الفصل الأول: تاريخية الإسلام السياسي في السودان
We, Hayder Ibrahim's family, are making all his books freely available for the public good and to continue his project of enlightenment. All rights remain reserved: the books may not be printed or published without written permission.
تطور حركة الإسلام السياسي المنظم
- مرحلة النشأة والتكوين (46 - 1957)
- مرحلة التطور والانتشار (68 - 1958)
- مرحلة التمكن والانقضاض على السلطة (69 -1989)
ليس المقصود التاريخ بمعنى التسلسل الزمني أو التعاقب ولكن المقصود بالتاريخية تناول الإسلام كظاهرة تاريخية نسبية متفاعلة ومتغيرة في واقع اجتماعي محدد هو السودان. لذلك نبدأ بالقول أن تباين أشكال وطرق دخول الإسلام في المجتمع أي كيفية دخول المسلمين الأوائل: هل جاءوا في شكل حملات الغزوات أي فتوحات أم هجرات علماء ودعاة وصوفيين أم كتجار أو مجموعات هاربة من القمع والصراع نتيجة التحولات السياسية المتلاحقة في الدول الإسلامية، يؤثر على شكل الإسلام الحالي وتحدد طريقة الدخول الأولى كثيراً من ملامح تطوره اللاحق كدين واقعي أو كحركة سياسية أو أيديولوجية، كما تشكل طريقة الفهم والممارسة الدينية لفترة طويلة. لذلك يكتسب الدين قدراً من التمايز والخصوصية لأننا نبحث عنه في الواقع بين الناس وضمن العلاقات الاجتماعية وليس في النصوص، فتاريخية الإسلام هنا تعني وجوده في حيوات الناس الحقيقية والعيانية.
حسب هذا المنظور يمكن أن نتحدث عن إسلام سوداني تاريخي وعن حركة إسلامية سودانية متميزة أثر عليها الواقع المحلي، وتحاول باستمرار تأكيد وإظهار تمايزها مع إعطاء مسببات أخرى غير تاريخية. وهذا لا ينفي محاولات الحركة التعاون والتنسيق أو حتى القيادة ضمن أفق إقليمي أو عالمي. فالإسلام السوداني في أصوله الأولى وفي جوهره حتى اليوم صوفي التوجه بدرجة أو بأخرى. ويرجع ذلك - ضمن أسباب عديدة - إلى أن السودان الشرقي (أي السودان الحالي بحدوده الدولية المعروفة الآن تحديداً له ضمن ما عرف بالسودان الكبير الممتد من المحيط الأطلسي حتى البحر الأحمر.) لم يكن منطقة جاذبة للاستقرار والحياة الحضرية إلا لبعض القبائل العربية البدوية المترحلة والتي وجدت في صحرائه وسهوبه بيئة مماثلة ومناسبة لنمط معيشتها السابقة في شبه الجزيرة العربية، كما كان أحياناً ملجأ لبعض الفارين والمضطرين. لذلك لم تكن المجموعات التي هاجرت إلى السودان من المسلمين العرب ذات مستوى ثقافي أو اقتصادي رفيع ومؤثر. ونتج عن ذلك إن الإسلام دخل وانتشر في السودان بواسطة عناصر تغلب عليها البداوة والجلافة ولم يكن مستوى علمها الديني أو تفقهها فى الدين فوق الشبهات. فقد علمت السكان المحليين كيفية أداء الشعائر الدينية والفرائض ببساطة شديدة ولم تحاول الخوض في مسائل فقهية عميقة أو في قضايا توحيدية وعقدية وقد يكون السبب في ذلك أنها تجهل هذه المعارف تماماً أو حاولت كسب المواطنين بكل الطرق أو للسببين معاً. المهم أن المسلمين الأوائل دشنوا مبدأ التصالح مع الواقع أي مع المعتقدات التقليدية والشعبية السائدة آنذاك، وهذا يفسر غلبة الطابع الصوفي الشعبي غير الفلسفي على الإسلام السوداني. والصوفية المقصودة هنا تقوم على الطقوس الخارجية مثل الذكر والمديح وترديد الأوراد، كذلك تنظمها علاقة شبه أبوية مع شيخ طريقة أو فكي (فقيه) يمتلك البركة ويأتي بالخوارق والكرامات. حين بدأ العلماء ورجال الدين يتوافدون على السودان في القرن السادس عشر انتقدوا بشدة تدين الأهالي. ووصف أحد العلماء مسلمي ذلك العصر، بأنهم ((ليسوا بمسيحيين ولا يهود ولامسلمين)) و إن البلاد كانت في غاية من الحيرة الشديدة والضلالة لعدم وجود القرآن والعلماء بها))1. وبالفعل فقد امتزجت بالإسلام كعقيدة وثقافة ونظام اجتماعي الكثير من الرواسب الثقافية ذات الأصول الفرعونية والمسيحية والأفريقية المحلية (كالنوبية) مثلاً والتي تمثلها الإسلام وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من الإسلام الشعبي حتى اليوم لدى أغلب السودانيين بالذات تلك المجموعات التي إعتنقت الإسلام ولكن لم يتم تعريبها فاحتفظت بلهجاتها وطرق حياتها الخاصة مثل النوبيين في الشمال والفور وبعض قبائل غرب السودان. ولكن وجود عادات غير إسلامية مرتبطة بدورة الحياة أى الطقوس من الميلاد وحتى الوفاة ظاهرة لا تخلو منها أي مجموعة مسلمة سودانية. هذه سمة ميزت إسلام السودان بالتسامح والمرونة، ولكن الإسلام السياسي السوداني الحالي يرفض الاعتراف بها ويتصادم معها.
