About Hayder · جبير بولاد
وَدَاعًا الطَّاوُ الأَكْبَرُ … وَدَاعًا الْمُفَكِّرُ حَيْدَرُ إِبْرَاهِيم
«الْخُلُودُ لَيْسَ بَقَاءَ الْجَسَدِ، بَلْ هُوَ مَا نَتْرُكُهُ فِي وَعْيِ الْآخَرِينَ»
— سِيمُونُ دِي بُوفْوَار
بِأَجْنِحَةٍ رَقِيقَةٍ وَشَفَّافَةٍ تَخَلَّلَتْهَا تَجْرِبَةُ مُوَاجَهَةِ آلَامِ الْمَرَضِ، رَحَلَ عَنْ دُنْيَانَا الْمُفَكِّرُ الصَّدِيقُ وَالْإِنْسَانُ دُكْتُورُ حَيْدَرُ إِبْرَاهِيمُ عَلِيّ.. ظَلَّ دكتور حَيْدَرُ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ يَرْحَلُ عَنَّا بِبُطْءٍ، وَلَكِنَّنَا كُنَّا رَابِطِي الْجَأْشِ بِسَبَبِ الْبَسَالَةِ الَّتِي كَانَ يُبْدِيهَا وَهُوَ طَرِيحُ الْفِرَاشِ وَمُلْتَزِمُ الْمَنْزِلِ تَارَةً وَأُخْرَى فِي الْمُسْتَشْفَى.. كَانَ حَيْدَرُ مُدْرِكًا تَمَامًا لِمِيقَاتِ الرَّحِيلِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مَشْغُولَ الْعَقْلِ وَمُنْفَعِلَ الرُّوحِ وَمُتَنَاسِيًا آلَامَ الْجَسَدِ. كُنْتُ كُلَّمَا الْتَقَيْتُهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ تَحَادَثْنَا عَلَى الْبُعْدِ أَبْتَدِرُهُ مُسَالِمًا بِلَقَبِ «الطَّاوِ الْأَكْبَرِ»، وَكَانَ يَبْتَسِمُ وَيَرُدُّ: «مِشْ كِدَا»!.. كُلَّمَا تَسْأَلُ حَيْدَرَ عَنِ الصِّحَّةِ، بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَكَ تَلْخِيصًا سَرِيعًا، يَهْرَعُ فَوْرًا لِمُنَاقَشَةِ آخِرِ فِكْرَةٍ جَمَعَتْكُمَا، أَوْ يُبَاغِتُكَ بِفِكْرَةٍ جَدِيدَةٍ وَمَشْرُوعٍ كَبِيرٍ بِدَرَجَةٍ تُذْهِلُكَ، وَيَجْعَلُكَ تَتَسَاءَلُ: هَلْ تَبْقَى فِي الْعُمْرِ مَسَاحَةٌ لِتِلْكَ الْأَفْكَارِ وَالْمَشَارِيعِ الْعَظِيمَةِ! وَلَكِنْ لِأَنَّ رُوحَ «الطَّاوِ الْأَكْبَرِ» تَنْدَغِمُ فِي الْكَوْنِ وَالْوُجُودِ، كَانَ حَيْدَرُ دَوْمًا كَمَوْلُودٍ جَدِيدٍ يَفْتَحُ الزَّمَنَ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ لِمَزِيدٍ مِنَ الْفِكْرِ وَالْعَطَاءِ الْمَعْرِفِيِّ وَدُرُوبِ الِاسْتِنَارَةِ، وَلِأَنَّهُ عَاشَ كَطَاوٍ أَكْبَرَ، بِالرَّغْمِ مِنْ مَعْرِفَةِ النَّاسِ بِهِ كَعَلْمَانِيٍّ أَصِيلٍ مُخْلِصٍ لِتَحَرُّرِ الْعَقْلِ وَقِيَمِ الْحُرِّيَّةِ.
