Hayder Ibrahim AliAutobiography

About Hayder

موتُ اﻷب

مظفر حيدر إبراهيم ·

كان تفسير أبي لتمردات مراهقتي، ومناوشاتي (الخفيفة) معه، أنها محاولة مني لقتل الأب - مجازيا. كان يحاورني - بعقلانيته المعهودة - بأنه ليس بالأب الذي يُقتل.`

الآن بعدما لم يعد موته مجازا، أجدني أعود للقطات ونقاشات عديدة كتلك جمعتني به، متفقاً معه بأنه فعلا ليس بأبٍ عاديٍّ و ليس بأبٍ يُقتل أو يموت.

أبدأ بلقطة في عمر العاشرة بالقاهرة. عند عودة والدي من العمل، كنا نقابله - أنا وأنديرا - بطقس تعوّدنا عليه. نغني فرحين (بابا جا بالقَلَبة، بابا جا بالعَدَلة). يحتضننا، ويسألنا عن مدرستنا، ويحكي لنا طرائف يومه - كان هناك دائما طرائف ونوادر في تلك الأيام من عمر المركز - ويستمع لحكاويّ وحكاوي انديرا قبل حتى أن يضع حقيبته. بالنسبة لي ولأنديرا، كان هذا طقسا عاديا، ربما اعتقدنا، في ذلك العمر البريء، ان كل الآباء بهذا اللطف والبشاشة. في واحدة من تلك الأيام، كانت تزورنا احدى صديقات بيتنا المفضلات (عزة الكد). تابعت طقوسنا باهتمام، ثم توجهت لي بالكلام (يا مظفر، انتو طوالي بتتلاقو كده؟ أوعى تفتكر الحاجة دي عادية..).

أجدني أعود الى تلك اللقطة البسيطة مرارا هذه الأيام. ربما لأنها أول مرة اكتشفت فيها (امتياز) ان يكون والدي هو حيدر ابراهيم. وهو امتياز لا يتعلق نهائيا بالكاتب أو المفكر، فذلك ربما هو الأب الذي استهدفته أحيانا بالمناوشات، بل بانسان ثر جميل وديع متسامح ومتناسق مع نفسه ومن حوله، رغم الريح والقلق. أعود إلى تلك اللقطة لأن سنين السفر والغربة وأخيرا الأبوة، جعلتني أقدّر صعوبة ما فعله أبي وظل يفعله، مع أسرتنا الصغيرة أولا، وأنه فعلا (ما حاجة عادية).


قبل سنين القاهرة، هناك لقطات من المغرب. في الرباط، تحول بيتنا الى سفارة للطلبة السودانيين، بعد ان نفضت سفارة الكيزان يدها عنهم. مع (أولاد المغرب)، حضرت أول فيلم اجنبي معهم وبدأ هوسي بالسينما، وبدا شغفي بالكورة معهم بهزيمة ثقيلة لفريق الطلبة السودانيين، ومعهم تعلمت انديرا أغاني مصطفى سيد احمد وأصرت انها هي (الحبيبة البتغني لينا). واعتبرنا عمو صلاح (الزين) عمّا حقيقيا، وناظم، عمنا الحقيقي، كان وظلّ أقرب أصدقائنا. تعلقنا على أيديهم بسودان مجرّد abstract على صورة أحمد حامد والدبوس وحرفنة أشرف وصحبة عمو الدين وبوكو ومنتصر ومحمد الفاتح ولطافة سناء وحيوية جلاء وغيرهم الكثيرين ممن كان أبي أبا وصديقا لهم في الغربة ينصحهم ويصاحبهم ويشاكلهم.

كان ذلك أيضا امرا عاديا، ربما اعتقدت ان كل الأطفال يعودون من المدرسة ليواصلوا تعليمهم في بيت عامر بشباب جميل في عمر الزهور.

من امتيازات ان يكون والدي حيدر، هي تلك البيئة الغنية المتنوعة التي نشأت بها بدون شعارات. فعندما يظنني احدهم "مثقفا" كوالدي، ارفض (التهمة) مصِرّا أني زول كمبيوتر ساي، وانديرا هي مثقفة الأسرة. وهذه حقيقة. ثقافتي - إن وُجِدت - فهي كالتدخين السلبي، فكيف كان بامكاني ألا اتعلم أو أتثقف مع أب كهذا وبيئة كهذه؟


قبل المغرب - وقبل انديرا حتى - أتذكره وهو يلقنني دروسا ظنّ أنها تتناسب مع عمري. كان يجعلني أردد (قروش كتيرة شين، قروش شوية حلو...)، كان يجعلني ارددها كنشيد في عربية صديقه، وكانت مرسيديس فارهة، ربما مطاعنة له أو تذكيرا لنفسه لكرهه للقروش والماديات و(وسخ الدنيا).