أثرت الصوفية على تطور الإسلام - كماً وكيفاً - من البداية وحتى اليوم. فقد كان مشايخ الطرق الصوفية أقرب إلى وجدان وعقول الناس العاديين مقارنة بالعلماء والفقهاء ورجال الدين الرسميين والمتعلمين ويورد كتاب طبقات الأولياء لابن ضيف الله نماذج كثيرة لانتصار رجال الصوفية على العلماء في حالات الاختلاف حول أمور دينية، ورغم تعارض مواقف رجال الصوفية مع أحكام الشريعة حسب الكتاب والسنة2. وكان الصوفيون أو أهل الحقيقة هم أصحاب الحظوة عند السلاطين وكانوا مصدر الولاء والطاعة عند العامة، وكانوا الصلة بين السلطة السياسية والشعب طوال تاريخ السودان الإسلامي بالذات منذ قيام دولة الفونج عام 1504 وحتى الآن. هذا وقد أخذت هذه العلاقة شكلاً آخر بعد أن انتظمت الصوفية في أطر طوائف وطرق دينية تتماشى مع التحولات وأصبح دورها واضحاً في حياة القطر الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وفي التطور السياسي للسودان. ففي الفترة الممتدة منذ بداية هذا القرن هيمنت طائفتا الختمية والأنصار على المسرح السياسي وحكم السودان بواسطة هاتين الطائفتين سواء من خلال تحالفات وائتلافات أو بانفراد، مما يعني عملياً أن غالبية الشعب السوداني تؤيد الختمية والأنصار، وهذه حقيقة أساسية محددة لتطور أي حركة سياسية تتبنى الإسلام من خارج المؤسسة الصوفية - الطائفية، ويجبر هذا الواقع مثل هذه الحركات على العمل ضمن هذه الشروط. لذلك تأثر الإسلام السياسي بمرونة الفهم السوداني للدين مما قلل من أصوليته وسلفيته ونبذ العنف إلا حين تيقن من استفراده بالسلطة وكشف عن حقيقته بعد انقلاب يونيو 1989، فاللجوء إلى الانقلاب العسكري دليل على قوة التفسير الإسلامي الذي يتبناه الصوفيون الأقرب إلى الإسلام السوداني الفطري من إسلام الفئات الاجتماعية الجديدة المستند على فكر الأزمة.
تحاول ((الجبهة الإسلامية القومية)) كتعبير عن الإسلام السياسي المعاصر أن تكتب أو تصيغ أيديولوجيا للإسلام في السودان ولكن تدعي أنها تعيد صياغة الإسلام في السودان، والفرق كبير بين الأيديولوجيا والتاريخ. فهي (أي الجبهة) تقوم بعملية حذف وتحوير وإعادة تأويل لكثير من الحقائق التاريخية لكي تصل لغرضها فهي تكتب التاريخ حسب رؤية مسبقة تؤمن بها وتتمنى أن تكون بديلاً عن الواقع. فهي تدعي أن الممارسات السياسية الحالية (89 - 1991) هي تطبيق للإسلام وشرع الله ونهج الرسول وأصحابه، وفي نفس الوقت ترى أن هذا الوضع هو امتداد لتاريخ ((الدولة الإسلامية السودانية)) التي وجدت في الماضي وبالتالي فهم يقومون فقط بإكمال أو إحياء تجربة أصيلة اعترضتها انقطاعات جبرية في التاريخ - بالتحديد الاستعمار والعلمانية - ومن الطبيعي العودة إلى المسار الصحيح. فالحديث عن الدويلات والسلطنات الإسلامية في السودان لا يعني أنها طبقت الشريعة الإسلامية في الحكم ولكن صفة إسلامية تعني أنها غير مسيحية أو وثنية أي يقصد بها اعتناق الإسلام كعقيدة بالمعنى العام. فالسودان خلال الحكم الثنائي (1899 - 1956) دولة إسلامية إذ لم يتحول سكانه إلى المسيحية رغم أن الحاكم لم يكن خليفة أو أميراً للمؤمنين فقبل ظهور وانتشار شعار: ((الإسلام دين ودولة)) كان يطلق إسم الدولة الإسلامية على أي قطر ذي أغلبية مسلمة وحاكمها مسلم حتى لو لم يطبق الشريعة الإسلامية حرفياً أو كما ينادي بها الآن.
لم تعرف دولة الفونج تشريعات إسلامية مكتوبة أو متفق عليها بين جميع العلماء وفي كل مناطق السلطنة، لذلك من المغالطة أن نعتبرها ((الدولة الإسلامية الأولى))3. فقد كانت تسود قوة العرف والعادة والتقاليد في الأحكام القضائية كما أن عدم وجود قضاء أو علماء متخصصين بسبب ضعف التطور الثقافي والعلمي في تلك الفترة يجعل من الصعب الحديث عن قضاء أو شريعة إسلامية تقوم على الكتاب والسنة والفقه. وقد عرفوا ما سمي ((الشريعة البيضاء)) وتنحصر في القرى والبوادي فإذا حدث نزاع بين المواطنين يمكن ((أن يذهبوا باختيارهم إلى أحد العلماء المقيمين معهم بالقرية أو المسافرين معهم بالبادية فيقضي هذا العالم بينهم بالشريعة الإسلامية فإذا عارض معارض في الحكم، ففي هذه الحالة يكتب العالم حكمه في ورقة يرسلها مع المعارض إلى قاضي المملكة أو المشيخة للنظر وإذا وجد القاضي الحكم مطابقاً لأحكام الشريعة فإنه يجيزه))4. وسمي هذا القضاء بالشريعة البيضاء لسهولة المخاصمة في مجلسها إذ يجد الخصم المجال واسعاً للكلام في جوهر القضية أو في غيره - كما له أن يقف أو يجلس أثناء المقاضاة - كذلك أن يرفع صوته في الكلام (...) وأن يحلف بالطلاق مراراً وتكراراً أو يحلف بوالده وبأبناءه وبكل عزيز عنده وأن يحلف بالأولياء الأحياء وبالأضرحة أو الأموات مؤيداً حجته5. وتجد في بيتي شعر محمد الهميم تعبيراً عن صراع العلماء والصوفيين حتى في الشريعة وتطبيق القضاء:
فإن كنت قاضياً قرأت مذاهباً فلم تدر يا قاضي رموز مذاهبنا
فمذهبكم نرقو به بعض ديننا ومذهبنا عمي عليكــــم وما قلنا
من الواضح أن هذا القضاء لا يمت إلى الشريعة الإسلامية بأي بصلة سواء في شكله أي (الإجراءات) أو مضمونه. وكان العرف يطغى على الأحكام الشرعية رغم عدم تطابقه مع الشريعة حسب النصوص وحاول بعض الفقهاء إيجاد طريقة لدمج أو مفصلة العرف في الشريعة. وضع الشيخ محمد أمين الشهير بابن عابدين رسالة بعنوان: ((نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف)) وشرح فيها بيت من أرجوزته يقول:
والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار
ومن أمثلة العرف المعتبر عند أكثر القبائل في القرى والبوادي بشمال وغرب السودان: حرمان النساء من الإرث، كل من يزني بمتزوجة يحاكم بغرامة قدرها ست بقرات وبغير المتزوجة بقرة واحدة، جزاء القاتل الدية وهي مائة من البقر أما أصحاب الإبل فمائة من البعير، والغرامة في حالة الاعتداء الجسيم أو الشتيمة الفظيعة هي ثوب من الدمور6.