الطَّاوِيَّةُ مَدْرَسَةٌ رُوحَانِيَّةٌ عَتِيدَةٌ، مُؤَسِّسُهَا هُوَ الْفَيْلَسُوفُ «لَاتْسُو تِي تْشِينْغ»، وَهُوَ مُعَاصِرٌ لِـ«كُونْفُوشْيُوس»، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَكْبَرَ سِنًّا مِنْهُ. تَحْكِي لَنَا مَرْوِيَّاتُ التَّارِيخِ أَنَّ «كُونْفُوشْيُوس» زَارَهُ وَطَلَبَ مِنْهُ الْحِكْمَةَ، وَكَانَ مُعْجَبًا بِهِ إِلَى دَرَجَةِ تَسْمِيَتِهِ بِـ«التِّنِّينِ» الَّذِي لَا يُمْكِنُ التَّنَبُّؤُ بِمَسَارِهِ، أَيْ مَسَارِ فِكْرِهِ. وَصَدِيقُنَا الْمُفَكِّرُ حَيْدَرُ كَانَ تَمَامًا كَالتِّنِّينِ؛ لِأَنَّكَ مَهْمَا عَرَفْتَهُ لَا تَعْرِفُ لِمَسَارَاتِ تَفْكِيرِهِ وَابْتِكَارَاتِهِ اتِّجَاهًا، فَهُوَ دَوْمًا يُدْهِشُكَ بِتَحْوِيلِ الْأَفْكَارِ الْمُسْتَحِيلَةِ إِلَى وَاقِعٍ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ. لِذَلِكَ، قَبْلَ ثَلَاثِينَ عَامًا، عِنْدَمَا قَرَّرَ تَأْسِيسَ مَرْكَزِ الدِّرَاسَاتِ السُّودَانِيَّةِ، وَرَغْمَ التَّحَدِّيَاتِ وَالْحَوْجَةِ وَالْفَاقَةِ فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ، إِلَّا أَنَّهُ بِإِصْرَارِهِ الْمَعْهُودِ جَعَلَ الْمَرْكَزَ حَقِيقَةً مُعَاشَةً وَقِيمَةً عَاشَتْ طَوِيلًا. ثُمَّ إِنَّ حَيْدَرَ، وَبَعْدَ أَنْ أَسَّسَ الْمَرْكَزَ، تَوَحَّدَ مَعَهُ رُوحِيًّا، لِذَلِكَ الْمَرْكَزُ أَصْبَحَ، رَغْمَ فَتَرَاتِ التَّحَدِّيَاتِ الْجِسَامِ السِّيَاسِيَّةِ وَالْمَادِّيَّةِ وَالْجُغْرَافِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ ظَلَّ مِثْلَ طَائِرِ الْفِينِيقِ يَقُومُ كُلَّ مَرَّةٍ مِنْ رَمَادِ تَجْرِبَتِهِ بِجَسَدٍ جَدِيدٍ، مُقْدَامٍ وَمُعْطٍ وَمُدْهِشٍ، كَصَاحِبِهِ.
الطَّاوِيَّةُ لَيْسَتْ كَالتَّصَوُّفِ، وَإِنْ كَانَتْ تَجْمَعُهُمَا رُوحَانِيَّةٌ شَفِيفَةٌ أَبْرَزُهَا سِمَةُ الزُّهْدِ. لَمْ تَعْتَمِدِ الطَّاوِيَّةُ سُلَّمِيَّةَ الْمَقَامَاتِ كَالتَّصَوُّفِ، وَلَكِنَّهَا تَعْتَمِدُ الِانْسِجَامَ الْكَامِلَ مَعَ الْوُجُودِ وَطَبِيعَتِهِ فِي فِكْرَةِ التَّخَلِّي عَنْ مَرْكَزِيَّةِ الْأَنَا إِلَى وَعْيٍ أَوْسَعَ. لِذَلِكَ دُكْتُورُ حَيْدَرَ كَانَ ضِدَّ فِكْرَةِ التَّمَلُّكِ الشَّخْصِيِّ لِلْأَشْيَاءِ (الْمَنْزِلِ، السَّيَّارَةِ، ...إلخ)، وَكَانَ يُنَافِحُ عَنْ هَذِهِ الْفِكْرَةِ بِطُرُقٍ ذَكِيَّةٍ وَمُفْحِمَةٍ إِنْ نَاقَشْتَهُ، وَلِذَلِكَ حَتَّى رَحِيلِهِ لَمْ يَمْتَلِكْ لَا بَيْتًا وَلَا سَيَّارَةً، لِأَنَّهُ صَادِقٌ مَعَ فِكْرَةٍ تَمَثَّلَهَا وَذَابَ فِيهَا كَمَا يَذُوبُ الرُّوحَانِيُّ فِي مَشْهَدِهِ. لِذَلِكَ كُنْتُ عَلَى الصَّعِيدِ الشَّخْصِيِّ لَا أَعْتَبِرُ دُكْتُورَ حَيْدَرَ عِلْمَانِيًّا خَالِصًا كَمَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ مُعْظَمُ النَّاسِ، وَمَنْ يَعِشْ قَرِيبًا مِنْهُ يَكْتَشِفْ أَنَّ لِحَيْدَرَ رُوحَانِيَّةً خَاصَّةً مُسْتَشِفَّةً مِنْ فَهْمِهِ الْعَمِيقِ لِمَاهِيَّةِ الْإِنْسَانِ وَرِسَالَتِهِ وَعَلَاقَتِهِ بِالرُّوحِ الْكَوْنِيِّ وَالْوُجُودِ، وَعِبَارَتِهِ «إِنَّ لِلدِّينِ مَعْنًى فِي حَيَاةِ النَّاسِ». هَذِهِ الْعِبَارَةُ يَجِبُ الْوُقُوفُ عِنْدَهَا وَفَهْمُهَا فَهْمًا عَمِيقًا؛ لِأَنَّهَا تَصْدُرُ مِنْ مُفَكِّرٍ يَقْصِدُ الْعِبَارَاتِ تَمَامًا حِينَ يُطْلِقُهَا.
