الفصل الثالث: الدولة الوطنية بين الدين وتحديات العولمة
نعمل - نحن أسرة حيدر ابراهيم - على إتاحة كتبه جميعها مجاناً للمنفعة العامة ومواصلة مشروعه التنويري. تبقى جميع الحقوق محفوظة ويمنع طبع أو نشر الكتب الا بموافقة مكتوبة.
يمكن القول بأن الدولة الوطنية في السياق العربي - الإسلامي في مضمونها وشكلها وأجهزتها وفلسفتها المتعارف عليها في الأدبيات المعاصرة هي ظاهرة حديثة تماما. وهي في نفس الوقت ليست نتيجة تطور تاريخي ذاتي بل ولدت من الاحتكاك بالغرب وغالبا ما فرضت أو صممت من الخارج. لذلك حتى المفهوم نفسه لم يعرفه الفكر السياسي العربي والإفريقي الا خلال هذا القرن. ويري باحثون أن نظرية الدول الإسلامية ظهرت كرد فعل لزوال مؤسسة الخلافة وإعلان الجمهورية في تركيا في عام ١٩٢٤ واتت فكرة الدولة كبديل الخلافة1 اما محاولات تأسيس الدولة فقد جاءت متأخرة ومجتزاء لذلك اختلط دور جهاز الدولة بنظرية الدولة وأحياناً اعتبرت التنظيمات مقابلاً للدولة وكانت هذه تتناول منظمات محددة وتتم على فترات متباعدة. أي كانت تتم مبتورة عن جهاز متكامل الدولة ومن عزلة عن نظرية متكاملة الدولة2 فالدولة. من الناحية جغرافيا وتاريخية ظاهرة غربية تطورت في الفترة من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين ومن الناحية الفقهية قامت الدولة على فكرة القانون ومن الناحية التنظيمية تبنت الوحدة المركزية و توزيع الاختصاصات على أساس ما يسمى النمط العقلاني الشرعي واستخدام عدد من الموظفين العمومين تضمهم في بيروقراطية كبيرة3.
لذلك تتجاوز الدولة الفهم السائد في المجتمعات العربية والذي قد يخلط بين مفاهيم مثل السلطة والإدارة والحكومة والخلافة وبين الدولة المعاصرة. فهي ليست مجرد الأجهزة والقدرة على جمع الضرائب وفرض الطاعة ولا هي السلطة الحاكمة أو سلطان ولا الكفاءة في تنظيم جيوش الفتح والتوسع، ولكنها ببساطة هي الهيئة التي تملك حق استعمال القوة الشرعية أي سلطة فوق اقليم معين وعلى سكان معينين حسب علاقة تعاقدية هي في الواقع تفاعل يتضمن ظواهر مثل التفويض والتمثيل وتنازل الأفراد لصالح سلطات تجعل هذا التفاعل والتعاون أكثر فعالية ويمنع - قدر المكان - الاستبدال. فالدولة الحديثة هي تعبير الأكثر كمالا عن الجهد المبذول لتنظيم العلاقات بين الناس بطريقة عقلانية4
يرى بعض الباحثين - وبالذات بالمدرسة الاقتصاد السياسي - أن الدولة نتاج لتطور الرأسمالية ولفتح طرق التجارة ولنمو الصناعة. ويعتبرون تزايد عدد الدول التي استقلت في المرحلة المعاصرة عملية تماشي في جوهرها مع منطق تطور النظام الرأسمالي العالمي، وبالتالي فالدولة ليست ظاهرة نوعية ولكنها محددة تاريخيا كإنتاج للرأسمالية الأوربية ثم توسعت كجزء عضوي من النظام الرأسمالي العالمي5 لذلك كان من الطبيعي أن تكون الدولة الوطنية في العالم الثالث اصطناعية ومفروضة من الخارج ثم استعارت الأجهزة واشكال البيروقراطية والقمع بدون المضمون الاجتماعي والقانوني أي نظرية الدولة عكس ما حدث في المجتمعات التي ظهرت الدولة فيها كسيرورة تاريخية اجتماعية داخلية. لذلك ارتبطت الدول الوطنية في العالم الثالث في المجتمعات العربية بالنخبة أي دولة النخبة، ورغم هذه الحقيقة اكتسبت الدولة الوطنية في بداياتها قبولاً على أمل أن تكون أداة للتنمية وتحقيق الادماج القومي وتوقع الناس أن تنجز لهم هذه الدولة ما حرمهم منه الاستعمار. وقد قبلت الانظمة هذا الرهان. ووجدت في حماس الحركة الاستقلالية وتفاؤل اقتصاديات التنمية، ما جعلها تأخذ على عاتقها عمليات بناء الدولة وبعث التنمية في مختلف أبعادها»6 حاولت الدولة الوطنية الحديثة بناء شرعيتها على الإنجاز وقد أظهرت استقلالية نسبية في الصراعات الاجتماعية.
يقود هذا المدخل الذي يؤكد حداثة الدولة الوطنية إلى القضية الأولى والقديمة الخاصة بعلاقة الدين والدولة أو موقع الدولة في الفكر والممارسة الإسلاميين. ونصل إلى افتراض أولي هو أن الإسلام لم يعرف الدولة بمعناها وفلسفتها الحديثة لأنه ليس كل مجتمع سياسي منظم دولة - كما يقول بوردو على حق7. فالدولة الحديثة بعقلانيتها وبيروقراطيتها وأجهزتها المعقدة لم تكن من احتياجات وضرورات تلك الحقب كما أن وجود ظاهرة السلطة والتراتب بين الحكام والمحكومين لا تتطابق بالضرورة مع مفهوم الدولة الحديثة والتي ليست أيضا الشكل الوحيد للسلطة، وقد عرف الإسلام الخلافة والسلطة. ويحدد العروي هذا الرأي بدقة: «إن عبارة دولة إسلامية مرفوضة، مادامت الدولة الإسلامية في الحقيقة هي الخلافة، عبارة دولة شرعية أصح، لكن تتسبب في التباس كبير لأن القارئ العادي لا يفرق بين الدولة الشرعية والخلافة. إذا قلنا دولة الإسلام أو دولة المسلمين، فالقول مقبول مادمنا لا نعني به نظام إسلامية بل فقط نظام تقام فيه شعائر الإسلام ويعيش فيه مسلمون مؤمنون8. لذلك يفضل دولة السلطنة أو دولة سلطانية.
ومن ناحية أخرى اقتصرت فكرة المسلمين الأوائل عن علاقة الدولة بالدين على اعتبار الدولة أو السلطة السياسية «الة أو أداة في يد الشرع، وضرورة خارجية لنشر الدين والعدل وتطبيق الشريعة وحسب هذا الفهم لم تكن جزءا من الإيمان، لكن الإيمان كان يعمل من منطق توظيفها كأداة خارجية لتحقيق أهدافه». لكن هذا الوضع المفترض والمرغوب انقلب مع تحول الخلافة إلى ملك عضوض وصار الدين أداة في يد الدولة9. لذلك لم تكن فكرة الدين والدولة تعني علاقة اندماجية تكاملية أو كما يرى أحد الباحثين أن واو الربط في العبارة دال على التساكن لا على الاندماج والانصهار» مع أن المفروض حسب المنطق الأصلي للخلافة أن يصهر الدين الدولة فيه، وذلك لأن الإسلام هنا يعني الحضارة وليس العقيدة لذلك كان تساكن الدين والدولة ممكناً»10. ويؤكد (غليون) في نفس المعنى أن العلاقة بين الدين والدولة كانت في التاريخ الإسلامي «علاقة تعايش لا اندماج ولم تكن انصهاراً أو ارتباطاً عضوياً. كما أن إخضاع الدين للدولة جعل الجماعة والفرد يلتجأون إلى الدين في مواجهة الدولة وبالتالي فأن مفهوم الجماعة أو الأمة حل في الذاكرة الاجتماعية محل مفهوم الدولة»11.