أما الدولة الإسلامية الثانية ويقصد بها المهدية (85 - 1898) فهي بدورها ذات طابع صوفي وعرفي إذ اعتمدت على العرف في كثير من الأحكام، وأخذ عليها بعض الاجتهادات التي تعارضت مع النص الشرعي منها على سبيل المثال: أن المهدي حجر حرية تصرف الإنسان في ماله الخاص، وأنه حدد المهور ومنع زينة النساء بالذهب والفضة وهي مباحة شرعاً، وأباح إرجاع المطلقة ثلاثاً دون محلل، بالغ في العقوبات التعزيزية حتى الحلف بالطلاق وهو لغو جعل عقوبته الجلد، كما أنه اشتط في حرمة عادة تعاطي التبغ والتمباك وهي على أسوأ الفروض مكروهة، كما منع الالتزام بالمذاهب وألزم الناس بما يقرره هو7 ويروى أن إمراة حضرت إلى الشيخ موسى عقله وقالت له: أقضي بما قاله الله ورسوله فأجابها بقوله: ((إني أقضي بالشورى والمنشورة))8. وكانت منشورات المهدي مصدراً أساسياً للأحكام الشرعية وهي تمثل رؤية تلك الفترة للشريعة الإسلامية في تفاعلها مع واقع حي تمتزج فيه الممارسات والمعتقدات غير الإسلامية لذلك لم يشترط التفقه في العلم.
وتذكر مصادر التاريخ أن الخليفة عبد الله ندب ستة عشر قاضياً للحكم بين الناس بموجب الكتاب والسنة ومنشورات المهدي، فقال أحدهم للخليفة: ((أنا يا سيدي لا أعرف العلم)) فقال له: ((نحن لا نطالبك بالعلم ولكن المطلوب عندما تقدم قضية أو مظلمة أن تتفقوا مع بعضكم وأن تحكموا فيها بالعدل)). ويتساءل راوي الحادثة: ((وأنا لا أدري ولا المنجم يدري من أين يأتي العدل المطلوب في القضاء إذا لم يحكم القضاة بالكتاب والسنة))9.
أعتقد أن قصة سجن الشيخ حسين بن الزهراء تزخر بالمعاني والعبر سواء في تفنيد ادعاء الشريعة خلال عهد الخليفة أم في فضح بعض مواقف العلماء (المثقفين) الانتهازية. تقول بعض المصادر: ((أن الخليفة جمع القضاة بأم درمان وقال لهم أن القضايا التي فصل فيها الأمير يونس الدكيم وأمراؤه بدنقلا لا يعاد النظر فيها مطلقاً، فعارضه الشيخ الحسين وقال مخاطباً الخليفة: ((المال تأكله العيلة (المقصود العبيد) ونحن نحمل المسئولية على أكتافنا ونقابل بها الله سبحانه وتعالى؟)) وفي مساء اليوم المذكور ذهب القاضي الشيخ دفع الله الحلاوي إلى الخليفة وقال له إن الشيخ حسين قد ارتد بكلامه السابق. وفي صباح اليوم التالي أمر الخليفة بوضع الشيخ حسين تحت الحراسة بمراقبة الشيخ محمد إبراهيم عبد الدافع الكاتب بالمحاكم. وبعد صلاة الظهر في الجامع اجتمع الخليفة بالقضاء وقال لهم: ((ألم يرتد ود الزهراء معي بالأمس؟)) فأجاب الجميع: ((إرتد إرتد)) فأمر الخليفة بسجن الشيخ حسين حتى مات بالسجن. وتقول إحدى الروايات بأن أحدهم نفى التهمة فألتفت إليه الخليفة: ((إذن فلتذهب معه إلى السجن لتعظه هناك)) فارتبك القاضي وأظهر من الخوف والفزع مالا يعلمه إلا الله وقال للخليفة: إني تبت لله ورسوله، فقال الخليفة عفونا عنك. وعبر الشيخ حسين عن سخطه: إني أشكو إلى الله ظلم إخواني العلماء10. تمثل هذه الحادثة نموذجاً سيئاً لنوع الشريعة المطبقة وتعديات حكم الفرد واضطهاد العلماء.
يصعب عملياً إثبات تطبيق الشريعة الإسلامية خلال تاريخ السودان ولكن مهمة تأسيس عقل يبحث عن شرعية الاستمرار والتاريخ وشرعية الحق المقدس في تطبيق الشريعة راهناً، تقضي أن يصمم لهذا العقل تاريخه الموهوم والمتخيل، ورغم إدراك منظرو الحركة الإسلامية في السودان لهذه الحقيقة، حيث يقول الشيخ الترابي: ((وظل إسلام شعب السودان مشوباً ببعض القصورات والأعراف الجاهلية وظل ولاؤهم موزعاً بين القبيلة والطريقة الأجمع. وظل غالب تدينهم إجتماعياً مهما ساد فيهم الملوك المسلمون))11.
ويرى أن عدم عمق جذور الإسلام في المجتمع السوداني ميزة إيجابية باعتبار أن فكر ونشاط الحركة الإسلامية السياسية لن تجد مقاومة كبيرة ويمكن البناء على أرض بكر لم تمزقها المذهبيات والصراعات الفقهية والدينية. وتخلو كتب تاريخ السودان وكتابات الإسلاميين والإسلامويين12 من أي إشارات لقيام دول إسلامية التشريع أو تقتدي بنموذج مجتمع المدينة في عهد الرسول (ص) أو الخلافة الراشدة.
فالحديث عن الدولة الإسلامية الأولى و الثانية مجرد تصميم أيديولوجي وليس تأكيد تاريخ حقيقي والهدف واضح وهو الوصول إلى تبرير ((الدولة الإسلامية الثالثة)) القائمة الآن، لذلك فإن مثل هذه الكتابات عن تاريخ الدول الإسلامية في السودان لم تظهر إلا خلال السنوات العشر الماضية أو بتحديد أدق بعد إعلان قوانين سبتمبر 1983 والتي أعتبرها الإسلامويون بداية دولة إسلامية سودانية جديدة أمير المؤمنين فيها المشير النميري والذي عقد له الإسلامويون البيعة.