قَبْلَ نَحْوِ ثَلَاثِينَ عَامًا عَرَفْتُ دُكْتُورَ حَيْدَرَ مُصَادَفَةً حِينَ انْبَثَقَتْ فِكْرَةُ مَرْكَزِ الدِّرَاسَاتِ السُّودَانِيَّةِ، وَوَصَلَتْ أُولَى إِصْدَارَاتِهَا الْمُحْتَشِدَةُ بِالْعَنَاوِينِ وَالْمَوْضُوعَاتِ، وَشِعَارُهُ الْمُلْفِتُ «مُحَارَبَةُ الْبَيَاضِ وَالْمُشَافَهَةِ». كُنْتُ حِينَئِذٍ فِي بَيْرُوتَ صَبِيًّا، أَتَغَشَّى مَكْتَبَاتِهَا وَأَنْسَامَهَا الْمُتَوَسِّطِيَّةَ مَعَ رُفْقَةٍ لَطِيفَةٍ. عَرَفْتُ فِيمَا بَعْدُ أَنَّ الْمَرْكَزَ وَاجَهَ صُعُوبَاتِ الْبِدَايَاتِ، وَلَكِنْ تَحْتَ إِلْحَاحٍ وَإِصْرَارِ دُكْتُورِ حَيْدَرَ وَقِلَّةٍ قَلِيلَةٍ حَوْلَهُ، جَعَلَ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ مُمْكِنًا، وَتَلَغَّفْنَا فِي بَيْرُوتَ وَقْتَهَا بَاكُورَةَ الْإِصْدَارَاتِ، وَكَانَتْ رَاسِخَةَ الْعَنَاوِينِ وَالْمَوْضُوعَاتِ مُقَارَنَةً مَعَ مَشْرُوعٍ كَانَ فِي بَدَايَاتِهِ وَمَرَاحِلِ تَأْسِيسِهِ الْأُولَى.
كَانَتْ هُنَالِكَ سَيِّدَةٌ لُبْنَانِيَّةٌ صَدِيقَةٌ لِدُكْتُورِ حَيْدَرَ، لَدَيْهَا مَكْتَبَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْجَامِعَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ بِبَيْرُوتَ، وَكَانَتْ فِي غَايَةِ اللُّطْفِ وَالثَّقَافَةِ، وَوَجَدْنَا عِنْدَهَا إِصْدَارَاتِ الْمَرْكَزِ الْأُولَى. مِنْ هَوْلِ الْمُفَاجَأَةِ وَالْفَقْرِ الَّذِي كَانَتْ تُعَانِيهِ الْمَكْتَبَةُ السُّودَانِيَّةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ (بَعْدَ مُنْتَصَفِ التِّسْعِينِيَّاتِ)، عُدْنَا فِي الْيَوْمِ التَّالِي، وَقُمْنَا بِصَرْفِ كُلِّ مَا نَمْلِكُ لِشِرَاءِ كُلِّ الْإِصْدَارَاتِ الَّتِي أَمَامَنَا خَوْفَ نَفَادِهَا، ثُمَّ عَكَفْنَا عَلَيْهَا قِرَاءَةً وَمُنَاقَشَاتٍ. بَعْدَهَا تَوَاصَلْتُ مَعَ دُكْتُورِ حَيْدَرَ كِتَابَةً، وَحِينَئِذٍ كَانَتِ الْوَسِيلَةُ لِلتَّوَاصُلِ الْخِطَابَاتُ الْوَرَقِيَّةُ وَالْبَرِيدُ، شَافِعًا رِسَالَتِي بِنَصٍّ لِصَدِيقٍ فِي السُّودَانِ لِنَشْرِهِ ضِمْنَ أَعْدَادِ مَجَلَّةِ الدِّرَاسَاتِ السُّودَانِيَّةِ. لَمْ يَرُدَّ عَلَى رِسَالَتِي كِتَابَةً، وَلَكِنَّهُ رَدَّ عَلَيْهَا عَمَلِيًّا بِنَشْرِ النَّصِّ فِي أَقْرَبِ عَدَدٍ مِنْ مَجَلَّةِ دِرَاسَاتٍ سُودَانِيَّةٍ («كِيمْيَاءُ الصَّلْصَالِ»)، وَهُوَ مَا أَدْهَشَنِي لِحَجْمِ الْجِدِّيَّةِ الَّتِي كَانَ يَتَعَامَلُ بِهَا حَيْدَرُ، وَمَا زَالَ عَلَيْهَا طَوَالَ مَعْرِفَتِنَا بِهِ. تَقَابَلْتُ وَدُكْتُورَ حَيْدَرَ بَعْدَهَا بِسَنَوَاتٍ فِي قَاهِرَةِ الْمُعِزِّ مَعَ لِنَجْتَرَّ هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ، وَحَكَى لِي عَنِ السَّيِّدَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ مُعَرِّفًا بِهَا أَكْثَرَ، وَأَحْيَانًا كانت تُعْطِينَا كُتُبًا مُؤَجَّلَةَ الدَّفْعِ إِلَى حِينِ مَيْسَرَةٍ، وَحَكَى لِي دُكْتُورُ حَيْدَرَ بَقِيَّةَ الْقِصَّةِ فِي قِيَامِ الْمَرْكَزِ وَالْمُعَانَاةِ الَّتِي صَاحَبَتْ قِيَامَهُ.
لَعَلِّي هُنَا لَسْتُ بِصَدَدِ الْكِتَابَةِ عَنْ دُكْتُورِ حَيْدَرَ كَمُفَكِّرٍ فَقَطْ، صَاحِبِ مَشْرُوعٍ فِكْرِيٍّ كَبِيرٍ مُتَعَدِّدِ الزَّوَايَا وَالْأَهْدَافِ، فَذَلِكَ أَمْرٌ عَسِيرٌ عَلَى كِتَابَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مَقَالٍ، وَلَكِنَّنِي وَدِدْتُ مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الْحُرُوفِ هُوَ الْإِطْلَالَةُ وَتَّسْلِيطُ الضَّوْء عَلَى أَهَمِّيَّةِ مَا عَمِلَهُ الْمُفَكِّرُ حَيْدَرُ بَيْنَنَا، وَكَانَ مَشْغُولًا بِهِ حَتَّى الرَّحِيلِ، كَمَا وَدِدْتُ أَيْضًا إِبْرَازَ صُورَةِ حَيْدَرَ الْإِنْسَانِ الَّذِي عَايَشْتُهُ عَنْ قُرْبٍ، وَنَشَأَتْ بَيْنَنَا صَدَاقَةٌ تَجَاوَزَتْ مَسْأَلَةَ السِّنِّ وَالْجِيلِ، وَتِلْكَ مَلَكَةٌ فَرِيدَةٌ أَنْ تَجِدَهَا فِي جِيلِ حَيْدَرَ. فَحَيْدَرُ صَدِيقٌ وَإِنْسَانٌ رَائِعٌ، وَكَذَا رَبُّ أُسْرَةٍ لطيف وَزَوْجٌ مُحب وَرَفِيقُ دَرْبٍ لِزَوْجَةٍ ظَلَّتْ شَرِيكَةً لِمَشْوَارِهِ الطَّوِيلِ الْمُنْتِجِ (حَيَاة)، وَابْنٌ ظَلَّ هُوَ الْعَصَاةَ الَّتِي تَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا الْأُسْرَةُ بَعْدَ تَحَمُّلِهِ الرَّايَةَ بِاقْتِدَارٍ (مُظَفَّر)، وَابْنَةٌ نَالَتْ مِنْ أَبِيهَا حَظًّا أَوْفَرَ فِي الِاهْتِمَامَاتِ وَالرُّوحَانِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْهِمَّةِ فِي الْمَشَارِيعِ مُجَرَّدَ الْإِيمَانِ بِهَا (أَنْدِيرَا). فَلَهُمْ مِنَّا خَالِصُ التَّعَازِي وَأَصْدَقُ الْمُوَاسَاةِ، وَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُعِينَهُمْ عَلَى تَحَمُّلِ فَقْدِهِ.
كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ عَرَفُوا حَيْدَرَ وَضَعُوهُ فِي خَانَةِ الْعَلْمَانِيَّةِ النَّمَطِيَّةِ، وَهُنَا فِي هَذِهِ الْمَسَاحَةِ أَوَدُّ أَنْ أُضِيءَ شَيْئًا مِنْ عِلْمَانِيَّةِ حَيْدَرَ وَتَخْلِيصَهَا مِنَ الْعَلْمَانِيَّةِ الشَّكْلَانِيَّةِ الَّتِي سَادَتْ وَسَطَ مُثَقَّفِينَا وَطَبَعَتْ خِطَابَنَا السِّيَاسِيَّ بِشَكْلٍ مُؤَثِّرٍ مُؤَخَّرًا.. حَيْدَرُ، كَدَارِسٍ مُتَعَمِّقٍ فِي التَّارِيخِ وَعَالِمِ اجْتِمَاعٍ وَاسِعِ التَّأَمُّلِ، يَعْرِفُ تَمَامًا أَنَّ الدِّينَ هُوَ طَاقَةٌ رُوحِيَّةٌ وَاجْتِمَاعِيَّةٌ هَائِلَةٌ وَمُؤَثِّرَةٌ، بِالذَّاتِ فِي حَيَاةِ مُجْتَمَعَاتِنَا الْمَعْنِيَّةِ بِالتَّغْيِيرِ وَالِاسْتِنَارَةِ. لِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقِفُ مِنَ الدِّينِ أَوَّلًا مَوْقِفًا مُعْتَبَرًا، لَا يُهْمِلُ تَأْثِيرَهُ. وَلِذَلِكَ عِنْدَمَا يَقُولُ: «إِنَّ لِلدِّينِ مَعْنًى فِي حَيَاةِ النَّاسِ»، فَهُوَ لَمْ يُطْلِقْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَذَهَبَ لِيَأْخُذَ قَيْلُولَتَهُ، بَلْ أَتْبَعَهَا بِجُهْدٍ مُضْنٍ مِنَ الْبَحْثِ وَالدِّرَاسَةِ وَالتَّأَمُّلِ فِي ظَاهِرَةِ وَتَوَارِيخِ الْأَدْيَانِ. لِذَلِكَ عِنْدَمَا كَتَبَ كِتَابَاتِهِ الْأُولَى وَالْمُؤَسِّسَةَ حَوْلَ الْإِسْلَامِ السِّيَاسِيِّ، وَاتَّخَذَ مِنْ تَجْرِبَتِهِ فِي السُّودَانِ نَمُوذَجًا، لَمْ يَكُنْ هَذَا مُجَرَّدَ مَوْقِفٍ سِيَاسِيٍّ عَابِرٍ، بَلْ كَانَ مَوْقِفًا فِكْرِيًّا مُؤَسِّسًا أَعْقَبَهُ بِكُتُبٍ وَمَقَالَاتٍ وَنَدَوَاتٍ ظَلَّتْ عَلَى الدَّوَامِ مَحَلَّ اهْتِمَامٍ؛ لِأَنَّهَا تَطْرَحُ مَعْرِفَةً فِي أَمَاكِنَ مَجْهُولَةٍ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُثَقَّفِينَ، نَاهِيكَ عَنْ عَامَّةِ النَّاسِ. وَنُبُوءَتُهُ بِفَشَلِ مَشْرُوعِ الْإِسْلَامِ السِّيَاسِيِّ الْمُسَمَّاةِ بِـ«الْمَشْرُوعِ الْحَضَارِيِّ» كَانَتْ نُبُوءَةً و قراءة مُسْتَنِدَةً عَلَى مَعْرِفَةٍ عَمِيقَةٍ بِالتُّرَاثِ وَالتَّارِيخِ. وَلِكُلِّ ذَلِكَ الْمَجْهُودِ الضَّخْمِ صَبَغَتْ عَلَى دُكْتُورِ حَيْدَرَ صِفَةُ الْعَلْمَانِيَّةِ الشَّكْلَانِيَّةِ (أَيْ مُقَابِلَ التَّدَيُّنِ)، كَمَا هُوَ سَائِدٌ مِنْ مَفْهُومٍ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا، لَكِنْ حَيْدَرَ يَفْصِلُ تَمَامًا بَيْنَ الدِّينِ وَالتَّدَيُّنِ أَوَّلًا، ثُمَّ ثَانِيًا يَنْطَلِقُ إِلَى أُفُقٍ أَوْسَعَ حَوْلَ الدِّينِ نَفْسِهِ كَطَاقَةٍ تَسْمُو بِالْإِنْسَانِ نَحْوَ قِيَمِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَالْجَمَالِ. لِذَلِكَ ظَلَّ هَذَا الْمَوْضُوعُ مِنْ مَوَاضِيعِهِ الْأُمِّ فِي الْكِتَابَةِ وَالنَّدَوَاتِ، وَلَا عَجَبَ أَنْ كَانَ مِنْ أَوَاخِرِ كُتُبِهِ كِتَابُ «الْإِسْلَامُ السُّودَانِيُّ – دِرَاسَةٌ فِي أَنْثَرُوبُولُوجْيَا الدِّينِ الشَّعْبِيِّ فِي السُّودَانِ». وَهَذِهِ تَفْصِيلَةٌ فَقَطْ أَرَدْتُ الْإِشَارَةَ إِلَيْهَا، وَلَكِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى كِتَابَاتٍ أُخْرَى مُطَوَّلَةٍ وَبِكَثِيرٍ مِنَ التَّفْصِيلِ، وَكَيْفَ عَاشَ حَيْدَرُ قِيَمًا عَالِيَةً بِوَاسِطَةِ هَذَا الْفَهْمِ الْعَمِيقِ وَالْمُبَكِّرِ، وَالَّذِي جَعَلَنِي أُطْلِقُ عَلَيْهِ لَقَبَ «الطَّاوِ الْأَكْبَرِ»، وَكَانَ يَسْعَدُهُ اللَّقَبُ.
