفهوم ما أسماه «الدائرة التأويلية» كطريقة للفهم المتجدد للإنجيل والتفسير المستمر لكلمة الرب حسب تحول الحقيقة الراهنة: الاجتماعية والفردية. جاءت الطبيعة الدائرية لهذا التفسير من واقعة أن كل حقيقة جديدة تجبرنا على أن نفسر كلمة الله مجددا وتغير الحقيقة على ضوء ذلك ثم نعود مرة أخرى ونعيد تفسير كلمة الله ثانية، وهكذا20.
وتضمنت كتابات Segundo عددا من الأفكار التي أثارت الاهتمام والجدل. فقد هاجم ما أسماه لعبة الأرقام عند الكنسية والتي تقيس قوة وأثر الكنيسة حسب عدد المؤمنين لأنها بهذه الطريقة تصبح غير ملائمة للمضطهدين والجماعات القاعدية. ولكن لو أردنا أن نرى كنيسة تمثل عاملا حقيقيا لتحرير كل الشعوب علينا أن نركز علي الحيوات المتغيرة وأن نكون منفتحين على حقائق كانت خافية علينا من قبل. لذلك كنيسة المستقبل - حسب رؤيته - هي كنيسة أقلية بطولية أكثر منها أغلبية حماية تعرقل الخلاص أي التحرير21. لذلك اتهمه بعض النقاد بالصفوية بل واللامبالاة تجاه حاجات الجماهير. ولكنه قصد أن تكون تلك الأقلية خميرة لتحويل مجمل الخبز22.
اهتم Segundo في معرض تحليله للإيديولوجيا والعقيدة بما أسماه «تأويل الشك» أو «الشك الإيديولوجي» هذا المصطلح الذي يستعمله الآن كثير من لاهوتيي التحرير. ويعني التفسيرات والإيديولوجيات الخطيرة والمنحازة التي تلون افتراضاتنا الأساسية. فاللاهوت الغربي يدعى الحياد والموضوعية بينما يعبر عن طبقات سائدة. لذلك يطالبه بالتخلي عن هذه الرسالة المزعومة وأن يعلن عن نشاط ثوري قائم على تحويل النظام الاجتماعي، وهذه ممارسة تجد أن الطريقة أو الأداة اللاهوتية أكثر أهمية من المضمون أو المحتوى اللاهوتي. ويرى أن الوسيلة أهم من الرسالة في تطور المسيحوية ولكنه مع ذلك لم يسيس المسيح كثوري جذري - مثل الكثيرين - وذلك لأنه لم يتحمس لجعل القناعات السياسية للمسيح إيديولوجيا معيارية لكل المسيحيين23.
ويدخل ضمن هذا التيار شخصيات مثل آسمان لأنه اعتمد على منهج العلوم الاجتماعية في تحليل الأحوال والواقع الفعلي الذي يعيشه الناس وهذه هي مهمة اللاهوت والتي يسميها «اجتماعانية اللاهوت» Sociologization of theology وعندما نحلل هذه الأوضاع بالذات في أمريكا اللاتينية نكتشف أن العنف قد تمت مأسسته مثل الفقر والاضطهاد. وهذا هو الفرق مع لاهوتيات أوربا وأمريكا الشمالية التي لم تكن حساسة تجاه الاضطهاد المؤسس الذي أبقى الملايين تحت خط الفقر. وأي لاهوت لا ينطلق من تفضيل الانحياز للفقراء يغرق في مثالية مهلكة لأنها تطرح الأسئلة الخاطئة. واستعمل لذلك مصطلح: «التفضيل المعرفي للفقراء». بمعنى أن الأحوال التي يعيشها الفقراء تجعلهم منفتحين على كلمة الله المحررة أكثر من الذين يقفون في طريق التحرير. ويعتقد بأن تقوم نظرة المرء للرب على السياق الاجتماعي الواقعي، لأن كلمة الرب يتم تأملها دائما من خلال السيرورات الاجتماعية وقد اختنقت المسيحية على الدوام بأفكار خاطئة عن الرب تساند الاضطهاد. وهذه النظرة الجديدة تكشف عن الإله المحرر24.
ولا تقف الأمور عند هذا الحد الذي يبدو تجريديا ونظريا. فهو يعتقد أن لاهوت أمريكا اللاتينية إذا أراد أن يتغلب فعليا على الشرور الاجتماعية والأحوال المتردية فعليه أن يدافع بالضرورة عن الوسائل الثورية بما في ذلك الصراع الطبقي. وذلك لأنها الطريقة الوحيدة الممكنة لإعادة توزيع السلطة والثروة وتحقيق نظام اجتماعي أكثر عدلا. ويكرر مثل الآخرين أن الحقيقة لا توجد في عالم الأفكار ولكن في عالم الفكر والممارسة. وليس مجديا أن تفهم عالم الفقر والاضطهاد إذا لم تكن لديك الرغبة والإرادة لتغييره25. والمعيار للاهوت أصيل هو هل يعكس ممارسة تاريخية للواقع أم لا؟ وأكد باستمرار على ضرورة الثورة الاجتماعية لأنه يرى استحالة الوصول الى علم مسيحوية نقية مع استمرار اللامساوات الاجتماعية.
وصنف بعض الباحثين آسمان (Assman) كماركسي رغم أنه لم يرجع كثيرا إلى الأدبيات الماركسية ولكنها في نظره أداة مفيدة للتحليل. ولكن ليس كل إقرار بوجود فوارق اجتماعية طبقية يجعل من المرء ماركسيا. وقد أخذ آسمان على الماركسية اقتصادويتها ويرى أن أي إيديولوجيا أو فكرة تنتهي الى حتمية وضعية فهي تلغي البعد الإنساني للحرية26.
انطبق التصنيف السابق على لاهوتي بروتستانتي آخر هو Jose Migues Bonino والذي يشبه آسمان في كثير من الأفكار والطروحات، وقد دعا الى «التأويل التأملي» أيضا في مواجهة النصوص الانجيلية وربطها بحياة المضطهدين. ويظهر في كتاباته تميز العلاقة بين المسيحيين والماركسيين بمعنى اتفاق أدوات التحليل مع اختلاف الغايات وحتي أحيانا وسائل العمل، رغم أن الغاية هي واقعيا واحدة أي الوصول الى مجتمع لا طبقي يخلو من الاستغلال والتفاوت غير الإنساني. قد تختلف تسمية هذا المجتمع بين الماركسيين والمسيحيين من لاهوتيي التحرير وهذه ليست مسألة شكلية لدى الأخيرين بالذات وقد بذلوا جهدا هائلا في تأكيد وجود اختلافات مع الماركسيين.
أدان ميجوز بونينو Miguez Bonino النظام الرأسمالي في مناقشاته المطولة حول مستقبل النظام الاجتماعي لأمريكا اللاتينية وأرجع كل مشكلات القارة للرأسمالية وعلاقات التبعية. دعا الى اشتراكية جديدة تلغي اللامساواة والاستغلال وفي نفس الوقت ليست نسخة ماركسية. ومن هنا ينفي عن لاهوتيي التحرير في أمريكا اللاتينية التمركس الخفي المقصود أو غير المقصود الذي يتهمهم به الخصوم والمخالفون. ويؤكد أن لاهوتيي التحرير ليسوا ايديولوجيين اشتراكيين، ولكنهم مسيحيون ملتزمون يبحثون عن إمكانية الوصول الى مجتمع جديد محرر للإنسان، وأصبحوا نشطين اجتماعيا بحكم عقيدتهم المسيحية وليس بسبب الإيديولوجيا الماركسية رغم تعلمهم من التحليل الماركسي كيفية فهم وتصحيح واقع الظلم واللامساواة من خلال صراع إنساني وليس مسيحيا فقط. لذلك يذهب إلى حد تبني ضرورة العنف والثورة ليس لأن الماركسية كعقيدة دعت لذلك، بل لأنها أي الثورة الوسيلة الوحيدة لمواجهة تزايد القمع والاضطهاد تجاه الجماهير والتي لا يبقى لها خيار غير الثورة واللجوء الى العنف دفاعا عن نفسها27.
ويحذر ميجوز بونينو Migues Bonino من ميل كثير من مفكري لاهوت التحرير الى المساواة بين المسيحية وبرنامج اجتماعي محدد. ويسمى هذا التوجه «الوحدانية الجذرية أو الراديكالية» للاهوت التحرير الجديد، وهي نظرة ترى حب الله وحب الجار شيئا واحدا متطابقا. مثل هذا الموقف - في رأيه - يقود الى تأليه غير فطن للتاريخ الانساني، وفي هذه الحالة من المستحسن أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية ونعترف بحلولية كاملة28. ويحاول تجاوز الخط الصعب الفاصل بين الخاص والعام أي بين وقفة النظرية النقدية وتوجه الوحدانية الجذرية، وذلك بتأكيد ضرورة استعمال الرؤية الماركسية دون أن نكون أو نظن بأننا ماركسيون مكتملون تماما. فالاتفاق واضح على ضرورة التغيير الثوري في أمريكا اللاتينية حيث يقول: «لم أمل الى الماركسية كنظام ولا شعرت بميل للوقوف ضمن الحملة الصليبية المضادة لها. ولكن صرت أفكر أكثر على ضوء التقاليد الاشتراكية - الانسانية ذات الجذور البعيدة في المسيحية والهيلنية والتي تطورت في العالم الحديث ولعب ماركس دورا دؤوبا بل وحاسما ولكن لم يخلق أو يكمل ذلك». فلماذا لا نعمل مع الماركسيين في المسائل المشتركة ذات المنفعة العامة؟ ولماذا لا نشارك كل القوى الإنسانية التي تبحث عن عالم للعدل والحرية للجميع؟ ويدعو الى نزع الأسطوري عن المسألة الماركسية للأبد. وباختصار تكمن أهمية مساهمة Miguez Bonino في ضرورة تطوير أو نحت أخلاق سياسية مسيحية لأمريكا اللاتينية حيث يمثل التحرير المكون الأساسي. وحلل الأخلاقية السياسية في أمريكا اللاتينية منذ مجيء الاسبان حتى اليوم قائلا بأننا بذرنا الديمقراطية الحديثة ولكن حصدنا دولة الأمن القومي! وتبقى الاشكالية الأخلاقية الحالية: كيف تُعظم الإمكانيات الإنسانية العالمية مع تقليل التكلفة الإنسانية؟29
وهناك عدد من اللاهوتيين يمكن إدراجهم في هذا التيار رغم محدودية إنتاجهم الفكري وتأثيرهم العملي، ولكنهم تبنوا الأفكار التي ترددت عند الشخصيات سابقة الذكر. من هؤلاء Segundo Galilea والذي نبه الى الاهتمام بالدين الشعبي والشخصية الثقافية (الهوية) عند الشعوب التي يراد تحريرها. ويطالب ببناء كنيسة من أدنى الى فوق وليس العكس إذا أردنا حشد الجماهير في عملية التحويل الاجتماعي، كما يدعو الى «روحانية التحرير» وبالتالي الربط بين الصوفي والمناضل، السياسي والمتأمل لأن التأمل الحقيقي يعني أن نعيش خبرة وجود الله كما نقابل الجار في عالم الفعل. وهذا يقتضي تجنب المسيحي المنطوي البعيد عن السياسة وفي نفس الوقت المسيح الثوري المندمج في التحريك السياسي30.
ويتضمن هذا التيار بعض اللاهوتيين الذين لا يبرز التحليل الاجتماعي في كتاباتهم بوضوح ولكنهم يعطون لمفهوم الشعب والفقراء اهتماما مركزيا. من هؤلاء بابلو ريتشارد Pablo Richard فقد بدأ برفض الصنمية في التفسير ودعا الى التحرير وقد يتطلب مثل هذا الانتقال عنفا لا يمكن تجنبه. وتحدث عن شعب الله والذي يجب ربطه بالكنيسة الشعبية خلافا للكنيسة الرسمية، ويقصد بشعب الله الفقراء والمضطهدين، ولأنهم لا يملكون قوة ومع ذلك يدخلون في نضال متواصل من أجل العدل والحرية وهنا يجب أن تكون الكنيسة الحقيقية والتي إما أن تكون كنيسة للفقراء أو لا تكون. هذا لا يعني إبعاد الأغنياء ولكن شريطة أن يكفوا عن الاستغلال ويتماهوا مع الفقراء وعلى نفس المنوال يعرض Juan Carlos Scannone أفكاره التي يبرز فيها الاهتمام بالثقافة الشعبية في أمريكا اللاتينية بهدف تطوير لاهوت الشعب. ويستعمل مفهوم المصاحبة accompaniment ويعني دور اللاهوت في مصاحبة المضطهدين في بحثهم عن التحرير ليقرأوا علامات وجود الله في الأحداث التاريخية، وفي نفس الوقت يرى أهمية نقد إيديولوجيات اليسار واليمين حسب كلمة الله. ومهمة لاهوت المصاحبة هي تحليل الواقع وإعادة تفسير العقيدة المسيحية لتكون إداة للتحول الاجتماعي والمساعدة في إطلاق إمكانات الناس العاديين لتحريرهم31.
2. الاتجاهات الماركسية
تميزت العلاقات بين الكنسية والماركسية لفترة طويلة بعداء متبادل واتخاذ مواقف استبعادية صارمة. ومنذ العقد الأخير من القرن الماضي بادرت الكنيسة بتحذير المسيحيين من الماركسية وصدرت منشورات بابوية مثل الرقيم البابوي العام في 1839 و1891 والذي أدان الماركسية على أساس أن اتباعها يحثون الفقراء على الحقد ومحاربة الأغنياء والدعوة الي القضاء علي الملكية الخاصة واستبدالها بالملكية العامة32. واستمر هذا الموقف حتى ثلاثينات هذا القرن وقال البابا بيوس الحادي عشر في رسالة (مارس 1937) باستحالة التقاء الكاثوليكية والماركسية. وأضاف الباب بولس السادس بأن الآمال الماركسية رغم شحنتها المسيحية للوعود إلا أنها مجرد أوهام مفبركة للحقيقة33. وفي أمريكا اللاتينية كان رجال الدين في غالبيتهم متشددين في مهاجمة الماركسية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. ساعد في ذلك موقف الشيوعية العالمية من الدين حيث هاجمت الكنيسة بضراوة ولم تظهر أي استعداد للحوار مع تأكيد الجوانب المادية والإلحادية في الفلسفة الماركسية وفي عمل الأحزاب الشيوعية عند نشأتها وفي تحالفاتها وعلاقاتها. ففي أحد التعليقات أيد لينين فكرة أن الدين والفلسفة كانا أوهام بريئة وأنهما تحولا الى أدوات للخداع السياسي وأن الطبقات الحاكمة تهتم باستخدامها. ورغم أن الماركسية تعني صعوبة الفصل بين الدين والسياسة في كثير من المواقف ولكن ينبغي ألا ندفع الى الصدارة ما هو بالتأكيد ليس مكانه ويؤكد لينين: «أن الماركسي لابد أن يكون ماديا جدليا. أي أن يتعامل مع الدين لا بطريقة مجردة، وعلى أساس منعزل ونظري بحت، لا يختلف قط عن الوعظ، بل بطريقة عينية، عل أساس الصراع الطبقي الحادث فعلا ويعلم الجماهير أكثر وأفضل ما أمكن»34.
ولكن لم يتم تحديد الفواصل النظرية والعملية بصورة مطلقة ففي عدد من الأماكن وبين كثير من التيارات طرحت الأسئلة القديمة حسب ظروف جديدة. نلاحظ مثلا اختلاف موقف البروتستانت الألمان عن الكاثوليك الروس، وفي أمريكا اللاتينية قاد قساوسة من الأرجنتين والمكسيك وغواتيمالا حملة صليبية خلال الأربعينات ضد الشيوعية ولكن في كوستاريكا حدث تقارب بين الكنيسة والحزب الشيوعي رعاه القديس فكتور سانا باريا عام 194635. وتعتبر ألمانيا بتاريخها المختلف المجال الأول لحدوث الانفتاح والحوار بسبب تقاليد فكرية وأوضاع سياسية معينة. فقد تكيف اللاهوتيون البروتستانت الألمان جيدا مع الجوانب الهيجلية في الماركسية، كذلك لم يكن بإمكان اللاهوتيين والفلاسفة الانفصال عن السياسة في ألمانيا. هذا وقد قربت النازية بين المسيحيين والشيوعيين في النضال ضد هتلر وكانا في خندق واحد. وكان كارل بارت يقود التيار المضاد في الكنيسة للرؤية النازية التي حاولت عام 1926 تاسيس كنيسة الرايخ حيث هتلر هو «البابا القيصر». وكان من الضروري أن تكون معارضة بارت ذات نبرة سياسية عالية أكثر منها دينية واتسمت بميول اشتراكية وبعد الحرب العالمية تعاون عمليا مع الشيوعين لأول مرة. وبرزت أسماء أخرى تجرأت على تخطي تابو الانفتاح على الماركسية والدول الشرقية، ومن هنا كانت زيارة مارتن نيمولر Niemöller للاتحاد السوفيتي بعد الحرب ثم اعتقله الجستابو لمدة ثمان سنوات في عام 1937. كذلك ديتريش بونهوفر Bonhoeffer الذي ساعدت أفكاره في ظهور لاهوت سياسي ساهم في الحوار الماركسي المسيحي. وتحدث عن الله بطريقة علمانية متسائلا عن كيف تفهم الطبقة العاملة المسيح؟ وكتب: «ماذا يعني حين يقول بروليتاري في عالمه المشبوه: أن المسيح رجل طيب؟ لا يقول أن المسيح هو الله ولكن حين يقول المسيح طيب يعني أكثر من البورجوازي الذي يقول أن المسيح هو الله. فالله عنده ينتمي للكنيسة. ولكن في المصانع المسيح اشتراكي، وفي العالم السياسي مثالي، وفي الوجود البروليتاري طيب يحارب معهم ضد عدوهم: الراسمالية»36. وبالفعل - كما كتب عنه غارودي - أخذ مخاطرة الأشياء المختلف عليها، على شريطة أن يطرح المرء القضايا الحيوية.