أما في كتابات الإسلاميين فنجد تطابقاً مع فكرة تفاعل الإسلام مع الواقع المحلي ولا نعثر على ذلك التضخيم والمبالغة لدور إسلام سياسي ودولة إسلامية. يقول السيد محمد عثمان الميرغني عن الجماعات الصوفية (الإسلام في السودان لم يأت عن طريق الحكم ولكن نشرته هذه الجماعات الإسلامية عبر تاريخ السودان وللأسف هناك من ينكر هذا الدور، مؤخراً قرأت في مجلة ((الشهيد)) موضوعاً يزعم أن هذه الطرق تعرقل الحركة الإسلامية وأنها كانت سنداً للاستعمار وأعتقد أن ذلك راجع لأن الدعوات الجديدة المرتبطة بما يسمى حركات الثورة الإسلامية لا تجد قبولاً شعبياً لأنها تتناقض مع منطق العقيدة)13. وفي هذا الإطار يتحدث السيد الصادق المهدي عن إسلام امتزج بما سبقه لذلك يحتاج حسب رؤيته المهدوية إلى إصلاح ((فانتشر الإسلام في السودان واستعرب أهله ولكن بقيت آثار تراثية واضحة المعالم. آثار ذات أصل نوبي مسيحي في المناطق الشمالية والوسطى. وذات أصل زنجي نيلي في سائر مناطق البلاد (...) ولقد راود كثير من مشايخ السودان وعلمائه فكرة حركة إصلاح ديني كبرى تطهر الإسلام مما علق به))14. هذه صور واقعية عن تاريخ الإسلام في السودان تختلف تماماً عما تحاول الأيديولوجية الإسلامية تسويقه هذه الأيام.
تطور حركة الإسلام السياسي المنظم
بسبب الخصوصية التي تميز الإسلام في السودان، بالذات دور الطرق والجماعات الصوفية في المجتمع السوداني، تواجه الباحث في موضوع الإسلام السياسي إشكالية تحديد ما يمكن أن يسمى حركة إسلامية سياسية ممثلة لهذا المفهوم طالما تعمل الطوائف الدينية أيضاً كأحزاب سياسية يفترض أن تصنف ضمن حركات الإسلام السياسي. ولكن نجد من جانب آخر معايير محددة لاكتساب هذه الصفة وضعتها حركة الإسلام السياسي المنظمة نفسها لاستبعاد مثل هذه التنظيمات التي تنافسها في خطابها الديني وجمهورها الممكن. قد نتقدم خطوة نحو التحديد يتبنى تعريف أولي يقدمه أحد ممثلي هذا التيار حين يقول: ((نحن نقصد بالحركات الإسلامية التنظيمات المتعددة المنتسبة للإسلام والتي تعمل في ميدان العمل الإسلامي في إطار نظرة شمولية للحياة البشرية، وتجاهد لإعادة صياغتها لتنسجم مع توجهات الإسلام، وتتطلع إلى إحداث النهضة الشاملة للشعوب الإسلامية، منفردة ومجتمعة من خلال هذا المنظور الإسلامي، وتحاول التأثير في كل نواحي حياة المجتمع من أجل إصلاحها وإعادة تشكيلها وفق المبادئ الإسلامية. أما الحركات التي لا تتبنى هذه النظرة الشمولية وتحصر اهتمامها في بعض جوانب حياة المجتمع فلا تدخل ضمن المحاور الأساسية لبحثنا))15.
ولذلك يكتب أمثال هذا الباحث عن حركة الإخوان المسلمين، وحزب التحرير الإسلامي، وجماعة التكفير والهجرة (جماعة المسلمين) وحركة الجهاد، ويرى أنه رغم اختلاف الأساليب والوسائل والأولويات فإنها متفقة على شمولية الإسلام لكل جوانب الحياة وتسعى إلى إعادة بناء المجتمع الإسلامي في إطار إسلامي شامل. ومثل هذا الهدف لا يحققه أيضاً إلا نظام شمولي Totalitarian ومن هنا مصدر فكرة الحاكمية لله أو التطبيق الكامل لشرع الله. مع اختلاف درجة التطرف خلال الوصول لذلك الهدف وغالباً ما تكون الوسيلة أو المسلك تكتيكياً أو مرحلياً.
وحسب هذا التعريف نستبعد أحزاب الطرق الصوفية ونفضل هذا الاستبعاد لأن هذه الأحزاب لم تدع أنها تقدم تصوراً شاملاً لتغيير المجتمع السوداني إسلامياً ، لذلك لم تحاول حين حكمت فرض الشريعة الإسلامية رغم تدينها الشديد. والسبب ببساطة ارتباطها بالواقع المحلي الحي ولا تعتمد مثلاً على استيراد أفكار المودودي أو البنا أو الخميني. وحتى حينما تتسرب بعض شعارات الإسلاميين إلى أدبياتها مثل ((الإسلام دين ودولة)) فهي تفهم ذلك بمعنى عدم وجود تعارض بين التشريعات القائمة وبين الشريعة الإسلامية. وفي الفترة الأخيرة نجد لدي هذه الأحزاب تصورات مختلفة للحل الإسلامي: مثل الجمهورية الإسلامية عند الختمية والاتحادي الديمقراطي أو نهج الصحوة عند الأنصار وحزب الأمة. وفي المنظورين لم تتخل هذه الجماعات الصوفية الأصل عن التسامح الديني والثقافي الذي ميز علاقات السودانيين طوال الزمن. وكانت الحركة الإسلامية السودانية تضع باستمرار ظروف السودان وتركيبته الاجتماعية والتاريخية والثقافية والنفسية في اعتبارها حين دخلت العمل السياسي في بداية الخمسينيات وحتى المصالحة مع النميري عام 1978، بالذات في تعاملها مع الأحزاب الطائفية - كما تسميها الآن. لم تصطدم عند نشأتها الأولى بالطائفية بل على العكس تحالفت مع حزبي الأمة والأتحاديين مرات عديدة، ولكنها اليوم تهاجم نفس الممارسات والأفكار الطائفية التي سكتت عنها طوال ربع قرن.
يمكن القول بأن كل مميزات الحركة الإسلامية والتي تعجب بها الحركات الأخرى في الوطن العربي ترجع إلى سودانية الحركة وليس لقوة أو تجدد إسلاميتها. فقد استفاد الإسلامويون من ديمقراطية السودانيين ((الفطرية)) التي نتجت عن علاقات اجتماعية وإنسانية رائعة سببها بساطة المجتمع السوداني وخلفيته العشائرية والقبلية التي صاحبتها علاقات تسامح وتكافل إنعكست على العمل السياسي. ولكن الأحداث الأخيرة وعلى رأسها انقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989 أثبتت شذوذ الإسلامويين سواء في طريقة الاستيلاء على السلطة أو في الممارسات التي أنتهجتها الحركة في تثبيت سلطتها، مثال ذلك إدخال التعذيب وبيوت الأشباح والفصل التعسفي الجماعي والإعدامات السريعة والاغتيالات في السجون...إلخ. يعترف زعيم الحركة الإسلاموية السودانية الشيخ حسن الترابي صراحة بالعلاقة الجدلية أو التأثير المتبادل بين الحركة والواقع السوداني ولذلك يغلب البعد المحلي لحركته على العالمي سواء في رؤيتها أو تطورها، يقول: ((كان انبعاث الحركة الإسلامية في السودان لمنتصف القرن الميلادي العشرين قدراً من الله مقدوراً لتجديد أمر الدين، وظاهرة استفزتها غازية العقائد الأجنبية فكانت استجابة لتحدياتها وأمدتها روافد الصحوة الإسلامية فكانت تجاوباً مع دواعيها. ولئن كان ذلك كذلك فإن سيرة الحركة من بعد واجتهاداتها ومجاهداتها إنما تطورت إنفعالاً بالواقع السوداني وفعلاً فيه. فمهما كانت تعبر عن معاني الدين الأزلية وتمثل وجوه تجلياته العالمية، جاءت خصائصها تحمل شيئاً من مادة التراب السوداني وتطوراتها توازي أطوار التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي لبيئة الحياة العامة بالسودان منذ انتصاف القرن الميلادي المعاصر))16.
ويواصل الشيخ تحليله الاجتماعي الذي يقترب كثيراً من التفسير المادي للأفكار وكأنه ينهل من علم اجتماع المعرفة الذي يفسر نشوء وتطور الأفكار والحركات على ضوء الواقع والعلاقات الاجتماعية. وليس كما يقول التفكير المثالي (والذي يشمل الفكر الديني) وينتمي له الشيخ الترابي، حيث الواقع انعكاس للفكر وليس العكس.
وهنا يقول المفكرون الإسلاميون من غير المسيسين والمعلمنين Secularized ((أن التاريخ البشري هو تحقيق المشيئة الربانية من خلال الفاعلية المتاحة للإنسان في الأرض بقدر من الله وبحسب سنن معينة يجري الله بها قدره في الحياة الدنيا))17. وبينما يرى الترابي ((أن الحركة لا تفهم في سياقاتها المكانية من ظروف السودان)) كما أن تطورات الحركة يجب أن توصل بالمعالم العامة في تاريخ السودان الحديث، لتدرج الحركة في إطار من تحولات السودان. فيرى كيف كان وقع الحياة عليها ووقعها على الحياة عامة برؤية أتم، ويسلك منهاجها في إطار من تطوراته فتقوم حكمته ونسبته لأحكام الدين منزلة على أحكام الواقع المعين في السودان))18.
ساعدت ظروف السودان التاريخية في تطور أو كسب الحركة الإسلاموية السودانية والتي حظيت بأهمية وتقدير بين الحركات المماثلة في الوطن العربي رغم تأخر ظهورها زمنياً وهامشية وجودها جغرافياً. ويبدي الإسلامويون العرب إعجابهم الزائد بالحركة السودانية، يعبر الشيخ الغنوشي عن التفاعل مع التجربة والتقدير بقوله: ((وهي محاولة من داخل الحركة الإسلامية السنية لتجاوز الرؤية المعاصرة للسلفية، وإقامة نوع آخر بين السلفية الأصولية وبين الواقع الحضاري المعاصر. فقد كان للتجربة السودانية تأثير فعال في تطوير الجماعة الإسلامية في تونس، على المستوى الأصولي والاجتماعي وعلى المستوى الطلابي19. ويقول كاتب آخر: ((ولا شك في أن تجاوب الحركة الإسلامية السودانية وما تمر فيه من أحداث وما تحققه من تطوير سيكون ذا فائدة محققة للحركات الإسلامية الأخرى في مستقبل جهادها وستكون زخراً وقدوة صالحة يقتدى بها))20. ويمجد النفيسي الحركة الإسلاموية السودانية ممثلة في ((الجبهة الإسلامية القومية)) ويقارنها مع حركة ((الإخوان المسلمين)) المصرية ويحمد لها التفوق والنجاح، وبالتأكيد لأسباب براجماتية بحتة ولأنها حققت النجاح بغض النظر عن الوسائل والأساليب فقد انتقلت - في نظره - إلى حركة جماهيرية مستفيدة من صيغة جبهوية مرنة كما أسست شبكة من العلاقات السياسية مع أنظمة سياسية متباينة في مناهجها وخطوطها ومن ميزاتها عند الكاتب: ((نظراً لسيادة المنهجية الجبهوية التفاوضية المرنة استطاعت الحركة في السودان أن تستفيد من خبرات أتباعها ومشايعيها وأن تصقل مواهبهم الإدارية والتجارية والإعلامية والسياسية عبر استحداث الأطر والصيغ الحركية التنظيمية التي تتكفل (...) ومن الجهة المقابلة نجد أن جماعة الإخوان في مصر قد بدأت تفقد عدداً من أهل الكفاية والاختصاص وكذلك من الجمهور))21. وهكذا تكسب ((الجبهة القومية)) الإعجاب بسبب نجاحها فقط دون مناقشة مضمون الدعوة واتساقها مع المبادئ الإسلامية وبالذات في أخلاقية العمل السياسي. وهذا يفسر سكوت الحركات الإسلاموية في الوطن العربي عن إدانة الممارسات الحالية للجبهة في السودان التي ترفضها حين تتعرض لها هذه الحركات من الأنظمة الحاكمة في بلادها.
الحركة الإسلاموية السودانية أقل حجماً بكثير مما تبدو في ظاهرها، وأكثر سطحية وفقراً في فكرها مما تدعي وهذا أمر دليله بسيط - إذ يظهر في الضعف الكمي والكيفي لإنتاجها الثقافي والفكري لا الحركى أو التنظيمي. فقد دخلت الحركة السودان متأخرة بسبب وجود أحزاب دينية التوجه وأقرب إلى الإسلام الشعبي والصوفية لذلك كانت لهذه الأحزاب شعبية واسعة ولم تتجرأ حركة ((الإخوان المسلمين)) في السودان على مواجهتها أثناء صعود الحركة الوطنية وفي فترة ما بعد الاستقلال، ولم تستطيع الحركة الإسلاموية الانتشار وسط الجماهير التي بقيت على ولاءاتها التقليدية حتى اليوم. وكانت ملاحظة الحسيني صحيحة تماماً حين تسائل عن سبب تأخر دخول الحركة في السودان رغم قربه من مصر. بينما دخلت المعركة منذ الثلاثينيات كل من سوريا وفلسطين ولبنان22 وأرجع أحد الباحثين الإسلامويين ذلك لانفراد الإنجليز بالسودان وإبعاده عن أي تأثير مصري. ولكن هذا ليس سبباً مقنعاً فقد وصلت السودان - رغم كل القيود التي فرضها الإنجليز - تأثيرات فكرية وسياسية عديدة أخرى منذ العشرينيات أوقفتها مؤقتاً ثورة 1924 ولكنها تواصلت مع محدوديتها حتى قيام مؤتمر الخريجين23.
