الفصل الثاني: العلمانية في الفكر العربي - الإسلامي
We, Hayder Ibrahim's family, are making all his books freely available for the public good and to continue his project of enlightenment. All rights remain reserved: the books may not be printed or published without written permission.
نؤرخ في الغالب لبدايات أفكار العلمانية أو التجربة الفكرية بنهاية القرن التاسع عشر حين نقل الإمام محمد عبده وأتباعه الأفكار السائدة في أوروبا، ورغم أن أهدافهم كانت مختلفة إلا أن هذه الأفكار إثارت حركة في عقول المثقفين. فقد كانت نتيجة دعوتهم لصياغة مبادئ جديدة يقوم عليها المجتمع الإسلامي، إلى ظهور فكرة «مجتمع قومي علماني يكون الإسلام فيه مقبولا ومحترماً، لا بل مساعداً على شد الروابط العاطفية بين المواطنين دون أن يكون مصدرا لقواعد الشريعة والسياسة»1. وقد نادى بهذه الفكرة أيضا فريق من الكتاب المسيحيين السوريين الذين مثلوا اقلية يهمها وجود مثل هذه الدولة القائمة على حقوق المواطنة وليس العقيدة. ونجد في السجال الذي حصل بين فرح أنطون ومحمد عبده على صفحات كل من مجلة «الجامعة» وجريدة «المنار» في مناقشات حول موضوع الاضطهاد في المسيحية والإسلام. ويقول عبد اللطيف «ولقد استعمل فرح انطون مفهوم العلمانية بدلالته الانوارية (نسبة إلى عصر التنوير الأوروبي) وفي سياق تاريخي مغاير لسياق الصراع بين الكنيسة والدولة في المجتمع الأوروبي، ورغم أن تحليل سياق استعماله يُعلمنا إن كتابات فرح انطون في هذه المسألة بالذات جاءت كرد فعل على شعار الجامعة الإسلامية الذي كانت ترفعه الحركة الإصلاحية السلفية. وهو ما يعني أن المفهوم وظف للحد من هيمنة السياسة الدينية على السياسة المدنية2. ويلاحظ أن المفهوم استخدام كتعبير عن رفض للدعاوي السلفية. ومن ناحية أخرى وظف كمشروع ايديولوجي عام يدعو لضرورة التعلم من أوروبا كنموذج. كما استخدم كمحاولة لاختيار فلسفي يواجه الفكر الغيبي. ولكن في كل هذه الاستخدامات ظلت النصوص ناقلة ومبسطة وشارحة لأصول المفهوم في المعتقد الليبرالي دون محاولة في النقد والتركيب أو إعادة البناء في ضوء تجارب التاريخ المتعددة3.
كان لفكرة العلمانية تاريخها المختلف في العالم العربي - الإسلامي إذ كثيرا ما يلتقط المؤرخون والباحثون لحظات تاريخية وينسبونها إلى بدايات الفكرة المبكرة. فهناك من يرى أن الدعوة للمجتمع المدني العلماني العربي ما تزال جديده جدة عملية التمدين، ولذلك يجد في الرسالة التي أرسلها إبراهيم باشا ابن محمد علي إلى متسلم اللاذقية عام ١٨٠٩ البداية وفيها يقول: «الإسلام والنصارى جميعهم رعايانا، وأمر المذهب ماله دخل بحكم السياسة، فيلزم أن يكون كل بحاله، المؤمن يجري اسلامه والعيسوي كذلك، ولا أحد يتسلط على أحد»4. وكان في التوسع الاستعماري الأوروبي تأثيره الواضح على بقية العالم خاصة في القرن التاسع عشر مع ازدهار النظام الرأسمالي. ويلاحظ أن الإمبراطورية العثمانية حاولت في ذلك الوقت القيام بما تحاوله تركيا الآن في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، يقول العظمة: «إرادة الدولة العثمانية الانخراط في العالمية عن طريق تحويل الرعية العثمانية إلى مجتمع مدني عثماني قادر على الدخول في هذه العالمية عن طريق شروطها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لم تر أوروبا الدولة العثمانية إلا من منظار الهوامش الضرورية في الرأسمالية»5. وهذا ما يفسر التحولات القانونية والسياسية التي شهدتها المنطقة وقد طرحت قضايا جديدة تواكب الواقع المتغير.
كان للصحافة دورها العميق في أحداث تحولات فكرية بسبب الآراء والنظريات التي تم تداولها بين الكتاب وخاصة المجددين، فقد ظهرت في السبعينات القرن التاسع عشر نوعا جديدان من الصحف العربية: (أ) الصحف السياسية المستقلة التي تنشر أخبار السياسات العالمية وتعبر عن الآراء السياسية. (ب) المجلات التي تتوخي غرضاً مزدوجاً هو إطلاع الفكر العربي على أفكار وتقدم الغرب وعلى كيفية التعبير عن ذلك بالعربية وكان أغلب هذه المجلات تصدر في القاهرة وبيروت ويحررها مسيحيون لبنانيون تعلموا في المدارس الفرنسية والأمريكية. وقد زودوا القراء بمادة للمطالعة الشعبية في اللغة العربية6. ومن هذه المجلات (الجنان) إصدارها عام ١٨٧٠ بطرس البستاني وكتب معظم مقالاتها ابنه سليم، وتطرقت إلى مبدأ فصل الدين عن الدولة باعتباره الحل الوحيد للانقسام المجتمعي في سوريا. كما أنه يعود بالفائدة على الدين أيضاً إذ يبعد العلماء والاكليورس عن السياسة وينصرفون إلى امور دينهم7. وأنشئت مجلة المقتطف (١٨٧٦) والهلال (١٨٩٢). وظهرت إصدارات أخرى أقل أهمية مثل (الجنة) و (حديقة الأخبار) و (التقدم)، كما برزت أسماء مثل يعقوب صروف وخليل الخوري ويوسف الشلفون وإبراهيم اليازجي واديب إسحاق وغيرهم. وقد كانوا يمثلون مجموعات النهضويين من خلال تلك الحقبة الهامة وامتد نشاطهم إلى تشكيل جمعيات علمية وسرية، وخلقوا نشاطاً ملموساً في مجال الأفكار النهضوية التي تناقش قضايا الحرية والعلم والدين
برزت شخصيات يمكن أن تكون رائدة في تطرقها لقضايا ذات توجهات علمانية وعقلانية، ومن بين هؤلاء فرنسيس فتح الله مراش (١٨٣٦ - ١٨٧٣) وهو من عائلة سورية درس الطب في باريس. ترك بعض المؤلفات أهمها «غابة الحق» (١٨٦٥) وقد حاول توصيل أفكاره من خلال القصة الرمزية أو الرواية. ولكن لم ينقذه ذلك من تهم الكفر والتجديف والإلحاد. فهو يرى - كما يبدو للنائم أو الحالم - قصة الحضارات القديمة في البداية وأثناء تجواله يقول: «أنفتح أخيرا لدي ابصار تبصراتي باب رحب مكتوب على قنطرته (العقل يحكم) ومنه عاينت برية فسيحة جداً. وظهر لي عن بعد علم يخفق متقرباً، فوضعت نظارة الاختبار وامعنت النظر فرأيت مكتوب عليه العلم يغلب، وظهر لي حينئذ من ورائه جيوش التمدن الزاهر ممتطية متون الاختراعات العجيبة والمعارف الكاملة، وهي تتخطر متموجة بأنوار الحكمة والعدل، مترعة بروح الحرية الإنسانية والخلوص المحض. ورأيت أمام هذه الجيوش المظفرة تتراكض ممالك الظلام مع كافة اجنادها ناكصة على اعقاب القهقرة حيثما لا حركة ولا صوت. وهكذا مدت بالعقل قوتها على كل بقعة ومكان وعم السلام على كافة المسكونة»8.
وهذه العبارات لخصت أفكاره حول إقامة مملكة المدنية والحرية، ويشترط للتمدن: - تهذيب السياسة وهي تعني إقامة الحق والمساواة والرفاهية، ثم تثقيف العقل وتحسين العادات والأخلاق وإصلاح المدينة ثم المحبة9. وكتب عنه جابر عصفور في تقديم الكتاب، عن حق: - «ولقد كان المراش واحدا من العقول الاستثنائية التي حلمت بالنهضة وسعت إلى تأسيس الحضور المحدث للمجتمع المدني الذي كان أملاً أكثر منه واقعا في الوقت الذي كتب فيه أمثاله الذين لم يكفوا عن الحلم بالتقدم والتبشير به. وكانت وسيلتهم في ذلك استبدال العقل بالنقل والابتكار بالتقليد والإبداع بالاتباع والانفتاح على الدنيا الجديدة بدلا الانغلاق على العالم القديم، ووضع كل شيء في هذا العالم القديم موضع المساءلة10.
واصل نهضويون أخر ريادة المراش ومن أهمهم شلبي الشميل (١٨٥٠-١٩١٧). فهو سوري درس الطب أيضا في باريس ثم استقر في مصر ليمارس مهنته بالإضافة للكتابة في المقتطف ثم نشر كتبه عن نظرية التطور والدين. منها كتاب: «تعريب لشرح بخنز على مذهب داروين الانتقاء في انتقال الأنواع وظهور العالم العضوي وإطلاق ذلك على الإنسان» واهتم بالشؤن العامة ولخص أفكاره الإصلاحية في كتيب موجه للسلطان عبد الحميد في ١٨٩٦ بعنوان «شكوى وأمل» فيما تفتقر إليه السلطنة العثمانية من علم وعدل وحرية وكان العلم هو اكثرها تأثيرا حسب رأيه. وبسبب انتمائه إلى الحركة الكبرى التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر والتي كانت تعتبر العلم هو أكثر من مجرد طريقة لاكتشاف النظام في ترابط الأشياء إذ كان مفتاحاً لحل لغز الكون، لا بل نوعاً من العبادة11. وتبني شيميل قوانين الدارونية في فهم التطور العام للتاريخ والمجتمع مطابقاً لتطور الطبيعية الذي قالت به الدارونية، وهذا يشمل ترقي اللغة والشرائع والمؤسسات. وقد أكد على دور العقل في كل هذا التطور مما يوحي بتأثير عصر الانوار الأوربي، وليس التطورية (الدارونية) فقط. وظل شمل مخلصاً لأفكاره، فقد أسس مع سلامة موسي مجلة «المستقبل» في القاهرة في عام ١٩١٤ والتي واصلت نشر المقالات الداعية إلى المادية والتطورية، الي أن اغلقتها السلطان بسبب المشكلات التي سببتها.