ورغم أن هذه القرابة الفكرية قد تبدو بعيده حين نعود للبحث عن تأثير اللاهوتيين الألمان، ولكنها حقيقة قريبة فعالة في تكوين كثير من لاهوتيي العالم الثالث المنتمين لحركة لاهوت التحرير عامة بالذات فيما يتعلق بمفهوم «الإله المعاني» المأخوذ عن بونهوفر، وفكرة لاهوت الأمل وقوة المستقبل. ويظهر التأثير على ربيم ألفيس (Alves) واضحا حتى أن أحد نقاده وصفه بأنه «تلميذ مولتمان» (Jürgen Moltmann)37. من الملاحظ أن لاهوت ألمانيا وبالذات بين البروتستانت يحاول دائما الاستعانة بأدوات نظرية وطرق بحث من خارج مجال اللاهوت المحدود، وهذا هو المبدأ الهام، أي البحث عن أداة نظرية تدعم الخطاب الديني وتجعله علميا وعصريا ومعبرا عن الواقع. وقد كانت هذه الأداة في فترة ما تشبه تاريخ أمريكا اللاتينية هي الماركسية؛ وقد ساعد في تخفيف العداء المتبادل بين الكنسية والماركسية التحولات التي حدثت في الفكر الشيوعي بعد موت ستالين وانعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي ومواقف سكرتيره خروتشوف الذي حاول محاربة الجمود الفكري وعبادة الفرد؛ مما فتح إمكانية الحوار مع المُختَلف ومن بين ذلك الكنيسة، ويقول دوسيل: «فقد أصبح الحوار مع الماركسيين - عمليا - ممكنا ومعقولا أكثر من ذي قبل، على أثر تقلص جمودهم النظري، وانفتاحهم على التيارات الجديدة، واتساع تفهمهم للخصائص المحلية، خصوصا لدى فصائل متنوعة من «اليسار الجديد» المتأثرة بالألتوسيرية التي نفخت في ماركسية ما بعد ستالين زخما وقوة دافعة جديدين. كذلك أسهمت هزيمة الحركة التنموية والاصلاحوية (كوبيت شيك في البرازيل، وبرونديزي في الأرجنتين، رومولو بيتا نكورفي فنزويلا، لوبيز ماتيو في المكسيك، فراي في التشيلي، كالديرا في فنزويلا،...) أسهمت هذه الهزيمة في أن يندفع الى الواقع نمط جديد من الانخراط المسيحي، فراحت أنظار الفقراء والمعذبين تبحث عن الماركسيين وعن المسيحيين على حد سواء»38. وأجبرت التطورات السياسية في أمريكا اللاتينية والعالم الثالث المسيحيين المنحازين للفقراء على خلق علاقة ما بالفكر الماركسي فيما يخص القضية الاجتماعية على الأقل. وكانت الإشكالية هي كيف توجد هذه العلاقة عند المسيحي دون أن يؤثر ذلك على العقيدة. وبالفعل أثر انفتاح المسيحية على التيارات الفكرية الحديثة على أي ثبات يدعو للأصول أو الوثوقيات الانجيلية بمعنى أن الكثير تعرض لتأويل مشروع حسب واقع يتغير بسرعة، وهنا تساءل البعض في سخرية هل مازال يوجد مسيحيون؟ كما قال هربرت ماركوزه39. وكذلك حاول ماركسيون آخرون تأكيد الاحتكاك والتبادل بمعنى أن يأخذ كل طرف من الآخر دون حساسية، فالماركسية تحتاج إلى إلهام أخلاقي مثالي ونموذجي ومعايير قيمية تجدها في المسيح، واقتفاء أثر المسيح الحقيقي قد يوصل إلى أهداف متطابقة عند المسيحيين والماركسيين40. ولقد مر في الصفحات السابقة ذكر لحوارات الماركسية ولاهوت التحرير، والمحاولات الدؤوبة عند الكثيرين لوضع فاصل دقيق بين الماركسية والمسيحية بعيدا عن العدائية أو الذوبان.
وقد تمت لقاءات بين الماركسيين والمسيحيين في نهاية الستينات وبداية السبعينات. كما ازداد تسييس اللاهوت بصورة أزعجت الولايات المتحدة الأمريكية. وفي عام 1969 بعث الرئيس نيكسون بنلسون روكفلر لأمريكا اللاتينية لكي يبحث الوضع هناك. والذي قال في تقريره أن الكنيسة بدأت تتحول إلى قوة للتغيير، حتى لو اقتضى الأمر استعمال العنف، كما أن تقرير مؤسسة راند Rand Corporation (حسب طلب الخارجية الأمريكية) توصل الى نفس النتيجة. كذلك وثيقة سانتا في (Santa Fe Document) الشهيرة التي قدمها مستشارو الرئيس ريجان والتي عبرت صراحة بأن على السياسة الخارجية الأمريكية أن تقوم بهجوم مضاد على لاهوت التحرير وألا تكتفي فقط برد الفعل. ومن هنا كان إنشاء معهد الدين والديمقراطية Institute for Religion & Democracy (IRD) في الولايات المتحدة، والذي كان من ضمن أهدافه الأساسية القيام بحملة إيديولوجية ضد لاهوت التحرير. وقد أوضح أحد العاملين بالمعهد وهو لاهوتي كاثوليكي أهمية الدين في السياسة، قائلا: «لقد أظهرت الأحداث في إيران ونيكاراجوا أنه من الخطر - حين نضع تقديراتنا - أن نحذف العامل الديني بالذات أفكار اللاهوتيين»41.
وكان التجسيد الأول لهذا التلاقي والتقارب في بعض الجوانب، هو تجربة حكومة سلفادور اليندي (1970 - 1972) ممثلة في الحركة الشعبية (MAPO) حين تعاون الحزب الديمقراطي المسيحي والمسيحيون عموما، مع اليساريين باختلاف اتجاهاتهم. ويرجع أحد الباحثين هذه المشاركة إلى سيرورتين: «الأولى متأتية من لاهوت التحرير، والثانية متأتية من حركة «المسيحيين من أجل الاشتراكية» التي تمخضت عنها أزمة (معهد أمريكا اللاتينية للعلوم الاجتماعية ILADES) عندما أعلنت مجموعة هونكلاميرت - أوريو Honkelammert-Arroyo عام 1969 إلتزامها بمنهج التحليل الماركسي، وخالفتها مجموعة يكمانز - بيغو Vekemans-Bigo في ذلك»42. وبالنسبة لأمريكا اللاتينية يبقى دور فيدل كاسترو بارزا في الحوار المسيحي - الماركسي لأنه من خلال قربه من الواقع اللاتيني الامريكي وفهمه المستقل للماركسية تمكن من التنظير المرن لعمل مشترك بين هذه الفصائل لم ينطلق فيه من حلول وسط أو تكتيك في التعامل مع الدين بل من حتمية أن يلتزم المتدينون بقضايا الجماهير الحقيقية. وبالفعل يؤكد بعض الباحثين أن لاهوت التحرير قارب بالفعل المجموعات الماركسية من خلال رؤية أثبتت مبادئ جديدة مثل: لم يعد التحول التاريخي حكرا على الماركسية فقط، فقد تبنى المسيحيون نفس الهدف باسم عقيدتهم ليس لأسباب تنافسية أو مزايدة، وأن العقيدة المسيحية حررت نفسها نهائيا من قيود الرأسمالية ولا يمكن أن تتهم المسيحية بأنها تميل إيديولوجيا للرأسمالية، وأخيرا فإن الرب لم يعد مصدرا للاغتراب ولكن نبعا للالتزام الاجتماعي43. واعتبر التحالف المسيحي - الماركسي في الجبهة الساندينية للاستقلال الوطني (FSIN) نموذجا عمليا متميزا لنجاح لاهوت التحرير على الأقل في الفترة ما بين 1979 و 1984، بل حتى خروج الجبهة من الحكم.
وتقبل عدد كبير من اللاهوتيين الماركسية بدرجات متفاوتة لذلك يمكن أن تندرج بعض الأسماء التي مر ذكرها في التيار التحليلي الاجتماعي مثل Assman ضمن الاتجاه الماركسي لأنها ترى أن الماركسية كايديولوجية ضرورية لتطبيق العقيدة المسيحية على المشكلات الاجتماعية في أمريكا اللاتينية، مع تأكيد صعوبة الحديث عن ايديولوجية ماركسية واحدة، ولكن هناك ماركسيات حسب التفسير الذي يعطى للمفهوم ويستعمل واقعيا. ويضىء توريز هذا الجانب جيدا في وقت مبكر: «.. فلا خلاف بين الماركسية والمسيحية، كلاهما ثورة، بصرف النظر عن الأساس الفكري لكل منهما. فالثورة هي برنامج عمل لتغيير البناء الاجتماعي، والمسيحية والماركسية كلاهما برنامج عمل ثوري وكلاهما تغيير للبناء الاجتماعي الطبقي، لا يهم بعد ذلك إن كانت المسيحية تقوم بهذه الثورة على أمر إلهي، أو أن الماركسية تقوم بها بناء على ايديولوجية سابقة (...) فهناك ماركسيات نظرية عديدة، كما أن هناك إلهيات مسيحية عديدة، ولكن المهم هو الالتقاء على نفس الهدف وهو القضاء على المجتمع الطبقي واستعمال أسلوب عمل موحد وهو الثورة المسلحة.»44 ويواصل توريز في نداء وجهه إلى الشعب الكولومبي حيث خاطب الفئات المختلفة قائلا: «...والحزب الشيوعي حزب ثوري أصيل، وبالتالي فلا يمكن أن أكون معاديا للشيوعيين باعتباري مواطنا وراهبا. العداء للشيوعية معناه التواطؤ مع استغلال الطبقات المحرومة، وباعتباري عالم اجتماع، تقدم لي التحليلات الماركسية صورة صادقة لحال الفقراء والجوعى والأميين... وباعتباري راهبا، أجد في الشيوعيين مسيحيين حقيقيين وهم لا يعلمون ذلك»45.
وتكمن أهمية آراء توريز في أن تصنيف أو محاكمة مدى ماركسية أي لاهوتي لا تخضع بالضرورة إلى قياس فلسفي أو مفاهيمي صارم ولكن تكفي معايير مثل: التحليل الطبقي، ضرورة التنظيم لتحقيق الثورة حتى لو اقتضى الأمر العنف الثوري أو الثورة المسلحة؛ والأهم من ذلك عدم الوقوع في التوفيقية المترددة أو الخضوع للابتزاز من خلال الاتهام بالتواطؤ مع الشيوعية. من هذا المدخل العام نستطيع أن نصنف بعض اللاهوتيين كأصحاب ميول ماركسية أكثر من غيرهم، رغم أن كل لاهوت التحرير لا يخلو من أثر للفكر الماركسي، وأعتقد أن مفهوم غرامشي عن المثقف العضوي يمكن أن ينحت منه اللاهوتي العضوي. حيث يمفصل دور المثقفين اللاهوتيين العضويين ضمن حركات التغيير الاجتماعي، وهذا في حد ذاته ينزلهم إلى الواقع ومحاولة فهمه. وأي مقاربة لفهم واقع مجتمعات العالم الثالث لا بد أن تكون في جوهرها جدلية لأنها بحث في التناقض والصراع. لذلك لم يستطع لاهوت التحرير أن يخاصم الماركسية مهما اعتدل. ومن هنا اشتركوا في أهمية الماركسية كأداة تحليل واختلفوا في كونها الحل، ولكن المهم في الأمر هو تأكيد ضرورة الفعل السياسي والانخراط في أشكال سياسية لا تتعارض مع العقيدة والإيمان.
وكما تكرر كثيرا في متن هذه الدراسة، اتجه لاهوت التحرير نحو العلوم الاجتماعية النقدية، ليستعين بها في تحليل مجتمعاته وفهم القضايا الاجتماعية. فقد احتاج معرفيا إلى علم الاجتماع وليس الفسفة لأن التحدي ليس عقديا - دينيا بل اجتماعي - سياسي. ويشرح أحد اللاهوتيين هذا الوضع: «لذلك ليس القرار في اختيار الأدوات التحليلية قرارا قبليا أو دوغمائيا أو معرفيا (ابستمولوجيا) فمن الممارسة والعقيدة المسيحيتين، وبتوجيه من المبادئ الأساسية الروحية والرعائية ولدت الحاجة لمقولات تحليل ملائمة، وعقيدة الكنيسة تفترض أن ينخرط المسيحيون في السياسة ويناضلوا ضد الظلم»46. ويسميها دوسيل «ثورة إبستمولوجية» في اللاهوت المسيحي، لأنه تم ولأول مرة الاستعانة بالعلوم الاجتماعية النقدية وبالاقتصاد السياسي. ويؤكد أفراد هذا التيار على أبعاد الجانب الإيديولوجي المحض عند تقييم علاقتهم بالماركسية والتي خضعت لتأويلهم بهدف عدم الابتعاد عن ثوابت معينة في العقيدة والإيمان المسيحي. ويمكن أن نفترض أن مدخل اللاهوتيين الأساسي للماركسية كان نظرية التبعية والتي يسميها البعض «ماركسية أمريكا اللاتينية السوسيولوجية الاقتصادية»47. وتتميز ماركسيتهم برفض المادية الجدلية ويقبلون ماركس الناقد الاجتماعي وليس الفيلسوف، من هنا تفضيل «ماركس الشاب» أي ما قبل البيان الشيوعي ويعبر أحد رواد هذا الاتجاه عن موقفهم: «ما يهمنا الآن هو ماركس الانساني - التنويري كما فهمناه آنذاك، ماركس غير الجامد، اللااقتصادوي، المادي غير الساذج»48. ولهذا السبب يجد بعض المفكرين الماركسيين المجددين قبولا أكثر ضمن لاهوت التحرير، على الأخص غرامشي، التوسير ولوكاش، بالإضافة للأثر الفرنسي والإيطالي عامة وليس السوفيتي أو المنتمي للكتلة الشرقية، يضاف لذلك أثر الماركسيين أمثال غيفارا، لأنه معبر عن واقع أمريكا اللاتينية أكثر من غيره - فكرا وحركة وممارسة.
ويمثل ميراندا José Porfirio Miranda هذا التيار كنموذج جيد. وهو الشخصية التي أثارت لغطا كثيرا، فله عالم خاص، وآثار متعددة. فقد درس الاقتصاد في ألمانيا بجامعتي ميونيخ ومونستر، وبالتالي تأثر بالأجواء الفكرية هناك ثم حصل على إجازة في العلوم الانجيلية من المعهد الانجيلي بروما. وميراندا من أقوى المدافعين عن الماركسية كأداة لفهم وتغيير المجتمع الأمريكي اللاتيني وحاول الخروج بتشابهات بين تعاليم الماركسية والعقيدة المسيحية وذلك في كتابه الشهير: «ماركس والإنجيل: نقد فلسفة الاضطهاد»، وتعرض لكثير من النقاش وإن كان البعض نقده سلبا: «إن ميراندا مسيحي يفسر ماركس، وليس في كتابه تفسير ماركسي لنقاط متماسكة»49 لأنه عالج المسألة على نحو توراتي مباشر ودخل في المفارقة الواضحة، رغم أن الموضوع الرئيسي في كتابه إيجاد العلاقة الإيجابية بين الماركسية والانجيل، منطلقا من استحالة وجود حب دون عدل ولا عدل دون حب، لذلك يؤكد كلاهما - أي الماركسية والإنجيل - أن الحب والعدل لا معنى لهم دون إطار أو نسيج اجتماعي، وأن البشر يفقدون أنانيتهم من أجل حب الآخر. وكلاهما يسعى إلى تغيير العالم بدلا عن فهمه فقط ويؤمن بحتمية هذا التغيير. ويتساءل: «أيهما الأكثر طوبائية أن تأمل في تحويل العالم بالعدل أم الأمل في حتمية القضاء على الخطيئة في العالم؟ هل أكثر طوبائية الإيمان ببعث الجسد أكثر من الأمل في إلغاء كل أشكال الظلم والعداوات والقساوة في العالم؟ في الماركسية والإنجيل أساس كل الفكر هو المقولة الأكثر ثورية مما نتخيل التي تقول بأن الخطيئة والشر ليسا فطريين في الإنسانية والتاريخ. فقد ظهرتا يوما ما حسب الفعل البشري ولذلك من الممكن إلغاؤهما»50. وجاهد في الوصول إلى تماثلات بين ماركس والقديس بولس الذين أكدا شمولية الشر وإمكانية القضاء عليه لأنه مكتسب واجتماعي - بشري نتيجة لنظام اقتصادي هو الرأسمالية (ماركس) متأصل في تجاوزات قوى وسلطات أرضية51. ولكن أخذ على الماركسية إنكار وجد الإله.