يختلف ((الإخوان المسلمين)) السودانيون حول تحديد نشأة الحركة وتحقيب تطور الحركة. إذ يقسم مكي تاريخ الحركة كما يلي: بناء الحركة (44 - 1954) ثم تطور حركة ((الإخوان المسلمين)) (56 - 1958) وفترة (58 - 1969) وأخيراً الحركة الإسلامية (69 - 1985) وتتضمن الحقبة الأخيرة فترة (69 - 1972) أي من انقلاب مايو وحتى تصفية الشيوعيين وتدشين الخط العربي ثم فترة 73 - 1977 أي ما بعد المصالحة مع النميري وتطبيق قوانين سبتمبر حتى انتفاضة أبريل 198524. أما الترابي فيقسم معالم سيرة الحركة الحركة إلى مراحل تبدأ من عام 1949 وهي: عهد التكوين (49 - 1955) عهد الظهور الأول (56 - 1959) وعهد الكمون الأول (59 - 1964) وعهد الخروج العام (64 - 1969) عهد المجاهدة والنمو (69- 1977) وعهد المصالحة والتطور من 77 حتى 198425.
ولأسباب علمية ومنهجية تقسمهذه الدراسة تاريخ الحركة إلى:
أولاً، مرحلة النشأة والتكوين من 1946 وحتى 1957 أي بعد الاستقلال . ثانياً، مرحلة التطور والانتشار منذ انقلاب عبود 1958 وحتى ثورة إكتوبر 1964 والديمقراطية الثانية، وأخيراً من انقلاب النميري 1969 وحتى انقلاب البشير 1989 وهي مرحلة التمكن والانقضاض على السلطة.
مرحلة النشأة والتكوين (46-1957)
الاختلاف حول تاريخ دخول حركة الإسلام السياسي للسودان دليل على العلاقة الملتبسة بين الدين الديني والدين السياسي في السودان بمعنى تداخل الحدود بين تنظيم حزبي ديني وبين دعوة دينية تريد زيادة تفقه الناس في دينهم. يضاف إلى ذلك أن المسلمين السودانيين أغلبهم ينتمون إلى طرق صوفية عديدة، من هنا كان عدم قبول حركة الإسلام السياسي جماهيرياً وتركيزها على المحيط الطلابي. ويرجع أحد المؤرخين دخول أول رافد للحركة إلى السودان لعام 1944 مع زيارة الأستاذين صلاح عبد السيد وجمال الدين السنهوري، واللذين خاطبا في نادى الخريجين داعين لفكرة الإخوان المسلمين، وتحمس بعض الحاضرين مما أدي إلى تكوين أول لجنة للإخوان المسلمين برئاسة إبراهيم المفتي وبدوي مصطفى كنائب للرئيس وعلى طالب الله سكرتيراً وحسب رأي الأخير لم تكن اللجنة فعالة ويعتبرها مجرد محاولة من الأشقاء لاحتواء الحركة القادمة من مصر26. ولكن يبدو أنه قد تشكلت بعض الأسر الإخوانية ولذلك فقد أرسل المركز العام للإخوان المسلمين في أكتوبر 1964 اثنين من قادته: عبد الحكيم عابدين السكرتير العام لتنظيم الإخوان المسلمين وجمال الدين السنهوري. وتم بالفعل إنشاء عدد من الشعب وتجنيد الكثيرين ولكن لم يكن الإنجاز مؤثراً لأن ((غياب الفكر التنظيمي السليم أدى إلى ضياع هذا المجهود، الذي لم يجد المتابعة والتسيير اللازمين، إذ فتح الشعبة لم يعن إلا الخطب وإلهاب الحماس وتسجيل المنفعلين ثم إعلان الشعبة والارتحال، ثم لا يبقى في الأذهان إلا ذكريات المناسبة))27.
يتضح من هذا مدى عفوية الحركة لذلك لم تضرب بجذورها في الواقع السوداني وانحسرت بين جدران دور التعليم كرد فعل للتيار اليساري الطلابى المتنامي مع صعود الحركة الوطنية في نهاية الأربعينات، يكتب الترابي عن فترة التكوين: ((نشأت الحركة من عناصر تائبة إلى الدين - من بعد ما غشيت بعضهم غاشية الشيوعية، واستفزت بعضهم أطروحتها الساخرة في تحدي الدين عقيدة وخلقاً وأثارت آخرين غلبة التصورات والأنماط الحياتية التي فرضها التعليم النظامي الذي يسوسه الإنجليز. فنبتت النواة الأولى للحركة في صميم البيئة الطلابية بجامعة الخرطوم وفروعها في المدارس الثانوية))28. ويتحدث عن رافد شعبي ضعيف التأثير ومحدود ((قام فرع لحركة الإخوان المسلمين المصرية، عبأته زيارات من دعاتهم الذين وفدوا في سياق تحرك مصر عامة نحو السودان ووجدوا قبولاً خاصاً في الدوائر التي كانت أميل للاتحاد مع مصر، وقد تعزز المدد المصري بالطلاب السودانيين الذين هاجروا إلى مصر للتعليم واتصلوا بحركة الإخوان المسلمين ولكنهم لدى عودتهم كانوا أقرب إلى الحركة الطلابية منهم إلى الحركة الشعبية الإسلامية في السودان))29.
