حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية

المقالات

من المذكرات: البداية

  • مذكرات

هذه المذكرات منقولة من دفتر يوميات سطرها الشاب حيدر إبراهيم أثناء رحلة قام بها بدور مرشد ومترجم لطاقم فيلم تسجيلي عن السودان.

17-1-1977 فرانكفورت

صباح الاثنين غادرنا فرانكفورت مع شترك في وداع لم أتوقعه وكأنه جزء من مغامرة ومجهول الرحلة. حاولت أن أستغل الرحلة وأرسل نحو البلد بعضا من الكتب والأوراق لذلك كنت محملا ولم نلحق بقطار الساعة 9:40 وأخيرا قمنا بشحن العفش بصحبة راكب وكان علينا أن نغير القطار في مدينة نورنبيرج المشهورة بمحاكمات الحرب الثانية بعد هزيمة النازية.

كان كل الطريق مغطى بالجليد والبرد قارس تقشعر له الأطراف ولكن الجليد أصبح في ذوقي الذي خربته الغربة من جانب وهذبته أيضا - جميلا رائعا رائقا وللون الأبيض أحيانا مسحة جمالية أنكرها لأسباب أيديولوجية - لتاريخ الرجل الأبيض ومسؤوليته ومهمته في أفريقيا - والآن يمثل لي التطور غير المتكافئ كما أن الإحساس بالعنصرية ينمو بطريقة في ألمانيا تجاه الأجانب والعمال بالذات حيث يظن الألمان أنهم سبب بطالة ما يربو على مليون عامل وينسون أن الأجانب يقومون بكل الأعمال القذرة التي يأباها الألماني كما أنهم يتحصلون من مكتب الضمان الاجتماعي على ما يقارب ثلثي مرتب عامل عادي - لا أستطيع إلا أن أتنفس السياسة فالإنسان حيوان سياسي.

وصلنا ميونخ في الثالثة مساء، توجهنا إلى الشركة وقد أبدى والتر فيليز سروره لمشاركتي بعد أن رفضت بعد عودتي من السودان المساهمة في الحملة. قضينا الأمسية في المنطقة الصناعية حيث عاينا السيارات وتجهيزاتها وقد زودت بكل شيء من جهاز اتصال إلى خيمة مثبتة إلى مركب إلى بوصلة إلى منشار ...

ذهبنا في المساء إلى التطعيم، حقنة ضد أمراض متعددة كالكبد والحمى ووقاية عامة - رجعنا بعدها إلى المكتب وحتى الثامنة لم نأكل غير إفطار الصباح وبدا شترك شاحبا حتى ظن فيلز أن ذلك من أثر التطعيم. توجهنا إلى مطعم حيث استطاعت أعيننا أخيرا أن ترى - صحيح أن المعدة الخاوية لا تفكر رغم أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ولكن ليس بدون الخبز والخبز هو السلام أي السلام الاجتماعي.

ذهبنا إلى فندق schwabing في شارع كان خلال الحركة الطلابية 68 مركزا للنشاطات والحانات وامتداده للآن مكان تجمع الفنانين ومكاتبهم واستوديوهاتهم.

18-1-1977 ميونخ

كانت المهمة الأولى في هذا اليوم هي شراء بعض حاجيات السفر وبالفعل ذهبت إلى Schuster مكان أدوات رياضية بميونخ - وكما يقولون جلدا مو جلدك جر فوقو شوك - وقد جريت الشوك على الشركة، نوع من الغطاء الكامل للبرد وبدلة تدريب رياضي وحذاء سفاري ولازلت مستغربا كيف يدفعون دون تردد - وقد علمت أن مثل هذه التكاليف تقلل عليهم الضرائب وليس لسواد عيوننا. بعدها أحضرنا كتبي التي جاءت من فرانكفورت في محاولة لأخذها معي إلى الخرطوم.

في الحادية عشر بدأت رحلتنا من أجل تأشيرات الدخول للنمسا وإيطاليا وانتهيت منها في أقل من نصف ساعة.

