في وداع حارس العقلانية وسادن التدوين: قراءة سريعة مُوْجَزة في الميراث الفكري للدكتور حيدر إبراهيم علي (في محاولة لإبقاء رغبة الكتابة متقدة)
برحيل عالم الاجتماع والمفكر السوداني الدكتور حيدر إبراهيم علي (1943 - 2026) في القاهرة، لا تفقد الساحة الفكرية العربية والسودانية مجرد أكاديمي مرموق، لكنها تخسر واحداً من أصلب رموز "الوعي النقدي الشقي"؛ ذلك المفكر الذي عاش حياته بين "أزمنة الريح والقلق والحرية"، مُتمرِّداً على ركود القطيع ومسالك التدجين الفكري. وإذا كان الموت في الفلسفة الوجودية التي اعتنقها الراحل ـ حينا من الزمن كما جاء في سيرته ـ مجرد خاتمة لحتمية بيولوجية، فإنَّ الخلود الحقيقي هو ما يُنتزَعُ عبرَ الأثرِ المكتوب والاشتباك الجريء مع قضايا المجتمع والنهضة.
تأتي مناسبة رحيله لتدعونا ، إلى ممارسة طقس سوسيولوجي أصيل تفرغ له الراحل لعقود: تفكيك الْعِبَرِ الْمُسْتَخْلَصَةِ من مسيرته الاستثنائية، وخصوصاً هَوسه التاريخي بالتدوين، ومشروعه في إرساء العقلانية الصارمة ضد آفات التقليد، والشفاهية، وثقافة التبرير.
أولاً: هزيمة "سلطة البياض".. التدوين بوصفه فعلاً وجودياً ووطنياً
من أعمق المفارقات التي شخّصها حيدر إبراهيم في دراساته وسيرته، هي معضلة "الكسل الفكري" وضعف التوثيق لدى النخبة السودانية، حيث تغرق الأنتلجنسيا في ثقافة القعدات والشفاهية والونسة، مُهدِرةً طاقاتٍ كان يمكن أن تُبنَى بها مكتبة وطنية راسخة.
رفع حيدر مبكراً شعاره الأثير: «بالكتابة نهزم سلطة البياض وعقل المشافهة». لم يكن التدوين عنده ترفاً ببليوغرافياً أو استعراضاً أكاديمياً، وإنما ضرورة وجودية وسياسية؛ فغياب التدوين هو المدخل الذي سمح للخطابات الأسطورية، وتزييف التاريخ، وإعادة تدوير الاستبداد بالهيمنة على المجال العام. لقد تمثل هذا الوعي عملياً في تأسيسه لـ "مركز الدراسات السودانية" ومجلة "كتابات سودانية"، فاتحاً الباب لأجيال من الباحثين لإخراج السودان من شرنقة التلقي الشفاهي إلى ساحة الإنتاج المعرفي الموثق والمدقق.
ثانياً: مشرط النقد العقلاني.. كسر التابوهات والمقدس الزائف
لم يعرف حيدر إبراهيم المهادنة في تفكيك بُنَى التخلف. اتسم مشروعه بالنقد المزدوج:
نقد التقليدية الطائفية والمتاجرة بالدين: لم ينظر إلى التدين الشعبي بوصفه عُزلة صوفية، بل درس آليات استغلاله السياسي. وكان من أجرأ من تصدوا بالتشريح السوسيولوجي لظاهرة "الإسلام السياسي" ومشروعه الحضاري، فاضحاً تحوله إلى سلطة أمنوقراطية تقمع المجتمع وتجتث كفاءاته باسم الشريعة.
نقد النخبة و«الأفندية»: لم تنجُ النخبة الحداثية من مبضعه؛ فقد فككَّ سيكولوجية "الأفندي" المتأرجِح بين القشور التحديثية والانتكاس إلى الولاءات القبلية والطائفية المُغلقة عند أول اختبار، منتقداً عجز اليسار واليمين عن إنجاز قطيعة معرفية مع التراث المأزوم.
لقد أخذ حيدر من أستاذه الروحي سلامة موسى شجاعة تبني العقلانية والتطور، ومن طه حسين المنهج الديكارتي في الشك ومساءلة المسلمات التاريخية، ومن مدرسة فرانكفورت النقدية (التي تتلمذ في معقلها) رفض التسليع والتوتاليتارية والانصياع لثقافة الاستهلاك أو التضليل الأيديولوجي.
ثالثاً: الحرية قدراً ومسؤولية.. أخلاق التمرد
في سيرته، يلفتنا ذلك التلازم الوثيق بين "الحرية" و"المسؤولية". لم تكن الفردية عند حيدر إبراهيم أنانية برجوازية، لكنها كانت درعاً أخلاقياً ضد سطوة القطيع؛ حيث يؤكد أنَّ كرامة المفكر تبدأ حين لا يخجل من التمايز عن السائد. نشأ رافضاً لتربية العنف والهوان، ونقل هذه الروح إلى كتاباته، معتبراً أنَّ مجتمعاً يُرَبِّي أبناءَهُ على السوط والخوف لا يمكن أنْ يُنتجَ ديمقراطية مستقرة، وإنّما سينتج طغاة جدداً ومرتادي "بيوت أشباح".
علمتنا تجربته أنَّ الاستنارة ليست شهادة تُعلق على الجدار، وإنما موقف يومي يُدفع ثمنه عزلةً وغربةً ومطاردة؛ وقد دفع الراحل ضريبة هذا الاستقلال الفكري مصادرةً لكتبه، وإغلاقاً لمراكزه، وتشريداً في المنافي، دون أنْ ينحني للمساومات الرخيصة.
على مشارف الدراسة الموسعة: ماذا بعد الرحيل؟
إنَّ غياب حيدر إبراهيم علي في هذه اللحظة المفصلية والدامية من تاريخ السودان والمنطقة يضعنا أمام استحقاق معرفي مُلحٍّ؛ فكتاباته حول "أزمة الهوية"، و"الدين والدولة"، و"تشريح الاستبداد"، و"عجز النخبة" لم تكن نبوءات عابرة، وإنما كانت تشخيصاً دقيقاً لسرطان اجتماعي وسياسي قاد البلاد إلى مآلاتها التراجيدية الراهنة.
إنَّ الوفاء الحقيقي لحيدر إبراهيم يتجاوز البكائيات؛ إنَّه يبدأ من تحويل مشروعه الفكري إلى مادة للمساءلة والتعميق؛ إعادة قراءة أطروحاته الأنثروبولوجية، وتحليل أثره في تأسيس السيسولوجيا السودانية.