اخذت العلمانية مسارات الأخرى غير الدارونية فقد ساعدت الأجواء الفكرية على طرح قضايا عديدة وظهور مفكرين مجددين. ومن بين هؤلاء يبرز فرح انطون (١٨٧٤-١٩٢٢) وهو صحفي لبناني تنقل بين مصر ونيويورك رئيسا لتحرير عدد من المجلات أهمها «الجامعة». وقد عبر فيها وفي قصصه عن الفكر الأوروبي المتقدم في عصره، مما قاد إلى مناقشات شهيرة مع الشيخ محمد عبده12. ورغم إيمانه بدور العلم الا أنه لم يكن تطورياً، إذ يطلب في روايته حيث يعبر عن رأيه من وراء قناع «فرحماكم لا تخلطوا بين الحالة الطبيعية والحال الاجتماعية أن تنازع البقاء وبقاء الأفضل امران صحيحان في الحالة الطبيعية. وهناك لا مرد لهذين الناموسين الهائلين، لذلك يأكل القوي الضعيف ويسحق الكبير الصغير كما تصنع الحيوانات الوحشية13. ويختلف الأمر في الاجتماع لأن الحكومة منوطة بتنظيم حياة البشر وفرض النظام والقانون». ولكن تحفظه على الدارونية لم يمنعه من تأكيد عظمة دور العلم مثل التطوريين. وقد دعا إلى التساهل (المقصود التسامح الديني) بقصد قبول حقائق الدين والتوفيق بين العلم والدين، يقول: «فإن العلم بالدين إذا اختلفا في الطرق فانهما يتفقان في الغرض، ذلك لأن غرض الدين والعلم واحد وهو تحسين الحالة الإنسانية وترقية شؤون البشر، فما الواجب لجعل الواحد يناقض ثاني ويحاربه، لا موجب لدي سوي الاهواء والمصالح أيها السادة14.
ويري بإمكانية حل هذا النزاع من خلال الاعتراف باستقلال ميدان كل منهما باعتبارهما قوتين إنسانيتين مستقلتين هما العقل والقلب، مع اختلاف وسائل وطرق الدين والعلم وكذلك موضوعاتهما. ومن هنا كانت فكرة كتابه عن ابن رشد الي النبت الجديد: «أولئك العقلاء في كل مله وكل دين في الشرق اللذين عرفوا مضار مزج الدنيا بالدين في عصر كهذا العصر، فصاروا يطلبون وضع اديانهم جانباً في مكان مقدس محترم ليتمكنوا من الاتحاد اتحاداً حقيقيا ومجاراة تيار التمدن الأوروبي الجديد لمزاحمة أهله، وإلا جرفهم التيار جميعا وجعلهم مسخرين
كان هذا هو مدخل اهتمام انطون بالكتابة عن ابن رشد، ويري حوراني أنه قلد منهج المستشرق رينان في بعض الجوانب، خاصة تلك القائلة بأن النبوءة نوع من الأدراك وأن الأنبياء فلاسفة، وأن الحقيقة واحدة. وإن جميع الأديان هي دين واحد يعلم بعض القيم والمبادئ العامة، والشرائع الدينية هي وسائل لغاية. والطبيعة البشرية واحدة أساسا في نظر جميع الأديان، كما أن الحقوق والواجبات البشرية واحدة أيضاً وحتى الذين لا دين لهم لا يختلفون عن غيرهم في الطبيعة أو الحقوق. وكان من الطبيعي أن يقوده هذا الفهم إلى الدعوة إلى التساهل (التسامح)، وهذا مشروط بضرورة الفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية، ويعدد خمسة أسباب لذلك، وهي: -
- إن غايات السلطتين تختلف بل تتناقضان. فالدين يبتغي العبادة والفضيلة وفقاً للكتب المنزلة، ولأن كل دين يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، فهي إذا وصل إلى السلطة السياسية من الطبيعي أن يضطهد أو يبعد المخالفين له. أما غاية الحكم فهي صيانة الحرية البشرية في حدود الدستور.
- أن المجتمع الصالح يقوم على مساواة مطلقة بين جميع أبناء الأمة رغم اختلافهم الديني والمذهبي.
- أن السلطة الدينية تشترع للآخرة، لذلك من الممكن أن تتعارض سلطتها وغاية الحكومة التي تشترع لهذا العالم.
- إن الدول التي يسيطر عليها - حسب رأيه - ضعيفة بطبيعتها، لأنها تحت رحمة مشاعر الجماهير، وهي تسبب بدورها ضعف المجتمع لأنها تلح على ما يفرق بين الناس، والجمع بين الدين والسياسة يضعف الدين نفسه، إذ ينزله إلى حلبة الصراع السياسي.
- إن الحكومات الدينية تؤدي إلى الحرب. فمع أن الدين الحق واحد، فالمصالح الدينية المختلفة تتعارض، ولما كان الولاء الديني قويا بين الجماهير، فمن الممكن أن يثير المشاعر15.
تدور نظرية الدولة عند (أنطون) حول مبادئ الحرية والمساواة، والتي لا يمكن تحققها إلا في الدولة العلمانية التي تستقل سلطتها عن كل وصاية. ويؤكد على نفي الإلحاد والا دينية عن الدولة العلمانية التي يقربها من مفاهيم الديمقراطية والتسامح. وقد صاغ هذا الموقف في روايته بصورة أدبية بليغة في نقاش مفترض مع خطيب من أهل الدين، يقول: «معاذ الله أن نروم هدم الدين كما تفترون علينا وإنما نروم هدم الأوهام والخزعبلات في الدين. فلماذا تجعلون هذا قسما منه. وأول هذه الخزعبلات قولكم إن الإنسان لا يمكن أن يعبد الله ولا أن يفهم الكتب الدينية إلا بواسطة كاهن أو شيخ. وبذلك تضعون أنفسكم بين الله وبين عباده رفعا لشأنكم وطلبا للفائدة لكم»16.
ولذلك أطلق على العلمانية اسم «الحيادة» رغم تبنيه القاطع للنظريات الوضعية في مكانة الدين في المجتمع والحياة. ويتحدث أحيانا عن أطوار البشرية مثل كونت وسبنسر وغيرهم من فلاسفة القرن التاسع عشر الوضعيين. فقد تبنى فكرة المراحل الثلاث بطريقته: الأولى طور الطفولية وهو الاعتقاد بأن العالم محكوم بالأرواح والالهة، وطور الشباب وهو البحث في ما وراء الطبيعة، وطور الرجولية وهو طلب الهيئة الاجتماعية (أي المجتمع) نفع الناس بناءً على الواجب ومحبة الناس والعقل والمصلحة المتبادلة. والبشر وفي هذا الطور يعملون بما يجب عليهم عمله من غير إرهاب ولا تشويق بل بسائق فطرتهم ومصالحهم المتبادلة17. وهذا هو البعد الديمقراطي الذي جذب المفكرين العرب في علمانية الغرب ورأوا فيها ضرورة سياسية واجتماعية بسبب توفير الحريات والمساواة أمام القانون عابرة للخصوصيات والاستثناءات الطائفية أو المذهبية.
لا تكتمل صورة العلمانية في العالم العربي-الإسلامي، الا بعرض التيارات الأكثر تطرفا في مواجهة الدين والذي أطلق عليه (خدوري) اسم اللا أدريه كما عبرت عنه جماعة مجلة «العصور» التي صدرت عام ١٩٢٧. ومثل هذا التيار إسماعيل مظهر (١٨٩١-١٩٦٢) الذي ترجم كتاب داروين: «أصل الأنواع» وعرف بكتاباته عن العلم والفلسفة التي هاجم فيها التفكير الغيبي السائد ودعا إلى التفكير العلمي وكان تأثره بالنظرية الوضعية واضحا وأخذ على الأفكار التحديثية عدم تبنيها للوضعية. ثم أصدر المجلة «العصور» باعتبارها ستخصص للآدب والعلوم والفلسفة، متحرر من كل الآراء والنظريات المسبقة، فهي مجلة نقديه تتوخى التحليل الموضوعي. وقد تجمع حول المجلة الكتاب المؤمنون بالفكر الحر أمثال حسين محمود الذي كتب في الفكر الغربي الحر متناولا آراء (برتراند رسل) اللا أدرية كما كتب عمر عنايت في تاريخ الأديان والافكار التقليدية ونظم شعراء مثل جميل صدقي الزهاوي وانور شاول القصائد المليئة بالأفكار اللا أدرية. وكان من الطبيعي أن تدخل المجلة وكتابها - بسب جرأتها - في الصراع مع جماعات عديدة: هاجمها المتدينون بدعوى إلحادها وانتقدها المجددون في الأدب بسبب تعنتها في النقد وندد المفكرون المعتدلون بقبولها الفكر الغربي دون تمييز18. وقد انتجت مدرسه العصور شخصاً ملحداً علنياً وعن قناعه نظريه - يكاد يكون الوحيد - هو واسماعيل ادهم (١٩١١-١٩٤٠) صاحب كتاب: «لماذا أنا ملحد؟»19.
انزعج المتدينون الحافظون منهم بالذات، من انتشار الأفكار العلمانية ممثله في التطورية وكان لا بد من التصدي لها. وقد أخذ جمال الدين الافغاني (١٨٣٨-١٨٩٧) على عاتقه مهمه الرد على الدهريين، وهذا اسم رسالة نقلها من الفارسية إلى العربية الشيخ محمد عبده، وكان ذلك ضمن مشروعه التجديدي الداعي - حسب رايه - لتحرير المسلمين من الظلم الداخلي والاعتداءات الخارجية وتحقيق الإصلاح والوحدة الإسلامية. يري - خدوري - أن هؤلاء كانوا أكثر انشغالا بالرد على ناقدي الإسلام الأوربيين وبالتنديد بجميع الداعين إلى اقتباس الأفكار الأوربية من الانصراف إلى وضع برامج اصلاحيه إيجابية. حتى أنهم اتهموا هؤلاء بخيانة الحضارة الإسلامية وبتدمير الإسلام نفسه عن سابق تصور وتصميم20. وتبدأ رسالة بأسلوب عاطفي يتلاعب بالكلمات ويطلق عليهم اسم النيتشرية (naturalism). النيتشرية - حسب قوله - لفظ شاع في البلاد الهندية، ويقول عنه «النيتشيرية جرثومة الفساد. وأرومة الأداد، وخراب البلاد، وبها هلاك العباد21. ويخلط الافغاني فهم المذاهب والفلسفات، وهو يقول عن اليونان «فلما ضربت أفكار النيتشريين (الدهريين) في نفوس اليونان بسعي الابيقوريين ونشبت بعقولهم، سقطت مداركهم الي حضيض البلادة، وكسد سوق العلم والحكمة. وتبدل شرف أنفسهم بالذل واللؤم. وتحولت امانتهم إلى خيانة وانقلب الوقار والحياء قحة وتسفلا22. ويري «العظمة» أن هذه الدهرية في ذلك الوقت مثلت نفس الدور الذي مثله الالحاد في المنطقة العربية خلال الستينات من القرن الماضي والعلمانية مؤخراً فقد اعتبرت من الكبائر الفعلية القائمة على أفكار التاريخية والطبيعية. والعداء لتدخل الدين في السياسة. ويري أن نص الافغاني جاء - مثل غيره - «متهافتاً متناقضاً قائم على الجهل بموضوعه، مشبعاً بالسفسطائية، مرجعاً الدارونية الي الابيقورية»، ولكنه يعود ويقول إن اختلافة مع داروين ليس حول النشوء والارتقاء بل قضية نفحة الحياة الاولي التي لا بد أن تكون ربانية23.
