Hayder Ibrahim AliAutobiography

About Hayder

حين يصبحُ الغيابُ حاضرا

بكري جابر ·

إلى حيدر إبراهيم في أبديته البيضاء:

أُحاول، والجرح مفتوح وطازج، أن أُلملم أطراف الدمع لأجد الكلمات التي تليق بمقام فقدك الباذخ، فأكتشف أن الكلمات مهما بلغت، تظل عاجزة عن إحتواء مساحة الغياب التي تركتها وراءك.. فكيف يمكنني أن أكتب عن صديق عرفته عن قربٍ لثلاثين عاماً ثم أجد نفسي مطالباً بأن أتحدث عنه بصيغة الماضي؟

ثلاثون عاماً من الصداقة ليست مجرد سنوات مرت في دفتر الذاكرة. إنها حياة كاملة من الأُنس والضحك واللقاءات والحوارات والنقاشات (مباشرةً وعبر الهاتف).. ومن المشاريع والأحلام.. من الأسئلة المفتوحة على المدى.. ومن ذلك الحضور الإنساني والفكري الذي يصعب أن يتكرر.

عرفتك يا صديقي إنساناً نبيلا قبل أن أعرفك مفكراً صارماً وصادماً ومصادما.. وإن كنت قد تعرفت عليك في البداية عبر كتاباتك، ولكن حينما التقيتك في القاهرة في منتصف التسعينات - قُبيل تعاوني مع مركز الدراسات السودانية - أدركت أنني أمام شخصية استثنائية.. أمام رجلٍ لا يتعامل مع الفكر بوصفه مهنة أو وجاهة ثقافية، وإنما باعتباره مسؤولية وموقفاً وانشغالاً دائماً بالإنسان وبأسئلة وطنه ومجتمعه.

نعم، لقد كنت مفكراً عظيماً، لكن عظمتك بالنسبة لي لم تكن في الكتب والأبحاث وحدها، وإنما في قدرتك على أن تجعل الفكر حاضراً في الحياة وأن تحول السؤال إلى حوار، والحوار إلى مشروع، والمشروع إلى مؤسسة يمكن أن تترك أثراً يتجاوز أصحابه..

ولعل أجمل ما جمعني بك، وجعل رحيلك أكثر إيلاماً، هو تلك السنوات التي عشناها معاً في رحاب مركز الدراسات السودانية الذي أودعته أحلامك في أن ترى عبره وطناً جديرا بأن نسميه (وطن)!!

لم يكن المركز بالنسبة لي مجرد مؤسسة ثقافية تعاونت معها.. ولم يكن بالنسبة لك انت محض مكان أسسته وأدرته لأكثر من خمس وثلاثين عاما، بل كان مشروعاً فكرياً وثقافياً كبيراً، آمنتَ به وأعطيته من وقتك وفكرك وجهدك الكثير. أردتَ من خلاله أن يكون مساحة مفتوحة للأسئلة السودانية، ومنبراً للبحث والحوار والنشر، وملتقى للأفكار والاتجاهات المختلفة.

ومن خلال عملي مع المركز اقتربتُ منك أكثر، واكتشفت جوانب في شخصيتك لا يمكن أن يعرفها القارئ من خلال كتبك. عرفت حيدر الإنسان والصديق والمثقف العضوي الحقيقي الذي يسعى إلى تحويل كلماته إلى افعال.. والذي يعمل دائماً على أن يُبقي باب الحوار مفتوحاً حتى عندما تكون الأسئلة شائكة والإجابات مؤلمة.

ولأنك كنت تؤمن بالعطاء فقط، استوعبت بالمركز شبابا وشابات في مقتبل حياتهم الثقافية (دون أن يكونوا أسماءً معروفة) حيث شكّلوا قوة الدفع الأساسية لأنشطة المركز ومشاريعه المختلفة كالندوات والمؤتمرات والتقارير الاستراتيجية ومجلة كتابات سودانية التي إبتكرت فيها فكرة أن يتولى تحريرها كل مرةٍ كاتب شاب (كنوع من التنافس في التجويد والاختلاف الخلاّق).. ورغم أنك توليت رئاسة تحريرها لسنوات عديدة، إلا انك عدت بعد ثورة ديسمبر المجيدة، ومعاودة صدورها بعد توقف قسري طويل، وأوكلت لنا في طاقم التحرير الحالي تلك المهمة التي ما زلنا نحافظ عليها مسنودين بهمة صديقك الفنان والمصمم هاشم ودراري الذي مشى معك هذا المشوار منذ أول خطوة..