حَيْدَرُ لَمْ يَعِشْ حَيَاةَ الْمُفَكِّرِ وَالْمُثَقَّفِ الْمُتَعَالِي الَّذِي يَنْظُرُ وَيُنَظِّرُ لِلْمَشَارِيعِ مِنْ بُرْجٍ شَاهِقٍ، بَلْ كَانَ مُنْغَمِسًا فِي حَيَاةِ شَعْبِهِ وَمُبَادِرًا بِمَشَارِيعَ لَمْ تُسْعِفْهُ الْمُقَدَّرَاتُ الْمَادِّيَّةُ فِي تَوْسِيعِهَا أَوِ الدَّيْمُومَةِ فِيهَا، مِثْلَ مَكْتَبَاتِ الْمَدَارِسِ وَتَوْفِيرِ وَجْبَةِ الْإِفْطَارِ لِلتَّلَامِيذِ. وَكَانَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحَادِيثِنَا الْخَاصَّةِ يَحْلُمُ بِمَكْتَبَةٍ كَبِيرَةٍ وَوَاسِعَةٍ فِي السُّودَانِ، تَكُونُ مَحَجًّا لِطُلَّابِ الْمَعْرِفَةِ وَالْبَاحِثِينَ، بِخِدْمَاتٍ زَهِيدَةِ السِّعْرِ فَقَطْ لِضَمَانِ اسْتِمْرَارِيَّتِهَا. وَظَنَّ أَنَّ بَعْدَ الثَّوْرَةِ السُّودَانِيَّةِ (دِيسَمْبَرَ 2018) أَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ، وَلَكِنْ جَرَتْ رِيَاحُ الظَّلَامِيِّينَ بِمَا لَا تَشْتَهِي أَحْلَامُ السُّودَانِيِّينَ. ظَلَّ حَيْدَرُ يُبَادِرُ وَيَجْتَرِحُ الْمَشَارِيعَ حَتَّى أَثْنَاءِ مَرَضِهِ، وَكُنَّا أَحْيَانًا نُحَادِثُهُ وَهُوَ يَئِنُّ مِنَ الْأَلَمِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَنَازَلْ أَبَدًا عَنْ مُنَاقَشَةِ فِكْرَةٍ أَوْ مَشْرُوعٍ، وَمَا زَالَ يُحَادِثُنَا مُؤَخَّرًا عَنْ مَشْرُوعِ مُوسُوعَةٍ سُودَانِيَّةٍ وَاسِعَةٍ لِتَوْثِيقِ وَرَصْدِ الْمُفَكِّرِينَ وَالْكُتَّابِ السُّودَانِيِّينَ؛ لِأَنَّ الْحَرْبَ تُدَمِّرُ ذَوَاكِرَ الشُّعُوبِ، وَكَانَ يَطْرَحُ فِكْرَتَهُ هَذِهِ وَهُوَ يَتَوَجَّعُ مِنَ الْمَرَضِ، وَبِقُرْبِهِ الصَّدِيقُ الْوَفِيُّ الْأُسْتَاذُ (بَكْرِي جَابِر)، وَهَذِهِ لَمْحَةٌ صَغِيرَةٌ مِنْ لَمَحَاتٍ يَصْعُبُ رَصْدُهَا فِي مَسِيرَةٍ وَافِرَةٍ وَمُعْطَاةٍ مِنْ رُفْقَةٍ وَمَعْرِفَةٍ لِمُفَكِّرٍ بِقَامَةِ دُكْتُورِ حَيْدَرَ.