وحاول ميراندا أن يكتشف الإنسان في فكر ماركس لكي يتوصل إلى القرابة بينه وبين المسيح. فماركس إنساني لأن الانسانية هي الاحترام غير المحدود للإنسان باعتباره في ذاته قيمة وغاية. ومن هنا عارض الرأسمالية لأنها عاملت الإنسان كأداة لتحقيق الربح لمجموعة قليلة. فالدوافع لبناء نظام اجتماعي أكثر عدالة هي أصلا دوافع أخلاقية وليست مادية. فبساطة ليس من الإنسانية أن يخضع البشر للاضطهاد وعند ماركس الحرية - حسب هذا الفهم - هي جوهر الانسانية وتعني التحرر من كل أشكال الاضطهاد: الاقتصادي - الاجتماعي والسياسي. ويرى أن حتمية ماركس لا تنفي حقيقة الحرية الانسانية، لأنها في الأصل حتمية اقتصادية ولكن ماركس - في تأويله - لم يطرح الفرضية غير المنطقية القائلة بأن كل العوامل والأسباب التي تغير الأساس هي اقتصادية. ومن هنا استنتج العلاقة بين المسيح وماركس بسبب التعويل على الحافز الأخلاقي كأساس للقضاء على اللامساواة الاجتماعية. ولأن ميراندا كان يتوقع أن يكون قد اشتط في تأويل الماركسية، لذلك فقد بادر واتهم الكثير من الماركسيين بأنهم قد انحرفوا عن التعاليم الماركسية (هذا ما حدث في المسيحية أيضا) وأورد الآراء السابقة في كتاب بعنوان: ماركس ضد الماركسيين - الإنسانية المسيحية عند كارل ماركس52.
ومن جانب آخر، فقد دافع ميراندا عن الشيوعية - المسيحية في كتاب بعنوان: «الشيوعية في الإنجيل»53. واعتبره المانيفستو الانجيلي. وهو يستعمل المنهج الديني - الذي نجده كثيرا عند بعض الإسلاميين - الذي يبحث عن أسبقية بعض المفاهيم المعاصرة في النص الديني وأن مهمة الفكر الحديث كانت مجرد بلورة وتحديد هذه المعاني بدقة ولغة مبينة ومنطق جديد. فهو يقول أن فكرة الشيوعية موجودة حرفيا في العهد الجديد. فقد ظهرت فكرة من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته في إنجيل لوقا، وأخذها عنه لويس بلانك مباشرة أو ضمنيا ثم أخذها ماركس عن الأخير. وفي رأيه، فقد مارست المؤسسة الدينية على العقل المسيحي عملية غسيل مخ بهدف صياغة مفهوم للمسيحية مضاد للماركسية. وأي مسيحي يدعى أنه معاد للماركسية قد يكون لم يقرأ ماركس أبدا. ويكرر القول بأنه يجب عدم التماهي أو التطابق بين الشيوعية والمادية الخالصة، وأن التجربة الشيوعية الروسية ليست مثالا أو نموذجا ولكنها فشل وتشويه، ويرى أنه قد حان الوقت لإسقاط كل الاتهامات التي تبعد المسيحيين عن الشيوعية باعتبارها ثانوية وخاطئة، والتركيز على الأساس وهو أن الإنجيل يعلم الشيوعية54. استنتج من المسيحية الأولى الكثير من التشابهات مع الشيوعية من خلال تأويله وإبرازه لموضوعات المال والفقر ومملكة الله الحقيقية.
وقد أثارت أفكار ميراندا الكثير من النقد والهجوم من اتجاهات فكرية عديدة متباينة. اعتبره البعض عاطفيا ومنفعلا وغير موضوعي في تناوله لماركس مما أدى به إلى الغموض وعدم الدقة في التحليل، وأنه كان مندفعا في الوصول إلى تلاقي الماركسية والمسيحية. يكتب فيرو Alfredo Fierro أن ماركس ميراندا لا يريد ماركس نفسه أن يكونه، وتلك ماركسية يصعب على المرء أن يتعرف عليها55. ويرى نيكولاس لاش أن قراءة ميراندا للانجيل مغرضة، وكذلك لماركس56. ويرى ناقد آخر أن تفسير ميراندا الانجيلي احادي الجانب وفرض مرارا الإطار الماركسي على الإنجيل57. ولكن يدافع عنه بأن ميراندا ليس ايديولوجيا يلوي الماركسية والمسيحية معا. فقد كان ناقدا لكثير من مقومات الماركسية وفي نفس الوقت لم يخش أن يرى الملامح الإيجابية فيها والشبه بينها وبين رؤى مسيحية أساسية عديدة، وهذا هو أثره الفعال على لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية. لا نستطيع أن نقلل من قوة عقيدته بأي طريقة كانت، مع إثباته أن المؤمن الحقيقي بالمسيح هو من يؤمن أيضا أن هذا العالم يمكن أن يغير نحو الأحسن. وأن مملكة الرب يمكن أن تتحقق على هذه الأرض58.
سبق أن ذكرنا بعض المفكرين ضمن تيار التحليل الاجتماعي، ويلاحظ أن بعض الدارسين يميلون إلى تصنيفيهم كماركسيين رغم أن أفكارهم ليست في وضوح طروحات ميراندا ولكنها لا تخلو من توجهات ماركسية أو انتقاء أداة تحليل مادية - تاريخية أو تركيز على الاقتصادي مما قد يوحي بانحياز ماركسي. آسمان مثلا يصنفه البعض ضمن الماركسيين لأنه «أول من أشار بدقة إلى الخطوط الفاصلة بين اللاهوتيات: لاهوت التنمية، لاهوت الثورة، لاهوت الأمل حسب مولتمان، لاهوت السياسة عند مارتز Martz»59. واهتم بايديولوجيا التنمية. واستعان بمقولات غرامشي ولوكاش. مبتعدا عن الاقتصادوية العاكسة لعلاقات البنية التحتية والبنية الفوقية، مبينا أهمية الصراع الإيديولوجي، ويكتب آسمان: «إن لغة التحرير هي إفصاح عن الوعي الثوري الذي ينبغي استخلاصه - على المستوى الاجتماعي السياسي - من اللغة التحليلية (للتبعية). وهذا مرتبط مباشرة بالظاهرة التحليلية الجديدة للتخلف.»60 كانت مهمة لاهوت التحرير في تعامله مع الماركسية صعبة ودقيقة لو أراد تجنب التوفيقية والاتهام بالتسييس الزائد؛ لذلك أظهر أغلب مفكريه ميلا نحو التنظير بقصد إقتصار التأثر على الاستفادة من الجهاز المفاهيمي الماركسي والتعامل مع الماركسية كعلم فقط، وهذا يتضح من الشخصيات والمدارس التي أثرت على لاهوتي التحرير بالذات الحركيين وأصحاب الانحياز الطبقي المحدد. وهناك شخصيات مثل غوتيرز Gutierrez الذي تدرجه بعض المعايير في قلب الماركسية وتؤكد أخرى - استنادا على كتاباته - أنه يستبعد الماركسية. يرى دوسيل أن غوتييرز صاحب تيار مستقبلي في لاهوت التحرير ينقد إيديولوجيا التنمية. ويستشهد بغرامشي في إحدى دراساته «كإعلان عن الماركسية التي في غير صورها الاقتصادية والمادية الدياليكتيكية، وإنما في صورتها السياسية الصارمة وعلى ضوء التحليل الثقافي. وهذه هي أصول الطرح الأساسي لأن يكون اللاهوت - كفلسفة بالمعنى الغرامشي - تقييما نقديا مسيحيا للواقع من زاوية الممارسة. ويرى أنها «ماركسية أميركو - لاتينية غير اقتصادوية ونقدية تتيح أفضل الشروط لتحليل سياسي ناجع.»61 وفي نفس الوقت ينشر كتابا يطالب بالرجوع إلى الأصول وبالذات الانجيل ولا يأتي أي ذكر لماركس وحتى في كتاباته عن التنمية والاضطهاد يكاد يساوي بين الاشتراكية والرأسمالية لأنه يرى أن التحرير لا يمكن أن يتضمنه أي نظام اجتماعي، لكنه يوحي باشتراكية محلية أصيلة في كتابات أخرى62.
تصبح الماركسية عند اللاهوتيين قراءة للماركسية يتخللها واقع مجتمع متخلف وعدم التفريط في أسس العقيدة المسيحية. وهذا ما جعل البعض يتحدث عن ماركسيات أو مسيحيات، فمشكلة التوفيق كما يقول أحد الباحثين: «التوفيق هو أخذ فكر إنساني ثم تسلق المعنى الديني عليه فأما أن تكون الغلبة للفكر الإنساني عندما يحتوي المعطى الديني بداخله وإما أن تكون الغلبة للمعطى الديني عندما يحتوى الفكر الإنساني بداخله»63. ومن هنا يمكن أن نفهم دعوة «مسيحي ماركسي» مثل مادورو (Otto Maduro) حين يطالب بضرورة إعادة تفسير الماركسية جذريا حسب السياق والواقع الأمريكي اللاتيني. وفي نفس الوقت يقدم في كتابه عن الدين والصراع الاجتماعي تحليلا نقديا اجتماعيا للدين ويرى أن الوظيفة الاجتماعية للدين تختلف حسب كل مجتمع، لذلك على المنظرين في أمريكا اللاتينية أن يطوروا ممارسة لاتينية للتحرر الذاتي الاشتراكي للمضطهدين64.
3. التيار التبشيري التأويلي
يبدو هذا التيار وكأنه يضم كل من هو خارج التيارين السابقين وبالتالي لا تجمع بين أفراده أفكار مشتركة ويمكن تعريفهم بالنفي أو السلب. ويضم هذا التيار اللاهوتيين الذين لا يظهر أثر الأدوات والمفاهيم الماركسية بوضوح في أفكارهم وكتاباتهم، كذلك لم يتحدد لديهم فهم القضية الاجتماعية ووسائل حل المشكلات المجتمعية وطريقة تعبئة الجماهير والموقف من مستوى الصراع وإمكانية الكفاح الثوري العنيف أو المسلح. هذا الوضع يقود الى أن يكون الباحث أو المفكر متأثراً بعدد من المدارس والتيارات في تركيب فكرته. لذلك فهو تبشيري لاتصافه بالعمومية إن لم نقل بالشعاراتية والمثالية، وتأويلي لأنه مرتكز أكثر على الكتاب المقدس ويستنجد به في قبول أو رفض الأفكار الأخرى. ويمثل الاتجاه الثاني في التوفيقية والذي يحاول أن يعطي الغلبة للفكر الديني على الأفكار الإنسانية. لم نطرح السؤال الأولي عن شروط إدراج شخص ما ضمن لاهوت التحرير عموما، واكتفينا باتخاذ الموقف النقدي من الواقع - في بعض الأحيان - والممارسة المنحازة لجانب المضطهدين والانخراط في عمل سياسي - متفاوت العمق والسعة - يترجم الانحياز الى عمل يومي، كأداة للتصنيف لذلك قد يكون تعريف دوسيل مدخلا شاملا لأفراد هذا التيار: «هذا اللاهوت هو في الحقيقة خطاب نقي نظري يطرح الأسئلة التقليدية ذاتها: الخطيئة، الخلاص، دراسة المسيح، الأسرار المقدسة... الخ، وإنما على صعيد ملموس ومناسب. فهو لا ينكر المجرد (الخطيئة في ذاتها...)، لكنه يضعه في شروط الواقع التاريخي الملموس (خطايا التبعية..)»65.
نستطيع أن نضع الفيس (Rubem Alves) ممثلا رائدا لهذا الاتجاه رغم أن البعض يصنفه ماركسيا ولكن هذا يعود الى تأثره الشديد بالفكر الأوربي خاصة وقد عاصر حركة النقد الاجتماعي والرفض وتمرد الشباب في نهاية الستينات. فقد قدم أطروحته الجامعية في برنستون عام 1968 تحت عنوان «نحو لاهوت للتحرير» والتي نشرت باسم: «لاهوت الأمل الإنساني»66 ويظهر فيها انعكاس المناخ الفكري العام لتلك الفترة، وعلى وجه أخص تفكير لاهوت الأمل الأوربي الذي نجده في المدرسة الألمانية عند Pannemberys و Moltmann و Kaltahoff و Bloch بالإضافة لأثر ماركسية مدرسة فرانكفورت وبالذات ماركوزه Marcuse.
وينطلق ألفيس من البعد القيامي (الآخروي) للتاريخ ومن هذه النظرة يفهم التاريخ مستقبليا ومفتوحا للبدايات الجديدة باعتبار الله هو الأمل في الانجاز النهائي أو الكمال الأخير. ومن هنا يرى بعض هؤلاء اللاهوتيين أن للخلاص الإنساني خاصية اجتماعية ومدفوع نحو العدل الاجتماعي والتحرر الإنساني. ويرى الله كقوة المستقبل التي تقود الإنسانية نحو تحقيق العدالة الاجتماعية67. وهذه نفس رؤية كالتهوف Kalthoff لمسيحية المستقبل التي تعطي قوة للفعل الاجتماعي في الحاضر، إذ يكتب: «يجيء الرب يقف أمام الباب! سيقيم مملكته.» ولأنه مازال في الدين إمكانات جديدة فهو يعتقد أن الكنيسة يجب أن تنظر الى الأمام وليس للخلف. ويقول: «أمامي النهار وخلفي الليل». هذه بذور جنينية للاهوت الأمل القائم على فكرة إن الإيمان بمستقبل مملكة الرب يجب أن يتحقق في الفعل الملموس الحالي68. لم يكن لتعاليم كالتهوف أي أثر سياسي يذكر ولكن مفهوم لاهوت الأمل كان من أكثر المفاهيم الفكرية المثمرة - حسب عدد من المفكرين - حتى جاء مولتمان Moltmann بعد خمسين سنة من موت كالتهوف وأعطى الأبعاد السياسية للاهوت الأمل مقلدا ماركس في المقولة الحادية عشر عن فيورباخ القائلة بأن مهمة الفلسفة ليست مجرد التفسير بل تغيير العالم واستخرج الجوانب السياسية للآخروية المسيحية. ويقول في هذا الصدد: «اللاهوتيون مهتمون ليس فقط بتقديم تفسير مختلف لعالم، التاريخ الإنساني، الطبيعة الإنسانية، ولكن تحويل كل ذلك حسب توقعات التحويل الإلهي»69. ويواصل مولتمان مضيفا أن التصالح مع الرب لا يعني فقط الخلاص الفردي وتجنب الشر في العالم وراحة الضمير الشقي، فالوجه الآخر للتصالح يتضمن تحقيق الأمل القيامي (الآخروي) للعدل وأنسنة الإنسان، تنشئة الإنسانية والسلام لكل الخليقة»70.