فحين أسست تلك المجلة مع بداية انطلاق المركز ما كنت تفعل ذلك إلا لأنك كنت تدرك منذ البداية أن الكتابة السودانية تحتاج إلى منبر مستقل وأن الثقافة السودانية لا يمكن أن تزدهر من دون فضاءات حرة تسمح للأفكار بأن تتجاور وتتحاور وتختلف.

واليوم، ونحن في طاقم التحرير نواصل هذه الرحلة، لا نشعر أننا فقط نواصل مسيرة مجلة وإنما نحمل شيئاً من أمانة تركتها أنت وراءك ومعها مشروع المركز التنويري الذي نطمئنك أن رايته لن تسقط بغيابك..

رحلت يا صديقي في وقتٍ عصيب يحتاجك فيه الوطن أكثر من أي وقت مضى.. رحلت وتركت وراءك أسئلة كثيرة حول السودان والديمقراطية والثقافة والمجتمع والحداثة ودور المثقف وعلاقة المعرفة بالفعل العام. وتركت قبل ذلك وبعده تجربة إنسانية وفكرية يصعب اختزالها في كلمات الوداع..

فأنت كنت من جيل المثقفين الذين لم يكتفوا بأن يكونوا شهوداً على واقعهم، وإنما حاولوا أن يساهموا في تغييره.. وربما لهذا السبب سيظل حضورك قائماً في تجليات الفكر السوداني حتى بعد أن غاب صوتك.

أما أنا، فسأظل أتذكرك أولاً كصديق، ومن ثم كمفكر ومثقف ملأ قلمه من عرق شعبه وكتب..

وأكتفي بالقول إن صداقتك كانت واحدة من التجارب التي تركت أثراً عميقاً في حياتي، وإن وجودك في مسيرتي الثقافية والفكرية كان أكبر بكثير مما يمكن أن تقوله هذه الكلمات.

رحلتَ ولكن مشروعك لن يرحل، اذ سيظل باقياً في كتبك وفي الأسئلة التي طرحتها وفي أحلامك الصغيرة والكبيرة.. وربما يكون هذا هو عزاؤنا الأكبر أن الإنسان يمكن أن يغيب لكن أثره سيظل حاضراً.. وأن بعض الناس لا تنتهي حياتهم برحيلهم لأنهم تركوا وراءهم ما يستمر في الآخرين..

يا صديقي:

لا أريد أن أقول لك وداعاً ولكن أقول شكراً على الصداقة التي امتدت ثلاثين عاماً.
شكراً على الحوار.
شكراً على الأفكار.
شكراً على مركز الدراسات السودانية، ذلك المشروع الذي كان واحداً من العلامات المهمة في تاريخنا الثقافي..
وشكراً على مجلة كتابات سودانية التي ستظل شاهدة على واحدة من محطات مشروعك الثقافي.
وشكراً قبل كل ذلك على أنك كنت صديقاً جميلاً ونبيلاً تعلمنا منه الكثير وتقاسمنا معه - قبل الأفكار- الضحك والسخرية وحب الحياة..

نم هانئاً يا صديقي فقد أوصلت رسالتك بكل شجاعة ووضوح، وبقى علينا جميعاً أن نحملها بقدر ما أُوتينا من قدرةٍ وإيمان..

سيدني، ٢٩ سبتمبر

Share this page

Help us document Hayder's work, writings and photos

Do you have a tribute, an article by or about him, or photos and recordings of him? Send them to us and we'll review them before publishing.

Or email us directly athayder@ssc-sudan.org

What would you like to add?