عند العودة، كان "البوس" في اجتماع ما ولم ننتظر. تفرقنا على أن نعود في الثامنة لاحتفال وداع صغير في مطعم Oastoria إيطالي - حتى الثامنة قضيت بعض الشؤون بالبريد - خطاب لأنور وتحويلة لبولنده ورجعنا للكوندة.

ذهبنا إلى المطعم في الثامنة وتأخرت المجموعة. التقيت بدارس مصريات يدعى Thomas، تعرف عليه فيلز في القاهرة، وهو مسؤول عن تنظيم رحلات سياحية إلى القاهرة. علمت أنه أمريكي يقوم بهذا العمل لعشر سنوات لم يتعلم خلالها العربية - شخصيته اجتماعية - يبدو بسيطا في رفع الحواجز مع الآخرين عكس الألمان. سيطر على الجو تماما رغم أنه كان يبدو أحيانا كمن يمثل - يمكن أن يكون فنانا بوهيميا في باريس القرن الماضي. قام بمشاركة ديهل أو فراو/ ديهل - رغم سنها - بتلطيف الجو كثيرا. وبعد كثير من الخمر أصبح هر/ لانكن لطيفا خفيف الظل - شكله قريب من صديقي صلاح - له حيل في شرب السيجار وإدخاله في فمه مشتعلا والتحدث ثم إخراجه مشتعلا. زوجة فيلز تضايقت من وجود زنجي على الطاولة خاصة وأن للبرجوازية طريقة في تنظيم الطاولة وصدفة كنت أجلس في ما يسمى برأس الطاولة، وكانت تحاول تغيير ذلك وبدأت حربها الباردة، أصرت على مخاطبتي بالاسم الأول وهذا دلالة على عدم الاحترام عند الألمان. استمرت السهرة حتى الثانية عشر وقليلا. تفرقنا على أن يكون السفر يوم الأربعاء - غدا - ونلتقي عند الحادية عشر في المكتب.

19-1-1977 ميونخ Tegernsee النمسا

حضرنا في الحادية عشر، ودام انتظار جودو حتى الواحدة. مللت وذهبت إلى غرفتي وتجولت ثم عدت وقامت المجموعة الموجودة أيضا بجولة وتناولنا طعام الظهر وعدنا إلى الانتظار حتى فقدنا الأمل في السفر، وفجأة تقرر أن نقوم وأتت السيارتان وبدأت إجراءات شحنهما بطريقة تمكن من إرسال أكبر كميات من الطعام. كانت كميات الطعام هائلة لا أدري خوفا من أن يتضوروا جوعا في بلد من البلدان النامية تعتبر من أفقر 25 قطرا في العالم أم محاولة لتقليل المصاريف أم للضمان فقط. لم أجد مكانا للكتب كلها كرتونة واحدة.

كان الجو باردا والجليد يتساقط بغزارة. تكاثرت الأسئلة من المارة واكتشفت أن الشارع كله فنانين ومهتمين بالسينما والتصوير والرحلات وفيهم من يتمنى مثل هذه الرحلة طوال عمره. كانوا يعيشون بغير عمل - إن الفنانين أكثر الناس حرية رغم كل القيود المادية حولهم لأن لهم المقدرة على بناء عالمهم المتوازي للعالم الموجود المليء بالتناقضات. كما أنهم منبسطو الشخصية خاصة الممثلين - الحرية التي قالها العقاد. إنها تعني الجمال فهي هنا تعني جمال الشخصية، كنت سعيدا للغاية بأسئلتهم واهتمامهم وتقدمهم نحو الآخرين ومخاطبتهم دون صيغ التهذيب، كان شبه "انترفيو" في الشارع وكان وجود ملون يزيد الدهشة وحب الاستطلاع - وكان بداخلي همباتي يترنم: .... يمرق رِدُّو في بلد العدو ويتوكر.