كرهه للماديات هو أحد ثوابته وهي امتداد لسنين طفولته بالإشلاق (منازل الشرطة)، التي حكى عنها بإسهاب في سيرته، فطبيعته وفطرته هي حب المشاركة وكره التملك. فهو مات دون أن يملك بيتا أو عربية أو مدخرات. وفي سنينه الأخيرة، كان سعيدا (أنه ما عنده خمسة جنيه في جيبه). كأبناء، ربما اتغظنا قليلا من زهده هذا في المال، أو في انه امضى عشرة أعوام في ألمانيا دون الحصول على جواز سفر يقيه ويقينا شر الكيزان والجنجويد، لكنه كان راضيا قنوعا سعيدا حتى النهاية. في موضوع الباسبورت، كان له حديث اخير مع ابن عمته المفضل أمير حسن بدري، أثناء رقدة في المستشفى، حيث سأله أمير (اسه لوعملت جواز، وقروش، مش كنت مشيت مستشفى كويس في بلد كويسة...)، ردّ عليه أنه مستعد ان يستبدل قروش وباسبورتات الدنيا كلها ببيت في الإشلاق.

بيئة الإشلاق والتنقل في أنحاء السودان مع جدي ضابط البوليس، ربما علمته أيضا التسامح وتقبل الاخر. فشعار "الوحدة في التنوع" الذي تبناه المركز في كثير من فعالياته، لم يكن مجرد شعار بالنسبة له. في لقطة اخرى، دوما ما لّخصت والدي بالنسبة لي، أتذكر جيدا عندما تلفظ احد أقربائنا بلفظ عنصري في بيتنا. كان رد فعله عنيفا، فالعنصرية - خصوصا عنصريتنا السودانية - كانت خطا أحمر حقيقيا له. وهو لا يتهاون في الرد بحدة - في كتاباته كما في حياته اليومية - عندما يتجاوز احدهم ما يعتبرها خطوطا حمراء.

كنت في أولى ثانوي، يوم سمعت ذلك اللفظ العنصري لأول مرة. ورغم اني تعرفت على العنصرية مبكرا نسبة لترحالنا كثيرا بين دول غير مرحِّبة، لكني استغرقت 13 عاما كي اتعرف على عنصرية أبناء جلدتي. هي، دون شك، نشأة محمية من كثير من القبح وامتياز آخر وتناسق لم اقدر ندرته وقتها - حتى وسط المثقفين والمستنيرين.

برضو ما حاجة عادية.

في موضوع الثوابت، كان والدي يكرّر، على وزن سارتر والبرجوازية، أن بينه وبين الحركة الاسلامية السودانية (عداء لن ينتهي إلا بموتي أو بموتها). ربما لأنهم في تجربتهم السودانية تجسيد حي لكل ما كرهه: البؤس والعنصرية والمادية والبذخ والفساد. فمن مآسي السودان، أنه حُكم بعصابة أخذت من الدين مظاهره وطقوسه فقط بينما كفرة ملحدين (كما نعتوه مرارا) مثل أبي و غيره من اليساريين والمحدّثين هم من تخصّلوا بأخلاق الدين، حتى إن تركوا ظواهره.

وفي (كُفر) والدي، أذكر أحد ظرفاء أسرتنا جاء لبيتنا في الحلفاية وعرض عليه سيجارة. فرفض أبي لأنه لا يدخن. فرد قائلا (انت يا حيدر، لا بتسجّر، لا بتسكر، لا حق نسوان .. طيب الكافرلها شني؟؟!).

والدي - وغيره من مستنيرين كُثُر - هم بلا شك المؤمنون الحقيقيون، بينما الكيزان أقنعونا - شعبا كاملا - أن الدين هو أن نصلي ونصوم فقط، ولا يهم بعدها اذا سرقنا وأفسدنا وأرسلنا جنودنا يقتلون ويغتصبون ويعذبون باسم الدين.

وهنا لا يسعني إلا أن أتخيل سودانا موازيا بصورة أبي وأصدقائه (الكفرة). سودان متسامح كصديقه جادين، ثابت متمسك بمبادئه كفاطمة والتجاني والجزولي، مثقف عميق كالصاوي، ولطيف محب كمحمد مراد، ودؤوب مُنتِج كوالدي. لكننا اخترنا - ولم نجبر تماما - سودانا عنصريا متزمتا فاسدا على صورة نافع وعلي عثمان وغيرهم.