قصد هذا الإسهاب أن يربط بين حداثة مفهوم الدولة وعدم وجوده في الفكر السياسي العربي والإسلامي، وهذا أمر لا يضير الإسلام بشيء مثلما نقول إن العلماء المسلمين لم يتوصلوا إلى كروية الأرض في وقت سابق. ولكن عدم وجود فكرة الدولة في التاريخ الإسلامي لم يمنع تداولها الطاغي في الأيديولوجيا الإسلامية السياسية المعاصرة.
فقد احتل النقاش حول الدولة في الإسلام حيزا كبيرا في السجالات والحوارات التي تدور منذ فترة طويلة. ويلاحظ احتدام النقاش في فترات الأزمات والتحولات، مثال ذلك بعد إلغاء الخلافة وصدور كتاب على عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم. ثم بعد استقلال الباكستان عن الهند عام ١٩٤٧ وانتشار كتابات أبو الأعلى المودودي - حتى قبل الاستقلال - والتي كانت لها تأثيرات واضحة على الجماعات الدينية السياسية في المنطقة العربية، مثل كتاب: «الحكومة الإسلامية» أو «منهاج الانقلاب الإسلامي» ونظرية الإسلام السياسية و «تدوين الدستور الإسلامي» وحقوق أهل الذمة في الإسلام». ثم كانت الموجة الأخيرة والتي اكتسبت قوتها من الصراع مع الثورة المصرية ومن آثار هزيمة الدولة الوطنية عقب حرب حزيران ١٩٦٧ وكان تأثير سيد قطب الفكري والحركي هو الغالب. وبعد الثورة الإيرانية تحول التنظير والفكر إلى تجريب ونموذج. وعلى صعيد آخر تفاعلت نتائج فشل الاتجاه التنموي والقومي في الواقع العربي وبالذات تدهور الأحوال المعيشية وتدني نوعية الحياة وازدياد التفاوت الاجتماعي وإحكام التعبئة للنظام الرأسمالي العالمي، وتفشي الاتجاهات القطرية وتكريس التجزئة حتى ضمن الجماهير العربية نفسها وليس فقط بين الأنظمة الحاكمة. كان مسرح الأزمة مهيئة تماما والأذهان والقلوب مستعدة لقبول بديل خاصة لو راهن على الأصالة وارتباط جذوره بثقافة وعقيدة هذه المجتمعات.
يقوم النقاش حول الدين والدولة على تجاهل حقيقة حداثة الدولة الوطنية ذات المصدر الأجنبي والتطور المختلف وتركز التيارات والجماعات الدينية السياسية - باختلاف مرجعيتها ودرجات تشددها واعتدالها - على فرضيتين، الأولى: تأكيد فشل الدولة العلمانية القائمة في غالبية الدول العربية والتي قادت المرحلة الحالية. والفرضية الثانية تقول بوجود نموذج جاهز لنظام إسلامي بديل قادر على حل مشكلات التحول التي تعيشها المجتمعات العربية وذلك بدون اغتراب أو تبعية، ومواجهة كل أشكال الهيمنة الأجنبية سواء أكانت مادية أو روحية أو ثقافية. وهذا ما تدرجه هذه الجماعات والتيارات في الشعار الواسع: «الإسلام هو الحل». وفي البداية نتوقف عند هاتين الفرضيتين باعتبارهما أسس الخطاب الإسلامي السياسي ومصدر التعبئة والتحفيز والإقناع.
تخوم علمانية الدولة العربية - الإسلامية الحديثة
تصنف الغالبية العظمي من الباحثين - حتى من خارج دائرة الإسلام السياسي - الدولة العربية الحديثة كدولة علمانية باعتبارها ورثت - بعد قطيعة - الخلافة العثمانية التي تمثل الشكل الأخير لما تعارف عليه بأنه الدولة الإسلامية، وهي في نفس الوقت كيان جديد متأثر بنمط الدولة الغربية. وقد دأب الباحثون على إطلاق هذه الصفة دون اختبار دقيق لمفهوم العلمانية ولقياس مدى الانتشار الحقيقي للعلمانية في ثنايا المجتمع والدولة العربيين، وكثيرا ما نعثر في الكتابات العربية على مثل هذه الأحكام القاطعة التي تقول: «فالحق أن الدولة ذات النموذج الغربي التي عرفتها التجارب الإسلامية المختلفة هي التي طرحت، ولأول مرة، إمكانية دولة علمانية أو دولة لا تستهدي بمبادئ الإسلام، أو بكل بساطة، دولة تضع نفسها خارج أي نموذج من النماذج الإسلامية المعروفة في التاريخ»12. كما جرت العادة على الربط بين هيمنة الدولة وتوجهها القومي وبين علمانية الدولة العربية رغم كل المضامين الدينية التي قد تحملها فكرة القومية العربية: «... عمَّ مبدأ هيمنة الدولة في شكلها العلماني تحت تأثير القومية العربية ابتداء من سنة ١٩٣٦ أثر المبادرة العراقية السورية أولا ثم في مصر في عهد عبد الناصر بعد سنة ١٩٥٢ وأخيرا في الجزائر زمن بومدين وفي ليبيا تحت حكم القذافي. قطعا لقد كانت منطقة الهلال الخصيب سباقة في هذا الإطار وذلك منذ ظهور أيديولوجيا الهيمنة الحكومية العربية نظرا لقرب هذه المنطقة من التجربة الكمالية»13.
يبدو أن مثل هذا الفهم السائد لعلمانية الدولة العربية الحديثة يعتمد معيارا ضيقا لمفهوم العلمانية لا يتعدى وجود نظام بيروقراطي جديد يقوم على تقسيم الإدارة الحكومية مع نظام تعليم مدني مقابل المعاهد الدينية والكتاتيب، بالإضافة إلى وجود اقتصاد قائم على تصدير المواد الأولية واستيراد السلع الاستهلاكية والتصنيعية من الخارج. وحسب هذا الفهم تختلط مفاهيم مثل التحديث والتغريب والنمو بمفهوم العلمنة (Secularization) الشامل والذي يخصص حدود الدين والسياسة في الدولة والمجتمع. ومن هنا كان البعض يتحدث مثلا عن علمنة محمد علي لمؤسسات الدولة ويقصد بذلك موقفه من نظم التعليم والصناعات الغربية وإرسال البعثات العلمية إلى أوربا والاهتمام بعناصر الدولة الحديثة من جيش وأسطول وصناعة وزراعة وتجارة14. وكثيرا ما تعتبر هذه السيرورات بداية تحول أدى إلى ظهور إشكالية العلاقة بين الدولة والدين باعتبار أن بلدان المشرق العربي حتى عام ١٧٩٨، كانت دولا إسلامية من حيث النظم والشرائع والتقاليد، ولكن الأوضاع تبدلت على المستوى الفكري والثقافي العام والسياسي بعد مجيء الحملة الفرنسية وما تبعها من استعمار غربي أدخل نماذج للفكر والسلوك وللنظم الغربية. ونتج عن ذلك إثارة المشكلة التي اتخذت مسميات عديدة حسب اختلاف الظروف مثل: الخلاف بين الدين والعقل أو بين الأصالة والمعاصرة أو بين الدين والدولة15. ولكن العلمانية تذهب إلى أبعد من ذلك حسب أصل المفهوم العلمي السائد فهي صيغة الفصل الدين عن الدولة أو فصل السلطة بتحديد مجال السلطة الدينية ومؤسساتها في مقابل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتعني أن يكون الدين شأنا خاصا على قدر الإمكان. وهذه الأوضاع والمواصفات لم توجد في أي دولة عربية إسلامية أو مجتمع طوال التاريخ الحديث إن لم يكن في التاريخ حصرا، وحتى خلال فترة المد الوطني وفورة التقدم لم يتجرأ أي حاكم أو مفكر أو حزب على الاقتراب من هذا التابو.