ويختلف الفيس مع مولتمان خاصة بعد أن أُتهم بأنه تلميذ أو مريد له. لذلك يحاول أن يقنع الآخرين باختلافه لدرجة المبالغة في الهجوم في كتاباته الاخيرة على مولتمان. فقد أخذ عليه تركيزه علي البعد المتعالى للآخرة وبالتالي يضع البعد الإنساني في المرتبة الثانية. فالأمل ليس شيئا متعاليا يؤمى للإنسانية من ما بعد ولكن الأمل هو امتداد الوعي الإنساني الذي ينظر إلى ما هو أبعد من اكتمال الموجود. ويدافع عما يسميه «الإنسانية السياسية» وهي عملية مبدعة، مفتوحة تؤكد باستمرار أن غدا أحسن، ويمكن تحقيقه. وهي تحتوي علي ثلاثة عناصر أو مكونات، أولا: ترفض نهائية وإطلاقية البنى غير الإنسانية القائمة، فهي لا تمثل بأي حال من الأحوال الفصل النهائي للتاريخ، ثانيا: يجب أن يستمر الانسان يأمل بأن المستقبل سيتضمن القضاء على كل أشكال الاستغلال الحالية. ثالثا: الإنسانية وحدها دون غيرها هي القادرة على التأثير في التغييرات الحالية، وعلى خلق بنى جديدة تستطيع تطوير العدل الإنساني. ولا يراهن الفيس علي نظام اجتماعي مثالي يمكن تحقيقه ولكن يرى إمكانية ظهور مجتمع أحسن من الحالي71. وهذه أهم إضافة أي تاريخية المسيحية والتي يُخضع لها أحداث الإنجيل. مثال ذلك إعادة قراءة الخروج والذي يتجلى فيه - حسب ألفيس - قوة للمستقبل تخرب الأمر الواقع بخلق مستقبل الحرية للبشر. هكذا يتجلى الرب، بالنسبة لوضع بنى إسرائيل، فالمعطيات الذاتية والموضوعية تظهر مستقبلا مغلقا بسبب القوة القامعة لمصر وعقلية العبودية عند الشعب. لولا ظهور الرب المتحرر من أي حتمية تاريخية والحر تماما ليصنع التاريخ72.
ويحاول الفيس أن يتحدث لغة الحرية - كما يقول - وهي علمانية كلية في طبيعتها لا تنظر أولا إلي ما بعد النجوم لتجد معنى للأرض. وهنا يقول - حسب تساؤل نقاده - أين الله في كل هذا؟ يؤكد أن الله هو القوة للأنسنة التي تظل مصممة على جعل البشر تاريخيا متحررين. ويستفيد - مثل رصفائه لاهوتي أمريكا اللاتينية - من مفهوم الإله المعاني (Suffering God) الذي يوجد بين الفقراء والمستضعفين، يعاني معهم، ثم يأمل مثلهم في خلق مستقبل أحسن. ويؤخذ عليه نفيه لأي تعال حين يصنف الرب بهذه الصورة، وبالتالي يصبح الرب عنده مجرد اسم آخر للمعاناة والأمل والحرية البشرية73. ويسعى لتأويل أي نص ليتفق مع لاهوت الأمل، لذلك حتى البعث هو رمز للطموحات البشرية وليس دليلا على حقيقة التعالي. وقد أجهد نفسه - كما يقول Ferm «ليجد لغة تنفي إما /أو وتؤكد كلا / وكمدخل للرب قد يجمع المتناقضين. وعليه مواجهة السؤال: هل يمكن أن يعمل الرب مستقلا عن الإنسانية أو الإنسانية مستقلة عن الرب؟ هل يلتقي الاثنان أم على ألفيس أن يعترف أنهما واحد ونفس الشيء؟74 وتتسم أفكاره بغموض وضبابية شديدة ويلفها في لغة شعرية ظاهرة حين يعجز عن تحديد وتدقيق مفاهيمه وفرضياته. فهو يكتب أحيانا: «اللاهوت هي محاولات جمع أوراق الزهور التي تمزقت باستمرار في عالم لا يحب الزهور». أو «لم تتحقق أحلام العمر. نعيش وسط حطام توقعاتنا الدينية، ظهورنا للحائط ولا مهرب. الخروج الذي قد حلمنا به قد أجهض. بدلا عن ذلك نجد أنفسنا في موضع النفي والأسر»75.
وتفرعت أفكار ألفيس وتشابكت متأثرة بتيارات فكرية عديدة - بالذات في السبعينات - لدرجة أبعدته كثيرا عن اللاهوت، والذي يعتبره نسبيا لدرجة بعيدة، إذ يقول: «أن الحقيقة ليست ما تقوله الكنيسة، ولكن الحقيقة اسم أعطته جماعة تاريخية تملك الأفعال التاريخية كانت وستكون فعالة في تحرير الإنسان. الحقيقة هي الفعل»76. هنا يظهر تطور جديد في تفكيره يتسم باليأس متأثرا في مجمله بالوجودية والمدرسة النقدية والفرويدية. وحسب الفيس لقد وصلنا مرحلة موت الالهة والأبطال. لقد تغلبت علينا ببساطة التكنولوجيا والبيروقراطية، ولا توجد مرتكزات مرجعية ولا منطق في تفاؤل مشترك لمستقبل أحسن. ومع ذلك ورغم معرفتنا أن آمالنا التاريخية لن تتحقق. لا نستطيع أن نعيش دون أمل، ويقول في إبهام مغرق في اللامعنى يجب أن نأمل ضد الأمل! ويصبح الدين في نظره مسألة خيال وأحلام تساعدنا فقط على البقاء في عالم خشن قاس محروم من الحب والعدل. وينتقل الى ما يسميه «لاهوت الأسر» (Theology of Captivity) الذي يرفض قبول العالم حسب شروطه أي حسب الأمر الواقع، مع علمه بأن عالما جديدا أحسن لن يكون حقيقة. ومع ذلك يرى أن هؤلاء الذين ليست لهم أحلام، ضائعون!77 وهنا يتقاطع مع فرويد حين يقرر في أحد كتبه الأخيرة بأن الكيانات الدينية كيانات وهمية، وأن العقيدة الدينية هن في الواقع رغبة تريد أن تكون حقيقة. هذا ما قاد George Hunsinger إلى أن يتهم الفيس قائلا: «لم يغد لديه ما يقدمه للعالم غير بعض الاقتباسات من فيورباخ ونيتشة.»78 يمكن القول بأن الفيس انتهى الى أن الكل عبث وقبض ريح ويصل الي قدرية تامة، يحاول البعض أن ينظر اليها بشيء من الانصاف والتقدير ويرى أن هذه المواقف القدرية والعبثية هي نتيجة طبيعية لسنوات ألم النضال ضد قوى الاضطهاد في أمريكا اللاتينية والتي صارت أكثر ضراوة ولم تهزم تماما كما حلم وتوقع المناضلون منذ زمن طويل79.
يعتبر J.B. Libânio من عناصر هذا التيار بسبب ضعف التحليل الاجتماعي وشكل العمل السياسي المطلوب فهو يرى أن الصلاة والسياسة متلازمان ويرى أن لكل فعل ديني مدلوله السياسي. فالصلاة ذات فضائل لاهوتية تُكون المناخ الروحي لما يسميه الفطنة، وفي رؤيته الخاصة يبحث عن توسطات ملموسة تمكن من تحقيق مملكة الرب والتي هي ثمرة هبه الله والنشاط الإنساني معا - أي نعمة إلهية وقرار إنساني لذلك تحقق دورا هاما. ويرى أن الصلاة مبيّنة أو مُجلية أو مفسرة للعقيدة. فالعقيدة التزام حياتي كامل وارتباط بشخص المسيح الذي أعلن ملكوت الله فالصلاة تصلنا بالمسيح لأنها تحتوي كل الحياة بما في ذلك تفكيرنا وتكوين آرائنا ورغباتنا ورؤيتنا للأشياء. ويعدد إيجابيات الصلاة في الكشف عن جوانب روحية تثبت تلك الفطنة الخالية من الشوائب. ثانيا يرى الصلاة حافزا لأمل، إذ يقول بأنه حين نفسر حقيقة معينة بواسطة مفتاح العقيدة. عندها نبحث عن معنى يتعالى على إدراكاتنا الصغيرة لأن العقيدة تشير الى الأشمل. ويدخل الأمل في الصورة على أساس أنه ذلك الذي يجعل التاريخ ملموسا وعيانيا، كذلك ينفي إطلاقية الإيديولوجيا التي تعطيها لنظرة جزئية للحقيقة. فالأمل كإعلان عن المستقبل الجديد، غير المرئي ولا المحوّر، يؤدي وظيفة نقدية. ويكون القوة الدافعة في التاريخ التي تعطي معنى للتطلعات الإنسانية للرفاقية والعدل والتضامن. ومن خلال بنيته الآخروية/ القيامية الأصيلة «للآن» «والذي لم يأت بعد»، يؤكد الأمل في وجود مملكة الرب بيننا، والخاصية المطلقة للتدخل الإلهي في التاريخ. كما يؤكد الانتصار الحتمي لرحمة المسيح في الأسرار الكنسية والكلمة وأفعال الكنيسة وعلامات البر والخير. وفي النهاية الانتصار الأخير للمسيح على الموت والخطئية. ويقرر الأمل أن الله - في المسيح - قال كلمته الحاسمة والتي لا تُرد فيما يخص العالم والتاريخ، وأن تأثير تلك الكلمة يصوغ التاريخ كل يوم في مهمتنا للتحرير. والصلاة تقدح الأمل فينا والذي تدعمه فطنة غير محجوبة في عالم مهدد بالتشككية والخوف وعدم الأمان. ثالثا تطهر الصلاة الصدقة والإحسان، فالفطنة تحدث فقط ضمن الإحسان والحب. فالإحسان كممارسة تحررية، هو مصدر الفطنة80.
وهذا تيار موجود في لاهوت التحرير رغم محدودية تأثيره لأنه أصلا عاجز عن توصيل الكثير للجماهير أو حتى الصفوة لأن مثل هذا التفسير يتسم بذاتية مغلقة تقوم على تجربة فردية بحتة يتكرر مثل هذا النمط من التفكير عند الكثيرين في محاولة تجديد الفهم الديني، إذ ينجذب أصحابه الى اللغة والتأويل والتخريجات مما يبعدهم تماما عن النص والواقع معا. مثل هذه المحاولات موجودة عند التراثيين الجدد المسلمين أيضا بهدف تقريب الدين من التطور والتقدم الذي يعيشه العالم المعاصر - على الأقل في مجالات العلوم والآداب والفنون والتنظيم والصناعات. وتواجه هذه المحاولات بصعوبة التوفيق بين ميدانين لكل منهما سياق معرفي مختلف وطرق تواصل متمايزة. يقوم آخرون بتوظيف التأويل لدرجة ترفعه الى مستوى تحريضي جديد وقد تجعل الأصل الانجيلي بعيدا أو على الأقل ليس بالضرورة من الممكن نسبة الأفكار الى الانجيل إلا بغرض إقناع المسيحيين بأن الأفكار الجديدة هي أفكارهم الخاصة.
وعرف كرواتو (José Severino Croatto) بقدرته على عرض تأويل إنجيلي يقارب واقع أمريكا اللاتينية. وهو يكتب بجرأة وإصرار عن الإمكانية المفتوحة تماما للتأويل وبأنه لا توجد مسيحية مغلقة أو سلطة معرفية مطلقة، فالتاريخ والواقع ينتجان باستمرار فهما جديدا ومختلفا للإنجيل وكل لاهوتيات التحرير - بمعنى التي تركز علي التحرير الاجتماعي - السياسي أو الديني أو السود أو المرأة - تسعى من خلال الكتاب المقدس للكشف عن إله محرر يقف مع العدل والوعي. ويرى أن كل الكتاب المقدس هو عرض لمعركة صراع آلهة أو بين الخير والشر (يهوه والالهة المضطهدة). ويلتقي مع ليوناردو بوف (L. Boff) في رسم صورة للمسيح ككاشف للقيم الإنسانية يبحث عن المضطهدين لأنه يعرف جيدا معنى أن تكون مهمشا ومحتقرا من قبل المستغلين والمضطهدين. كذلك قارن بين زمن المسيح وواقع العالم الثالث الراهن81. وهي تماثلات تذكر الأحيان بما يسمى أحيانا عند بعض الإسلامويين بجاهلية القرن العشرين. وهذه المقارنة أو التماثلات لا تاريخية ومشحونة بالإيديولوجي، ويمكن أن تستعمل من قبل الرجعيين والتقدميين معا.
ونجد في نفس التيار اليسا تاميز (Elsa Tames) وهي من لاهوتيي التحرير الذين حاولوا تطوير تأويل إنجيلي يركز على مضطهدي أمريكا اللاتينية. وفي كتاب بعنوان: «انجيل المضطهدين»82 قدمت عرضا قويا لموضوع المضطهدين في الانجيل تجاه الأغنياء وعلاقة ذلك بأمريكا اللاتينية أي دراما الانجيل كصراع مستمر بين الفقراء من جهة والأغنياء والمنعمين من جانب آخر. هذا شكل للصراع - كما تقول - لا نجده في أمريكا الشمالية وغرب أوربا. تعتبر من القلائل الذين عالجوا الانشوية أو الجنسانية (Sexism) كشكل رئيسي للاضطهاد. وأخذت من الإنجيل قصة هاجر Hagar التي عانت اضطهاد ثلاثي الجوانب بسبب الطبقة واللون والجنس. وفي عرض حديث لتسبيحة العذراء Magnificat (إنجيل لوقا) تختم اليسا تاميز مخاطبة الرب: - «لقد خلقتنا سودا وصفرا وبيضا وملونين، نساء ورجالا، نحمدك لأنك - في وسط الاضطهاد والاختيارات والمحن والألم والظلم الذي سببه البشر المخطئون - فأنت تحكم كمنعم. وفي بعث المسيح لقد أريتنا أن المعاناة ليست النهاية بل أنت المحرر الأعلى والأخير83.
هناك تأويلات أخرى تقدم قضايا مركزية مخالفة مثل تلك التي نجدها عند إرسكين (Noel Leo Erskine) الذي حاول ربط لاهوت التحرير بالسياق الكاريبي واهتم بالعرقية أكثر. ففي كتابه «اللاهوت غير المستعمر، منظور كاريبي»84 طور فكرة تقول بأنه كما فسر الكاريبيون من قبل خطأ العالم الأول قد يتكرر مرة أخرى تفسيرهم الخطأ من خلال عدسات لاتين أمريكية. تابع تجربة العبودية في جامايكا والتي تختلف عن الولايات المتحدة الأمريكية. وقال عن نزع الاستعمارية عن اللاهوت ويعني المضي أكثر من تحليل المعطيات الاقتصادية - الاجتماعية والفوارق الطبقية، فالتحرر من الاضطهاد الاقتصادي جزء من المهمة ولابد أن تكون الحرية المتكاملة هي غاية التحرير85.
تلتقي (Beatriz Melano Couch) مع الفكرة الأخيرة ولكن مع التأكيد على الأنثوية أو الجنسانية على أساس أن التحرير يتعدى الاقتصادوي ليشمل مكونات مثل الجنس والعرق. أما مساهمتها الحقيقية فهي تطوير تأويل جديد اسمته «تأويل الشك والذي حذر من الاعتقاد بأن أفكارنا أو رؤيتنا خالية من التعصب. فإن عنصر الشك هذا لو أخذ بجدية يقود حتما الى «تأويل الأمل» - الأمل في أن معرفة أكثر صراحة وإخلاصا لوضع اجتماعي معين تقود الى قراءة أدق للنص المقدس. هذا الإحساس بالأمل يفتح بالتالي الطريق لتأويل الالتزام والانخراط (hermeneutic of engagement) حيث ننذر أنفسنا للتغلب على شرور العالم. فالالتزام ضروري لأنه من الوهم تصور أن يكون المرء محايدا: إما حلفاء للمضطهدين أو أصدقاء للمستغلين. لا ترى نفسها أنثوية، ولكنها فرد في لاهوت التحرير تعمل مع الرجال - في حوار وصراع معا - على طريق مشترك86.
وهذا التيار يضم العديد من المفكرين إذ يبدو وكأنه أساس لاهوت التحرير الذي يعني إعادة قراءة الإنجيل بعيون الفقراء والمضطهدين ويأتي الاختلاف من درجة بروز الواقع علي النص ومدى الحساسية للتحرير مهما كانت العقبات. من هذا الفهم تندرج شخصيات مثل هانكس Thomas Hanks الذي أصدر كتاب تأويل إنجيلي من منظور تبشيري مع ميول تحريرية87 وللكتاب أهمية خاصة للمسيحيين الانجيليكانيين الذين يفرغون لاهوت التحرير من مضمونه الحيوي بإدانة العنف، يقول بسخرية: «أن السلمية سائدة في الممارسة بأمريكا اللاتينية أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية حيث يمكن أن يبارك القساوسة النابالم في فيتنام، والدعوة للقنابل النيترونية في أوربا، ويغنون: إلى الأمام أيها الجنود! كلما غزا المارينز أي مكان - دون إظهار أي استغراب»88.