وجود حركتين: شعبية وطلابية، أو اتحادية واستقلالية يكشف عن التسييس الزائد، وإلا انعدم منطقياً اختلافهما بسبب أصل الإسلام الواحد ويدرك الترابي معرفياً هذا الشقاق ولكن يريد تجاوزه عملياً عن طريق مهارة اللغة فقط، إذ يقول: ((وكانت هاتان الحركتان المتوازيتان تتصلان ولا تتحدان))! ولكن فى الواقع فقد دخلت الحركة الإسلاموية السودانية ميدان الصراع السياسي وفي فترة ما قبل الاستقلال والتي تعتبر من أخصب أزمنة التاريخ السوداني المعاصر وكان أثر تلك الفترة واضحاً على بدايات الحركة بالذات النقاش حول تقرير المصير والمواقف من الاتحاد مصر أو الاستقلال التام. ورغم أن المؤرخين والمنظرين الإسلاميين يحاولون تجاوز شرح خلافات وتيارات تلك الفترة فقد شهدت صراعاً كان يمكن أن يتطور إيجابياً لولا انتصار التيار السياسوي الحركي على التيار الفكري وهذه ظاهرة نجد مثيلها عند الاتحاديين أيضاً في تلك الفترة حيث هزم الحركيون بقيادة الأزهري الفكريين بقيادة أحمد خير. وأعتقد أن السودان خسر إمكانية قيام حركة إسلامية تقدمية لولا انقلاب مؤتمر العيد عام 1954 والذي كرس خط الإخوان المسلمين الرجعي والمناور حتى اليوم.
تأثرت مجموعة من الطلاب الإسلاميين بأفكار التحرر والاستقلال والمساواة التي سادت العالم بعد الحرب الكونية الثانية، وفي مارس 1949 كلف بابكر كرار، محمد يوسف بكتابة مذكرة تعريفية بإسم ((حركة التحرير الإسلامي)) تم استخلاصها من مقدمة كتاب ((حياة محمد)) لمحمد حسين هيكل30. وتميزت الحركة بدعوتها للأفكار الاشتراكية وفي اجتماع هام في أغسطس 1953 حددت الحركة خطها الفكري والسياسي حيث وصف المجتمعون أنفسهم بأنهم: ((حركة تحرير وليس إخوان مسلمين ومنحازون للعمال والطلاب والفلاحين. وأقر الاجتماع إعداد رسالة عن التجنيد وأخرى عن الأرض لمن يفلحها وثالثة عن تأميم مرافق الإنتاج))31. ويتضح من كتابة هذه الفترة بواسطة إسلاموي ((الجبهة القومية)) فيما بعد أن هذا الاتجاه تعرض لكثير من الهجوم والتشويه. يقول مكي - أحد مؤرخي الجبهة - عن هذه الفترة: ((لقد كانت هذه الأيام من الأيام الحرجة في عمر الحركة حيث أخذت تتصادم الثقافات وتتباين الرؤى وبدأت العضوية تسمع لأول مرة شعارات جديدة عن الإسلام والذي جاء أساساً للجوعى والمستضعفين والذين يقع الظلم عليهم عمودياً، حسب الاصطلاح الشائع حينها مما شوش على الذين دخلوا على الحركة من باب إنها حركة تربوية تقوم على تزكية النفس والإيثار والتضحية وتجويد العبادة))32.
من جهة أخرى كان هناك تيار حركة الإخوان الجماهيري الذي يقوده على طالب الله وكان إمتداداً لحركة الإخوان المسلمين بمصر. وتقول بعض المصادر أن طالب الله تسلم خطاباً من حسن البنا يزف إليه تعيينه مراقباً عاماً للإخوان المسلمين بالسودان وعضواً بالهيئة التأسيسية العامة للإخوان بالقاهرة، وهكذا استمد أمير جماعة الإخوان شرعيته من مصر لا السودان33. وتمكن طالب الله من فتح دار للإخوان المسلمين عام 1953 عرفت فيما بعد بالمركز العام للإخوان المسلمين. ودعم هذا التيار رافد من مصر يمثله الطلاب الدارسون هناك. فقد كان جمال الدين السنهوري أول من تم تجنيده من الطلاب السودانيين ثم صادق عبد الله عبد الماجد وكمال مدني بالإضافة لمحمد زيادة حمور وجبرة عبد الرحمن كرواد لحلقة سيد قطب الفكرية ثم تبلورت إخوانية الأولين بالإضافة لمحمد الخير عبد القادر. ووجدوا تشجيعاً من السلطات المصرية حتى بعد قيام الثورة، وذلك بإصدار مجلة (السودان الحديث) برئاسة السنهوري ومشاركة صادق عبد الله ومساهمة سيد قطب34. وعند عودة أفراد هذا التيار إلى الوطن نشب صراع مع حركة التحرير الإسلامي.
يختزل الترابي جوهر الصراع على وجود مجموعتين واحدة محلية وأخرى متأثرة بالتيار المصري وانتهى الصراع حسب تحليله بانتصار الاتجاه المحلي. معللا ذلك ((لكن انقطاع المدد الإخواني من مصر بما اعترى الحركة من ابتلاء هناك وقوة الخريجين الصاعدة في قيادة المجتمع السياسي في سودان الاستقلال، والصلابة النسبية لحركة الطلاب مقيسة بالتيار العفوي الذي بنته دعوة الإخوان المصريين في السودان - أمور تناصرت لتجعل للمنظومة التي نشأت في الجامعة وراثة الحركة الإسلامية في السودان، وحول محورها انبنى تاريخ الحركة اللاحق فامتدت فروعها وتأسست أركانها مؤتمر جامع عام 1954م35. هذا تحليل تبسيطي فالصراع بين خطين فكريين ومنهجين لأن التيار الذي إنتصر لم يكن محليا إلا في وجوده الجغرافي كما أنه احتوى على أعداد كبيرة من الدارسين في مصر كذلك ساعده ((الإخوان)) المصريون الموجودون في السودان (مثل الأساتذة المنتدبين والهاربين من مصر فيما بعد). ويعبر الترابي صراحة عن الاثر المصري الفكري ويرى أن الحركة في هذه المرحلة كانت أقرب إلى أن تكون عالة في زادها الفكري والتنظيمي على الخارج وكانت تتناول غالب أدبها من كتب الإخوان المسلمين في مصر أو كتب المودودي كذلك كانت أشكال التنظيم البسيطة السائدة فيها هي تقريبا من التجارب التنظيمية في مصر36. وتكشف نتائج مؤتمر العيد عن انتصار الخط المحافظ والانتهازي على المجددين والمخلصين.