العلمانية في الحياة والمجتمع
وجدت المنطقة نفسها في عام ١٧٩٨ مع مدافع الأسطول الفرنسي بقيادة نابليون في مواجهة حضارية جديدة ومختلفة مع الغرب الذي لا يشبه غرب الحروب الصليبية. وكان على العرب المسلمين الاستجابة لتحديات حضارة استعمارية وضعتهم أمام تساؤلات ضخمة، والبحث عن سبل المقاومة أو التكيف أو الخضوع. وكانت ردود الفعل هذه - تقريبا - هي تمثل التيارات الفكرية التي حاولت تشكيل المجتمعات والكيانات السياسية وفقا للرؤى والقناعات التي افترضها العرب والمسلمون كفيلة بإدخالهم في المرحلة الجديدة دون خسائر كبيرة. فظهر من يدعون إلى العودة إلى العصر الذهبي بدءً من مجتمع المدينة وعهد الخلافة وقد يتضمن لدى بعضهم الانتصارات الحربية والتوسعات التي خلقت تلك الإمبراطورية العظيمة. ورأى آخر الحل في الاندماج الكامل في الحضارة الغربية الظاهرة، والتي قد تمثل المستقبل للإنسانية جمعاء وأنها تحمل حلولاً إنسانية عامة يتجاوز المكان باعتبارها تاريخاً جديداً لفجر حضارة بشرية. ولكن الغالبية اختارت حلاً توفيقياً اختلفت أولوياته و أوزانه، فقد رأى البعض أخذ الجوانب المادية في الحضارة الغربية والاحتفاظ بالنواحي الروحية. واقترح آخرون اسلمة تلك الحضارة أي إخضاعها لمعايير وقيم نابعة من الدين الإسلامي. ومال آخر إلى الانتقاء بطريقة براغماتية وأخذ كل ما ينفع شريطة أن يتفق مع التعاليم ولا يتعارض مع أخلاق وقيم المسلمين. وهذه السيرورة كلها تعتبر لدي كثيرين - في عموميتها وتفاصيلها - عملية علمنة جبرية لأن المسلمين أخضعوا حياتهم لشروط هذا العالم، ولم يعد البعد الديني ذي أولوية في الحياة اليومية. وحتى المتدينين اندمجوا في هذا العالم ويفسر ذلك كثرة الفتاوي والأسئلة ومحاولات التجديد الديني والإصلاح الفقهي.
هناك من يرى أن الدين يتعلمن بالضرورة في اللحظة التي يتنزل لدى البشر، لأنهم حين يعيشون لا بد لهم من دوزنة (أو ضبط إيقاع) للمتعالي مع الواقع لكي تكون حياتهم متناغمة وقليلة التناقضات والتوتر. يصف - رودنسون - حالة علاقة الإيمان بالحياة، بقوله إن الدين هو للفرد - في جوهره - مجموعة من الأفكار والممارسات التي تحدد علائق الإنسان ومجتمعه بما وراء (فوق) هذا العالم، وهي تمثل حقيقة مطلقة وجديرة بالاحترام. ولكن يمكن للمؤمن أن يلغي على نفسه أسئلة حول الطريقة التي تدخل بها هذه الأفكار والممارسات الإيمانية المتعالية في العالم الاجتماعي ومدى النفوذ الذي تملكه على حياة الناس الشاملة، وما هي مناطق تحركهم التي تحولها كثيراً أو قليلاً، وتلك التي لا تخضع لها "والمؤمنون الأرسخ اعتقاداً والصوفيون يزدرون في الغالب هذه المسائل التي يمكن تحديدها بأنها اجتماعية أو تاريخية، إلا أن في مصلحتهم أن يتأملوها وكثيراً ما فعلوا أو يفعلون»24. ويؤكد بعض الإسلاميون هذا الموقف بطريقة أخرى، إذ يرى - عمارة - أن الإسلام دين عالمي ولكن الإسلام كعقيدة وشريعة يفرز في كل بيئة، ويحدث تأثيرات حضارية وفكرية وثقافية واجتماعية عديدة أو بناءً حضارياً متكاملاً يأتي ثمرة تفاعل النواة الإسلامية - حسب قوله - أي العقيدة والشريعة مع البيئة والواقع والإنسان، مع معطيات المكان وقوى الإنتاج وهذا سبب تمايز البيئات الإسلامية رغم أنها تدين بعقيدة واحدة. ويضيف أن عالمية الإسلام (هل يقصد علمانية الإسلام؟) لا تعني إنكاره للواقع، ويتعامل الإسلام مع الواقع ولا يقفز عليه ويلغيه. وبسبب هذه العلاقة بين الدين والواقع نزل القرآن منسجماً - حسب قوله - لأن مشكلات الواقع هي التي تستدعي النص أو النزول25.
تعتبر حركات الإصلاح والتجديد الديني شكلاً من العلمنة المواربة أو غير المباشرة حيث يضطر المسلمون إلى مساءلة الواقع ومساءلة النص رغم أطلاقيته ونهائيته وصلاحيته لكل زمان ومكان. في استخدام التأويل واعادة التفسير وتجديد الفهم في نص مقدس ومنزل، يكشف عن علمنة ما، بمعنى تحول إلى التعامل الشديد الواقعية مع حركة الحياة وليست التمسك القاطع بثبات المطلق. أي إخضاع الدين للحياة والتاريخ وكلاهما متغير وغير ثابت.
ففكرة التجديد أو الإصلاح هي عملية علمنة بامتياز (per se)، لأنه يفترض أن يكون النص ثابتاً ونهائياً ومطلقاً. وبالتالي يتكيف الواقع أو يدخل في شروط النص كما هي، وليس العكس. ولأن هذا مستحيل، لذلك يتعلمن الدين باستمرار لكي يستمر ويبقى في الحياة. ولكن الدين في هذه الحالة يفقد أصوله الأولى، ولذلك هناك من يرى أن الدين الذي يلجأ إلى الإصلاح لا يعد ديناً (a reformed religion is not a religion). وهذا الموقف ينطبق تماماً على إسلام الكثيرين وبالذات الأصوليين، لأنهم يرون أن الحياة والمجتمع يجب أن يكونا مجرد انعكاس لما تنزل به الدين في البداية مهما تغيرت الظروف الزمانية والمكانية. وهذا تفسير سائد تعبر عنه المقولة: الإسلام صالح لكل زمان ومكان، فقد جاء الإسلام كاملا وبالتالي لا يحتاج إلى إصلاح أو تجديد أو تحديث. وهذا ما يفسر الميل الواضح في فكر كثير من الإسلاميين إلى الثبات وعدم التغيير والا تاريخية (ahistorical)، ومن هنا يأتي تقديس النموذج. فالنموذج المثالي وجد واكتمل في عصر النبي (ص) أو في مجتمع المدينة المنورة، وما علينا - الآن - إلا أن نقيس مدى كمال مجتمعاتنا حسب قربها أو بعدها من ذلك النموذج. ولذلك يفسر أي فساد أو تدهور أو انحطاط في المجتمعات الإسلامية المعاصرة بمقدار الانحراف عن دين تلك الفترة. ولذلك فالحل بالعودة إلى الماضي والاقتداء بما أفلح به اسلافنا، وليس بالتجديد أو التحديث - حسب رأيهم - لأن الشريعة كاملة ولا تحتاج إلى تدخل بشري يعمل على إكمال نواقصها. وهنا تكمن أزمة العديد من الإسلاميين أي إنكار فكرة التغيير ومحاولة تأكيد الثبات. ولو فرضنا جدلا صحة هذه النظرة، هنا تنتفي الحاجة إلى التطور وينعدم وجود مشاكل جديدة على الشريعة أن تحلها. وهم يقدمون اسلاما مكتفيا ذاتيا ولا تاريخيا وبالتالي يمكن أن يكون نموذجه في الماضي وليس في المستقبل. فالتاريخ - في رأيهم - ثابت والأهم من ذلك يعتقدون أن الطبيعة البشرية ثابتة. وهذا ما جعل مشاريع الإسلاميين في الحكم فاشلة بسبب إنكارهم للطبيعة البشرية المتغيرة والمتنوعة لأنها مكونة اجتماعياً وتاريخياً.
إن الإقرار بتغير حضور الإسلام بسبب ظروف خارجية وتنوعه حسب البيئة الجغرافية والجماعات الاجتماعية والظروف التاريخية ومستوى الحداثة والاحتكاك بالآخر، يعتبر اعترافاً ضمنيا بعلمنة ما للإسلام. وقد جاء قول (Goldzieher) ليؤكد ذلك حين ذكر بأن الإسلام قد جعل الدين دنيويا حين اراد أن يبني حكماً لهذا العالم بوسائل هذا العالم. وحتى محمد عبده يقول بأن مصدر السلطة في الإسلام ديني ولكن طبيعتها ووظائفها وحقل تطبيقها مدني في الجوهر26. وقد تكرر القول بأن النص الديني الإسلامي ظهر كإجابة عن أسئلة شتى طرحتها الثقافة في المجتمع العربي - الإسلامي الأول. وبالتالي تتحول مصادر الفكر الإسلامي إلى نص - مشروع وهي أربعة مصادر لا يكاد النص الإسلامي يخرج عنها، وهي: - القرآن، السنة، تجربة الصحابة، والإجماع، ويبدو أن بعض المصادر الأخرى مثل الفقه والفكر قد تم إلحاقها بنصوص الوحي واعتبرت من صلب أصول الدين، وبالتالي فإن الفكر الإسلامي قد البس النص الموحي بالمحدث الثقافي» لأن للثقافة سيادة تحتاج إلى شرعية ملزمة وهذا ما يدعى محاورة النص الديني للثقافي27».