وقد أخطأ والدي حين ظنّ أن معركته تنتهي بموته. فبينما يترك الكيزان الأموال والبيوت و(دهبنا) لأولادهم. ترك لنا عتادا واثرا فكريا سيعيش ويُقرأ بعد عقود، بينما "فكرهم" ومشروعهم الحضاري أعطانا بلاداً ممزقة وأهل مشردين، وصفحتين تلاتة من "الإنتباهة" وما شابهها.


وبعد المغرب ومصر، كانت الفترة التي صادقت فيها والدي حقيقة. سنين السودان، وعيشنا معا كـ(عزّابة) في الخرطوم. عشنا سوية بمفردنا قرابة الأربعة أعوام، تحولت خلالها علاقتنا - المقربة اساسا - الى علاقة صداقة. فِرَد.

تعرفت عليه من جديد. عرفت، مثلا، أن أبي طباخ ماهر. عرفت حدود هوسه وحبه للكورة. جعلني هلالابيا مثله، وقام بتحويل انتمائه من ريال مدريد بوشكاش لبرشلونة رونالدينيو مجاملة وحبا لي. اتفرجنا على الدوري الاسباني أسبوعيا في التلفزيون الذي اشتريته ابان كاس العالم 2006 ثم لم أشارك بعدها - حسب قوله - بجنيه واحد في المِيزْ.

حكى لي قصص شبابه كلها، بدون فلاتر ولا قصقصة. وبدأنا، أنديرا وأنا، وقتها اقناعه بضرورة كتابة سيرته الذاتية - لنا نحن قبل الآخرين.

كانت ايضا الفترة التي رأيت فيها نشاط ودأب والدي عن قرب. فكان يومه يبدأ في الخامسة صباحا أو قبلها. وكان يغتاظ مني لأني لا أنهض قبل التاسعة إلا بدقائق، لألبس على عجل وأقطع الشارع لمحل عملي. عندما يتعجب الاخرون من انتاجية ومردود والدي، لا أشاركهم التعجب. فقد رأيت كيف أنه في الوقت الذي كنت أبدأ فيه يوم عملي، يكون هو قد اشتغل وقرأ وكتب ما يزيد عن الأربع ساعات.

ولا توجد خصلة تغيظ أبي مثل الكسل، فهو يزعل، حقيقة، مما يعتبره امكانيات وطاقات مهدرة. ينطبق غيظه عليّ وعلى المقربين منه، لكن ايضا على السودان والسودانيين وامكانياتنا المهدرة بصورة عامة.

وكان من المضحك المبكي بتلك الفترة أنني اندمجت في السودان بسلاسة رغم أني لم أعش به سوى سنوات معدودة في طفولتي، لكنه كان يعاني. يعاني من مواعيدنا السودانية وعدم التزامنا و عدم جديتنا. كنت أقول له - كأنها نبذة - أنه ألماني اكثر من اللازم.

وألمانيّته هذه - بصورتها النمطية - هي غالبا مصدر جديته وتركيزه وانتاجه الغزير. لا أعتقد أن (حيدر الاشلاق) وحده كان سينتج هذه المكتبة الضخمة وكل هذه المشاريع الطموحة، لكن (حيدر الألماني) لم يكن أيضا له وحده أن يكتب بهذا التوغل في الروح والشخصية السودانية. فهو - ككثيرين من متعلمي جيله - نتاج عوالم كثيرة متناقضة، من الاشلاق للقضارف لمعهد المعلمين لجامعة فرانكفورت بألمانيا، لكن ما يميزه برأيي هو أن تمكن من صهر هذه العوالم في كيان متناسق، ليس فقط في كتاباته وأعماله، بل في شخصيته وحياته اليومية.

هذا التناسق أمر نادر. فحتى في اليسار المتفتح نسبيا، اعتقد انه من النادر ان يتجاوز تفتح المثقفين عالم الكتابات إلى العلاقات والمواقف اليومية بأبنائهم وبناتهم ونسائهم ومجتمعاتهم. فديمقراطية أبي ليست في كتاباته بل في الحرية التي منحها لنا حتى حاولنا قتله، وتسامحه تجسّد في بيته المرحب بالسودانيين بكل أشكالهم ومِللهم وميولهم، ونسويته ليست شعارا في ندوة، بل هي انديرا، بنته التي فاقت كل الرجال علما وثباتا وثقة بالنفس.

وهذا الصهر لعوالم مختلفة متناقضة هو ربما أيضا ما كان يحتاجه السودان. فكما كتبت أمينة النقاش في رثائه، عن رمزية مرضه ووهنه الذي جاء متلازما مع مرض ووهن السودان، فاليوم أجدني أعيد قراءة سيرته الذاتية كأنها سيرة السودان نفسه، فلا أعرف بلادا عاشت أزمنة الريح والقلق والحرية كما عاشتها بلادنا. لكن أبي تغلب على الريح والقلق، بالجدية والتعب والمجهود و(الصحيان بدري).