ظلت الدولة العربية انتقالية وتتعايش فيها التناقضات ويرتدي أي صراع أقنعة كثيرة متغيرة ومتداخلة. فقد يتمظهر الصراع الطبقي مثلا في شكل تناقض عرقي أو أثني، وقد يروج للصراعات السياسية بأنها دينية أو طائفية، وقد تحقق مثل هذه الدولة الانتقالية أهدافا تقليدية ومحافظة بوسائل تكنولوجية متقدمة. في مثل هذه الدولة يتزامن القرن العشرين مع القرون الوسطى داخل الفرد الواحد دون تصادم مكشوف، وينطبق ذلك على الفكر والمجتمع والنظم كلها بسبب وجود آلية للإخفاء والتحوير تعمل على استمرار الوسطية والتوفيقية. ظلت هذه الوضعية الفسيفسائية تطبع كل من الفكر والمجتمع والدولة في المجتمعات العربية التي بقيت كما نقول بالعامية - مثل جُبة الشحاذ أو جراب الحاوي. وتنعكس هذه الوضعية المشوشة على علاقة الدين والدولة بصورة أكثر تعقيدا بسبب تشابك وحساسية هذه الإشكالية خاصة وأن الدولة العربية الحديثة التي تتهم دائما بأنها نبت أجنبي ولا تمثل غير صفوة مغتربة تحاول إظهار أصالتها وتعبيرها عن ضمير الأمة التي تحكمها. لذلك تظهر شعارات تلفيقية مثل: «دولة العلم والإيمان» أو تسميات مثل «الرئيس المؤمن».
وعلى ضوء هذه المعطيات وضمن هذا الواقع من الضروري التأكيد على أن إطلاق صفة العلمانية على الدولة العربية الحديثة فيه كثير من التعسف وعدم الدقة والتعميم المتسرع. لأنه من الصعب أن تلصق هذه التسمية على هذه الدولة التي لا يسندها تاريخ اشتمل على عصر تنوير وإصلاح ديني وثورة صناعية وكشوف جغرافية وتوسع استعماري وبورجوازية صاعدة ومستقلة وثورات سياسية مثل الثورة الفرنسية. فالعلمانية ليست سلعة تستورد أو سككاً حديدية تنشأ بل عملية تاريخية طويلة. فالدول - الوطنية والتي نسميها تجاوزاً حديثة - هي في جوهرها امتداد للماضي لأنها ورثت الكثير من الخلافة العثمانية وما قبلها، واستمرت المؤسسات والقيم القبلية والعشائرية التي دمجت سطحية في أشكال جديدة، فقد تغيرت الأواني القديمة فقط وبقي المحتوى كما هو. فعلى سبيل المثال الا الحصر تم تقسيم الوزارات والإدارات والمصالح الحكومية، ولكن الدولة في مجملها لم تتميز حقيقة بالعقلانية أو الحداثة واستمرت ثنائية متعارضة تحاول التوازن وهذا ما عبر عنه أحد المفكرين العرب: «.... لا أن البيروقراطية وسيلة فقط: قد تستعمل في صالح الحرية وقد تستعمل لفائدة القمع العنيف، حسب الظروف العامة، حسب حجم ونظام وأخلاقية البيروقراطية ذاتها. إن الدولة العربية الحالية متأرجحة بين نمطين السلطانية المملوكية والتنظيمية العقلية، بل تبدي في الواقع ملامح النمطين معا. يكمن سبب التأرجح في الفجوة بين السياسة والمجتمع المدني (.....) بين الدولة والفرد، تلك الفجوة الموروثة عن الدولة السلطانية القديمة والتي ركزتها الإدارة الاستعمارية الأجنبية»16.
يرى بعض الباحثين أن مسألة علاقة الدين والدولة أو فصل الدين عن الدولة مشكلة مفتعلة وترتبط بالصراع الأيديولوجي والاختلافات السياسية والحزبية. ويرجعون ذلك إلى أسباب عديدة من أهمها القول بعدم وجود كنيسة أو هيئة مماثلة أو كهنوت في الإسلام، وهذا يجعل أي صراع محتمل بين الكنيسة (الدين) والدولة مستبعدا. ومن الملاحظ من ناحية أخرى أن مشكلة الدولة لم تحتل موقعا مركزية في الفكر السياسي الإسلامي حتى في الفترات التي أعقبت الصراعات السياسية واقتصر على شروط الخلافة والخليفة. وقد كانت فكرة الأمة أو الجماعة ذات أولوية في الفكر الإسلامي عموما كما يظهر في اهتمامات المتكلمين والفقهاء، وذلك لأن الدولة جزء من الكل وتخضع لمصالح الجماعة وليس العكس17. لذلك يقول بعض الإسلاميين أن المطلوب مستقبلا - وما حدث فعلا - ليس هو الفصل ولا الوحدة بين الدين والدولة ولكن التمييز، لأن الإسلام الدين «لم يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، أي لم يعتزل أمور الدولة والسياسة والمجتمع وأيضا فهو لم يضع لدولة المسلمين النظم والقوانين والنظريات وإنما اتخذ لنفسه موقفا وسطا في هذا الميدان الذي يتميز به في العديد من الأمور18. فالإسلام حسب (عمارة) ليس مواجها بهذه الثنائية والاستقطاب الحاد الذي عرفته الحضارة الغربية. فالدولة ضرورة وواجبة ولكن تبقى واجبا مدنيا وليس ركنا دينية. وهذا لا يقطع صلاتها بالواجبات والفرائض الدينية لأن قيام كثير من هذه الواجبات الدينية متوقف على تحقيق هذا الواجب المدني أي قيام الدولة19.
هذا الطرح الذي يتميز بتوفيقية واضحة قد يواجه بصعوبات واقعية وعملية عندما نحاول تحديد الخط الفاصل الدقيق بين الدين والدولة لأن العلاقة في هذه الحالة - كما يقول الباحث لا تصل حد الوحدة والاندماج، ولا تنزل إلى مستوى الفصل بينهما، ويبدو أن مثل هذه الاجتهادات تهدف إلى أمر محدد هو نفي الكهانة أو الدولة الدينية (الثيوقراطية) عن الإسلام، وفي نفس الوقت رفض العلمانية الوجه الآخر، وبالتالي فهي دولة مدنية وإسلامية (دينية؟) في آن واحد. وهذا ما يجعل البعض يفسر قول الشيخ علي عبد الرازق بلا دينية الدولة في الإسلام بأنه ينفي شبهة الحكم بالحق الإلهي.