وهناك تفسير يتكرر كثيرا في التأويلات سواء ضمن هذا التيار أو خارجه، ويقوم على فكرة الصنمية والإلحاد. نورد كمثال Antonio Perez Esclarin لعرض هذا التأويل: فقد رأى أن أهم مساهمة للاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية هي المعنى الجديد الذي أعطاه لمفهوم الإله المحرر ويعتقد أن الصنمية التي تَظْن أنها إيمان - أسوأ من الإلحاد. ويكتب عن الإله - الصنمي الذي تؤمن به الجماهير «هو إله الأبيض المنتصر القاهر، الإله الذي يتوقع الخضوع من المستعبدين... إله المستعمرين الذي ينكرون الإنسانية والعدالة على مستعمَرهم. لذلك يرى أن من الأحسن كثيرا أن تكون ملحدا من أن تؤمن بمثل هذا الإله! فالإله الحقيقي الذي تناسخ في المسيح يعطينا تجسيدا حيا للمعنى الملموس للتحرير. طور الفكرة في القصة المثل "Jesus of Gramoven" إذ يحكي عن مسيح Rodriguez من سكان أحياء كاراكاس الفقيرة، والذي اختطف في الأخير كشيوعي نشط واختفى حتى اليوم89.
4. لاهوت التحرير في إفريقيا وآسيا
رغم تأكيدنا على أن لاهوت التحرير ليس مقتصرا على ظروف أمريكا اللاتينية، لكنا ركزنا بشدة على تطوره في تلك المنطقة. فقد حقق لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية أثرا واضحا على تطور الكنيسة والدين المسيحي عموما على مستوى التجديد الفكري واستحداث وظائف ومهام جديدة وخلق علاقات مع التيارات الفكرية والسياسية الأخرى، وابتدع وسائل عمل اجتماعي - سياسي مؤثر. وأصبح يتبادر للذهن أن لاهوت التحرير يطابق دائما لاهوت أمريكا اللاتينية الجديد، ولكنه في حقيقة الأمر تجاوز الإقليمية الدينية ليثبت مبادئ جديدة في فهم المسيحية بل والدين عامة. فهو يتجاوز الفهم التقليدي المرتبط بقوة الأمر الواقع ليضيف طرقا جديدة تمكن من الوصول لحياة أفضل ودلالة لاهوت التحرير التاريخية هي في كونه أول لاهوت ينشأ ويتطور في الهامش على أسس أسئلة تهم الهامش أو المحيط ولكنها ذات آثار عالمية وعامة. كما يقول Boff هو الصرخة الواضحة للمضطهدين، للبرابرة الجدد الذين يدقون على بوابات امبراطورية الوفرة عند المركز، مطالبة بالإنسانية والتضامن وفرص الحياة في كرامة وسلام. والآن تتحقق هذه الغايات فقط بعد نضال قاس للتحرير تحاول العقيدة المسيحية أن تعطي مساهمتها فيه90. ويضيف بوف بأن لاهوت التحرير يضع في أجنده النقاش كل الأسئلة التي تهم كل البشر مهما كانت ميولهم الايديولوجية أو ارتباطاتهم الدينية. وتعني كل أولئك الذين لديهم بارقة إنسانية باقية ليعتبروا مشكلات الملايين من الفقراء، ويسعون للعدل العالمي ويهتمون بمستقبل معذبي الأرض.
ويجد الكثيرون في لاهوت التحرير ما يقابل تطلعاتهم في رفض الاضطهاد والاستغلال واللامساواة في أشكالها المختلفة، كما ينسب نفسه إلى التاريخ المعاصر ولا يبقى في عزلة مجيدة أو يبقى في أبراج الكهنة العاجية، ولكنه يعمل ضمن اليومي ويتشبث بالحياة العادية للبسطاء حيث يتقرر مصيرهم على الأرض وليس في السماء فقط. ويجبر اللاهوتيين على العمل المحدد للمشكلات الحياتية الحقيقية ولمجتمع العقيدة بدلا عن الموضوعات الكلاسيكية التي ثبتها التقليد اللاهوتي. لذلك أعاد لاهوت التحرير للإنجيل مصداقيته لأنه أصلا لاهوت شعبي لجموع المضطهدين والمسحوقين يعدهم بالخلاص رغم التضحيات، وهذا ما يجعله خالدا وصالحا، فهو خادم العقيدة التي تعمل بالإحسان وتلهم بالأمل، لذلك يحكم عليه حسب القدرة على التحرير91. من هنا تأتي مداخل ومقاربات مناطق جغرافية أخرى ذات أوضاع ومشكلات مختلفة في شكلها وسيرورتها ولكن مصدرها واحد: انعدام المساواة أو بسبب الظلم المؤسس. إيجابا، تلتقي حول توق التحرير كطموح جارف نحو انسانية جديدة تبحث عن تحرير شامل ينفي الاغتراب. فالبحث عن لاهوت تاريخي وملتزم بقضايا دنيوية مع الآخروية؛ هو المعيار الذي نستطيع بواسطته تحديد لاهوت تحرير في آسيا وافريقيا.
بدأ تخلي الكنيسة عن المنحى التقليدي، المدرسي في اللاهوت، منذ مجلس الفاتيكان الثاني، تحت ضغط المتغيرات السريعة والمتواترة التي يعيشها العالم. وواجهت الكنيسة تحدي التكيف والمواكبة بل وإيجاد الحلول الأصلية والناجعة على ضوء العقيدة. وابتداء من ذلك الحين تم ترسيخ مبدأ الحوار والاجتهاد بأصوات مختلفة بسبب تنوع الخبرات والرؤى، ولكنها تكمل تطور لاهوت التحرير. فعلى سبيل المثال اهتم لاهوتيو افريقيا وآسيا بالجوانب الثقافية أكثر، من زوايا وإضاءات مختلفة، فقد تأمل لاهوتيو افريقيا في ضرورة التكامل الثقافي للعقيدة والكنيسة في القارة الافريقية. ولم يقتبسوا من أمريكا اللاتينية ولكن هناك تبادلات معهم ساعدت في إثراء تيار الفكر المحلي الموجود أصلا. فقد تجذر لاهوت التحرير في زائير وتنزانيا وغانا وجنوب افريقيا. وفي الأخيرة لعبت الكنائس دورا واضحا في النضال ضد الفصل العنصري. فقد كان «لاهوت التحرير الأسود» واللاهوت السياقي» Con-textual théology أكثر التيارات الملتزمة عمقا في النضال. وقد استفاد لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية من هذه الجوانب الثقافية والعرقية92.
فقد ارتبطت المسيحية في افريقيا بالاستعمار الأوربي. فقد جاءت الإرساليات مع الجيوش الاستعمارية، عدا الكنيسة القبطية الممعنة في القدم والمحلية، تكملة لادعاء حضاري يتحدث عن عبء الرجل الأبيض في النهوض بالمجتمعات التي تسمى بدائية. ولكن تاريخ الكنيسة ارتبط بالعنصرية وتجارة الرقيق أحيانا أو علاقة البيض والسود غير المتكافئة. لذلك أضاف اللاهوتيون الأفارقة للاهتمام بالاضطهاد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي - كما في أمريكا اللاتينية - الاضطهاد العرقي. وانتقدوا إهمال رصفائهم في أمريكا اللاتينية للجانب العنصري كمكون هام لأي لاهوت تحرير93، لدرجة أن كاتبا مثل كون James Cone يقول بأن تركيز لاهوتيي أمريكا اللاتينية على الصراع الطبقي دون ذكر الاضطهاد العرقي يجعل اللاهوتيين السود يشككون في هوية أولئك الأوروبية البيضاء أي يظنون انتماءهم لها94. ويلاحظ تكري Ruvimbo Tekere (من زيمبابوي) أن حقيقة تجاهل ثقافات الهنود والسود توحي بأسباب غيابهم من المشاركة الكبيرة في حياة أمريكا اللاتينية، فالمساهمات الثقافية الغنية للهنود والسود تم تجاهلها بواسطة كنيسة متماشية مع الطبقة المسيطرة الحاكمة95.
تفرع وتعمق النقاش بين لاهوتيي التحرير من خلال قنوات منظمة، ففي 1976 بعد حوار أولي في دار السلام (تانزانيا) تم إنشاء «الجمعية المسكونية للاهوتي العالم الثالث» والتي عقدت عددا من المؤتمرات. والتقت الجمعية الجديدة عام 1977 في أكرا (غانا) ثم اجتمعت مرة أخرى عام 1979 في مدينة (سري لانكا). وكان المؤتمر الرابع في سان باولو (البرازيل) عام 1980، والخامس في نيودلهي (الهند) عام 1981 والسادس - الذي ضم لأول مرة ممثلين من العالم «الأول» والثالث - انعقد في جنيف عام 198396. فظهر في هذه اللقاءات التي نشرت في عدد من الكتب قدر من الخصوصية والتمايز بين قارات العالم وبالتالي بين الثقافات والأوضاع الاجتماعية المتباينة. فقد كانت نقطة انطلاق لاهوت «التحرير» الافريقي قائمة على بعد قاعدي أي تحتي لثقافة معينة يدور فيها صراع حياة أو موت لعدد من الشعوب والأعراق المضطهدة. بينما يؤسس الآسيويون لاهوتهم على إعادة قراءة المسيحية على هامش التراث الثقافي للحضارة الغربية وفي حوار مع الأديان الكبرى في الشرق بالذات في الصين والهند. وفي البداية كان الاتكاء على لاهوت التحرير الامريكي اللاتيني بارزا ولكن التأثير صار متبادلا، لأن الأخير بدأ بدوره يغتني من الحساسية لقيم الأديان الشرقية الكبرى والمنحى الصوفي لتلك الأديان. واتسعت الدائرة لتشمل روافد عديدة تحمل سمات خاصة حسب ظروفها، ففي الولايات المتحدة الأمريكية تأسس لاهوت التحرير الأسود على تأييد الحقوق المدنية واهتم لاهوت «التحرير» في العالم الصناعي بمسؤوليته تجاه العالم الثالث بالإضافة لمشاكل الفقراء الجدد في المجتمع الصناعي وقضايا الشباب، العجزة، العمال المهاجرين والمدمنين وموضوعات البيئة والذرة. كما انتشر هناك لاهوت التحرير الأنثوي الذي يرى تحرير المرأة كبعد تكاملي للتحرير الشامل، ويفهم الصلة بين الاضطهاد الجنسي والاقتصادي وبالتالي قد يمثل القوة السياسية لحركة نسوية تنتشر بين كل طبقات المجتمع تحاول إلغاء العنصر الجنسي في اللاهوت التقليدي وإعادة النظر في كل العقيدة من وجهة نظر أنثوية. بالإضافة لتأثير لاهوت التحرير المتزايد في جيوب التخلف في المجتمعات الصناعية مثل الثلاثين مليون من ذوي الأصول الاسبانية في الولايات المتحدة أي المكسيك - الأمريكان والمهاجرين المكسيك97. بالنسبة للكتلة الشرقية فقد كانت المعلومات ضئيلة كما أن القضية اللاهوتية في الأصل ثانوية أو مختلفة تماما. رغم ذلك فقد حدث لقاء بين ممثلين للدول «الاشتراكية» وبعض لاهوتيي أمريكا اللاتينية في Matanza بكوبا يناير 1979 لمناقشة المسؤوليات الاجتماعية للعقيدة المسيحية تجاه تحديات العصر. ونستنتج من ذلك أن لاهوت التحرير ليس مجرد لاهوت جزئي أو إقليمي بل صار شاملا ومؤثرا في كل العالم المعاصر.
أ. لاهوت التحرير الإفريقي
يمكن أن نميز بين اتجاهين داخل لاهوت التحرير الافريقي مع وجود بعض خيوط التلاقي الفكري في بعض المواقف أو التحليلات: تيار يتركز في افريقيا الجنوبية ويهتم بقضة العنصرية كبؤرة مركزية للمشكلات الأخرى وتتفاوت المعالجة بمقدار الاهتمام بقضايا مرافقة ومكملة للتحليل العرقي بالذات الصراع الطبقي والفقر. أما التيار الثاني فهو يتجه نحو قيام كنيسة افريقية مستقلة مع اهتمام خاص بالثقافات المحلية؛ بمعنى أن يكون الموروث الثقافي الوطني مكونا معتبرا في اللاهوت الافريقي. فالأديان والمعتقدات المحلية لا بد أن تدمج بطريقة أو بأخرى ضمن تعاليم الكنيسة الإفريقية. ورأت أن ينظر لها بتقدير من قبل اللاهوتيين الرسميين فقد كانت الإرساليات تحتقر تلك المعتقدات ونظرت للأفارقة كوثنيين ورأت أن «إفريقيا إمبراطوية الشيطان»98. ولكنها تراجعت الآن بعد أن فشلت في التعامل مع الموروث الديني الإفريقي وابتعدت عن الناس العادييين وانحصرت ضمن الصفوة. وإن كانت هناك بعض العادات التي يصعب التعامل معها بهدف تمثلها داخل العقيدة المسيحية مثل تعدد الزوجات. تيار التوطين أو المحلية تعرض الى اتهام بأن العودة الي الجذور قد تصرف النظر عن القضايا العرقية والاجتماعية - الاقتصادي الأساسية. وهنا يبرز مدخلان عند دعاة المحلية أو التوطين إما باعتبارها طريقة لاستعارة تراثهم الثقافي أو تفضيل المحلية كسبيل ووسيلة لتحرير المضطهدين. والموقف الأخير يرى أن المدخل الأول ليس لاهوتا للتحرير بالمعنى الحقيقي ويلاحظ بالفعل أنه أقل التزاما بالقضايا الاجتماعية الممهدة للتحرير الإنساني99. ويفهم (Muzorewa) هذه الاختلافات بصورة إيجابية، متسائلا: ليس واضحا لماذا يميل غالبية اللاهوتيين إلى الخجل من تسيس لاهوتهم. فكلاهما مهتم باستعادة الصورة الطيبة للانسانية الإفريقية والتي شوهت كثيرا بواسطة الأوربيين والأمريكيين البيض100.
ونواجه بجدل مستمر حول التفريق بين لاهوت إفريقي ولاهوت أسود إفريقي. يقول John Mbiti أن مصطلح «لاهوت إفريقي» ظهر لأول مرة عام 1956 ولكن Muzorewa يرى أن البداية الرسمية للاهوت الإفريقي يمكن إرجاعها إلى قيام مجلس كنائس كل افريقيا (AACC) عام 1963. ويرى أن المصطلحين هما تعبيرات عن تأكيدين مختلفين - في نفس درجة الأهمية - ضمن لاهوت تحرير شامل. وأي نقد حول نقطة التركيز غير مجد، لأننا لو نقدنا بعض أشكال اللاهوت خارج جنوب إفريقيا بسبب تركيزها علي المحلية أو الوطنية الثقافية وإهمال الالتزام بالقضايا الاجتماعية، يمكن أيضا وبنفس المعيار أن ننقد أغلب لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية في تأكيده على المسائل الاجتماعية وإغفال المحلية أو التوطين. ويرى Tekere أن تزاوج هاتين الثقافتين أي التقليدية والمسيحية، مسألة حاسمة للاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية. فالثقافة التقليدية أو الوطنية ليست معادية للانجيل. بهذا التلاقي فقط وحين يحس المضطهد والمسيطر بأن لديهم موروثا يسهم إيجابا في تشكيل الحاضر، هنا سيشاركون كاملا في الكنيسة المسيحية، بدون الانفصام في الهوية بين «مسيحي» و«وثني»101.
منذ أن وصل الهولنديون جنوب إفريقيا كمستوطنين بيض عام 1652 ثم دخول اتحاد جنوب إفريقيا في الكومونويلث عام 1915 وحتى اليوم، تشهد تلك المنطقة اضطهادا منقطع النظير. وانعكست هيمنة البيض على الدين والكنيسة، وتم توظيف الدين من أجل تكريس الأوضاع اللاإنسانية السائدة. فالهدف هو بناء أمة مسيحية ومن البديهي أن تساندها الكنائس المسيحية. واستمرت الكنيسة الهولندية الإصلاحية الأكبر والأهم والتي تسمى عند البعض «حزب الوطنيين في حالة صلاة». وهنا يمكن أن نتوقف عند الجانب الآخر للدين أو الكنيسة، إمكانية توظيف العقيدة في تكريس الاضطهاد والتفرقة العنصرية. فقد قام نظام الفصل العنصري علي يد نظام يرى نفسه حكومة دينية (ثيوقراطية) مسيحية، ومنذ استلام «الوطنيين» المستوطنين (Afrikaner) السلطة اعتبرت الكنيسة الإصلاحية الهولندية (Dutch Reformed Ch.) نفسها ضمن القيادة السياسية102.