اعتمد المسلمون خلال حياة النبي (ص) على الوحي في توضيح كيفية السلوك والتصرف في المواقف العادية أو المعقدة. وأثناء الخلافة الراشدة وحياة الصحابة كان من الممكن اللجوء إليهم في المسائل المستعصية. ولكن بمرور الزمن، وتعقدت الحياة وتوسعت الدولة وظهرت مشكلات جديدة لم يرد فيها نص أو حكم قاطع ومقنع. وازداد الشعور بالحاجة إلى نصيحة قانونية أو فقهية خاصة مع الأعداد المتزايدة للأتباع الجدد للدين الجديد والذي يحكم حسب طبيعته الشمولية جميع النواحي الدينية والدنيوية في الحياة اليومية للمسلم. كما أن وجود قوانين وعادات بين الشعوب التي أخضعت كان يجب أن تتسق بطريقة أو أخرى مع التعاليم الجديدة وأن تتكامل مع الجسم الفقهي الإسلامي الناشئ. كل هذا اقتضى قيام مؤسسة الإفتاء حيث لعب المفتي دورا هاما في تأسيس القانون الإسلامي من خلال الاستجابة للأسئلة ومشكلات الناس. وأصبحت مثل هذه الفتوى مصدرا هاما للقوانين الإسلامية. لذلك حذر الطرطوشي من تعليم العامة وامتهانهم الافتاء معتبرا أن تفقه الرعاع فساد الدنيا و تفقه السفلة فساد الدين28. ويبدو أن هذه الشروط تهدف إلى تقوية سلطة المفتي وعدم فتح الباب إلا لقلة أو نخبة فكرية تكون قريبة من السلطان وذات ولاء. رغم أنه - نظرياً - يجب أن يكون المفتي مستقلاً لأنه يختلف عن القاضي الذي يمثل صوت السلطة أو وكيلها.
الفتوى عمل وضعي دنيوي رغم ارتباطه الديني والمتابع لسيسيولوجيا الفتوى يمكن أن يتوصل إلى نسبيتها فهي تتغير باستمرار حسب ظروف المكان والزمان والمعاش. فالفتوى تتعلق بجانب تشريعي أي تتطلب بيان حكم الشريعة في وضع عام أو حالة عامة، «اما أن تكون طرأت مع الزمان أو أن تكون وجدت في اقليم معين، ولكنها حالة يعمم وجودها بحيث تستدعي استنباط حكم عام لها من أصول الشريعة». وتظهر علمانية الفقه والفتوى، في قول (البشري) بأنه مع اتساع الدولة وظهور امور مستجدة على أحكام التشريع الإسلامي، من الأمصار المفتوحة وأحوالها ونظم عيشتهم احتاج ذلك إلى اجتهاد وفقه جديد. ويقرر: «كان الفقه ينمو ويتطور بواسطة عمل أهلي شعبي بعيد عن نشاط الدولة وأجهزتها (...) هذا الوضع الشعبي التلقائي صان الشريعة من أن تكون مجالا لتدخل ما رأيناه من حكومات عصور الاضطراب في التاريخ الإسلامي»29.
الدليل علمنة الفتوى والفقه عموماً هو الخصائص التشريعية لكل عصر، فعلى سبيل المثال في العصر العباسي، ظهر اشتداد الخلاف بين مدرستي أهل الرأي والحديث، نهوض الفقه نهضة عظيمة وشموله لنواح مختلفة في الحياة العملية وبالتالي نشأت المذاهب الفقهية المتعددة، وتم تدوين السنة والفقه وأصوله، وكذلك ظهور الفقه التقديري الذي لا يقف عند الحوادث التي تقع فقط، بل يتجاوزها إلى افتراض الوقائع وتقدير الأحكام الملائمة لها. وكان للمذهب الحنفي عناية خاصة بهذا اللون من الفقه، كثرت الآراء والفتاوى في المسألة الواحدة وبروز المذاهب الاجتهادية30. وقد تحددت المدارس الفقهية جغرافيا وسيسيولوجيا، إذ نجد مثلا أن المدينة مع مالك والمدرسة العراقية امامها أبو حنيفة، والسورية الاوزاعي. وقد استشهد أبو حنيفة باعتماده على الكتاب والسنة واستخدام القياس والاستحسان والتوسع في الإجماع واعتبر الأعراف الصحيحة من الأصول التي يمكن الرجوع إليها إذا كانت عامة ولم تخالف نصاً ورد في الكتاب أو السنة أو الإجماع. اما مالك فقد مال إلى الحديث والمصلحة المرسلة والاستحسان. ويلاحظ أنهم قبلوا العرف، وهو كما يحدده الغزالي: «ما استقر في النفوس وجهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول، أو ما يعتاده الناس ذوو الطباع السليمة من أهل قطر إسلامي بشرط الا يخالف نصاً شرعياً»31. والعرف وضعي أيضاً. وهذا وقد قبل المسلمون اختلاف الناس في المذهب الواحد أو عدولهم من فتاويهم السابقة وهو ما يطلق عليها الفقهاء بأنه اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان. ويكتب كلسون عن الخلافات التي وقعت في فروع الفقه في مدرستي الكوفة والمدينة: «... فسنجد أن نظرتهما العامة وموقف كل منهما، إنما خضع للظروف الخاصة به. فالروح المحافظة المتمسكة بالموروث هي السمة المميزة لفقهاء المدينة المبكرين، على حين استلهم زملاؤهم الكوفيون روح البحث والتفكير الحر، نظرا لحياتهم في مجتمع تأسس حديثا، وليست له هذه الجذور التي تربطه بالماضي مثل مجتمع المدينة»32. ويضيف بأن مدرسة الكوفة كانت من الناحية الجغرافية أكثر اتصالاً بالنظم القانونية الأجنبية. وقد عكست الحالة القانونية للعبيد في المدينة مركزهم كأعضاء مقبولين بين افراد العائلة، فكانت لهم ضمن ما نعموا به أهلية للتملك، ولكن قنن أهل الكوفة لأهليتهم هذه بمنطق صارم أساسه أنه إذا كانت ذواتهم مملوكا فلا يتحملون الحق في التملك وينبع هذا الموقف المنهجي إلى حد كبير من التأثر بالقانون الروماني ومن التميز الطبقي الحاد في مجتمع الكوفة أيضا33. ويعطي أحمد أمين أمثلة عديدة لأثر اختلاف البيئات على التشريع، فعلى سبيل المثال يقول: «ظرف أهل الحجاز ورقة شعورهم وإنهم في ذلك العصر فاقوا أهل العراق والشام، حتى لقد كان فقهاء الحجاز اوسع صدراً وأكثر تسامحاً في الغناء والمجون من أهل العراق. تشدد أهل العراق كان وليد الفرس». ويضيف: «الحجاز كان به أرستقراطية العرب وهم العنصر الفاتح وقد نال هؤلاء الأرستقراطيون خير الجواري وأرفعهن نسبا واكثرهن تأدبا ومنهن من تربى ببيت الملوك والأمراء وتأدب بآداب الحضارة، فنقلن ذلك إلى الحجاز وصبغنه بالصبغة العربية». وهو يقول عن العراق أنه قطر أسس على مدنيات قديمة لهم علم مأثور وهو قطر غني يتوافر فيه العيش فيجد الناس من أوقاتهم ما يسمح لهم بالعلم. لذلك كان اهله الأكثر جدلا، فكان طبيعيا أن يكون مصدرا للكثير من المذاهب الدينية»34.
ومن أهم مظاهر العلمنة في الفتوى استخدام ما يسمى بالحيل الفقهية وهي تعادل مصطلح (Legal fictions) بمعنى الفروض القانونية. وفي نظام الحيل تستغل حرفية التشريع القائم بقصد تطويعه لتحقيق اهداف قد تخالف روح هذا التشريع مخالفة أساسية (مع ملاحظة عدم الخروج عن النص الحرفي). ويقولون أن المهم علاقة الأفعال بمالاتها من حيث موافقة قصد الفاعل مقاصد الشريعة أو مخالفته إياها. ويعرف الشاطبي فعل الحيل بأنه تقديم عمل ظاهر الجواز لأبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع، كالواهب ماله عند راس الحول فرارا من الزكاة، ولكن المالكية حرموا الحيل، اما الأحناف والشافعية وما بعدها فلم يحكموا ببطلان مثل هذه الحيل.
يمكن تتبع أثر العلمنة على الفتوى من خلال التركيز على نوع معين من الفتاوي في فترة تاريخية معينة. في هذه الأيام يهتم رجال الدين بفتاوى ترتبط بالتكنولوجيا والاكتشافات العلمية. وهذا وضع جديد وأغلب المشكلات الراهنة جديدة، لذلك يلجأ الفقهاء إلى القياس والذي يكون في كثير من الأحوال متعسفاً بالذات عند الفقهاء غير الملمين بالعلوم الطبيعية والرياضيات الحديثة.
ظهر الاهتمام بالفتوى بين الناس ولدي المؤسسات الدينية مثل الأزهر ودار الإفتاء ومجالس الإفتاء وهيئات العلماء وغيرها، بسبب مستجدات تستوجب موقف لا يتناقض مع الدين. وتكاثرت الأسئلة حول قضايا مثل المرأة والمال والتكنولوجيا والطب والعلاقة مع الآخر غير المسلم وكل مظاهر الحياة الجديدة. والفتوى محاولة لتديين العلمنة أو إدخالها في الدين رقم حداثتها. وقد بدأت هذه الظاهرة مع خطوات ما يسمى بالإصلاح أو التجديد، والمقصود به مواكبة العصر خاصة حين تعرف المسلمون على الغرب في تعاملاته المختلفة. ومع إحساس المسلمين بالفجوة الحضارية التي تفصلهم عن الغرب وجدوا أنفسهم في حاجة إلى اقتباس بعض ما توصل إليه الغرب وتكييفه مع الدين. لا أريد الدخول في التفصيل حول دور الفتوى - وسوف افرد لهذا الموضوع كتابة مفصلة - ولكن الفتوى تمثل آلية أساسية في علمنة الحياة والمجتمع تهدف إلى رفع التناقض بين الدين والحداثة. وتقبل المسلمون - بعد مقاومة تطول أو تقصر - تغييرات في الملبس والمظهر ونمط الحياة والترفيه واستخدام التكنولوجيا والعلاج والتعليم والفنون المختلفة والاستهلاك الخ، وحتى الفكر، لم تكن معروفة في المجتمعات الإسلامية القديمة والتقليدية.
يفرق البعض بين العلمنة والعلمانية باعتبار أن العلمنة هي الاندراج المستمر في العالم مع تحييد الدين أو خصخصته - لو صح التعبير - أي أن يكون شيئا خاصاً - بينما العلمانية - كما أسلفنا - هي الترتيبات الدستورية والسياسية التي تفصل الدين عن الدولة، أو الأيديولوجية التي تدعو وتعمل من أجل تلك الغاية. والعلمانية هي التي تستثير عواطف المتدينين ويبالغون في خطورتها ويخلقون عدواً متوهماً في بعض الأحيان. ويعطي الفصل الخاص بالدولة الحديثة مثالاً للتجاوزات في إطلاق الصفة على الدولة الحالية شديدة الارتباط بالدين من أجل توظيفه في اكتساب الشرعية والتأييد الجماهيري.