هذه هي الوضعية التي عاشتها حتى اليوم الدولة العربية الحديثة والتي أصبحت الآن مع تنامي التيار الأصولي مثل لعبة البيضة والحجر. فهناك شبه اتفاق حول ضرورة التمييز بهدف تجنب نتائج فصل الدين عن الدولة أو دمج الدولة في الدين وقيام سلطة دينية، ولكن بقي السؤال: كيف يمكن عملية تنظيم الفصل الوظيفي بين السلطات والمؤسسات أي تحديد الديني والسياسي؟ يتفق الباحثون على انعدام ضوابط تنظيم العلاقة وفقدان النموذج الذي يتم على ضوئه التمييز ويلاحظ أحد الكتاب أن الدين تحول سياسية وعملية «إلى مجال سائب (No man's land) يخترقه رجال الدين ورجال السياسة الطامعون في السلطة والباحثون عن شرعية ذات مصدر إلهي غير قابلة للنقد»20. وقد أصبح الدين ميدانا للصراع حول وعي الجماهير وذاكرتها وكانت النتيجة التسييس المتزايد للدين وغلبة الديني على السياسي، والتأكل المستمر للحدود التي تفصل بين مجال الدين ومجال السياسة حتى لغة السياسة تراجعت أمام لغة دينية طاغية تستعمل مصطلحات الكفر والإلحاد عوضا عن كلمات المعارضة والاختلاف، ومصطلحات مثل التوبة الوصف التراجع عن المواقف السياسية السابقة وهكذا يزداد التصحر السياسي لحساب الزحف الديني الأصولي بالذات ضمن مجال منفصل وله خصوصيته.
احتار الباحثون الذين درسوا الدولة العربية واستنتجوا علمانيتها، حين رأوا واقعا يظهر فيه باستمرار تدخل الدين في السياسة مع بروز مؤسسات رسمية وتنظيمات جماهيرية تعمق هذا التوجه. يجزم أحد الباحثين في وصفه تطور الدولة الحديثة: «فقد قطعت الدولة الجديدة مع المرجعية التراثية السابقة لتؤسس مرجعية جديدة قوامها الحداثة الغربية والتحقير من تراث الخرافات والأساطير مثلما يركز على ذلك الخطاب السياسي»21. ولكن من ناحية الواقع والممارسة والمردود لم تتحول هذه القطيعة مع المرجعية التراثية إلى أشكال جديدة في الحياة والسلوك والفكر. ولا يعود ذلك إلى أسباب فنية أو أداتية بل إلى انعدام رؤية شاملة واستمرار غلبة الوسطية والتوفيقية المستحيلة. وليس صحيحا أن «الخطاب السياسي «أن شديد الحماسية لانتشار الأيديولوجيا السياسية التحديثية وتأكيد مبدأ العلمانية وقيام الدولة الوطنية الجديدة، كانت هياكل الدولة متباطئة وقليلة الحماس للتنفيذ، الأمر الذي أثر في علاقات الدولة بالمجتمع وخلف تباعدا في التصور»22. والحقيقة هي أن الخطاب السياسي لم يمتلك موقفا واضحة ومحددا عن علاقة الدين بالدولة، وغالبا ما حاولت سلطات التحديث فرضه من فوق. ويرجع ذلك إلى انعدام الأصالة والمبادأة مع غياب كل أشكال المشاركة والحوار وإيقاظ الوعي الشعبي. لذلك بقيت التعبيرات فوقية وجاءت القرارات والتشريعات في فراغ اجتماعي وفكري ولم تعبر عن حاجات وتطلعات حقيقية. كما نصادف حيلاً كثيرة للتهرب من الحداثة بدعوى تكييفها مع التجربة التاريخية مع أن المطلوب تركيب جدلي بين الماضي والواقع. ففي مجال العلمانية التشريعية هناك محاولات إلى تأكيد ما نصت عليه الشريعة من حيث المبادئ وتحويرها على صعيد النتيجة العملية. ويضرب (جعيط) مثلا لذلك بتعدد الزوجات. حيث يؤكد السماح للمسلم بالزواج من أربع وفي نفس الوقت يضبط ذلك بشروط كثيرة تجعل الأمر يكاد يصبح في حكم المستحيل. ومن المفروض في مثل هذه الأحوال التأكيد على مبادئ معينة، فقد يكون «التأكيد مسبقاً على مبدأ المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة «توطئة لتصور جديد لحياة الأسرة بحيث يكون التطبيق التشريعي نتيجة لا غير»23.
يقودنا كل ما تقدم إلى السؤال المحوري: أين موقع الدين حقيقة ضمن هذه الدولة التي توصف تجاوزا بالعلمانية؟ غالبا ما نصادف مفاهيم ومقولات معينة حين يطرح هذا السؤال مثل «توظيف الدين» أو «البحث عن الجوانب الإيجابية أو التقدمية في الدين» كما تبرز تيارات تحاول إيجاد تفسيرات مختلفة لمفاهيم شمولية الإسلام وكيفية صلاحيته لكل زمان ومكان، وتحديد مساحات الاجتهاد والتجديد، وتعيين الإنساني والنسبي والمتغير في الفكر الديني أو في التدين. ونلاحظ أن الدولة العربية الحديثة التي اصطلح على وصفها بالعلمانية اقتصر تجديدها على جوانب قليلة ومحدودة في التدين ولا تمس الدين مباشرة أي تعمل في منطقة تسمح بقدر من المناورة مثل مجالات التعليم والأحوال الشخصية وتحديد دين الدولة أو رئيس الدولة في الدستور والموقف من الطائفية.
تعتبر تجارب الفكر القومي بشقيه: الناصرية والبعثية أبرز المحاولات الحديثة للبحث عن دور جديد وفعال للدولة لإنجاز التنمية والوحدة والتحرير القومي. لذلك دخلت في معارك مع تيارات دينية - سياسية التي عارضت المشروع القومي بادعاء شبهات كثيرة أهمها الابتعاد عن الدين وعدم تطبيق الشريعة الإسلامية. درجت الحركة الإسلامية على دمغ النظم القومية بصفة الطاغوت واعتبار الفكر القومي مؤامرة من المسيحيين العرب والمستغربين، كذلك ربطته دائما بالعلمانية. ويتسرب هذا التصنيف إلى كثير من الكتابات والأذهان، وأصبح من المسلمات المقابلة بين تجارب وأفكار قومية علمانية وبين الدين والتيارات المنتسبة له.
كان الموقف الناصري والذي تكرر في التجارب القومية والعربية الأخرى تجاه الدين متعايشا واتسم بقدر من الاستمرارية والمحافظة في أحيان كثيرة. يقول أحد الدارسين للتجربة الناصرية: «لقد كانت المسألة الدينية من أولى القضايا التي حدد عبد الناصر موقفه منها منذ بداية الثورة، ولم تتعرض كغيرها للتطور والتغير من الناحية النظرية والمنهجية، وإن كانت وسائل تطبيقها قد تغيرت وتبدلت وفقا لاتجاهات التطور الاجتماعي والسياسي في مصر في الفترة من عام ١٩٥٢ حتى عام ١٩٧٠»24. وحاولت الناصرية أن تستغل الدين في التعبئة السياسية وإعطاء شرعية للنظام واحتواء الصراع الاجتماعي والوطني من خلال دعوة اشتراكية الإسلام أو الاشتراكية المسلمة مقابل المادية أو الملحدة، وفي نفس الوقت كمحاولة مضادة لتجاوز مشروع الإخوان المسلمين من جهة أخرى25. ويطابق (أركون) بين الخطاب الناصري والأخواني من حيث الاتفاق في طريقة تعبئة الجماهير لأن «الفكر الأيديولوجي يستلزم تفضيل الشعارات الدافعة إلى الجهاد في سبيل الله وفي سبيل الوطن على إحداث الوعي التاريخي العلمي الإيجابي الذي تطمح إليه العقلية الحديثة». ويؤكد بصورة جازمة عدم الاختلاف بين الخطابين حين يقول:
«احتكر الخطاب العربي (الثوري) ثم الخطاب الإسلامي المعاصر مناحي الكلام عن الكيان العربي في ماضيه وحاضره ومستقبله، وعن الإسلام كدين ودولة ودنيا، وطغى الخطابان طغيان الجماهير الثائرة على كل من يدعو إلى العقلية والطرق العلمية والنقد الفلسفي للمعرفة»26. ويرى (عمارة) أن المشروع القومي الناصري «خطوة هامة من الناحية الموضوعية نحو أسلمة الحياة والنهضة في عالم الإسلام .... ومن هنا جاءت مواجهة الغرب لهذا المشروع على نفس المستوى الذي واجه به المشاريع النهضوية التي سبقته»27.