لِمَزِيدٍ مِنْ مَعْرِفَةِ حَيْدَرَ الْمُبَادِرِ فِي الْمُلِمَّاتِ الْوَطَنِيَّةِ وَفَزَعَاتِهَا، وَالْمُثَقَّفِ الْمَسْؤُولِ: فَفِي عَشِيَّةِ انْدِلَاعِ حَرْبِ 15 أَبْرِيلَ 2023، وَالنَّاسُ مَذْهُولَةٌ بِصَدْمَةِ الْحَرْبِ، أَوَّلُ مَنْ تَنَادَى مِنْ خَلْفِيَّةِ الْمُفَكِّرِ وَالْعَالِمِ بِالتَّارِيخِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ تَوَاصَلَ بِنَا دُكْتُورُ حَيْدَرَ، وَطَرَحَ فِكْرَةَ تَجْمِيعِ السُّودَانِيِّينَ عَلَى قُوًى مَدَنِيَّةٍ مُنَاهِضَةٍ لِلْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْحَرْبَ فِي ظَنِّهِ إِذَا تَمَدَّدَتْ فَقَدْ تُعِيدُ النَّاسَ إِلَى اصْطِفَافَاتٍ وَمُكَوِّنَاتٍ قَبَلِيَّةٍ، وَتِلْكَ رُؤْيَةٌ لَا يَرَاهَا إِلَّا الْإِنْسَانُ الْعَلِيمُ بِتَارِيخِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَحَرَكَةِ التَّارِيخِ. وَكَانَتْ اجْتِمَاعَاتٌ أُسْفِيرِيَّةٌ نَظَّمْنَاهَا (بَكْرِي جَابِرٌ وَشَخْصِي)، وَالِاجْتِمَاعَاتُ جَمَعَتْ لَفِيفًا مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ الْأَكَادِيمِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ وَالْإِعْلَامِيَّةِ السُّودَانِيَّةِ (نِسَاءً وَرِجَالًا)، وَتَمَخَّضَتْ عَنْهَا وِلَادَةُ أَوَّلِ كُتْلَةٍ مَدَنِيَّةٍ تَوَاصَلَتْ مَعَ كُتَلٍ أُخْرَى لِتَتَوَلَّدَ عَنْهَا فِكْرَةُ قِيَامِ كِيَانِ «تقدّم». وَعِنْدَمَا دَبَّتِ الْخِلَافَاتُ دَاخِلَ الْكِيَانِ، وَكَثُرَ الْجَدَلُ حَوْلَ أَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ وَأَغْرَاضِهِمْ، وَأَخَذْنَا مَوَاقِفَ مُخْتَلِفَةً، كَانَتْ لِحَيْدَرَ حِكْمَةٌ عَجِيبَةٌ وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ خَبِرَ الدَّهْرَ جَيِّدًا. وَفِي إِحْدَى اتِّصَالَاتِهِ بِي قَالَ لِي جُمْلَةً سَتَظَلُّ مَحْفُورَةً فِي ذَاكِرَتِي، وَيَا لَيْتَ مُعْظَمَ الَّذِينَ وَلَغُوا فِي الِاصْطِفَافَاتِ سَمِعُوهَا وَتَأَمَّلُوا فِيهَا. قَالَ حَيْدَرُ: «نَحْنَا مَا بَنَكُونْ مَعَاهُمْ فِي أَخْطَائِهِمْ، وَلَكِنْ لَنْ نَدَعَهُمْ وَحْدَهُمْ.. نُشَاكِلُهُمْ وَنَحْنَا بَيْنَهُمْ وَوَسْطَهُمْ؛ لِأَنَّ الْإِبْقَاءَ عَلَى أَيِّ كُتْلَةٍ مَدَنِيَّةٍ هُوَ الْأَمَلُ الَّذِي نَبْنِي عَلَيْهِ مَسِيرَةَ التَّغْيِيرِ فِي السُّودَانِ». وَأَتْبَعَ هَذَا الْمَوْقِفَ بِالنُّصْحِ وَالْإِرْشَادِ لِقَادَةِ الْقُوَى الْمَدَنِيَّةِ فِي كُلِّ مُنْعَرَجٍ، وَلِذَلِكَ ظَلَّ حَيْدَرُ فِي الْقَاهِرَةِ مَحَجًّا لِلْفَاعِلِينَ وَالسِّيَاسِيِّينَ وَالْمُثَقَّفِينَ، يُشَاوِرُهُمْ وَيُسْدِيَهِمُ النُّصْحَ، وَيَكْتُبُ الْمُذَكِّرَاتِ وَيُرْسِلُهَا، وَيَمْتَصُّ الْإِخْفَاقَاتِ فِي قُدْرَةٍ عَجِيبَةٍ، وَهَذَا مَوْقِفٌ لِلتَّارِيخِ قَدْ لَا يُلَاحِظُهُ كَثِيرًا أَوْ يَذْكُرُهُ الْحَاضِرُونَ.