أشكال وتجليات العلمانية
كانت محاولة تأسيس وتثبيت العلمانية في الواقع العربي هي معارك مستمرة بسبب الهجوم الذي يشنه رجال الدين والمحافظون نيابة عن المجتمع التقليدي بدعوى الدفاع عن العقيدة وثوابت الأمة. فقد برزت لحظات فكرية ناتئة ومتوترة شكلت قطيعة مؤقته مع السائد وغالبا ما يقوم بها مفكر أو مصلح جريء ومتجاوز. وهو قد يتراجع عن مواقفه أو لا يجد التأييد والاستمرارية، لذلك لم يظهر التراكم الفكري بصورة مباشرة ومتزايدة ومازال من الممكن أن يواجه أي كاتب مجدد الآن نفس المحنة التي عاشها طه حسين أو علي عبد الرازق، وظللت تهم الردة والكفر حية تشهر فوراً وبسهولة ضد الكتاب والمفكرين، وتحقق أهدافها في التخويف والابتزاز. لذلك بقي تاريخ العلمانية هو سجل المعارك - فكرية وشخصية - طوال القرن العشرين، وللمفارقة تتصاعد الآن بسبب كثرة وتجدد القضايا المعاصرة. ودخل الصراع ضمن - ما يسميه البعض - مخطط وجود مؤامرة واستهداف للمسلمين وبالتالي يسهم إثارة العواطف وتجييش المسلمين ضد أي فكر تجديدي. وصار من السهولة بمكان إخراج مظاهرات من المساجد أو الجامعات لإدانة كاتب مثلا، والدولة من جانبها تزايد على الشارع لإثبات حرصها على العقيدة والدين. يكاد يكون موقفا علي عبد الرازق (١٨٨٨-١٩٦٦) وطه حسين (١٨٨٩-١٩٧٣) متزامنين. فقد أصدر عبد الرازق الذي كان يعمل قاضياً شرعياً ومحاضراً في الأدب العربي في جامعة الأزهر - عقب عودته من بعثة في جامعة أكسفورد عقب الحرب العالمية الأولى، تحت عنوان: «الإسلام وأصول الحكم» (١٩٢٥). اما طه حسين فقط ذهب إلى فرنسا عام ١٩١٥ ليمضي أربعة أعوام حصل خلالها على شهادة الدكتوراه في موضوع عن ابن خلدون. وانتسب بعد عودته إلى الجامعة. وفي عام ١٩٢٦ أصدر كتابه: «في الشعر الجاهلي»
اثار الكتابان ضجة وحملات في الصحف والجامعات و البرلمان، أظهرت عدم قدرة المجتمع على تقبل حرية الفكر خاصة حين تتعرض لما يعتبر عقدياً. فقد جارى عبد الرازق اجواء الغاء تركيا الكمالية للخلافة علم ١٩٢٤ نهائياً وما شهده العالم الاسلامي من نقاشات حول الخلافة. فقد كانت فكرته تقول بأن الخلافة ليست جزءاً اصيلاً من الدين الاسلامي وانه لا يوجد نظام معين يمكن أن يسمى اسلامياً. ويؤكد على أن الرسالة النبوية روحية وأن النبي (ص) لم يرسل لممارسة أي سلطة سياسية. وقد أنشأ جماعة دينية وليس دولة، لذلك يرى أن الإسلام لا صلة له بشكل الخلافة كجزء من عقيدة التوحيد، مجرد اختراع للملوك والسلاطين لإضفاء القدسية والشرعية على نظمهم السياسية. وخلص إلى إمكانية أن يقتبسوا أحدث أشكال نظم الحكم التي عرفتها العقول البشرية35.
كان من الطبيعي أن تثور المؤسسة الدينية ضد هذه الآراء الجريئة، لذلك سارع الأزهر ممثلا في هيئة كبار علماء الأزهر إلى إدانته ودحض أفكاره على ضوء الكتاب والسنة، وفندوا سبع قضايا أوصلتهم إلى الحكم بأن عبد الرازق ليس مؤهلا لتولي أي منصب عام. وقضت الهيئة بعزله من جميع مناصبه القضائية والإدارية. واتسعت الحملة خارج الأزهر، خاصة بعد نشر التهم والترويج لها من قبل علماء دينيين. فالشيخ محمد بخيت اتهمه بهدم أحد أسس نظام العقيدة الإسلامية وهو الخلافة، وذلك لأن - تطبيق الشريعة جزء جوهري من الرسالة. ويرى أن نفي الخلافة يحرم الإسلام من الأداة التي يمكن بواسطتها انفاذ الشريعة. وهو يرجع موقف عبد الرازق إلى تأثر به الكتاب الغربيين أمثال توماس أرنولد الذين يقصدون أضعاف الإسلام بادئين بالخلافة، التي يقول عنها بخيت: - «ذلك الشبح الذي لو شاهده حتى في الحلم أشجع رجال أوروبا لارتعش خوفاً وهلعاً»36. وتمت محاصرة عبد الرازق ولم يجد نصيرا في هذا الوسط الديني الذي غلبت عليه السلفية، ويرى جدعان أن الاستثناء الوحيد في تأييد أفكاره جاء متأخرا في كتاب خالد محمد خالد: «من هنا نبدأ» (١٩٥٠) الذي ساند أفكار عبد الرازق وهاجم من أسماهم رجال الكهانة «وطالب الحكومات والمجتمعات التي تحترم دينها وتحرص عليه أن تبادر بكل وسيلة إلى:
«عزل هذه الكهانة الخبيثة وتنقية الدين من شوائبها»37. ومن الجدير بالذكر أن عبد الرحمن الكواكبي اقترب من مثل هذه الأفكار ولكنه لم يجد الشهرة والانتشار في زمنه. يقول بمبدأ فصل الدين عن الدولة باعتبار «إن الدين شيء والملك شيء آخر (...) وأن الدين امر وجداني محض لا علاقة له بشؤون الحياة الجارية على نواميس الطبيعة»38. وجاءت تجربة القانوني المصري عبد الرازق السنهوري (١٨٩٥-) في اتجاه دمج القانونين الغربي والإسلامي. وقد كان عملياً في تجربته أكثر من تنظير عبد الرازق. والذي اعتزل الحياة وتراجع عن بعض أفكاره في نهاية حياته.
كأن طه حسين أحد العقول الكبيرة المقتحمة للجديد مسلحاً بمنهج السك الديكارتي والنقد، وقد كان شديد التأثر بأوروبا وساعدته ظروف ما بعد الحرب العالمية الأولى وتطوراتها مثل مبادئ ويلسون حول تقرير المصير. فقد ظهرت مجموعات تجديدية على مستوى الثقافة والفكر اقرت بتفوق الحضارة الغربية. ولكن هذا لم يمنعهم من اتخاذ مواقف وطنية واضحة ضد الاستعمار الغربي بالذات الفرنسي والبريطاني. وكان الفصل واضحا من خلال تبني الاستقلال باعتباره وسيلة لتحقيق الشروط التي أدت إلى نهضة أوروبا، وهذه باختصار المرتكزات الفكرية للاتجاه الليبرالي العربي في فترة ما بين الحربين. وفي هذا السياق تأسس «حزب الأمة» والذي - كما يقول خدوري: - «اهتم بتركيز الأنظار على المسائل الثقافية والاجتماعية الراهنة، وهي المسائل التي لم تكن موضع اهتمام وبحث لدى الأحزاب السياسية الأخرى. فأفردت صحيفة الحزب (الجريدة) صفحاتها لكتاب شربوا من مناهل الفكر الغربي حتى الثمالة»39.
كذلك كان حزب الوفد يرى مصر المستقلة على ضوء مفاهيم الفكر الليبرالي باعتبارها دولة تقوم على الوحدة بين المسلمين والأقباط وعلى أساس «رابطة الولاء القومي المقدسة» أي المواطنة، وأن تكون حكومتها دستورية مع احترام الحقوق الفردية وتحرير المرأة وقيام الصناعة الوطنية كدعامة للاقتصاد الوطني»40. ولم يكن الحزب الدستوري استثناءً بل إضافة للتيار الليبرالي وكانت صحيفته (السياسة) منبرا للمفكرين الليبراليين التجديديين وعلى راسهم طه حسين. عرفت تلك الفترة كتابات أحمد أمين، وعباس العقاد، وتوفيق الحكيم، وعبد القادر المازني وغيرهم. وقد أثاروا كثيراً من القضايا في الثقافة والتربية والفنون والمرأة وكل ما يرتبط بالتقدير والنهضة.
تميز طه حسين بأكاديميته ومنهجيته حين تقارنه بهؤلاء وبالذات بالعقاد صاحب الإنتاج الغزير. وقد كان وجوده في الجامعة المصرية (تأسست عام ١٩٠٨ وأعيد تنظيمها عام ١٩٢٤ بمنحه من حكومة الدستور وكان لطفي السيد رئيس الجامعة) مؤثراً مكنه من تربية اجيال تؤمن بالتجديد بسبب منهجه العلمي في دراسة الأدب. وقد طبق مناهج النقد العلمي الحديث على الشعر الجاهلي. ولكن طه حسين قاد المعركة بين الجديد والقديم منذ فترة، ففي حوار مع مصطفى صادق الرافعي عام ١٩٢٣ حول مقال في جريدة (السياسة)، فتح الصراع بين المدرسة القديمة وتلك الجديدة التي ينتمي لها طه حسين ومن تعلموا في أوروبا. واعتبر وجود مدرستين ظاهرة طبيعية، ولكنه أكد على أن تقدم المجتمع مرهون بانتصار المجددين الذين هم بدورهم سيصبحون قدماء تتغلب عليهم مجموعة أخرى من المجددين. وصار رمزا للتيار الجديد بسبب هجومه القاسي على القدامى الذين عجزوا عن تحديه ولكنهم انتظروا فرصة الانتقام والتي جاءتهم مع نشر كتاب في الشعر الجاهلي41. فقد عبر عن شكه في اصالة نسبة الشعر الجاهلي لمرحلة ما قبل الإسلام واعتبر أغلب هذا الشعر منتحلاً وأرجعه إلى شعراء المسلمين. وأن الهدف من هذا الانتحال: - «دعم المزاعم السياسية والدينية، وارضاء النزعة إلى التنافس، وخدمة أغراض الرواة والمحدثين، وتزويد رواة الحديث النبوية وعلماء الدين أو مفسري القرآن بالمستندات والشواهد»42. ومن المفيد عرض بعض من مقدمة الكتاب لأنها تشكل مكونات منهجه البحثي، يكتب: - «... لنجتهد في أن ندرس الأدب العربي غير حافلين بتمجيد العرب أو الغض منهم، ولا مكترثين بنصر الإسلام أو النعي عليه ولا معنيين بالملاءمة بينه وبين نتائج البحث العلمي والأدبي ولا وجلين حيث ينتهي بنا هذا البحث إلى ما تاباه القومية وتنفر منه الأهواء السياسية أو تكرهه العاطفة الدينية. فإن نحن حررنا أنفسنا إلى هذا الحد فليس من شك في أننا سنصل ببحثنا العلمي إلى نتائج لم يصل إلى مثلها القدماء»43.
