رحم الله رحمه واسعه د. حيدر إبراهيم علي....العالِم المتواضع العميق المخُلص لمبادئه ولعلمِه ومعرفته ومعارفه.
تعرفت عليه عن قرب عندما عملنا سويا اساتذه في شعبة التنميه الريفيه بجامعة الجزيره. وكذلك عندما نظمنا ورش عمل عن الحركه التعاونيه وعن مشكلات المجتمعات الريفيه ومؤتمرا عن إمكانيات تطوير الولاية الشماليه بعد فيضانات عام ٨٨ بتمويل من مؤسسة فريدريش ايبرت الالمانيه وحكومة الولايه.
شئ للتأريخ لم يُذكر من قَبل :
حقيقة كنت اعرف د. حيدر عن طريق كتاباته الأولى في مجالات السوسيولوجيا والانثروبولوجيا... تحديدا كتابه عن الشايقيه.
اذكر في يوما ما وفي أواخر عام ١٩٨٧ وكنت وقتها رئيسا لشعبة التنميه الريفيه بكلية الاقتصاد والتنمية الريفيه بجامعة الجزيرة الغراء ، دخل عليّ بروفسور ميرغني عبدالعال حمور مدير الجامعه له الرحمه والمغفره، في مكتبي.
بعد التحيه والسؤال عن الأحوال.... سألني لوكنت اعرف الدكتور حيدر إبراهيم علي. رددت عليه اني اعرفه كأكاديمي ولكن لم التقيه.
بعد أن تحدثنا قليلا عن الشأن العام ذكر لي بروفيسور ميرغني بأنه كان في زياره لجامعة العين بالإمارات وقابل د. حيدر. ثم ذكر لي بأن د. حيدر يريد أن يعمل بعض الأبحاث والدراسات في السودان وان الجو العام ( بعد الانتفاضة ) ملائم لذلك وسيأتي للسودان حتى لو كلفه ذلك الاستقاله من وظيفته بجامعة العين والتي كان يعمل بها أستاذا.
ذكر لي بروف ميرغني حمور بأنه انتهز الفرصه وعرض عليه أن يشرفنا في الجامعه بإنتسابه لها عضوا في هيئة التدريس.... فوافق د. حيدر على هذا العرض.... وكانت زيارة بروف حمور لي في المكتب لإستشارتي في الأمر. وافقته على الفور وقلت له لا شك أن د. حيدر اضافه كبيره ومهمه للشُعبه وللجامعه ككل.
بعدها بأشهر تم تعيين د. حيدر، وذلك بعد اتباع الإجراءات المتبعه والمعاينات، أستاذا بالجامعه وكم كنت سعيدا بذلك لإحساسي بأني سأتعلم منه كثيرا (وقد كان) وسيستفيد منه الطلاب كذلك. .
الشئ الذي كنت اجهله وخافي عليّ تماما، لحداثة عهدي بالخدمه العامه، أن هذه الشخصيه العظيمه كانت مُتابعه ومرصوده منذ اللحظه الاولي التي استلمت فيها أوراق تقديمه بصفتي رئيس الشعبه والمعنى بتعينه.. ُُمُتابع من قِبل أعداء التجديد والتنوير وأعداء إضافة كل ما هو جديد وواعد وكذلك من قِبل الذين يشعرون بخطورته ويخشون وجوده في اي مجتمع يحس بقدْره. بعد أن تمّ تعيينه بالجامعه وللأسف تمكن هؤلاء الأعداء من وضع كل العراقيل اللازمه لإبعاده عن الجامعه.
اولاً.. وللامانه والتاريخ، لم تمنحه إدارة الجامعه مكتبا ولا سكنا خاصا به أسوة بزملائه الاساتذه طيلة الفتره التي قضاها بالجامعه ( مدة ثلاث سنوات ونيف تقريبا).
كان يأتي من الخرطوم أسبوعيا بالمواصلات... كنت استقبله في السوق الشعبي مدني ونذهب لمنزلي وفي اليوم التالي آخذه للجامعه وبعد قضاء يوم العمل نرجع للبيت الذي هيأت له به ركنا ليكون بديلا عن المكتب الموعود. بإختصار هيأت له كل ما يحتاج له لإبقائه في الجامعه.
لكن الأمور لم تقف عند ذلك الحد... نظم المدفوعين من بعض الطلاب (حادثه) قصد بها افتعال مشكله مع د. حيدر. نجحت الخطه واتُهم بسببها انه لم يوقف المحاضره والسماح للطلاب بآداء صلاة المغرب.
تطور الأمر وصار موضوع للنقاش في كافة أنحاء الجامعه وأركانها. بعدها كتب الطلاب مذكره ممهوره بإمضاءاتهم ومعنونه لي كرئيس للشعبه.. اوضحوا فيها رفضهم لدكتور حيدر وطالبوا بتوقيفه عن التدريس لأسباب غير منطقيه ولا تشبهه كأكاديمي مرموق وكباحث متمكن ومربي قدير... ( لا زلت احتفظ بهذه المذكره ). بدوري تحريت عن الأمر ووجدته.. بأمانه... مُدبر والغرض منه أبعاد د. حيدر من الجامعه بكل السُبل. دافعت عنه كأكاديمي وباحث وأستاذ مهم للجامعه ولا غرض لي بمواقفه وآرائه الشخصيه ( قد اوافقه فيهاوقد اختلف معه)... دافعت عنه في مجلس الكليه ومجلس الاساتذه لكن بدون جدوى لأن قرار إبعاده قد اُتخذ مما كانوا يريدون ذلك ويدفعون في ذلك الاتجاه بكل ما يملكون من قوه.
عموما... بعدها بأشهر تم انقلاب حكومة الإنقاذ وصار التحدي أكبر والمعركه أوسع.
في ليلة ما حضر لي د. حيدر بمنزلي في الخرطوم لتأدية واجب العزاء في ابن عمي الشهيد المقدم عبدالمنعم كرار ( شهداء رمضان) وكان يحمل معه استقالته من الجامعه وذكر لي بالحرف الواحد.. ( عارف يا دكتور المسأله بعد الإنقاذ كبرت ومواجهتها تحتاج لحمل نوع معين من الاسلحه وانا ليس على استعداد لحمل هذا النوع من الاسلحه في الوقت الحاضر).
قُبلت استقالته من قِبل إدارة الجامعه ورحل عنها وعن السودان... حينها ابتعد هو بقرار منه وأُبعدت انا بقرار تعسفي... وتلك قصة أخرى.
كبرت الإنقاذ فعلا... وكبُرت اسلحتها وظهرت حقيقتها ومشروعها الذي كبر واستكبر مما حمل د. حيدر أن يتصدى له بأسلحته التي لن تنهزم أبداً.... وهي قلمه وفكره وقيمه ومبادئه.
مرت السنين ورحل من رحل من أعداء د. حيدر وقتها ولم يتركوا اثراً.... من أياً كان ... ورحل د. حيدر وترك ما عجزت الكلمات حتى اليوم عن وصفه...
انتهى وآسف للإطاله.
الفاضل كرار