رغم أن التجارب القومية بالذات الناصرية والبعث وجبهة التحرير الجزائرية تتخذ كنماذج للأفكار العربية الحديثة والدولة الحديثة، إلا أن هذه التجارب على أرض الواقع الم تتعد أن تكون امتدادا للماضي والتراث ضمن سياق تاريخي مختلف أو في عالم حديث. إذ لم تحاول تلك التجارب أن تواصل المشروع الليبرالي العربي وفكر النهضة بل سعت إلى منافسة التيارات الدينية والمزايدة في أنها أكثر ارتباطا بالدين، وخضعت باستمرار لابتزاز الجماعات الدينية - السياسية ومع ذلك لم تكسب رضاها ولم تسحب منها ولاء الجماهير. ففي مصر الناصرية والتي دخلت في نزاع دام وطويل مع جماعة الإخوان المسلمين التي اتهمت الناصرية بالكفر والإلحاد، رغم ارتباطها أي الجماعة بحركة الضباط الأحرار وتحالفها معهم في البداية. ولكننا نلاحظ أن سجل الدولة الناصرية على مستوى الإنجاز والانتشار الديني يمكن أن يضاهي سجل أي سلطة دينية لو قدر لها أن تصل إلى السلطة. فقد قام عبد الناصر بتطوير وتنظيم الأزهر حسب القانون رقم ٦٠٣ العام ١٩٦١ وتم تأسيس المؤتمر الإسلامي عام ١٩٥٤ والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في عام ١٩٦٠. وتم تجميع الطرق الصوفية والتي لغت آنذاك ٦٠ طريقة تضم ثلاثة ملايين مواطناً عام ١٩٩٣. وصدرت مجلة «منبر الإسلام باللغات العربية والانجليزية والفرنسية والإسبانية، وكذلك صدرت مجلة «الإسلام والتصوف بالإضافة لسلسلة شهرية الكتب الإسلامية وافتتحت محطة خاصة بالقرآن الكريم تبث ١٤ ساعة يوميا. وفي يونيو ١٩٦٠ تم توزيع أربعة ملايين نسخة من المطبوعات على العالم الإسلامي. وفي ميدان التعليم زاد الاهتمام بالتعليم الديني داخل المدارس المدنية كما تم إنشاء معاهد دينية جديدة وإلغاء قيود وظائف الوعاظ والمراقبين والمدرسين وزيادة ميزانية الأزهر. ومن الجدير بالذكر أن رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ منعت خلال هذا العهد بضغط من المؤسسة الدينية
ومن الملاحظ أن أغلب دساتير الدول العربية تنص على أن الإسلام دين الدولة أو أن يكون رئيس الدولة مسلما. وهذا ينفي عنها أي قرابة مع العلمانية، يستثنى من ذلك لبنان وتونس. وكانت سوريا مرشحة لتوجه علماني فقد ورثت نظام تعليم وثقافة أكثر مدنية ولا نقول علمانية، لأنها أخذته عن الدولة التنظيماتية أو الانتدابية. وكان من أولى مهام النظام الاستقلالي إلغاء التمثيل الطائفي في مجلس النواب، وقام نظام الشيشكلي بإلغاء قضاء الأحوال الشخصية للطوائف الإسلامية المختلفة ودمجها في قانون واحد، ومنع كل التنظيمات والتجمعات القائمة على أسس طائفية أو أشية أو جغرافية. كذلك استمرت الدساتير السورية الخمسة خلال الفترة ما بين ١٩٥٠ حتى ١٩٧٣ في عدم النص على دين للدولة، على الرغم من نصها على أن الإسلام دين رئيس الدولة، الأسد بادر بتعديل دستور ١٩٧٣ لينص على ديانة الرئيس وذلك: «نزوة على رغبة قطاعات من الشعب» وبعد الاضطرابات التي أثارتها الجماعات الدينية حول هذه القضية. وعرفت أغلب الدول العربية ثنائية التعليم أي المدني والديني في نفس الوقت. كما أن قوانين الأحوال الشخصية لم يمسها التغيير إلا في تونس واليمن الجنوبي (سابقا). وتكاد الدساتير الدول العربية تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد أو الرئيس للتشريعات.
يحاول هذا العرض السريع المختصر أن يبين أن صفة العلمانية من الملصقات التي توضع على الدولة العربية الحديثة لأهداف غير علمية، كما أنها مشحونة بانحيازات عديدة. ويجعلنا ذلك نتشكك كثيرا في أسس الصراع القائم بين الدولة والحركة الإسلامية أي دينية وعقدية الصراع، ورغم بديهية الموقف المعرفي الابستمولوجي) القائل بأن المعرفة المطلوبة لتنظيم شؤون الدنيا مستقلة منطقيا عن المعرفة الدينية. ولكن الخلاف يكمن في جعل السياسة أصلا في الدين حسب اعتقاد الأصوليين.
الدعوة إلى الدولة الإسلامية
قصدت من الملاحظات السابقة الوصول إلى منطق الحركات الإسلامية السياسية والذي يصل إلى استنتاج سهل ينطلق من أن عجز الدولة العلمانية يستوجب شرعيا وحتى وطنية إقامة الدولة المؤمنة أو المسلمة أو دولة القرآن وحكم الله. ورغم عدم صحة المقدمات والنتائج والحلول، فقد صارت تحليلات الحركة الإسلامية تجد صدى وقبولا واسعا على الأقل على المستوى العاطفي ومن زاوية التعبئة الشعبية، لأنها تقوم على الرفض ونفي ما هو قائم الآن. فشل الأنظمة الوطنية في إنجاز الديمقراطية والتنمية والتحرير ثم الوصول بالمجتمعات العربية إلى القمع وعبادة الفرد والحزب ثم فقدان المزيد من الأرض والإرادة في الصراع الصهيوني والإمبريالي، كل هذه الظروف كفيلة بخلق مناخ السخط والإحباط ثم المعارضة والرفض خاصة لو استند ذلك على القيم والتاريخ. ومن هنا قدم الإسلام السياسي نفسه كبديل منقذ يمتلك القدرة على حل كل هذه المشكلات ووقف الانهيار من خلال شعاره الساحر (الإسلام هو الحل).
رغم أن الدولة الوطنية لم تكن بعيدة أو منفصلة عن الدين. كما ذكرنا في الجزء السابق - فقد أخذت عليها جماعات الإسلام السياسي عدم التبني الشامل والكامل للدين كوسيلة وحيدة لمواجهة المشكلات والتوجيه السياسة والمجتمع. لذلك كان من الطبيعي أن يتركز النقد على إثبات انحراف أو ابتعاد الدولة الوطنية، وحتى حين تحاول الدولة الوطنية الاقتراب من الإسلام السياسي فهي تتهم بالنفاق وعدم الصدق والإخلاص. وحسب المنطق والعقل الخاص بالجماعات الدينية السياسية، فهذا موقف أساسي أي وضع حد فاصل بين الدولة الوطنية الحديثة وبين الحل الإسلامي القادم الذي تبشر به هذه الجماعات. ومن هنا جاء التفريق الحاد لديهم بين المجتمع الإسلامي الحقيقي وبين الجاهلية الجديدة والتي لا تعني بالضرورة عدم الإيمان بالإسلام، ويقول (قطب): «... وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإطار - يقصد المجتمع الجاهلي لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله أيضأ، ولكنها تدخل في هذا الإطار لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها».