وقد قابلت شراسة الحكم العنصري في جنوب إفريقيا محاولات مستمرة للنهوض وإيقاظ الوعي بين السود وتنظيم أنفسهم ضد السلطة العنصرية، وكان المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC) أول هذه الاشكال المقاومة في مجال السياسة. وازدادت المقاومة في الستينات مع صعود حركة التحرر الوطني في كل العالم ونيل عدد من الشعوب المستعمرة استقلالها، وفي هذه الأجواء كانت مذبحة شاربقيل (1960). ولكن المؤتمر الوطني بقيادة البرت لوتلي (Luthli) رغم ناشطه الواسع استمر في رفض الكفاح المسلح. من جانب آخر تأسست الحركة المسيحية الجامعية (UCM) عام 1967 وجذبت أعدادا كبيرة من الطلاب السود بسبب رغبتها في الوقوف الى جانب القضايا السياسية والاجتماعية وهي حركة مختلطة متعددة الأجناس. ولكن بعض الطلاب السود انسحبوا من الحركة وكونوا بإيحاء وتوجيه من بيكو Steve Biko تنظيما للطلاب السود (South African Students Organization) (SASO). وهناك مؤسسة أخرى ساهمت في نشر الوعي بين السود وهي المعهد المسيحي (Christian Institute) الذي أسس عام 1963 وصار فيما بعد جزءا من مجلس كنائس جنوب إفريقيا. وأصدر في عام 1968 رسالة الي شعب جنوب إفريقيا كإدانة للتفرقة العنصرية. ولعب المعهد دورا نشطا ومؤثرا حتى إغلاقه بالقوة عام 1977، وعلى الصعيد اللاهوتي كان المقابل للاهوت التحرير الأمريكي - اللاتيني في جنوب إفريقيا بطرح التحدي للمسيحيين بأن يقبلوا وصية النص المقدس ليكونوا ويعملوا مع الفقراء وكان تهديده الحقيقي في الدعوة للتغيير الجذري في المجتمع103.
كانت بدايات اللاهوت الأسود معاصرة للاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية أي مطلع السبعينات حين ازدهرت حركة التأليف والنشر والتنظيم والدعوة. وكان أول الكتب في هذا المجال في جنوب إفريقيا هو المؤلف الذي حرره مور (Basil Moore) ومنع من التوزيع والتداول. وفي إجابة عن السؤال: ما هو اللاهوت الأسود؟ يقول أن المصطلح ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر الستينات ولكنه منطبق الآن على أوضاع جنوب إفريقيا حيث يواجه السود المشاكل الخانقة للاضطهاد، الخوف، الجوع، الإساءة واللاإنسانية. ويحاول اللاهوت الأسود أن يفهم بكل وضوح ممكن من هي هذه الفئة وما هي تجاربها الحياتية وما هي طبيعة وأسباب معاناتها. هذه حقيقة اللاهوت الأسود التي لا يمكن إغفالها. وأشار الي مفهوم «المسيح أسود» في إشارة الي تماهي واندماج الله مع المضطهدين104.
وظهرت أسماء رائدة في جنوب إفريقيا اجتهدت في الوصول الى لاهوت أسود يرتبط بالواقع ويسعى إلى مستقبل خال من المشكلات والسلبية الحالية من خلال فهم جديد للكتاب المقدس يحلل الفصل العنصري والشرور الموجودة في مجتمع الفصل العنصري. ويعتبر بيكو أهم هذه الرموز والذي وصل لدرجة التضحية بروحه فداء لقضيته. فقد كان من المؤسسين لمنظمة طلاب جنوب إفريقيا (SASO) - كما أسلفنا - ويظهر في بيانهم عن الوعي الأسود مضمون فكرة الوعي/ اللاهوت الأسود. ويبدأ البيان بتأكيد الهوية أو الشخصية السوداء لأن من مبادئ الوعي الأسود - في رأيهم - رفض الإنسان الأسود لكل نظم القيم التي تجعل منه أجنبيا في وطنه وتقلل من كرامته الإنسانية الأساسية، وعلى الإنسان الأسود أن يبني نظام قيمه الخاص محددا لذاته بنفسه وليس بواسطة الآخرين. ويتضمن البيان مفهوم الوعي الأسود للقوة التي يمتلكها السود كجماعة - قوة اقتصادية وسياسية، وهكذا يكون تماسك وتضامن الجماعة جانبا هاما في الوعي الأسود، ويدعم الوعي الأسود بالاندماج الشامل والمتزايد للمضطهدين وهذا يتطلب نشر رسالته لتصل كل قطاعات الجماعة السوداء105. ويرى بيكو أن دور اللاهوت الأسود أن يعطي جنوب إفريقيا وجها أكثر إنسانية، والمشكلة الأساسية في جنوب إفريقيا - حسب رأيه - ليست الصراع الطبقي ولكن العنصرية. وهذا فرق هام مع لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، قد يكون التطور التاريخي مختلفا ولكن لاهوتيي جنوب إفريقيا السود المتحررين لا يغفرون هذا النقص الذي يبعد أعدادا كبيرة من السود عن دائرة اهتمامه. ودعا بيكو السود الى تأكيد كرامة الجماعة وأن يعرفوا أنفسهم وقيمهم حسب معاييرهم وأحكامهم الذاتية. ورأى أن التقييم الجديد للإنجيل سيجد أن الله والمسيح يقفان الى جانب المضطهدين. واعتقل بيكو في السادس من سبتمبر 1977 وعذب في سجن ببورت اليزابيث في محافظة الكاب حتى توفي بعد ستة أيام نتيجة التعذيب.
ومن الشخصيات الهامة القس ديزموند توتو Tutu وهو - كما يقول Ferm - محارب من أجل الكرامة الإنسانية ومؤيد قوي للاهوت جنوب افريقي. ويستنكر معاناة السود على يد مسيحيين بيض وليس من وثنيين أو غير مؤمنين مع أنه يفترض أن إله المسيحيين السود والبيض واحد. لذلك اعتبر مبدئيا أن التمييز العنصري شر ولا أخلاقي، ولذلك غير مسيحي106. ويسير بوساك Boersak في نفس الطريق حين يعرف اللاهوت الأسود بأنه التأمل اللاهوتي للمسيحيين السود في وضعهم المعاش وكفاحهم من أجل التحرير. ويتساءل: «ماذا يعني الإيمان بالمسيح حين يكون الشخص أسودا ويعيش في عالم يسيطر عليه العنصريون البيض؟ ثم ماذا يعني هذا حين يعتبر هؤلاء العنصريون أنفسهم مسيحيين أيضا؟» ويرى أن هذا هو وقت وداع البراءة لكل البيض حتى اللبراليين منهم الذين يودون مساعدة السود107.
ويتميز بوساك بمحاولة الكتابة والتنظير وليس مجرد العمل السياسي والتبشيري، فقد أصدر ثلاثة كتب هامة عن لاهوت التحرير الأسود108. ويتحدث عن الإله المحرر والمسيح المنتظر الأسود الذي يؤكد تحرير المضطهدين. ورغم اختلافه مع لاهوتيي أمريكا اللاتينية حول التأكيد على العنصرية، لكنه في نفس الوقت يرى أنها ليست القضية الوحيدة فهناك ما هو أعمق من العنصرية ويرى أن اللاهوتيين السود عجزوا عن رؤية ما توصل اليه مارتن لوثر كينج ومالكوم أكس وهو العلاقة بين العنصرية والرأسمالية. وعلى اللاهوت الأسود أن يُعنى بالبحث عن نظام اجتماعي جديد وفي هذا البحث عليه أن يأخذ من ينبوع التقاليد الإفريقية، ورغم إدانته للرأسمالية لم يمجد فضائل الاشتراكية ويحبذ الديمقراطية الاشتراكية حيث يشارك المواطنين في القرارات التي تؤثر على حياتهم. ويقول بأن الإنجيل يتعالى علي كل الإيديولوجيات والتطلعات الوطنية، وعلينا ألا نجعل انحيازاتنا السياسية مساوية للإنجيل حين نفسره ونفهمه. ورفض مقاربة اللاهوت الأسود التي تجعل من الأسود رمزا للاضطهاد، لأن الاقتصار على هذا يقود المرء الى جعل إيديولوجيته العنصرية الخاصة، مطلقة.
وقد ناشد لاهوتيي التحرير في كل أنحاء العالم على العمل معا، فهو رغم اعترافه بأن التبديات والتعبيرات عن لاهوت التحرير ليست متطابقة، إلا أنه يعارض التقسيم والتعارض الكلي بين الاتجاهات لدى البعض مثل اللاهوت الأسود في جنوب إفريقيا واللاهوت الأسود في الولايات المتحدة، بين اللاهوت الإفريقي واللاهوت الأسود، وبين اللاهوت الأسود ولاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية. فهي جميعا تنتمي في رأيه الى إطار لاهوت التحرير وليست هناك ضرورة للفصل بينها تعسفيا. ويتوصل الى فرضية هامة وهي أن لاهوت التحرير سليل مباشر لتقاليد الإصلاح الديني المرتبطة بكالفين (Calvin) ويرجع له كثيرا ليظهر أن ظاهرة التمييز العنصري غريبة عن تقاليد الإصلاح التي توصل في حقيقتها الى الارتباط بالفقراء والمضطهدين. وأهم مساهمة لبوساك هي الرغبة في إيجاد المشترك بين لاهوتيي التحرير من كل اتجاه. كما أنه يحاول الكشف عن مصادر غنية في تقاليد لاهوت التحرير الدينية109.
ويعتبر Manas Buthelezi من لاهوتيي جنوب إفريقيا البارزين على أساس أنه نموذج جيد للاهوتيي التحرير الأفارقة الذين لا يميلون الى اعتبار التقاليد والثقافة الإفريقية حجر الزاوية في لاهوت التحرير الإفريقي والذي يجب - حسب رأيه - أن يتأسس على المعاناة الراهنة للمضطهدين. ويفرق بين مدخلين لتطور لاهوت وطني في جنوب إفريقيا: الأول الاثنوغرافي ويعنى محاولة الكشف عن رؤية إفريقيا للكون والأساطير تصلح كإطار مرجعي لفهم اللاهوت الإفريقي. ويقف ضد هذا المدخل الذي يعتقد بأنه يغفل وقائع الحاضر ويبحث عن نظرة تاريخية كلية عمياء لا ترى القضايا الاجتماعية الراهنة. ويختار المدخل الثاني، الذي يسميه الأنثرولولوجي، ويبدأ من الوضع الحالي ويركز على العوامل التي تكشف عن اضطهاد واحتقار السود المستمر. ويقول في مناظرة المدخلين بأن الكبرياء في التراث التقليدي لإنسان ما هي ثمرة كرامة المرء كبشر. فمن يحتقر نفسه، يخجل من تراثه وما يرتبط به. وأي اقتراح بأن يرجع مثل هذا الشخص الى عاداته التقليدية لا يساعد إلا في استعباد عقله أكثر لأنه لم يشف نفسيا. ويعبر عن تشككه في «الخبراء في الإفريقيين» الذين يأتون - دون دعوة - من خارج تجربتنا السوداء ويقترحون برامج لاهوتية وكذلك سوسولوجية تظهر كيف يمكن أن تُكيف وتشكل الأنماط الثقافية السابقة حياتنا الحالية. فالإنسان الأسود هو الوحيد القادر على أن يقرر كيف يمكن أن يعيش الإنسان الأسود في عالم اليوم. ويرى أن رسالة الانمجيل الحقيقة هي ليست تلك التي تساعد الرجل الأسود في استعادة ثقته واحترام نفسه كبشر فقط ولكنها تركز أيضا على إزالة كل النواحي غير الإنسانية في الحياة الحديثة. وهو هنا يؤكد مجددا أن التشديد الزائد على الأديان التقليدية الافريقية يحدد وعي السود في إدراك الواقع والمشكلات الاجتماعية المعاصرة. لذلك يرى أن لاهوت التحرير الأسود يبدأ في جوهانسبورخ وديربان وكيب تاون أي المدن/ الواقع الحديث وليس في بعث عالم تقليدي قديم. ويدعو للاهوت عدم الراحة، والذي يجعل السود متحفزين ويقظين للتحولات الاجتماعية الأساسية التي لابد منها للتحرير110.
يكاد لاهوتيو التحرير في جنوب إفريقيا يتفقون حول جعل التحرير من كل أشكال الاضطهاد الإنساني هو نقطة الارتكاز. ودون التقليل من الأبعاد الاقتصادية والسياسية للاضطهاد، فهم يرون العنصرية العدو الأول للسود ومع ذلك حذروا من جعل اللاهوت الأسود أداة للسلطة السوداء والقومية السوداء. لهذا السبب حاولوا الاتصال بلاهوتيي التحرير في كل أنحاء العالم حيث يأخذ الاضطهاد عندهم أشكالا مختلفة ومتعددة111.
ومن الصعب إعطاء تسمية لاهوت التحرير للاتجاهات التجديدية في المسيحية بالقارة الإفريقية خارج الجزء الجنوبي. فقد تكون تلك الأفكار والاجتهادات تسعى نحو كنيسة مستقلة تؤكد علي الجوانب الثقافية الإفريقية ولكنها ليست مُحَرّرة ونضالية بالمعنى الشامل، أي السياسي والاقتصادي. هذه الاتجاهات أقرب الى إشكالية الأصالة والمعاصرة أو التراث والتجديد أو نحن والغرب التي تثار في العالم الإسلامي. وهي بالتالي رد فعل أو استجابة غير واثقة في نفسها لتحديات الحداثة والتطور العلمي والتكنولوجي والفكري. تبدو في بعض جوانبها هروبا الى حضن الثقافة الأم تحت دعوى إثبات الهوية أو الذاتية والتي تأخذ أحيانا شكل عنصرية معكوسة. ويتضمن التراث دائما جوانب إيجابية يمكن أن توظف لأجل التعبئة الروحية والاستقرار النفسي كعوامل ضرورية مساعدة في تحقيق غايات أسمى مثل المشروع الحضاري لأمة ما أو التنمية أو الكفاح ضد المضطهدين، ولكن بعث وإحياء التراث في حد ذاته غير مجد ويصبح أقرب الي أعمال الآثار وجمع التحف.
وقد قام لاهوتيو إفريقيا المنتمون لهذا التيار بمحاولات توفيقية عقيمة لإيجاد علاقة بين العقيدة المسيحية والمعتقدات الإفريقية والممارسات الاجتماعية - الثقافية خاصة تلك التي تتعارض مع التعاليم المعيارية المسيحية الأوربية. وتأتي صعوبة هذه التوفيقية في البداية من عدم وجود معتقد أو دين إفريقي موحد يمكن أن نقارن ويتفاعل مع المسيحية الغربية مثلا، وهذا ما جعل باحث مثل Kwesi Dickson الغاني يدعو إلى ما يسميه «لاهوت الذات» "Theology of Selfhood" ويعني تأكيد الانسانية والذاتية الإفريقية وهو لاهوت يعلو على الخصوصيات والاختلافات الثقافية والدينية وصولا الى السمات الأساسية التي يشترك فيها جميع الأفارقة. ويمكن لهذه السمات أن تتضمن الواقع الحاضر - إذا أردنا التوسع - وبالتالي يشتمل على المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. حاول Aylward Shorter في يوغنده إيجاد تشابهات بين المسيحية والأديان الوطنية الإفريقية، وهو في الأصل انثروبولوجي لذلك اعترف بالتعقيد الواسع في «الدين» الإفريقي التقليدي لوجود عدد كبير من القبائل الإفريقية ذات المعتقدات المتباينة، ومع ذلك يقول بوجود موضوعات مشتركة عديدة في «الدين» الإفريقي مثل العلاقة الوثيقة بين الحي والميت، البحث عن الحياة الثرة المتدفقة، أهمية الجماعة112. لم يمنع Shortes اهتمامه بالجوانب الأنثرولولوجية من أن يظهر انشغاله البالغ بلاهوت تحرير إنساني ويتحدث عن أهمية السياقية أي إيجاد مكان أو سياق للدين الإفريقي في اللاهوت مع الحاجة الى تطوير «لاهوت من أدنى» ويحبذ فكرة المسيح الأسود على المسيح المنحاز للمضطهدين113.
وقد أبدى عدد من اللاهوتيين الأفارقة قدرا من المواجهة والتضاد مع الكنيسة الأوروبية الغربية، ومن أهم هؤلاء (Mbiti) الذي يصر بأن الإرساليات المسيحية لم تقدم للأفارقة الإله الحقيقي. وفي كتاب رائد درس أكثر من ثلاثمائة جماعة افريقية، وأكد الأهمية المطلقة للتوطين أو المحلية، وطلب من القادة المسيحيين الأفارقة أن يبدأوا من موروثهم الديني الخاص بدلا عن تلقي «الختان» أو التدشين اللاهوتي من العالم الأول. ويطالب «بأن يدور محور المسيحية جنوبا» وأن يضع مجلس الكنائس العالمي في اعتباره مسألة نقل مقره من جنيف إلى كنشاسا وأن يفكر في نقل الفاتيكان من روما إلى كمبالا مثلا114. ويضيف ديكسون في حديثه عن تطوير لاهوت افريقي وطني أن الإرساليات القادمة من أوربا اعتقدت أن مسيحيتها الخاصة ستقذف بالأديان المحلية الافريقية خارج التاريخ. ولكن الواقع - في رأيه - مختلف، فهي أديان قوية ومؤثرة، وفي اللحظات الحرجة يعود الأفارقة مباشرة إلى تلك المعتقدات الوطنية العتيقة. وأبرز Engelbert Mveng (من الكميرون) وجود هوة واسعة تفصل بين اللاهوتيين الأفارقة ولاهوتيي التحرير في أمريكا اللاتينية. وقال بأن جمعية لاهوتيي العالم الثالث المسكونية (EATWOT) ليست أمريكية - لاتينية ولا آسيوية في أصولها، ولكنها افريقية، ولذلك فليست هي ببساطة مأسسة (Institutionalization) للاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية. ونقدها لعدم الاهتمام بافريقيا ولا بأقليات المجتمعات الامريكية - اللاتينية، وكثيرون غيرهم غائبون عن لاهوت التحرير وليس هناك من يمثلهم وبالتالي يصعب الوصول إلى لاهوت عالم ثالث بدونهم. ويحذر من الوقوع في الصفوية115.