أدار الرافعي معركة شرسة ضد طه حسين، مستغلا المشاعر الدينية، وصفه بأنه أخطر ملحد في الإسلام وطلب من الحكومة أن تتخذ إجراءات ضد هذا الرجل الذي علم الطلاب الكفر والتجديف وأفسد عقولهم بالآراء الأوروبية المسيحية»44. ودخل علماء الأزهر في المعركة مطالبين بعقاب طه حسين، ورفع الموضوع إلى البرلمان وتسبب في معركة أخرى بين حزبي الوفد والأحرار الدستوريين. ونقلت المسألة إلى القضاء لتهدئة مشاعر الجماهير. وجاء القرار القضائي أكثر استنارة (٣٠/٣/١٩٢٧) ولم يجد قصداً جنائياً يبرر تهمة الكفر وإن كان قد اعتبر الحديث عن إسماعيل والنسب القريشي تعدياً على الدين.
لم تثن تلك الحملة والإرهاب الفكري، طه حسين، عن مواصلة مشروعه الفكري، فأصدر كتابه الموسوم: «مستقبل الثقافة في مصر» (١٩٣٨) الذي دعا فيه أن تكون مصر أوروبية أو بحر متوسطية في كل شيء دون عقدة نقص باعتبار ذلك هو المدخل الوحيد إلى التحديث. وركز على نوعية التعليم ودور الدولة في دعم التعليم وضرورة أن يكون علمانياً واستبدال المؤسسات الدينية بأخرى علمانية. وهنا ثار المحافظون والقدامى مجدداً ضده ولكن تغيرت الظروف الماضية، لأن مصر كانت تعيش ظروف الشعور بالاستقلال بعد توقيع اتفاقية ١٩٣٦ وإلغاء الامتيازات عام ١٩٣٧، وصار من الممكن طرح كل القضايا الخاصة بضمانات الحفاظ على الاستغلال.
العلمانية والإسلام المعاصر
ظلت معارك والصراعات القديم والجديد هي في الواقع مواجهة مع العلمانية إذ سرعان ما يحول المحافظون النزاع من ميدان الفن أو الفكر أو المجتمع إلى العقيدة أو الإيمان. فهم بقصد كسب التأييد يفضلون تديين أي اختلاف أو تطور ولذلك صار تاريخ العلمانية مرتبطاً بهذه المعارك. فالشعر الحديث واجه معارضة بسبب خروجه عن العمود التقليدي، والأهم من ذلك في المضمون لأنه استخدم الرموز والأساطير في بنائه. وكثيرا ما يفسر الشعر أو الأدب بمعايير أخلاقية أو دينية وليست فنية. فالمؤسسة الدينية حاولت أن تفرض رؤيتها حتى على خيال المبدعين. وتتجدد المعارك منذ أحمد زكي أبو شادي مرورا بالسياب والبياتي وعبد الصبور حتى أدونيس، في مجال الشعر. أما في القصة والرواية فقد كانت البداية بإحسان عبد القدوس مرورا بحيدر حيدر حتى أحلام مستغانمي. وفي السينما والمسرح تتصاعد المعارك باستمرار، وفي الأغاني والموسيقى ترتفع تهم الانحلال والسوقية والفجور. ومع صعود المد الاصولي الديني في السنوات الأخيرة، وصلت عملية تديين الفكر والثقافة والسياسة التي أطلقها الإخوان المسلمون المصريون عام ١٩٢٨، قمتها واقصى درجات تدخلها.
فرضت التطورات التاريخية المعاصرة على الفكر الإسلامي تقديم إجاباته على تحديات فكرية وحضارية غربية عظيمة في كون يتعولم بسرعة ويتداخل. وكانت البداية اعتذارية ودفاعية، فظهور كتاب مثل «شبهات حول الإسلام» لقطب، حاول الرد على اتهامات حقيقية أو متوقعة تثار ضد الإسلام، من بينها الموقف من المرأة أو الرق أو الرأسمالية أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو الفنون. وحاولت كتابات تلك الفترة تبرئة الإسلام من خلال التوضيح والقراءة الجديدة، من التهم التي قد توحي بتخلف الإسلام، خاصة وأن العالم الإسلامي كان في صدام مستمر مع الغرب سواءً في مرحلة الاستعمار أو الاستقلال. فقد شهد القرن التاسع عشر ثورات دينية مثل الوهابية والسنوسية والمهدية وحركات المقاومة التي قادها عبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي وعزالدين القسام. ولكن غلبة الاستعمار فرضت على المسلمين وضعية تقتضي من التفكير والتأمل في أسباب هزيمة المسلمين أو الإجابة على سؤال ارسلان: «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟» عنوان الكتاب الذي صار تساؤلاً محورياً يبحث عن عوامل الانتكاس والقعود وإمكانية النهضة. وكانت الإجابة لدى أغلب المفكرين المسلمين المعاصرين تكاد تجمع - كما يقول شفيق: «أن السبب الأول في انحطاطات المسلمين يرجع إلى التخلي بهذا القدر اوذاك عن تعاليم الإسلام وروحه في إقامة العدل، وتحقيق الوحدة، والحث على السعي والعمل وطلب العلوم والجهاد والاجتهاد»45.
اختلاف الإسلاميون حول بداية عملية الانحراف وأن كان الكثير منهم أرجع التدهور إلى قيام الملك العضوض أي قيام الخلافة الأموية وهذا رأي مفكرين مثل سيد قطب و أبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي وقد عبر مالك ابن نبي بقوله إن المرحلة بدأت حين رفع شعار: «الصلاة خلف علي اقوم والسير وراء معاوية أغنم أو الطعام معه أدسم «بدلا من اتباع الآية الكريمة: (إن صلاتي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له)46. ولكن هذا لا يعني أنه الإجماع فقد برأ البعض الأمويين من مسؤولية الانحراف الأول. وتم الاتفاق حول ضرورة العودة إلى أصل الإسلام، إسلام الكتاب والسنة المطهرة مع فتح باب الاجتهاد وضرورة وحدة المسلمين. وسادت فكرة العودة بقصد بناء الحضارة الإسلامية من جديد، وهذا موقف قاطع تجاه الحضارة الغربية، ولكن لم يصل إلى درجة رفضها كاملا بسبب استحالة ذلك في عصرنا هذا. وبقي سؤال ماذا نأخذ منها؟ وهنا برز سؤال العلمانية والعلمنة بقوة. وهناك قطاعات تجعل من محاربة العلمانية - داخلياً وخارجياً - الهدف الأول والأساس. ويتطرف البعض في تحديد ماهية العلمانية مما يقود للمواقف المتشنجة والمتعصبة، وعلى سبيل المثال لا الحصر يحلل الجندي العلمانية باعتبارها مؤامرة على الإسلام وهي نتاج يهودي تلمودي أصيل. ويربط بينها وبين الماسونية ومخططات الصهيونية والثورة الفرنسية وعصر التنوير47.
ظهرت بعض الأصوات الهادئة والعاقلة التي تتعامل مع العلمانية ومن قلب الفكر الإسلامي باعتبارها ظاهرة اجتماعية - تاريخية، لا بد للمسلمين من التعامل معها وتناولها كفكرة ومشروع بمنطق ووعي بالواقع والتاريخ. ويكتب جمال البنا عن ركائز علمانية الإسلام، ومن البداية يرفض أن نسحب لُبس المسيحية على الإسلام أي ما حدث في المسيحية يختلف عن تطور الإسلام. لذلك هناك جوانب لا يختلف فيها الإسلام مع العلمانية حتى يطغى التدين الأخروى على التدين الدنيوي»48. واول لبس يتم فهمه بإقرار أن مرجع المسلمين هو القرآن وليس المقررات الفقهية وفي هذا اختلاف مع الكنيسة التي كرست سلطة الكهنة (أو فقهاء المسيحية). ولذلك تنتفي المؤسسة الدينية في الإسلام لأنه دين بسيط مثل البيئة البسيطة والحرة التي جاء فيها (أي شبه جزيرة العرب) وكان دين الفطرة السليمة. واتسم الإسلام بسبب ذلك أنه قرر حرية الفكر وعبرت كثير من الآيات بأن مسألة الإيمان والكفر قضية شخصية لا تدخل فيها ولا اكراه. (صفحات الكتاب ١٥-٣٢). وأضاف لذلك تقرير الإسلام لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي من المنكر ويراه أحد ضمانات العلمانية فهو ترخيص بحرية الفكر وتأكيد عليها ايجاباً وسلباً. رغم أن الكثيرين أساءوا الفهم. ويقرر الإسلام التعددية ويستشهد البنا بالآية الكريمة: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين». (١١٨-١١٩ سورة هود). ويرى البنا أن الإسلام يأخذ بمبدأ عظيم الأهمية والخطورة، يسميه «مبدأ البراءة الاصلية» ويفسرها بأن الإنسان أصلا بريء ولكن يمكن أن ينزلق إلى الخطأ (قصة آدم) والتوبة دليل على البراءة الأصلية. ويستتبع ذلك أن يكون الأصل في الأشياء الإباحة، ويلاحظ أن القرآن يضيق من دائرة الحرام. وأخيرا يقدم نظريته المثيرة للجدل بأن الإسلام دين وأمة وليس دينا ودولة وهذا أقوى ما يجمع الإسلام والعلمانية ولكنه يحذر من الجوانب «الدنيوية» الزائدة في العلمانية الغربية والتي قد تبيح كثيرا مما يرفضه ويحرمه الإسلام. ويرى أن المسيحية نفسها ترفض الاقتصار على الحياة الدنيا. ويركز على نقاط الاتفاق فيما يتعلق بعلمانية الحكم49.