ويضيف إلى ذلك: «وهذه المجتمعات بعضها يعلن صراحة علمانيته وعدم علاقته بالدين أصلا، وبعضها يعلن أنه «يحترم الدين ولكنه يخرج الدين من نظامه الاجتماعي أصلا، ويقول: أنه ينكر الغيبية ويقيم نظامه على العلمية باعتبار أن العلمية تناقض الغيبية!»28. وفي نفس السياق تدين وقوف رجال الدين في المؤسسة الدينية إلى جانب الدولة الوطنية وتصمهم بصفات مثل علماء السلطان أو علماء السوء، وترى ما تسميه الإسلام الرسمي مجرد دعاية ضد الإسلاميين. وهذه آلية يقصد منها سحب أي شرعية للدولة الحديثة حين تحاول الارتكاز على الإسلام.
هذا الفصل بين مجتمعين وعالمين منطلق فكري ضروري لتبرير ولشرعنة خطاب الإسلام السياسي والذي قد يفقد تميزه وأصالته لو أقر بإسلامية مجتمعات الدولة الحديثة العربية. لأن الإسلام السياسي لا يريد القيام بعملية إصلاح أو ترقيع للأمر الواقع بل يرفض كل الموجود ويسعى إلى تأسيس دولة إسلامية من جذرها. وهذا ما فسر مركزية شعار: «الحاكمية لله» والذي يبشر من ناحية عملية بالعودة إلى مجتمع المدينة والذي كانت العبودية فيه - حسب تقديرهم لله وحده. وهذا ما أوقع هذه الجماعات الدينية السياسية في خانة معاداة الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان والحرية الفردية. وقد عبر المودودي نيابة عن الجماعات الدينية عن موقف واضح تجاه النظام السياسي الحديث، إذ يقول بأن هذا النظام قد أسس على مبادئ ثلاثة: اللادينية والقومية والديمقراطية. ويشرح المبدأ الأول بأنه يعني أن الأمر في شؤون الدنيا ومعاملاتها كلها لا يرجع إلا إلى الناس أنفسهم، فهم الذين يسيرون على مشيئتهم يضعون لتسييرها المبادئ والقوانين والنظريات والمناهج، ولا حق الله أن يتدخل في هذه الشؤون ولا حاجة بنا إلى أن نسأله عما يحبه أو لا يحبه، ثم يضيف: - والمراد بالمبدأ الثاني أن يحل الشعب منزلة الألوهية، ولا يكن للخير والشر من مقياس إلا مصالح الشعب وحده، ولا يكون المنشود من وراء الجهود إلا ترقية الشعب وإعلاء كلمته». أما المبدأ الثالث: «فكل ما حكم عليه الرأي العام في البلاد بالحق، بصرف النظر عن الدين، فهو الحق.... فلا تدين الأمة إلا بما تضعه أغلبية السكان من المبادئ والقوانين والضوابط ولا يحل إلا لأغلبية السكان أن تغير وتبدل في هذا الدين»29. وقد روج الإسلاميون العرب لهذه الأفكار وبالذات قطب.
هذا وقد اتفقت كل الجماعات والتيارات الدينية كلها حول الدعوة القائلة بأن ترجع البشرية بجملتها إلى دين الله ومنهجه للحياة. وهذا ما يمكن أن يتحقق بتطبيق الشريعة الإسلامية حسب الفكر السياسي الديني وتحاول الحركة الحزبية الدينية الوصول إلى السلطة أو التمكن في الأرض لتطبيق شرع الله. وأصبح تطبيق الشريعة هدفا أو غاية مطلوب في حد ذاته كفرض وواجب ديني، وفي نفس الوقت وسيلة وأداة لإصلاح الدولة والمجتمع والفرد. لذلك يكتسب هذا الشعار كل هذه القوة والجاذبية على صعيد التعبئة وتجييش الجماهير كمعارضة فقط. لذلك فالنقاش يجب ألا يدور حول صحة أو عدم صحة الشعار بل حول فعاليته. فالشعار يقدم التفسير الأخلاقي لأزمة الدولة العربية الحديثة، وقد يكون مقبولا لأن الدولة الحديثة لم تكون تنقصها القدرات المادية بأشكالها المختلفة بما فيها التفويض المطلق بدون معارضة يضاف إلى ذلك سيطرتها على الاقتصاد. لذلك يقول الإسلاميون أن سبب الفشل هو ضعف القيم و الأخلاق أو الوازع الديني الذي يغني - في نظرهم - عن كل المقاومات، وقد يقوم مقام الديمقراطية: «فلم تشهد الإنسانية في تاريخها الطويل نظاما ديمقراطيا عادلا كما شهد العالم الإسلامي في عصور الخلافة الرشيده... وحتى في عصور الخلافة الأموية والعباسية والتي اصطلح المسلمون على تسميتها بعصور الملك العضوض أول الحكم الكسروي. الا أن الوازع الديني لدى الخلفاء والولاة والمسؤولين في تلك الدولة قد كفل للرعية المسلمة من العدالة وحقق من الديمقراطية ما عجزت عن مثله كل النظم المعاصرة لنا في العالم سواء كانت نظما ملكية أو حكما عسكريا. وأبسط دليل على ذلك هو تلك الانتصارات العسكرية والفتوحات الواسعة التي تمت على يد الأمويين والعباسيين»30.