وتصاعدت المواجهة في السبعينات لدرجة أن الاجتماع الثالث لمؤتمر كنائس كل افريقيا المنعقد في زامبيا عام 1974 تبنى توصية لسياسة جديدة تدعو العالم الأول لوقف دعمه المالي وإيقاف بعث الإرساليات لمدة خمس سنوات للعالم الثالث. ومع أن التوصية لم تنفذ إلا أنها إشارة لفشل دور الكنيسة الغربية التقليدي ورغبة أكيدة في الاستقلال.
ويظهر آخرون استعدادا أقل للمواجهة لذلك يسعون إلى تحديد إمكانات التلاقي في الأفكار والممارسة وتنبيه الكنيسة إلى جوانب التقارب. يرى (Kofi Appiah - Kubi) (من غانا) أن السبب الرئيسي وراء ظهور الكنائس الوطنية المستقلة هو عجز الكنائس التبشيرية المؤسسة عن إشباع الجوع الروحي للأفارقة. ويعتقد أن هذا العامل الروحي حاسم أكثر من عجزها عن معالجة القضايا الاجتماعية. ويأخذ على تلك الكنائس تجاهلها هبة الشفاء وهي فكرة مركزية في الأديان الافريقية ويصرون على ارتباط العبادة والشفاء. ولكنه يقترح أن يكون للأفارقة نظمهم العقدية وقراءاتهم الدينية الخاصة والبعيدة عن تقاليد البيض، وضرورة الربط الحيوي بين الروح القدس وعبادة الأسلاف مثلا، لأن تقديس أرواح الأسلاف ليس مختلفا عن عقيدة الروح القدس116. وعملت Mercy Amba Oduyoye (من نيجريا) على فكرة «الكائنات في علاقة» وتقصد بها البعد الجماعي للحياة الافريقية - الموضوع المفضل لدى اللاهوتيين الأفارقة. وترى Oduyoye عدم الفصل بين: المقدس والزمني، الجسد والروح، الذكر والأنثى، الماضي والحاضر، ثم تؤكد عدم أهمية الفرد عند الإفريقي لأن القيمة العليا للجماعة. وتطالب الكنيسة بالبحث عن طرق إفريقية للتعبير عن قناعات تؤكد الرابطة الروحية المشتركة بين كل الناس وكل الأشياء. فالأفارقة يؤمنون بوجود الأرواح مثلا. وبالعلاقة الوثيقة المستمرة بين الأحياء والموتى، وحتى بالسحر. وترى أن في هذا تجليات للاستمرارية الروحية التي تراها حيوية لكل من المسيحية والدين الإفريقي117. ويدعو فاشول - لوك (E.W. Fashole - Luke) من سيراليون، الى مسيحية إفريقية تناسب لسان وأسلوب وعبقرية وثقافة الشعوب الإفريقية. ورغم أنه نقد Mbiti لعدم تحديده العلاقة المناسبة بين العقيدة المسيحية والألوهيات الإفريقية الأقل وعبادة الأسلاف، لكنه اشترك معه في ضرورة تعالى اللاهوت الإفريقي على المقولات الثقافية والعرقية والأثنية من أجل لاهوت تحرير للمضطهدين والمسيطرين معا118. وتكررت المطالبة بقبول الكنيسة الغربية للممارسات الإفريقية مثل تعدد الزوجات والذي اعتبره هيلمان (Engene Hillman) يؤدي وظيفة في ديناميكية بقاء الأسرة واستمرارها ونموها مع تكامل نظام القرابة وتحقيق التضامن. كذلك قال كيرون (Michael Kir- wen) باحترام عادة البدل بالنسبة للأرامل حيث تتم معاشرة أخ الزوج المتوفى، وأنها لا تتناقض كثيرا مع المسيحية119.
ويكشف هذا العرض عن حقيقة قصور لاهوت التحرير في إفريقيا بسبب خفوت القضايا الاجتماعية والتسيس في خطابه الديني، وفي أحسن الأحوال يكون مجرد حوار بين دين وأديان أخرى دون أن تتسرب الهموم الحياتية الواقعية ضمن هذا النقاش وبالذات تخلف إفريقيا حتى بعد نيل الاستقلال السياسي. قد يرجع السبب إلى أن التطور الاقتصادي - الاجتماعي ودرجة الصراع أو وضوحه أقل من أمريكا اللاتينية. ولكن العلاقة بين الواقع والوعي ليست ميكانيكية أو مرآوية لهذا الحد، فقد يكون للوعي أحيانا استقلاله النسبي لذلك يبحث عن البديل والمستقبل.
ب. لاهوت التحرير في آسيا
من الصعب الحديث عن لاهوت تحرير مؤثر ومنتشر في آسيا لسبب بسيط هو أن المسيحية لا تمثل أكثر من حوالي 3٪ فقط من الآسيويين بالإضافة الى التعايش مع الأديان الآسيوية الكبرى المسيطرة على الناس والتي لا تميل - حسب تعاليمها - الى العنف والصراع كذلك اعتُبرت الكنيسة دينا أجنبيا نتج عن التوسع الغربي. وقد تميز اللاهوت الآسيوي بسمات تختلف عن تطور لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية وإفريقيا. فالمسيحية أقلية وعليها أن تواجه باستمرار الأديان الرئيسية الحية وتتفاعل معها، هذه العوامل لها أثر واضح على محتوى وطرائق لاهوت التحرير في تلك المنطقة. للتغلب على هذه الصعوبة نستعين بالطريقة التي قدم بها Ferm لاهوت التحرير الأسيوي. وهي أخذ نماذج من الأقطار المختلفة كوحدات تمثل تطور بعض الأفكار الجديدة عن بعض اللاهوتيين120.
وكان مدخل لاهوت التحرير الآسيوي ثقافيا في الأساس بقصد تقريب المسيحية من واقع القارة الثقافي التليد وربط البسطاء أكثر بهذا الدين. ففي اليابان والتي شهدت نشاطا تبشيريا مبكرا نجد جهودا رسمية وأهلية لوقف نفوذ الكنيسة. كانت أول بعثة تبشيرية كاثوليكية في عام 1549 ثم تدفقت البعثات البروتستانتية منذ 1859. وانتشرت المسيحية في البداية بسرعة لأسباب غير دينية وهي رغبة اليابانيين في التعامل التجاري مع الغرب منذ ذلك الوقت. ولكن اليابانيين شعروا بخطر هذا الدين الغربي على التقاليد اليابانية العميقة، وأصدرت الحكومة قوانين حاولت فيها الحد من النشاط التبشيري ومراقبته. وقويت الكنيسة في الستينات وقابلت هذا التطورات مقاومة للتغلغل الغربي مما حدا باللاهوتيين الشبان أن يصرخوا: «أنقذوا اللاهوت الياباني من الأسر الألماني»121 ولكن الأهم في تاريخ اليابان الحديث هو تطورها العلماني وقد أكد الدستور هذا الخيار، إذ تنص المادة 20 على أن حرية الدين مكفولة للجميع ولا تمنح الدولة امتيازات لأية منظمة دينية كما لا يجوز أن تمارس هذه المنظمات أي نشاط سياسي، وتمتنع الدولة وأجهزتها عن مباشرة التعليم الديني وأي نشاط ديني آخر. أجبرت تحديات تزايد العلمانية بعض اللاهوتيين على البحث عن ارتباط أوثق بالواقع الاسيوي.
ومن رواد اللاهوت المتجدد - لصعوبة وصفه بالتحرير - في اليابان الباحث كيتاموري (Kazoh Kitamori) والذي كتب بطريقة تشابه اللاهوت الأوربي بالذات عند بونهوفر122. ولكن كوياما (Kosuke Koyama) يعتبر من أبرز اللاهوتيين وأكثرهم تأثيرا حتى خارج اليابان وبالذات في تايلاند والتي أصدر كتابا عن تجربته فيها123. وعنوان الكتاب يشي بمضمونه إذ أسماه «لاهوت البفالو» Waterbuffalo لأنه - كما يقول - يمر في طريقه بالفلاحين في مزارع الأزر وبين قطعان البفالو وكأن الأخيرة تطلب منه أن يبشر بلغة بسيطة وملموسة ونابعة من الواقع والعجربة اليومية. كما دعا الى المحلية من خلال توافق رحمة بوذا والمسيح معا وأن يجد التبشير والعبادة مكانا في ثقافة تحترم الاثنين. ويطالب بتحرير المسيحية من الاتجاه الامبريالي المتعالي على البوذية وألا تعتبر المسيحية نفسها أرقى من الديانات الأخرى. كما نقد سرعة وكفاءة الغرب باعتبارها مخربة لنمط الحياة الاسيوية، وأن الرب - في رأيه - يمضي بطيئا في عملية تحويل الناس للإيمان، وهذا مضمون كتابه: "Three Mile An Hour God (1979)"، ويلتقي مع لاهوتيي أمريكا اللاتينية في الانحياز للفقراء والمضطهدين لأن الرب يريد أن يسمع الكلمة غير المنطوقة للفقراء، ويقترب من لاهوتيي إفريقيا في الدعوة للمحلية أو الوطنية بربط البوذية بالمسيحية124.
ويدخل ضمن هذا التيار شخصيات مثل ماساو (Takenaka Masao) الذي يدعو الي خلق أسلوب حياة جديد للمسيحيين الآسيويين ويتميز بما يسميه المشاركة المصارعة. فكما هناك في المجتمع يجب أن يكون للمسيحي وجود مصارع ليعيد العدل. وفي حياة البؤس والاستغلال له مشاركه مصارعة في عملية استعادة الإنسانية للواقع الملموس. وبهذه المشاركة يمكن أن يصل اللاهوتيون الى لاهوت خاص بوضع اليابان. وفي نفس الأفق نجد تاكاو (Toshikazu Takao) الذي يتحدث عن تأثير اليسار الجديد بين الطلاب في نهاية الستينات والمنظم في Zenkyoto، (All Campus United Struggle Committee) خصوصا في نقدها للجامعات لأنها لم تميز جيدا الآثار الأخلاقية للثورة التكنولوجية اليابانية، وباعتبارهم ضمن مؤسسة الجامعة فقد اعتبروا أنفسهم أدوات للسيطرة والاضطهاد. وتساءلوا: ماذا لدى انجيل خلاص الأرواح ما يفعله تجاه الامبريالية الجديدة؟ وماذا يفعل العفو عن الخطيئة مع حالة الاحتكار الرأسمالي؟ ويرى أن مثل هذه الأسئلة تحدث الكنيسة وأجبرتها على اختبار دورها الحقيقي في النضال الاجتماعي والسياسي. وأقر بعض اللاهوتيين بضرورة البدء من واقع الاضطهاد والحاجة للتحرير وليس من الوثوقيات الجاهزة والمسبقة. لذلك لابد من عكس الأولويات الدينية لكي يكون التحرير الاجتماعي هو النقطة المركزية ذات الأولوية125.
ويرى Ferm أن المعلومات عن الصين قليلة ولكن هناك شخصيات مثل شاو (T. C. Chao) الذي نقد التماهي الشديد بين المسيحية والرأسمالية، ودعا الى فهم جديد للمسيحية يركز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية.. هذه نفس دعوة (Ting Kuang-Hsun) الى مسيحية جديدة متحررة من الشكليات الاستعمارية وقائمة على فهم يتماشى مع طموحات الشعب الصيني. وتحدث عن مرحلة جديدة في التاريخ تجد المسيحية الصينية نفسها بعيدة عن النظم الاستغلالية في مجتمع فقير ونصف اقطاعي وشبه مستعمر، وعليها أن تفطن لفعل الرب في العملية التاريخية لبناء إنسانية جديدة. واضح هنا أثر الفكر الماركسي عكس الوضع في هونج كونج حيث التأثير الغربي بارز واللاهوت أقرب الى التجديد من التحرير، إذ نجد بعض الاجتهادات والإبداعات في نتاج المركز المسكوني ومجلة Ching Feng والجمعية الصناعية لمجلس مسيحي هونج كونج والتي ركزت على الظلم الاجتماعي، ومن قادتها فونج Rayon Fung والذي حاول الربط بين الخطيئة والظلم. ومن الشخصيات التي تهتم بتطوير اللاهوت Peter K.H. Lee وذلك بسبب التغييرات العميقة التي شهدتها آسيا عقب الحرب العالمية الثانية. ويرى أن المجتمعات الآسيوية رغم استقلالها السياسي فالكنائس فيها مازالت مرتبطة بالسيطرة الغربية ويطالبها بالانحياز للفقراء126.
ويمكن القول بأن الفليبين هي أقرب الدول الآسيوية لواقع أمريكا اللاتينية من حيث حدة التناقضات الاجتماعية ووجود حركات سياسية نشطة خاصة ذات الانتماءات الاشتراكية واليسارية. وقد شهدت الفليبين مواجهة بين القوى الرجعية والتقدمية. ووقفت الكنيسة الكاثوليكية الى جانب السلطة القائمة وبالغت في مهاجمة خطر شيوعي مزعوم وضرورة حماية المجتمع من الشيوعية. والتقى البابا برأس الدولة وأعرب أثناء اللقاء عن قلقه من النشاط المتزايد للعناصر الماركسية الموجودة في أوساط رجال الدين، كما أن الفاتيكان اختار الفيليبين عام 1981 كمنبر لنشر عقيدة «مجتمع العدالة» المسيحي. وفي زيارة البابا جون بول الثاني لآسيا عام 1984 حذر المسيحيين من الصراع الطبقي لأنه - حسب تعبيره - «مأساة الإنسان الكبرى»127. وتتميز الفيليبين بقدم وصول المسيحية وانتشارها على نطاق واسع، فقد عرفت الإرساليات التبشيرية منذ وصول ماجلان 1521 كذلك عرفت مبكرا بعض اللاهوتيين التحريريين أمثال سالازار وباوتستا الذين ساهموا في أن يعلن مجمع مانيلا عام 1582 منع العبودية مهددا بالحرمان وهكذا كانت الفليبين القطر الوحيد الذي نجا من العبودية قبل ثلاثة قرون وإن كانت قد ظهرت من خلال عقود العمل المجحفة. كما ظهرت محاولات قيام لاهوت فيلبيني وطني واندرج اللاهوتيون في العمل السياسي رغم قمع نظام ماركوس، ونشطوا في تنظيمات مثل «المسيحيون من أجل التحرر الوطني» (Christians for National Liberation) و«اتحاد الحريات المدنية» (Civil Liberties Union).