هذا المجهود والتعب يمكنه ان يمزج ألمانيا بالدويمات والقضارف، ويخرج جمالاً. ونقيضه هو حالنا الآن.


اللقطات الأخيرة مع والدي كانت في مرحلة الـ(اكسترا تايم) أو الوقت الإضافي كما أسماها. من حظ والدي و(خير الدنيا) عليه أنه قد رأى بعينيه (يوم شكره) بعد الوعكة الصحية التي ألمت به في التشيك عام 2016، وانتهت بعملية قلب مفتوح معقدة، لم تكن لتتم لولا كرم أصدقائه ومحبيه. انهالت محبة الناس عليه من كل صوب وحدب، ومن كرم الدنيا، أنه رأى وسمع هذه المحبة بنفسه، فكثيرون هم الذين لا نغمرهم بتقديرنا إلا بعد موتهم.

سماها الاكسترا تايم واعتبرها زيادة في عمره، وأصر على رد جميل هذه الزيادة بمزيد من الانجاز والعطاء. فكتب وخطط واشتغل، كأنه ما زال في مقتبل الشباب. ورغم أن كتاباته وانتاجه لم تكن بجودة وتركيز ما قبل المرض، فللعمر احكام، إلا انه واصل العمل والحلم - وطلب المستحيل - بلا انقطاع. فمن خير الدنيا عليه أيضا، أن جعلته يشهد ثورة ديسمبر وجيلها العظيم، ففرح بهم كما لم يفرح من قبل، وآمن حقيقة بقدرات هذا الجيل، رغم الانتكاسات. وعاد بالمركز ثانية وبدأ يخطط المستقبل بمشاريع أكبر وأكثر طموحا، بعد أن ظن، كغيره، أن السودان قد عاد حتما.

وعندما غادر السودان مجددا مع الحرب، أصر ألا نؤجر ايجار طويل لأننا (راجعين بعد شهرين)، رغم تحذيرات مالك البيت السوري أنهم قد رددوا نفس الكلام قبل 15 عاما.

كتّر خير الدنيا التي أرتنا - نحن أبناءه - مثالا حيا لقوة الحب وسموّه في صورة علاقته بأمي (حياة). لا أعلم ان كان وراء كل رجل عظيم امرأة، لكني اعلم ان سيرة ومشوار حيدر ابراهيم لم تكن لتكون دون حياة. قبل المرض، كنا، انا وانديرا، دوما نتندر بحبهما لبعضهما البعض. نخبرهم بسخرية أن حب بهذا الشكل (عيب في عمرهم ده). لكنهم لا يهتمون ولا يأبهون لحسادتنا. ففي مجتمع جاف معسّم يكتّف الحب والمشاعر، علّمانا جمال وقوة أن تحب بدون خجل أو مواربة. وإن كان حبهما الجم سرا معلنا قبل المرض، فإنه تحول إلى علاقة تسمو فوق الكلمات بعده، في سنين مرضه الأخيرة. كانت حياة دوما صديقته وحبيبته، لكنها أصبحت جليسته وممرضته وسكرتيرته وعيونه عندما استعصى عليه مُمارسة عشقه الاخر: القراءة.

كتّر خير الدنيا أن وهبتني نجما قطبيا، ينير طريقي ويوريني السكّة الصاح - حتى ان لم أتبعها دوما - في العمل والأخلاق والحياة والحب. .

وأخيرا كتّر خير الدنيا أنه رأى حفيدته "فيروز"، التي صادقها وغمرها بمحبة من نوع اخر. وأدْخَلت، هي، عليه بهجة من نوع آخر. فرغم الوهن، رقص معاها على أنغام وردي وشارع النيل وHit the road Jack، وفرّجها على Sound of Music وWest Side Story ووصّاها رغم انها لم تتجاوز الأربعة أعوام بعد، وصّاها أن (قروش كتيرة شين، قروش شوية حلو...).

ونِعْم الوصيّة.

رحم اللّه والدي، وأسكنه مع الزاهدين والمستنيرين والنبلاء.

يمكنكم قراءة كتاب السيرة الذاتية لحيدر ابراهيم (أزمنة الريح والقلق والحرية) كاملا على موقعه hayderibrahim.com ونعمل على اضافة كل كتبه ومقالاته على الموقع تباعا.

Share this page

Help us document Hayder's work, writings and photos

Do you have a tribute, an article by or about him, or photos and recordings of him? Send them to us and we'll review them before publishing.

Or email us directly athayder@ssc-sudan.org

What would you like to add?