وحين تواجه الجماعات الدينية - السياسية بالسؤال عن الشكل المحدد لتجسيد فكرة الحاكمية فهي تشير مباشرة ودون تردد إلى نموذج مجتمع المدينة في زمن الرسول، والذي يمثل أنقى صور الدولة الإسلامية في نظرهم. ويتسم مثل هذا التفكير باللاريحية والتبسيط وعدم إمعان العقل في فهم مقاصد الدين وتحولات العصر. فمن المعروف هو أن اهداف وغايات أي دولة هي التي تحدد فلسفتها وأسلوب عملها. وقد نشأت «دولة « المدينة - كما يقول عمارة «كضرورة» اقتضاها الدفاع عن حرية العقيدة الجديدة وحرية الدعوة والدعاة للدين الجديد»31. فهي أقرب إلى «دولة الطوارئ» ذات المهمة المحددة والتي قد تضحي بشروط أخرى مثل حق اختيار وعزل الحاكم مثلا ويرى المودودي أن الدولة الإسلامية التي تتولى في الأرض ليس من مهامها أن تعمل على إقامة الأمن والدفاع عن حدود البلاد أو رفع مستوى المعيشة للأهالي، بل «أن تعمل على ترقية الحسنات التي يريد الإسلام أن يحلي بها الإنسانية وتستفيد جهودها في استئصال السيئات التي يريد الإسلام أن يطهر منها الإنسانية»32. ويحدد شكل الحكم بأنه مخالف لكل النظم القائمة لأن الناس كانوا يبايعون أمير المؤمنين على السمع والطاعة ويخولونه كل أمور حياتهم الاجتماعية أي زمام الحكومة والإمامة. وهذا ما ينقصنا الآن شريطة أن يكون الحاكم عادلا ومسؤولا عن رعيته وأن نتجنب أي نظام حزبي «الذي يدنس نظام الحكومة بأنواع من العصبية الجاهلية «كذلك «ليس في المجتمع الإسلامي محل للترشيح للمناصب والدعاية الانتخابية أصلا»33. من الطبيعي أن تختلف شرعية مثل هذه الدولة الموصوفة وشكل العلاقة فيها بين الحاكم والمحكومين عن دول ذات أهداف أخرى وفي ظروف مختلفة تحتل حقوق المواطنة فيها مكانة مركزية وتكون المشاركة من الأولويات. ولكن جماعات الإسلام السياسي ما زالت تقيس الواقع على النموذج أو المثال وليس العكس، لذلك تظل تركز على الأخلاق كضمان لحقوق المواطنين. وهذا هو جوهر السياسة في الإسلام السياسي والتي لابد أن تخضع للإطار الدين أي لمبدأ أخلاقي ينفي عنها الظلم والعدوان أيا كان وحيثما وجد. ويؤكد الإسلاميون أن ربط الدين بالدولة لا يتعدى ربط الأخلاق بالسياسة ويثبته فيها «لتكون أداة خير وعنصر سلام». ولكن هذا المبدأ الأخلاقي ليس مطلقا بل فيه قدر من المرونة مع المحافظة على أصوله «وهذه المرونة تضيق وتتسع تبعا لمصلحة المسلمين وخطط عدوهم»34
ظللت حركات الإسلام السياسي تجنب الدخول في تفاصيل شعاراتها وعدم وضع برامج محددة بل كانت الحركات الإسلامية تعتبر أي سؤال عن برامجها بأنه مغرض ويسعى لإدخال الحركة في تفاصيل ثانوية ومتاهات يحجب عن الحركة الرؤية الشاملة. ولكن ظروف دخول الحركات الإسلامية في العمل السياسي المباشر وتشكيل الأحزاب ووصول بعضها إلى السلطة أو المشاركة في الحكم. كل هذا اجبر هذه الحركات على مناقشة بعض التفاصيل خاصة تلك المتعلقة بالموقف من الديمقراطية وحقوق الإنسان والاقتصاد والعدالة الاجتماعية ووضعية المرأة وغير المسلمين. وقد أصدر جمال البناء ما أسماه مانيفستو إسلامي في كتاب بهذا العنوان: - «يتساءلون أين البرنامج أين البرنامج ها هو ذا البرنامج الإسلامي»35 كما صدرت نماذج لدستور إسلامي منها: إعلان دستور الإسلامي لعلي جريسة، ونموذج دستور وضعه مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر وآخر لمصطفى كامل وصفي ونموذج للمجلس الإسلامي الأعلى في إسلام آباد ١٩٨٣36. ويلاحظ أن هذه الكتابات جاءت متأخرة وكرد فعل لنقد مستمر لذلك عجزت عن معالجة القضايا المعاصرة بعمق وموضوعية وغالبا ما يكتفي بالعموميات والشعارات، وهذا ما ذكره أحد الإسلاميين: «ونحن نعترف بأن معظم وإن لم يكن كل هذه الكتابات أحادية النظرة، بمعنى أنها لا تلحظ الاعتبارات الأخرى العديدة التي يكتنف الحل المقترح، لأنها اعتمدت على النقل، وأنها تتسم بطابع من السذاجة والسطحية وأنها لا تؤمن بالحرية والديمقراطية إيمانا موضوعيا. وقد يماثل إيمانها بهذين إيمان الشيوعيين»37. وبالفعل مازال الجدل حول كثير من القضايا والمفاهيم قائما دون حسم فالديمقراطية كمفهوم مازالت تتراوح بين فكرة الحاكمية لله والسلطة للشعب أو الأمة. وفي نفس الوقت يتجنب الإسلاميون وصف الحكومة الدينية ويحبذون النموذج الوسط الذي يأخذ إيجابيات كل النظم السياسية التاريخية والمعاصرة، ويقول أحد الإسلاميين عن النظام الإسلامي المحتمل: «.. لا نستطيع أن نسميها حكومة دينية محضة أو حكومة ديمقراطية محضة بل نسميها باسم دولة الإسلام ونظام الشورى»38.
ليس القصد من هذا الإسهاب الدخول في سجال مع مقولات الإسلام السياسي أو الحركات الدينية السياسية. ولكننا نحاول الإجابة على الأسئلة التي طرحها عدد من المفكرين والباحثين عن علاقة الدين بالدولة مثل: كيف يمكن أن نميز بين سياسة إسلامية وسياسة باسم الإسلام أو كيف نضمن ظهور دولة إسلامية ليست سوى دولة آخذة بنموذج الدولة الأوربية الحديثة ولكن برداء إسلامي؟39. ومثل هذه الأسئلة صارت أكثر إلحاحا في السنوات الأخيرة بسبب ظهور نماذج واقعية الدول إسلامية كما تعرض نفسها. فقد كان من الممكن قبل ذلك الاكتفاء بسرد الأدلة التاريخية والقياس على الماضي. فقد اعتمد منهج البحث في الدولة الإسلامية على أمثلة من التاريخ قد تكون فردية أو غير متواترة، ولكن الحدوث في حد ذاته كان يستعمل كدليل على وجود الفكرة أو المفهوم وإمكانية تكرار حدوثه. ولكن بعد التجارب في إيران والسودان وباكستان أصبح من المفترض الاستشهاد بالأمثلة والنماذج الواقعية والعيانية الملموسة، والانتقال من التاريخ المجرد إلى الواقع الحقيقي. وهذا مستوى معرفي وتجريبي جديد لفهم علاقة الدولة والدين والحداثة.
لا تزدهر هذه الديمقراطيات إلا على أرضية الديمقراطية الاجتماعية ونقصد بها تكافؤ الفرص والمساواة والعدالة الاجتماعية وإنصاف المهمشين ووضعهم في مركز الاهتمام. ومن الضروري أن يتبع ذلك نمو وإنتاج عالي لكي يقتسمه الناس، وإشباع اللحاجات الأساسية: المادية وغير المادية. فقد أوصلت اشتراكية الدول العربية الحديثة مجتمعاتها إلى الإفقار والتفاوت الطبقي غير العادل والذي استفادت منه فئة بيروقراطية تحولت إلى بورجوازية جديدة لا تحمل أي صفة من صفات بورجوازية أوربا في حالة صعودها، وبالتالي بقيت طفيلية واستهلاكية ومتخلفة في نظرتها وثقافتها. كان هذا المجتمع الاستهلاكي النزعة والذي يفصل بين الجهد والمكافأة أو العمل والأجر - يستفز ويثير السخط والإحباط. لذلك كان هدفا لاحتجاج ورفض واسع وظفته الجماعات الدينية السياسية وأطرته ليكون مصدر عمليها السياسي الاحتجاجي. وهذا تحدي عظيم للدولة والجماعات الدينية، إذ يوجد واقع معين الاستمرار فيه لا يؤدي إلى أفق جديد والثورة عليه وهدمه يعني أن نبدأ من الصفر. فكيف يمكن تركيب واقع جديد من هذا التناقض؟
السؤال السابق يختصر كل الصراع بين الدولة العربية الحديثة والدين، كما يتجسد في تنظيمات وحركات سياسية لا كما يوجد في النص، وكيفية مواجهة تحديات الحداثة. فهذه ثنائية الدين / الدولة تضاف إلى ثنائيات مثل الوطن / الأمة، الأصالة / المعاصرة، الذات الآخر وغيرها. وهي ثنائيات تعكس الانقسام والثبات والمواجهة، ولكن لحسن الحظ فهذه الثنائيات صارت مجرد تمارين ذهنية يصعب أن نجدها في الواقع فهي - لحد كبير مجرد أنماط مثالية. لذلك لا وجود لانفصال بين الدولة والدين رغم كل علمانية تعطى للأولى وقدسية للثاني. من ناحية عملية مازال دور الدولة قائما وحاسما في مواجهة تحديات الحداثة في العالم الثالث. فالحركات الإسلامية تسعى إلى امتلاك سلطة الدولة كأداة ناجية في التغيير «ولأن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن». وهناك سباق طبيعي نحو السلطة ولكن يبدو أن طريقة استعمال السلطة لا يختلف عند القطبين: أنصار الدولة العربية الحديثة وأنصار الإسلام السياسي. فقد أثبتت التجربة أن حركات الإسلام السياسي حين تصل إلى السلطة تستعمل جهاز الدولة قمعية مثل عدوها وتحاول فرض أيديولوجيتها فقط وتعمل لإلغاء أي تعددية أو اختلاف يعادل عندها الفتنة التي هي أشد من القتل، أو عملا بالمأثور: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق بينكم فاقتلوه».