كنت مليئا بالفرح وبنفسي كأنها تجمعت في لحظة أمامي مثل وقفة روكنتان أمام وجود محض - في غثيان سارتر وأنا الذي يقف الآن ويقف منذ بادرة الوعي الذي سلبني ما يسمى كسلا بالسعادة والاستقرار، كنت أظنني أكبر وأتقدم في سني ولكني أتقدم نحو طفولة دائمة، أعني التفكر في أن أجمل الأيام سيأتي ولهذا لم ولن أشبع من الحياة خاصة كلما رميت بحصاة في مياهها الهادئة لأحرك دوائر كثيرة تجدد النبع. أعلق كثيرا على هذه الرحلة وأعتقد أنها سوف تجدد شراييني خاصة وقد امتلأت بدخان الكتب والورق التي صارت مؤخرا تحترق في داخلي وتذكرني بتل من الرماد رأيته في 27 رجب يوم وفاة عبد الناصر 70 وهو بقايا نار القرآن التي كانت مشتعلة.

أريد حرارة التجارب والدفء البشري - أفكر كثيرا ولكن رغم ذلك تفاجئني الأحداث دوما حتى أكاد أقول بلا معقولية الحياة وأنها فقدت المنطق الصارم وحتى المعقول في كثير من أحداثها - ولكن أخشى من اللامبالاة والتشاؤم وقد تهتز قناعات بنيتها في داخلي في صبر ودأب - لست دوقمائيا ولكن عندي قناعات إنسانية أرى أن أتوق إليها، أن يلتئم شقي الإنسان - الروحي والمادي. ولشد ما أجد الإنسان مرهقا بالحياة، كل مجتمع يحرم الإنسان من أشياء كثيرة ويعطيه أشياء أخرى وقد يكون في غير حوجة لما أعطي بهذه الوفرة والترف والسفاهة - بالمناسبة - هذا يقودني إلى كيف قضيت ليلة السفر - في منزل فيلز حيث كما يقول رائحة الغنى تزكم الأنف - البورجوازية - لها فضل زاد ومكان وتكنولوجيا ولن تتفضل به على من لا زاد له - المنزل عزبة كبيرة كما يقول الإخوة المصاروة وبه مقتنيات فنية من الباروك وآثار إغريقية ورومانية تقدر حتما ببضع ملايين. لا حدود للمنزل، أعطي لكل واحد غرفة وكل غرفة بها تلفزيون وحمام - للمفارقة ثمن بشاكير الحمام الملحق بغرفتي يساوي حتما دخل أسرة بشارة وحليمة لمدة عام كامل. مثل هذه المواقف تزيل كل رواسبي الميتافيزيقية في وجود عدالة شاملة فوق بشرية في زمان أو مكان ما. لكنهم غير سعداء ربما لأنهم مزيفون، كل شيء فيهم خوف وقلق، صدق من قال للفقراء أن لن تفقدوا سوى قيودكم. وهؤلاء في خوف دائم من أن يفقدوا كل شيء. زوجة فيلز قلقة وتنقل لمن حولها الشعور بعدم الراحة، رغم ملايينها ليس لديها القدرة على فرح حقيقي - حليمة عندما تجلجل ضحكتها في عصرية يوم شربت فيه ما تيسر من المريسة - تعادل كل ما تحرسه هذه من المال - لأنه لم يعطها نوما بغير مهدئات ولا ضحكة غير مفتعلة.

قضيت ليلة كأنني على خشبة مسرح أمثل النوم في منزل بورجوازي - وفي هذا اليوم سمعت بأحداث مصر والمظاهرات وعجبت أن الشعارات كانت عايزين ناكل - خبزنا كفافنا والقناعة كنز لا يفنى.

لا زالت المعادلة الصعبة لمنطق العالم حولي ومنطقي الداخلي مفقودة - أحيانا قد تكون في إحدى الطرفين الرجوع إلى الداخل ويذيب المرء نفسه هناك أم يسقط نفسه للخارج ويذيب نفسه هناك - هل رجعت للنيرفانا أو كما قال لي أحدهم رجعت لهوسك ومتى تركت هوسي؟؟

شارك المقال

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

اقرأ أيضاً

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