يرجع البعض أسباب تخلف المسلمين لعوامل أخرى مما لا يستوجب العودة إلى أصول الدين بالضرورة ولكن مراجعة التاريخ القريب. يقول أحد الباحثين: - «لم تنجز حركة النهضة العربية وعودها أبدا، فقد أخلفت كثيراً ما وعدتنا به طوال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولم تظهر الدولة القومية الحديثة المستندة إلى الدساتير المعاصرة وإلى القوانين المتغيرة. والكيانات العربية التي تناثرت فوق هذه الجغرافيا شهدت قيام دول هجينة مشلولة جراء أصفادها الدينية العتيقة، وغير قادرة في الوقت نفسه، على التقدم خطوة واحدة إلى الإمام»50. لذلك لابد من إرغام هذه الدول على قبول مقتضيات العصر ويشبه هذا الوضع بما حدث للكنيسة في أوربا، ويرى في العلمانية مواجهة ليست مع الدين ولكن مع السلفيات والأصوليات خاصة حين تحاول أن تقف ضد النظريات العلمية أو ضد الفهم الجديد والتأويل للدين، أو ضد ثقافة التعصب والكراهية والقتل المجاني أو تعطيل الفكر النقدي في الدول الإسلامية.
تعتبر مؤلفات محمد أركون مكرسة لإثبات علمنة المجتمعات الإسلامية، أو كما تساءل عنوان صحفي لمناظرة بين أركون وزعيم الحزب الليبرالي الهولندي: «هل يمكن اسلمة العلمنة أو علمنة الإسلام؟» (صحيفة القاهرة ٧ سبتمبر ٢٠٠٤). ويتكرر نقاشه حول العلمنة والإسلام في كثير من الكتابات وهذا وضع طبيعي بسبب تخصصه واهتمامه بمجموعة علوم إنسانية متكاملة حاول أن يخضع لها دراسة الإسلام، وهو يعتبر هذه العملية نفسها علمنة أي جعل الدين موضوعا للعلم. ويقول إنه رغم القول الشائع بأن الإسلام لا يسمح بأي نوع من أنواع العلمنة، إلا أن هذا القول غير صحيح لو فهمنا العلمنة بأنها ليست مجرد التفريق البسيط بين الشؤون الروحية والشؤون الزمنية. ويعتقد أركون: «أن المجتمعات العربية والإسلامية منخرطة اليوم أكثر من أي وقت مضى في تاريخ علماني معلمن. هذا على الرغم من المظاهر والقشور الخارجية التي تجعلنا نعتقد العكس. فمنذ مرحلة الاستعمار التي زادت من تأثيرها ووسمته أيديولوجية التنمية بعد الاستقلال راحت هذه المجتمعات تتبنى كل سمات الحداثة المادية وأشكالها. هذا الانخراط الكامل في خط الحداثة المادية هو الذي يفسر لنا بالضبط سبب نجاح الحركات المدعوة أصولية أو سلفية والتي تنادي بالتطبيق الكامل للقانون الإسلامي والتعاليم الإسلامية»51.
يرى أركون أن مستقبل العلمنة في الإسلام يعتمد أساسا على الانتشار الواسع لما يدعوه الحداثة العقلية أو الفكرية. وهو لا ينفي دور التغيير السياسي والاقتصادي من أجل نشر الثقافة التحررية، ولكنه يصر على القول بأن الحداثة العقلية والفكرية هي الوسيلة الأكثر إلحاحا وفعالية للشروع في إعادة تقييم شاملة للإسلام، ويعطي مثالا لموقف الطبقة الوسطى والبورجوازية الجديدة تجاه مستقبل الإسلام ودوره الراهن، فهم رغم تمتعهم بكل الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية مستعدون لتبني الآراء المحافظة في الإسلام لأنهم لا يمتلكون الوسيلة للتوصل إلى الحداثة العقلية. وهناك مثال الكثير من طلاب كليات الهندسة والطب والعلوم الذين ينتسبون للحركات الأصولية والسلفية لعدم معرفتهم الآراء النقدية السائدة. فالمجتمعات الإسلامية رغم النزعة المادية في الاستهلاك وتستخدم وتستورد كل منتجات الغرب المادية، تقف - وحتى الثوريين - ضد العلمنة كذريعة وأيديولوجيا لنقد إلحاد الغرب وماديته. ومن ناحية تاريخية، يرى أن العلمنة كانت متضمنة باستمرار في التجربة الإسلامية، فهو يصنف حتى مجتمع المدينة كشكل للعلمنة لأنه واجه قضايا إنسانية وعملية، والدولة الأموية والعباسية هي دولة علمانية وليست دينية رغم التنظير الأيديولوجي الذي حاول تغطية الواقع السياسي، وقد لعبت القوة العسكرية وليست سلطة الفقهاء ورجال الدين دورا هاما في صراع السلطة خلال كل العهود، يضاف إلى ذلك محاولات عقلنة العلمية الممارسة واقعاً في المجتمعات الإسلامية من قبل بعض الفلاسفة المسلمين ولكن لم ينظر لها رغم الجهد لتطوير موقف علماني52.
واجهت الحداثة الفكرية صعوبات عصيبة وكل محاولات تأسيس فكر نقدي كان عليها أن تستعد لمواجهته تهم التكفير و الإلحاد والوقوف في المحاكم والفصل من العمل والملاحقة وحتى الاغتيال كما حدث في لبنان ومصر والجزائر واليمن (مثل فرج فودة وجار الله عمر وحسين مروة ومهدي عامل) فقد كان كتاب صادق جلال العظم «نقد الفكر الديني هو التجربة الأولى بعد كتاب طه حسين: في الشعر الجاهلي، وهذا يعني أن الساحة العربية طوال أربعين عاماً تجارب كبرى في ميدان النقد الفكري عدا كتابات أدبية مثل رسالة محمد أحمد خلف الله الجامعية عن الصور الفنية في القرآن أو كتابات عبد الله القصيمي الصحفية الزاعقة. وجاء كتاب العظم عقب هزيمة 5 يونيو ١٩٦٧ - حسب رأيه - كمطلب وضرورة لنقد الفكر الغيبي والذهنية الدينية، فقد توصل إلى فرضية تقول: «إن الأيديولوجية الدينية على مستويها الواعي والعفوي هي السلاح النظري الأساسي والصريح بين الرجعية العربية في حربها المفتوحة ومناوراتها الخفية على القوى الثورية والتقدمية في الوطن. كما أن بعض الأنظمة التقدمية العربية وجدت في الدين عكازا تتكئ عليها في تهدئة الجماهير وفي تغطية العجز والفشل الذي فضحته الهزيمة عن طريق مماشاة التفسيرات الدينية والروحانية للانتصار الإسرائيلي والخسارة العربية وصمتها حول الميل إلى انتظار النصر الجديد من عند الله53.
ويرى أنه مع هذا الوضع لم تهتم حركات التحرر العربي بواجبات التصدي الفكري والعملي لهذا السلاح عن طريق التحليل العلمي النقدي لفضح أنواع التزييف والاستلاب التي تفرضها الأيديولوجية الدينية على الإنسان العربي. وكان المفكرون التقدميون يعتقدون بآلية التغيير الفكري فوراً مع تغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ورغم أهمية ذلك ولكن التحول ليس ميكانيكياً بهذه البساطة في البناء الفوقي (الفكر والثقافة). ولكن العظم دخل في معارك مع رجال الدين ووصل الأمر إلى المحكمة التي برأته والناشر بشير الداغوق من تهمة التحريض على إثارة النعرات الطائفية من خلال كتابه، ويقول الادعاء: تطرق المدعى عليه صادق إلى الأديان السماوية عامة وإلى الدين الإسلامي خاصة وضمن أبحاثه تشكيكاً في هذه الديانات وتجريحا وتهكماً وازدراءً فما تحتويه من أقوال وتعاليم حتى أضحت الأبحاث الواردة فيها خارجة عن حدود البحث العلمي الصرف وتعدته إلى نطاق المحظور المعاقب عليه قانونا54. وقررت المحكمة يوم ٧ يوليو ١٩٧٠ إبطال التعقبات الجارية لعدم توافر عناصر الجريمة.
تراجعت إضافات الفكر النقدي مع المد الأصولي الذي أطلقته الفورة النفطية بعد ١٩٧٥ والتدخل السوفيتي في أفغانستان والثورة الإيرانية وأخيرا جاءت أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ ولجأ الفكر العربي - الإسلامي في أحسن حالاته إلى المطالبة بالتجديد الديني أو الإصلاح أو التوفيقية. وصارت كلمة العلمانية سيئة السمعة تربط بالإلحاد وإبعاد الدين عن الحياة والأخطر من ذلك ربطها بمخططات غربية أو أمريكية من خلال طابور خامس يمثله العلمانيون. وأصبحت الكلمة لدى المحافظين تشمل كل شيء بما في ذلك أغاني الفيديو كليب الهابطة وموضات اللبس والأكل. وهذا يحدث بسبب التديين الفائض لكل شيء والتقسيم المانوي إلى ديني أو لا ديني. لذلك نجد من يتجنب كلمة «علمانية» لكي يستطيع المناقشة أو إبداء رأى مختلف عن المحافظين.
يقترح الجابري استبعاد شعار العلمانية من قاموس الفكر القومي العربي وتعويضه بشعاري الديمقراطية والعقلانية، باعتبارهما يعبران تعبيرا مطابقا عن حاجات المجتمع العربي. ويصف مسألة العلمانية بأنها مزيفة بمعنى أنها تعبر عن حاجات بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات. فالحاجة إلى الاستقلال في إطار هوية قومية واحدة، والحاجة إلى الديمقراطية التي تحترم حقوق الأقليات، والحاجة إلى الممارسة العقلانية السياسة، هي حاجات موضوعية حسب الجابري ومطالب ضرورية ومعقولة في العالم العربي. ويعتقد أنها تفقد معقوليتها وضروريتها بل مشروعيتها عندما يعبر عنها بشعار ملتبس كشعار العلمانية. وهو يطالب الفكر العربي بمراجعة مفاهيمه وتدقيقها وجعل مضامينها مطابقة للحاجات الموضوعية المطروحة، ويضيف أن لا الديمقراطية ولا العقلانية تعنيان استبعاد الإسلام55. ويلاحظ أن الجابري يعتبر المسألة وكأنها مجرد كلمات أو مفاهيم تغير، ولكن ما قد يحدث على أرض الواقع الإسلامي مع الديمقراطية والعقلانية هو من قلب عملية العلمنة. فحين تقوم الدولة على حق المواطنة يستبعد الدين كدستور أو مصدر وحيد للتشريع ويساوى مع الأديان الأخرى وهذا ما لا يرضاه المحافظون ودعاة تطبيق الشريعة. كذلك ما هو مدى خضوع النص الديني للعقل؟
تمتلئ الساحة بالحديث عن تجديد الخطاب الديني أو الفكر الديني ومازالت بقايا تيارات اليسار الإسلامي (حسن حنفي) وجماعة ١٥، ٢١ التونسية وأنصار شريعتي في إيران، ومجلة المسلم المعاصر، مجلة المنطلق، وإصدارة المنبر الدولي للحوار الإسلامي (لندن) إسلام ٢١ وحزب الوسط وحزب التنمية والعدالة (المغرب) وتجربة تركيا، وأنصار الأستاذ محمود محمد طه في السودان وغيرها. كل هذه اجتهادات تسعى إلى القبول بالعلمنة والعولمة أيضا دون ذوبان وأن تتجنب إسلام بن لادن والزرقاوي. وتنسب نفسها إلى إسلام ليبرالي أو لخطاب نقدي إسلامي أو حتى لاهوت تحرير إسلامي. فالعلمانية أو العلمنة ضرورة تاريخية ويجسدها الواقع والتاريخ مهما كانت التجليات والأشكال، ولكن العقل الإسلامي لم يجد لها التنظير الملائم ومازال الفكر الإسلامي بعيدا عن نموذج إرشادي (paradigm) إسلامي معلمن.