أَيْضًا حَيْدَرُ يُدْهِشُكَ بِعَلَاقَاتِهِ خَارِجَ الْحُدُودِ بِالْمُفَكِّرِينَ وَالْمُثَقَّفِينَ الْعَرَبِ وَتَجَارِبِهِمْ وَتَأْثِيرَاتِهِمْ، حَتَّى الَّتِي تَغِيبُ عَنْ مُوَاطِنِيهِمْ، وَلَكَمْ اسْتَمْتَعْتُ جِدًّا لِحُضُورِهِ وَسْطَ النُّخَبِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ تَحْدِيدًا، وَهُوَ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ مُفَكِّرٍ أَوْ مُثَقَّفٍ كَبِيرٍ لَدَيْهِمْ وَأَثَرِهِ، أَمْثَالِ سَلَامَةَ مُوسَى وَلُوِيسِ عَوَضٍ وَمَحْمُودِ أَمِينِ الْعَالِمِ وَأَدُونِيسَ وَخَلِيلِ حَاوِي. وَلِحَيْدَرَ حَيَاةٌ زَاخِرَةٌ وَغَنِيَّةٌ عَمَّرَهَا التِّسْفَارُ الْكَثِيرُ وَالْمُشَارَكَاتُ الْوَاسِعَةُ فِي حُقُولِ الْأَدَبِ وَالْفِكْرِ وَالتَّطْوَافُ بِالْمُدُنِ. وَعِنْدَمَا عَهِدَ إِلَيَّ دُكْتُورُ حَيْدَرَ بِمُرَاجَعَةِ سِيرَتِهِ الذَّاتِيَّةِ قَبْلَ نَشْرِهَا (أَزْمِنَةُ الرِّيحِ وَالْقَلَقِ وَالْحُرِّيَّةِ)، كُنْتُ أُرَاجِعُ الْكَلِمَاتِ الْمَكْتُوبَةَ وَصَوْتُ حَيْدَرَ فِي أُذُنِي لِكَثْرَةِ مَا سَمِعْتُ مِنْ فُصُولٍ كَثِيرَةٍ وَرَدَتْ فِي السِّيرَةِ الذَّاتِيَّةِ مَكْتُوبَةً، وَلَكِنَّنِي سَمِعْتُهَا مِنْهُ مُبَاشَرَةً ذَاتَ قَيْلُولَةٍ أَوْ جُلُوسٍ لِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ. فَهُوَ نِعْمَ الرَّفِيقُ وَالْحَكَّاءُ عِنْدَمَا يَبْتَسِمُ الزَّمَانُ لَكَ بِفُرَصِ لِقَائِهِ.
يَظَلُّ مَا قَدَّمَهُ دُكْتُورُ حَيْدَرَ لِلسُّودَانِيِّينَ وَالْوَطَنِ إِرْثًا وَمَدْرَسَةً فِي التَّعَاطِي مَعَ الشَّأْنِ الْعَامِّ وَقَضَايَا الِاسْتِنَارَةِ، وَأَتْبَعَ حَرْفَهُ وَصَوْتَهُ بِأَفْعَالٍ سَتَظَلُّ خَالِدَةً، وَأَثَرُهَا بَاقٍ مَا بَقِيَ السُّودَانُ. وَالْكِتَابَةُ عَنْ حَيْدَرَ فِي جَوَانِبِهِ الْمُخْتَلِفَةِ وَأَحْوَالِهِ تَحْتَاجُ مَسَاحَاتٍ أَوْسَعَ، لَوْ حَنَّ الزَّمَانُ وَتَلَطَّفَتِ الظُّرُوفُ، وَهَيْهَاتَ.
أَلَا رَحِمَ اللهُ الْمُفَكِّرَ الصَّدِيقَ وَالْإِنْسَانَ حَيْدَرَ إِبْرَاهِيمَ رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَتَقَبَّلَهُ الله قَبُولًا حَسَنًا، وَأَكْرَمَ وِفَادَتَهُ إِلَيْهِ فِي عَالَمٍ أَوْسَعَ وَأَرْحَبَ، خَالٍ مِنْ نُقْصَانِ الْجَسَدِ وَمَفْتُوحِ الْبَرَاحَاتِ لِكَمَالَاتِ الرُّوحِ، هَذِهِ الرُّوحِ الْمُشِعَّةِ، رُوحِ الطَّاوِ الْأَكْبَرِ.