نلاحظ أن الحركات الإسلامية السياسية كبديل للدولة العربية الحديثة تقف عند حد كونها معارضة جيدة فهي حركات رفض ونفي وليست حركات تأسيس وبناء. وتعول على شمولية الدولة وبالتالي لن تقدم بديلا جذريا مما يعني تحول السيف من يد إلى يد أخرى جديدة. وتدعو هذه الحركات إلى تحقيق الدولة الصالحة والتي يفترض فيها ألا تكون بالضرورة مناقضة للحداثة. وهذا هو المطلوب من الحركات الدينية ومن المؤسسات الدينية الرسمية. أيضا أن تنجز هذا التكيف بين الصلاح والحداثة أي بين القيم والتقدم. فالإسلام السياسي الحالي يمتلك البنية الرمزية البديلة والتي تلهم الجماهير ولكنه عاجز على أن يملأ المشروع الواقعي بهذه الرمزية. والمطلوب أن تتحول هذه الرمزية إلى شروط الحداثة وتستوعب مفاهيم التنمية الاستقلال، التقدم، العقل. تبقى المفارقة في أن محاولات كهذه بقيت محصورة ونخبوية واستمر توظيف المخيال والرمز الشعبي في غالبيته في اتجاه الأزمة وضد الحداثة.
الهوامش
-
نزيه نصيف الأيوبي: العرب ومشكلة الدولة. لندن، دار الساقي ١٩٩٢ ص ٩٤-٩٥، ويرجع لكتاب حامد عنايات: الفكر السياسي الإسلامي الحديث. أوستن: جامعة تكساس، ١٩٨٢. ↩
-
نفس المصدر السابق، ص ١٠٢. ↩
-
نفس المصدر، ص ٢٣. ↩
-
رو بوردو وف. بوريكو: المعجم النقدي لعلم الاجتماع. ترجمة سليم حداد. بيروت، المؤسسة الجامعية ١٩٨٦، ص ٣٠١-٣٠٩. ↩
-
نزيه نصيف الأيوبي، مصدر سابق، ص ٣٤-٣٥. ↩
-
محمد عبد الباقي الهرماسي: المجتمع والدولة في المغرب العربي. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٨٧، ص ١٢٧. ↩
-
جورج بوردو: الدولة. ترجمة سليم حداد. بيروت، المؤسسة الجامعية، ١٩٨٥، ص ١٧. ↩
-
عبد الله العروي: مفهوم الدولة، بيروت، دار التنوير ١٩٨٤، ص ١١٩-١٢٠. ↩
-
برهان غليون: نقد السياسة الدولة والدين. بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ١٩٩١، ص ٩٢-٩٣. ↩
-
عبد الله العروي، مصدر سابق، ص ١٢٢. ↩
-
برهان غليون، مصدر سابق، ص ٩٧. ↩
-
خالد زيادة: «الإسلام السياسي وإشكالية الدولة المعاصرة في مجلة الاجتهاد العدد الرابع عشر، السنة الرابعة، شتاء عام ١٩٩٢، ص ٢٢٠. ↩
-
نور الدين عبدي: «النزعة الإسلامية والانتقال على المستوى العالمي». كتاب ندوة الدين في المجتمع العربي»، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٩٠، ص ٣٥٢. ↩
-
رفعت سيد أحمد: الدين والدولة والثورة. القاهرة، الدار الشرقية، ١٩٨٩، ص ١٥-١٦. ↩
-
المصدر السابق، ص ٣١. ↩
-
عبد الله العروي، مصدر سابق، ص ١٦٨-١٦٩. ↩
-
خالد زيادة، مصدر سابق، ص ٢٢٣-٢٢٤. ↩
-
القاهرة، دار الشروق، ١٩٨٩. ↩
-
المصدر السابق، ص ٣٧. ↩
-
أنطون نصبري مسرة: «تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة في الأنظمة العربية بحث في نظرية عامة استنادا إلى حالتي مصر ولبنان» في كتاب ندوة الدين في المجتمع العربي، مصدر سابق، ص ٤٢. ↩
-
المنصف وناس: الدين والدولة في تونس ١٩٥٦-١٩٨٧، في كتاب ندوة الدين... مصدر سابق، ص ٤٧٣. ↩
-
نفس المصدر السابق، ص ٤٧٤. ↩
-
هشام جعيط: الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، بيروت، دار الطليعة ١٩٨٤، ص ١١٤. ↩
-
رباب الحسيني: الدين في الخطاب السياسي الناصري. مجلة الوحدة السنة الرابعة، العدد ٤٨ أيلول (سبتمبر) ١٩٨٨، ص ٤٧. ↩
-
طب - الخطاب والأيديولوجيا. بيروت، دار الطليعة ١٩٨٨، ص ١١٦. ↩
-
محمد أركون: التراث محتواه وهويته - إيجابياته وسلبياته. ندوة التراث وتحديات العصر في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية ١٩٨٥، ص ٤-٥. ↩
-
محمد عمارة، مصدر سابق، ص ١٩٢. ↩
-
رفعت سيد أحمد، مصدر سابق، ص ٢٢١-٢٦٠. وحسن حنفي: الدين والثورة كانت أجهزة الإعلام الرسمية تتهم الزعماء العرب المخالفين بالإلحاد. ↩
-
رفعت سيد أحمد، مصدر سابق، ص ٢٢١-٢٦٠. وحسن حنفي: الدين والثورة كانت أجهزة الإعلام الرسمية تتهم الزعماء العرب المخالفين بالإلحاد. ↩
-
سيد قطب: معالم في الطريق القاهرة، دار الشروق، ١٩٨٨، ص ١٠١-١٠٢. ↩
-
أبو الأعلى المودودي: واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم. بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٩٧٥، ص ١٥٢-١٥٣. ↩
-
أحمد شوقي الفنجري: كيف نحكم بالإسلام في دولة مصرية. القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠، ص ١٤. ↩
-
محمد عمارة، مصدر سابق، ص ٤٦-٤٧. ↩
-
أبو الأعلى المودودي: تدوين الدستور الإسلامي. القاهرة، القارئ العربي ١٩٩١، ص ٤٢. ↩
-
نفس المصدر، ص ٥٤-٥٧. ↩
-
محمد علي قطب: نظام الإسلام السياسي. المنصورة دار الوفاء، ١٩٨٦. ↩
-
الفكر الإسلامي بالقاهرة، بلا تاريخ ولكن المقدمة في سبتمبر ١٩٩١. ↩
-
جمعها على جريشة في كتابه سابق الذكر، عن دار الوفاء - المنصورة ١٩٨٨. ↩
-
جمال البناء، المصدر السابق، ص ٤. ↩
ليصلك جديد الموقع
نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.