اعطت الموجة الحالية لنقاشات المجتمع المدني ابعاداً أخرى للمفهوم، إذ ربط بعض المفكرين بين العلمنة وتطور المجتمع المدني. ففي سؤال موجه لمطاع صفدي: - «الا ترون أن العلمنة ضرورية لتجسيد مجتمع مدني يؤمن بحقوق الإنسان، كيف ترون سبل تحقيق ذلك أمام المد الغيبي الذي تشهده المنطقة العربية؟ يشير صفدي في رده الي أن هناك نوعين من الايديولوجيا المعلنة والمضمرة، المعلنة منها معروفة تتبناها تيارات سياسية ودينية والمضمرة وهي الأخطر لم يجر الكشف عنها وخاصة في خلفية العقل العربي الاسلامي. وتفعل الأيديولوجيا المضمرة من تحت اقنعة عديدة اجتماعية وثقافية وحتى عاطفية وهي حرة في الحركة والتأثير لا تخشى من افتضاحها لأنه ليس ثمة من يشعر بخطرها الحقيقي ويؤكد تقصير الموقف العلمي أصلا وشبه انعدام سلطة أخري للفكر، جعلا الايديولوجيا المضمرة تصول وتجول في كل ميدان فهي تقف حجر عثرة كبرى في وجه وعينا، ويرى أن المجتمع المدني هو محاولة لوضع نظام موضوعي ينأى بقدر الامكان عن تأثير الفعاليات الغيبية في الذات الإنسانية من افراد وجماهير. ويؤكد أن تحقيق المجتمع المدني يتطلب نوعا من الثورة الدائمة على الذات وكبح جماح الفعاليات الغيبية، وتغليب المصلحة الفعلية للعلاقات ما بين المجتمعية على العلاقات ما بين الفئوية. ويضيف بأن هناك صراعا دائما بين عقل الانفتاح وبين هذه البروليتارية الغيبية التي تمارس قمع ذاتها من داخلها بدون أية حراسة أو نظام قمعي خارجي... أنها مانعة الحرية الكبرى عن ذاتها وعن كل آخر. فالعلمنة كفاح ثقافي بالدرجة الأولى، ويمكن للقوى السياسية - والاجتماعية أن تمنعه أو تساعده56.
الهوامش
-
البرت حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة ١٧٩٨-١٩٣٩، بيروت، دار النهار. الطبعة الرابعة، ١٩٨٦ ص ٢٩٣. ↩
-
كمال عبد اللطيف، مصدر سابق، ص ٤١. ↩
-
نفس المصدر السابق، ص ٤١-٤٢. ↩
-
محمد كامل الخطيب: المجتمع المدني والعلمنة. دمشق، دار الينابيع (ب. ت) ص ٢٠٧. ↩
-
عزيز العظمة، مصدر سابق، ص ١٢٥. ↩
-
البرت حوراني، مصدر سابق، ص ٢٩٣. ↩
-
جان دايه: الإمام الكواكبي - فصل الدين عن الدولة. لندن، شركة سوراقيا، ١٩٨٨، ص ٢٣. ↩
-
فرنسيس فتح الله مراش: غابة الحق، بيروت، دار المدى، ٢٠٠٢، ص ٣٦. ↩
-
نفس المصدر السابق، ص ٧١-٩٦. ↩
-
نفس المصدر السابق، ص ٧. ↩
-
البرت حوراني، مصدر سابق، ص ٢٩٧. ↩
-
نفس المصدر السابق، ص ٣٠٣. ↩
-
فرح أنطون: الدين والعلم والمال، دار المدى، دمشق ٢٠٠٢ (صادر في مشروع الكتاب للجميع صحيفة القاهرة ١٧ ديسمبر ٢٠٠٢) ص ٥١. ↩
-
نفس المصدر السابق، ص ٩٧-٩٨. ↩
-
البرت حوراني، مصدر سابق، ص ٣٠٦. (١٧) فرح أنطون، مصدر سابق، ص ٦٠. ↩
-
فرح أنطون، مصدر سابق، ص ٦٠. ↩
-
نفس المصدر السابق، ص ٦١. ↩
-
البرت حوراني، مصدر سابق، ص ٢٤١. ↩
-
صدر في باريس: منشورات اليقظة، رقم ٩، (ب. ت) عن مجلة الإمام (الإسكندرية) أغسطس ١٩٣٧. ↩
-
مجيد خدوري: الاتجاهات السياسية في العالم العربي بيروت، الدار المتحدة للنشر، ١٩٧٢، ص ٧١. ↩
-
جمال الدين الأفغاني: الرد على الدهريين. القاهرة السلام العالمية، (ب. ت)، ص ١٥. ↩
-
نفس المصدر السابق، ص ٦٠. ↩
-
العظمة، مصدر سابق، ص ١٨٠. ↩
-
مكسيم رودنسون: الإسلام سياسة وعقيدة. ترجمة أسعد صقر بيروت، دار عطية ١٩٩٩، ص ٣١. ↩
-
محمد عمارة في كتاب «حوارات حول الشريعة» إعداد أحمد جودة. القاهرة، دار سينا ١٩٩٠، ص ٧٤-٧٥. ↩
-
جورج قرم: تعدد الأديان وأنظمة الحكم. بيروت، دار النهار، ١٩٩٢، ص ٢٢٦. ↩
-
المنصف عبد الجليل: قراءة النص. تونس (ب. ت) ص ٤٤. ↩
-
الحوادث والبدع، تحقيق محمد الطالبي، تونس، ١٩٥٩ ص ٧٢. (٣٠) طارق البشري: مؤسسات الدولة في النظم الإسلامية. مجلة منبر الحوار، العدد ١٤، صيف ١٩٨٩، ص ٧٩. ↩
-
طارق البشري: مؤسسات الدولة في النظم الإسلامية. مجلة منبر الحوار، العدد ١٤، صيف ١٩٨٩، ص ٧٩. ↩
-
علي محمد جعفر: تاريخ القوانين ومراحل التشريع الإسلامي، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات، ١٩٨٩، ص ١٧٧-١٧٩. ↩
-
المصدر السابق، ص ٢٣٩ عن المستصفى الغزالي، ج ١ ص ١٧. ↩
-
كولسون: في تاريخ التشريع الإسلامي. ترجمة محمد أحمد سراج، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات ١٩٩٢، ص ٧٩. ↩
-
أحمد أمين: فجر الإسلام. القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، ١٩٩٩، ص ٢٨٢. ↩
-
أحمد أمين: فجر الإسلام. القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، ١٩٩٩، ص ٢٨٢. ↩
-
راجع كتاب علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم. دراسة ووثائق، محمد عمارة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ١٩٧٢. ↩
-
البرت حوراني، مصدر سابق، ص ٢٣١. ↩
-
فهمي جدعان: نظرية التراث ودراسات عربية وإسلامية أخرى. عمان، دار الشروق، ١٩٨٥، ص ٦٦. ↩
-
جان دايه، مصدر سابق، ص ٨٩. والكواكبي هو مؤلف طبائع الاستبداد وأم القرى. ↩
-
مجيد خدوري، مصدر سابق، ص ٢٢٧. ↩
-
البرت حوراني، مصدر سابق، ص ٢٨٧. ↩
-
مجيد خدوري، مصدر سابق، ص ٢٣١. ↩
-
نفس المصدر السابق، ص ٢٣٢. ↩
-
طه حسين: في الشعر الجاهلي، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية، ١٩٢٩، ص ١٤. ↩
-
كتاب الرافعي: تحت راية القرآن: المعركة بين القديم والجديد في القاهرة، ١٩٦٩) اورده خدوري، ص ١١١. ↩
-
منير شفيق: الفكر الإسلامي المعاصر والتحديات. تونس، دار البراق، ١٩٨٩، ص ١٩. ↩
-
مالك بن نبي: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي. ترجمة محمد عبد العظيم على. تونس، دار الحكمة، ١٩٨٥، ص ٢١٥. ↩
-
أنور الجندي: سقوط العلمانية، بيروت، دار الكتاب اللبناني، ١٩٧٣، ص ١٠٧. ↩
-
جمال البنا: موقفنا من العلمانية، القومية الاشتراكية. القاهرة، دار الفكر الإسلامي، ٢٠٠٣، ص ٤. ↩
-
نفس المصدر السابق ص ٣٨-٤٧. ↩
-
صقر أبو فخر: العلمانية ودولة الإسلام في مجلة فكر العدد ٨٦ ديسمبر ٢٠٠٤ ص ٣٨. ↩
-
محمد أركون: الفكر الإسلامي - قراءة علمية. ترجمة هاشم صالح، بيروت، مركز الإنماء العربي، ١٩٨٧ ص ١٨١. ↩
-
نفس المصدر السابق، ص ١٨٢. ↩
-
صادق جلال العظم: نقد الفكر الديني. بيروت، دار الطليعة، الطبعة الثامنة، ١٩٩٧، ص ٧. وأورد المؤلف رسالة لاسلكية من عبد الناصر إلى الملك حسين يقول من الهزيمة «فليكن فيما نختاره في هذه اللحظة الحاسمة وإن كان اختيارا عصيبا.. وهذه إرادة الله في إرادته لنا خيرا. أننا نؤمن بالله ولا يمكن أن يتخلى عنا، ولعل الأيام القادمة تأتينا بنصر من عنده سعد جمعة، المؤامرة ومعركة المصير. بيروت، دار الكاتب العربي ١٩٩٨، ص ٢٣٩. ↩
-
نفس المصدر السابق، ص ١٩٧. ↩
-
محمد عابد الجابري: الدين والدولة وتطبيق الشريعة. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٩٩ ص ١٠٨-١١٤. ↩
-
رضا الملولي في الحداثة والتقدم. حوارات فكرية تونس، نقوش عربية، ١٩٩٩ ص ٤٣. ↩
Get new additions by email
We are adding Hayder Ibrahim Ali's books, articles and photos over time. Leave your email and we'll let you know what's new.