وكان Edicio de la Torre من مؤسسي «المسيحيون من أجل التحرر الوطني» وأكد باستمرار الصلة بين المسيحية والماوية، وطلب من المسيحيين الفليبينيين اعتبار الماوية اختيارا سياسيا صالحا. باعتبار أن قبول التحدي الماركسي، هو بفهم آخر، قبول التناسخ أو الحلول في المجتمع الفيلبيني، وهذا يعني التحليل الملموس للأوضاع العيانية ووقوف رجال الدين الى جانب المضطهدين في نضالهم التحرري ليس كقادة ولكن كخدام للشعب. وفي نفس الاتجاه طالب أوراشيون Levi V. Oracion بانحياز الكنيسة للفقراء لأنهم أوائل مواطني ممكلة الرب أما الأغنياء والقادرون فلن يدخلوا إلا لو خدموا الفقراء. واعتبر أن حقوق الإنسان متجذرة في تقوى الله لذلك أي اضطهاد للإنسان هو اضطهاد لله. ومهمة الكنيسة أن توضح معارضة الرب الجذرية للظلم الإنساني. وعُرف كلافير Francisco F. Claver بمعارضة نظام ماركوس والدعوة الى عدم فصل الكنيسة عن السياسة، وعن مهمة تحرير الفقراء. ودافع عن «عنف الوديعين» كاستراتيجية للفعل السياسي حيث يزداد وعي الضعفاء ويحررون أنفسهم من خلال اندماجهم الشجاع في الأمور السياسية. ومن الشخصيات الهامة Abesamis الذي يدعو الى الالتزام الكامل بنضال المضطهدين الاسيويين، ولابد أن يكون اللاهوتيون من الجماهير القاعدية وكل لاهوت - في نظره - مشروط بالوضع والوعي الطبقي لمنشئه. ويرى ضرورة تحرر اللاهوتيين من نماذج اللاهوت الأمريكي والأوربي، وفي نفس الوقت من لاهوت الطبقة الوسطي الاسيوية. ويعتقد أنه لو عجز القاعديون عن تكوين لاهوتهم الخاص فعلى لاهوتي الطبقة الوسطى التزام الصمت الرصين عوضا عن تعكير المياه اللاهوتية. ومهمتهم قد تكون انتقالية حتى يتمكن القاعديون من سلطتهم الدينية ينهون دور الطبقة الوسطى. وهنا يلتقي مع تجربة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية حيث ينبع اللاهوت من التجربة اليومية للكادحين وليس من النصوص أو المؤتمرات. وهناك أسماء أخرى مثل Emerito P. Nacpil وBen Dominguez وArevalo وAvila. وقد كانت إضافتهم في مجال ربط الكنيسة بقضايا حقوق الإنسان وعملية التحديث والاهتمام بالتراث الآسيوي. وهذا كشف عن دور المسيحيين الأوائل من ملكية الأرض، وقد ساندوا الملكية العامة لأن الإنسانية جمعاء ترفض صنمية الملكية الخاصة128.
وتتكرر هذه النماذج الفكرية في بقية أقطار القارة الآسيوية فالهدف الأساسي لهذه التيارات المختلفة هو رؤية المسيحية بعيون آسيوية مما يعني الاهتمام بقضايا المجتمعات الآسيوية الحيوية والملحة. ويلاحظ أثر الديانات الاسيوية على الأخص ذات المنحى الصوفي في تفسير المسيحية، مثال ذلك سونق (Choan - Seng Song) من تايوان، الذي يدعو الى أن يصعد اللاهوت من القلب كعين ثالثة تطل على الكائن الأعلى. فالفكرة مأخوذة من البوذية وبالذات عن Zen ويعتمد كثيرا على الأدب الشعبي في آسيا. وهناك حديث عن المسيح الكوني والقصد هو أن يستوعب كل الديانات الأخرى، نجد هذه الفكرة عند Tissa Balasuriya (سري لانكا) وكابن Sebastian Kapen من الهند. وتظهر كثيرا في كوريا الجنوبية حيث طور ما يسمى لاهوت minjung (أي من لا حقوق لهم) المتأثر بالتراث الشاماني. ونلاحظ أن اللاهوت الآسيوي منطلق من تعددية دينية للواقع ويتميز بالأصالة والتركيب والثراء والخصوبة وإن كان لا يخلو أحيانا من الارتباك بل والتشويش129.
الهوامش
-
James Bentley: Between Marx and Christ. Verso, London, 1982, p. 4. ↩
-
Hans Schöpfer, op. cit., p. 106. ↩
-
Ibid, p. III ↩
-
Deane W. Ferm, op. cit., pp. 30-1 ↩
-
Boff and Boff, op. cit., pp.: 27-8 ↩
-
Ibid, p. 28 ↩
-
Ibid., p. 29 ↩
-
Ibid., p. 32-38 ↩
-
Ibid., p. 39 ↩
-
Jon Sobrino: Christology at the Crossroads: A Latin American Ap- proach. Maryknoll, N. Y., Orbis, 1978. ↩
-
Deane W. Ferm, op. cit., p. 42 ↩
-
Ibid, p. 42 ↩
-
Rossa, op. cit., p. 43 ↩
-
Ferm, op. cit., p. 43 ↩
-
Ibid., p. 43 ↩
-
Juan Luis Segundo: Faith and Ideologies. Maryknoll, N.Y., Orbis, 1984, p. 142. ↩
-
Ferm, op. cit., p. 27 ↩
-
أعطى المجموعة عنوان: A Theology for Artisans of a New Humanity. والكتاب كما يلي: - The Community Called Church. Orbis, 1984. - Our Idea of God. Orbis, 1974. - The Liberation of Theology. Orbis, 1976 - The Sacraments Today. Orbis, ↩
-
Ferm, op. cit., p. 23 ↩
-
Ibid., p. 24 ↩
-
L. Segundo: The Liberation of Theology, op. cit, p. 8 ↩
-
Ferm, op. cit., p. 25 ↩
-
Ibid., p. 25-26 ↩
-
Ibid., p. 34-35 ↩
-
Ibid., p. 33 ↩
-
Ibid., p. 33 ↩
-
José Miguez Bonino: - Doing Theology in a Revolutionary Situation. Philadelphia, Fortress, 1975, p. 119. Also Ferm, op. cit., p. 39. ↩
-
"Historical Praxis and Christian Identity", in Rosino Gibellini (ed.), Frontiers of Theology in Latin America. Orbis, 1979, p. 263. ↩
-
لمتابعة تطور هذه الأفكار راجع بالإضافة ل Ferm, op.cit., p. 41 كتاباته التالية: - Faces of Jésus: Latin American Christologies, (éd.). Orbis, 1983. - Toward a Christian Political Ethics. Philadelphia, Fortress, 1983. ↩
-
Segundo Galilea: - Following Jesus. Orbis, 1981. كذلك Ferm, op. cit., p. 48. ↩
-
Pablo Richard, et al. The Idols of Death and the God of Life. Orbis, 1983. Ferm, op. cit., pp. 52-53. ↩
-
إنريك دوسيل: «الماركسية ولاهوت التحرير» في مجلة «الطريق: العدد الخامس. أكتوبر 1989 ص. 39. ↩
-
James Bentley: Between Marx and Christ. Verso, London, 1982, p. 4. ↩
-
لينين «موقف عمال الحزب تجاه الدين». الأعمال الكاملة (المجلد الخامس عشر ص. 7 - 4 - 8 - 4. في كتاب مشيدلوف، مر ذكره ص. 39. ↩
-
إنريك دوسيل، مرجع سابق، ص. 39. ↩
-
James Bentley, op. cit., pp. 7-8 ↩
-
Ferm, op. cit. p.27 ↩
-
إنريك دوسيل، مرجع سابق، ص. 40. ↩
-
H. Marcuse, "Gibt es noch christen?", in Neues Forum/Dialogue, August-September, 1968, pp. 533-535. ↩
-
M. Machovec: Jesus für Atheisten, Stuttgart, 1973, pp.: 254-25 ↩
-
Boff and Boff, op. cit., p. 87 ↩
-
إنريل دوسيل. مرجع سابق. ص. 41. ↩
-
Boff and Boff, op. cit., p. 87. ↩
-
حسن حنفي: في فكرنا المعاصر، دار التنوير، بيروت 1983 - ص. 323. ↩
-
المصدر السابق، ص. 329. ↩
-
إنريك دوسيل. مرجع سابق ص. 45. ↩
-
المصدر السابق، ص. 47. ↩
-
المصدر السابق. ص. 46. ↩
-
إنريك دوسيلء مرجع سابق، ص. 48. ↩
-
Jose Porfirio Miranda: Marx and the Bible, Maryknoll, N.Y., Orbis, 1974, p. 277. ↩
-
Ferm, op. cit., p. 35 ↩
-
Miranda, J. P.: Marx against Marxists. The Christian Humanism of Karl Marx. Maryknoll. N. Y., Orbis, 1980, pp. 61, 102, 123. ↩
-
Communism in the Bible. Maryknoll, N.Y. Orbis, 1982. ↩
-
Ibid, pp. 1-7 and Ferm, p. 37. ↩
-
عن Ferm ولكن في الأصل فيرو: The Militant Gospel: A Critical Introduction to Political Theologies. Maryknoll, N. Y., Orbis, 1977, p. 374. ↩
-
Nicholas Lash: A Matter of Hope: A Theologian's Reflections on the Thought of Karl Marx. University of Notre Dame Press, 1981, p. 4. ↩
-
Arthur McGovern,: - Marxism: An American. Christian Perspective. Maryknoll, N. Y., Orbis, 1980, p. 194. ↩
-
Ferm, op.cit., p. 38 ↩
-
إنريك دوسيل، مرجع سابق، ص. 48. ↩
-
المصدر السابق، ص: 48. ↩
-
نفس المصدر ص: 49. ↩
-
Gustavo Gutiérrez: - We Drink from Own Wells: The Spiritual Journey of a People. Maryknoll, N. Y., Orbis, 1984. و Ferm مرجع سابق ص. 19. ↩
-
حسن حنفي، مصدر سابق، ص: 89. ↩
-
Otto Maduro: Religion and Social conflict. Maryknoll, N. Y. Orbis, 1982. ↩
-
إنريك دوسيلء مرجع سابق. ص. 60 ↩
-
Rubem Alves: Theology of Human Hope. Corpus Books, Washington, 1969. ↩
-
Ferm, op. cit., p. 27 ↩
-
James Bentley, op. cit., pp. 58-9 ↩
-
Ibid., p. 59 ↩
-
Ibid. ↩
-
Ferm, op. cit., pp.: 27-8 ↩
-
Victorio Araya, op. cil., p. ↩
-
Ferm, op. cit., p. 28 ↩
-
Ibid. ↩
-
"From Paradise to Desert," in: Rosino Gibellini (ed.) Frontiers of Theology in Latin America, Orbis, 1979, pp.: 290-3. ↩
-
Ferm, op. cit., p. 29 ↩
-
Ibid. ↩
-
عن Ferm ولكن في الأصل مقال بعنوان: "Karl Barth and Liberation Theology", The Journal of Religion, Vol.: 63, n° 3, July 1983, p. 261. ↩
-
Ferm, op. cit., pp. 29-30 ↩
-
J. B. Libanio: Spiritual Discernment and Politics. Guidelines for Religious communities. Maryknoll. Orbis Books, 1982, pp. 26-30. ↩
-
Jose Severino Croatto: "Biblical Hermeneutics in the Theologies of Liberation", in Virgina Fabella and Sergio Torres, eds., Irruption of the Third World: Challenge to Theology (Maryknoll, N. Y., Orbis, 1983, p. 163. ↩
-
Elsa Tames: Bible of the Oppressed. Maryknoll, N. Y. Orbis, 1982. ↩
-
في الأصل عن كتاب Fabella & Torres سابق الذكر ولكن هنا عن Ferm ص. 50. ↩
-
Noel Leo Erskine: Decolonizing Theology. A Caribbean Perspective. Maryknoll, N. Y., Orbis Books, 1981. ↩
-
Ferm, op. cit., p. 51. ↩
-
Torres Sergio, and Eagleson, John, (eds.) Theology in the Americas. Orbis, 1976, pp. 304-8, 376. Ferm, op. cit., p. 51. ↩
-
Thomas Hanks: God so Loved the third world. The biblical Vocabulary of Oppression. Maryknoll, N. Y., Orbis, 1983. ↩
-
Ferm, op. cit., p. 52. ↩
-
Ibid, p. 49. ↩
-
Leonardo Boff and Clodovis Boff, op. cit., p. 88 ↩
-
Ibid, p. 89 ↩
-
Ibid, p. 80 ↩
-
Ferm, op. cit., p. 59 ↩
-
James Cone, in: Sergio Torres and John Eagleson, eds., The Challenge of Basic Christian Communities. Orbis, 1981, p. 266. ↩
-
Ferm, op. cit., p. 60 ↩
-
نشرت دار Orbis مؤتمر دار السلام الأول في كتاب: Torres, Sergio and Fabella, Virgina (eds.): The Emergent Gospel: Theology from the Underside of History. Maryknoll, N. Y./London, Orbis/ Chapman, 1978. ونشرت وقائع مؤتمر اكرا في كتاب: Kofi Appiah - Kubi and - Sergio Torres (eds.) African Theology en route. Orbis, 1979. ونشرت وقائع مؤتمر سرنلانكا في كتاب: Virgina Fabella (ed.) Asia Struggle for Full Humanity - Orbis, 1980. أما المؤتمر الرابع في البرازيل فقد ظهر في كتاب: Sergio Torres and Johan Eagleson (eds.): the Challenge of Basic Christian Communities. Orbis, 1981. ونشرت وقائع مؤتمر نيودلهي الخامس للجمعية في كتاب: Tores and Fabella (eds.) Irruption of the Third World. Orbis, وأصدر نفس المحررين وقائع مؤتمر جنيف في كتاب بعنوان: Doing Theology in a Divided World. Orbis, 1985. ↩
-
Boff and Boff op.cit., 80-2 and Araya, op. cit., pp.: 153-4 ↩
-
Ferm, op. cit., p. 61 ↩
-
Ibid, p. 60. ↩
-
Gwinyai Muzorewa: The Origins and development of African Theology. Maryknoll, N.Y., Orbis, 1985, p. 55 ↩
-
Ferm, op. cit., P. 61 ↩
-
Ernie Regehr: Perceptions of Apartheid: The Churches and Political Change in South Africa. Scottdale, Pa., Herald, 1979, p. 11. ↩
-
Majorie Hope and James Young: - The South African Churches in a Revolutionary Situation. Maryknoll, N. Y., Orbis, 1981, p. 84. لتفاصيل نشأة المعهد: Peter Walshe: Church versus state: South Africa: The Case of the Christian Institute Maryknoll, N.Y., Orbis, 1983. ↩
-
Basil Moore (ed.): Black Theology: The South African Voice. London, Hurst, 1973. ↩
-
Ferm, op. cit., p. 64. ↩
-
Ibid., pp. 65-66 ↩
-
Allan Boesak: - Farewell to Innocence: A Socio-Ethical Study on Black Theology and Power. Maryknoll, N. Y. Orbis, 1977. ↩
-
بالإضافة للكتاب السابق: Black and Reformed: Apartheid, Liberation and Calvinist Tradition. Orbis, 1984. ↩
-
Ferm, op. cit., pp. 67-68 ↩
-
Ibid, p.: 69 ↩
-
Ibid. ↩
-
Aylward Shorter: African Christian Theology: Adaptation of Incarnation? Maryknoll, N. Y., Orbis 1977. ↩
-
Ferm, op. cit., p. 70. ↩
-
John Mbiti: Concepts of God in Africa. London, SPCK, 1970. بالإضافة الى Ferm, p. 70. ↩
-
Ibid. p. 74 ↩
-
Ibid. pp. 72-73 ↩
-
نفس المصدر السابق. كما تعتبر Oduyoye رائدة في تحدي لاهوتيي العالم الثالث لكي يضعوا علي قمة أجندتهم هموم المرأة والتي يجب أن تقبل كجزء مكون للمجتمع الإنساني المتحرر حقيقة. وتأخذ على بعض اللاهوتيين عجزهم عن تقدير عن الأنثوية شكل أساسي في ممارسة الاضطهاد والقمع. وتدعو الى تضمين تجربة المرأة في كل التقليد المسيحي - نصا وتأويلا. ↩
-
Ferm, op.cit. p. 71 ↩
-
Michael Kirwen: African Widows. Maryknoll, N.Y., Orbis, 1979, p. 214. Engene Hillman: - Polygamy Reconsidered: African Plural Marriage and the Christian Churches. Maryknoll, N. Y., Orbis, 1975, p. 114. ↩
-
Ferm, op. cit., p. 77 ↩
-
James M. Phillips: From the Rising of the Sun. Maryknoll, N. Y., Orbis, 1981, p. 228. كذلك Ferm, p. 77 ↩
-
Kazoh Kitamori: - Theology of the Pain of God. Richmond, Knox, 1965. ويظهر اسم Toyohiko Kagawa كإصلاحي يدعو الى نزول اللاهوت الى الأرض ويمارس في كل مكان. لتفاصيل أكثر عن هذه المرحلة راجع Hans-Ruedi Weber: - Asia and Ecumenical Movement, 1895-1961. London SCM 1966. ↩
-
Kosuke Koyama: - Waterbuffalo Theology. Maryknoll, N.Y., Orbis, 1974 ↩
-
من مؤلفاته الأخرى: Mount Fuji and Mt. Sinai: A Critique of Idols. Orbis, 1985. - No Handle on the Cross. Orbis, 1977. ↩
-
Ferm, p. 80 ولكن المصدر الأصلي: John C. England (ed.): - Living Theology in Asia. Maryknoll, N. Y., Orbis, 1982. واستعمل أيضا بالنسبة للصين وهونج كونج ↩
-
هذا الجزء ترجمه من Ferm, p. 82 ↩
-
ميران مشيدلوف. مصدر سالف. ص. ↩
-
Ferm, op. cit. pp. 87-90. ↩
-
لمزيد من التفاصيل Ferm, pp. 82 - 99. ↩
Get new additions by email
We are adding Hayder Ibrahim Ali's books, articles and photos over time. Leave your email and we'll let you know what's new.