انعقد المؤتمر في الحادي والعشرين من أغسطس 1954 ولم يحضره على طالب الله وبابكر كرار، وانتهى المؤتمر إلى عدد من القرارات أهمها: اختيار اسم ((الإخوان المسلمين))، تأكيد استقلال الدعوة وعدم ارتباطها بالأحزاب مع خلق كيان خاص للدعوة، علنية الدعوة، الاهتمام بقضية الدستور، إقصاء على طالب الله وتكوين مجلس تسيير يكون مسؤولا عن حركة الدعوة في كل أنحاء السودان))37. وإتخذ المؤتمر خطاً توفيقياً رمادياً يهدف إلى جمع المتناقضات والحلول الوسط التي تضمن وحدة هي أقرب إلى إيمان العجائز بتجنب التساؤل والاختلاف والتنوع داخل الحركة، ويقول أحد مؤرخي الحركة عن الخط الذي انتصر: ((ويلاحظ هنا رغماً من أن الحركة قد إنتهت إلى صيغة الإخوان المسلمين إلا أنها أنهت الارتباط العضوي بمصر، ذلك الارتباط الذي مثلته مدرسة على طالب الله الجماهيرية كما أنها رفضت صيغة رواد حركة التحرير أي مطلق استقلالية الحركة مما قد يؤدي إلى انعزاليتها وصيرورتها إلى تجمع محلي محدود الحركة والفكر))38. رفض أنصار حركة التحرير قرارات المؤتمر وكونوا ((الجماعة الإسلامية)) وهي بالفعل حركة فكرية إسلامية مجتهدة وتجديدية تختلف عن حركة الإخوان المسلمين التي تعتمد على التجييش ومخاطبة عواطف الجماهير دون عقولهم حتى ولو كان عضويتها من المتعلمين والجامعيين. هذه الفترة تمثل نقطة تحول في مجمل العمل الإسلامي انتهى بسيادة الإسلاموية سياسة وسلوكاً وتفكيراً.
يكتب أحد مؤرخي الإخوان المسلمين عن ((الجماعة الإسلامية)) محاولا أن، يعدد ما يسميه ((مآخذ الإسلاميين على بابكر كرار وجماعته))39 فيأخذ عليها أنها ((إندفعت في العمل السياسي دون أن تحكمه بالقواعد الفقهية السلفية)) بينما في الوقت الحاضر تفتخر ((الجبهة الإسلامية القومية)) - امتداد الإخوان المسلمين بتجديدها المستمر ورفضها للسلفية. وكان تجديد ((الجماعة الإسلامية)) فكرياً ويتناول قضايا جوهرية بينما تجديد ((الجبهة)) الآن حركياً وتنظيمياً يبحث عن أسهل الطرق للوصول إلى السلطة. ويردد الإسلاميون صفة ((شيوعيو إسلام)) لتشويه سمعة ((الجماعة الإسلامية)) -حسب فهمهم- وسط الجماهير ودليلهم على هذه التوجهات. كما يظهر من بعض المآخذ المتكررة، أن بابكر كرار رغم أنه استمد وضعيته الإسلامية من خلال صراعه مع الشيوعيين، إلا أنه إلتقى بهم في مواقف مختلفة أبرزها معارضته لقانون النشاط الهدام)) وتوقيعه على مذكرة تقول:((إن إصدار قانون جديد تحت ستار محاربة الشيوعية وحدها أو أي ستار آخر سيكون قيداً على حريات المواطنين وسيحول دون قيام الجو الحر المحايد ويكون سلاحا للضغط على السودانيين للتنازل عن استقلالهم وسيادتهم القومية))40. ويظهر هذا النقد موقفين متناقضين من قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان وشعار :الحرية لنا ولسوانا. فالإخوان المسلمين يهمهم فقط محاربة الشيوعية وغالباً بالقانون والقمع وليس الحوار. ومن المآخذ على ((الجماعة الإسلامية)) تأييدها لجمال عبد الناصر والاشتراكية العربية! والمشاركة في مؤتمرات التضامن الأفرو - آسيوي وإدانة أحداث الجامعة في نوفمبر 1968 حين هاجم ((الإخوان المسلمين))، عرضا للفنون الشعبية ودعا دستور ((الجماعة)) إلى إلغاء النظام الرأسمالي وتحويل وسائل الإنتاج والتوزيع إلى ملكية جماعية والحركة ضد التوسع في التسلح العسكري لأنه يعرض البلاد إلى خطر الدكتاتوريات العسكرية ويجرد وجود الشعب من روح الجندية والجهاد41. هذه هي عيوب ((الجماعة)) حسب رؤية الإسلامويين.
يعترف الإسلامويون السودانيون بتقدمية وعمق فكر الجماعة الإسلامية:((ورغما من أن الجماعة استطاعت أن تقديم أبنيتها الفكرية في فترة متقدمة نسبيا، وكان لها رأي في كل قضية، إلا أنها ظلت حبيسة الإطار النظري وعجزت أن تكتسب الجماهير))42). ويرجعون ذلك إلى ذاتية وصفوية القيادة والبرنامج الذي حاول المزاوجة بين الإسلام والماركسية وسوء تقديرهم لقوة تأثير التيار المصري، ولكن هذه ليست الأسباب الجوهرية، إذ أن تبني ((الإخوان المسلمين)) لبرنامج غامض ولكن قادر على تحريك الجماهير وكسب الأحزاب الأخرى، فتح المجال أمام صعود الجناح المحافظ والانتهازي في الحركة الإسلاموية السودانية. ولسوء حظ السودان والحركة الإسلامية أن ساد هذا الجناح غير المبدئي والذي تمكن مرتين من إبعاد وجود تيار إسلامي مستنير داخل الإسلام السياسي في السودان المرة الأولى حين أقصى حركة ((التحرير الإسلامي)) عن قيادة الحركة الإسلامية والثانية حين أعدم الأستاذ محمود محمد طه وأوقف إمكانية إثراء الحركة والإسلام عموما بأفكار جريئة جديدة ومتقدمة. فـ ((الجبهة الإسلامية القومية)) الآن نتاج هذا الصراع الذي كسبته على صعيدين: سياسي وفكري وساد داخلها أسوأ ما في السياسة من مراوغة وتأمر وانتهازية وأدنى ما في الفكر من مغالطات وتجهيل وإرهاب. لذلك ما نجادله ونحاربه الآن في الساحة السياسية والفكرية ليس الفكر أو الحركة الإسلامية حصراً ولكن نقف ضد تيار يشابه في التاريخ الإسلامي انتصار معاوية والأمويين على عليّ والحسين الراشدين.
لازمت العفوية وعدم الأصالة الفكرية الحركة الإسلامية منذ مؤتمر 1954 حتى اليوم لذلك من الطبيعي أن نجد أن العطاء الفكري يقل دائماً في الانتشار عن الكسب الحركي والتنظيمي. ويعود ذلك في بعض جوانبه إلى أن الحركة كانت في كثير من الأحيان مجرد رد فعل ضد الحركة الشيوعية والأفكار الشيوعية والاشتراكية والآن العلمانية - كما تقول، وكان ذلك على حساب التأصيل والتأسيس الفكري المتميز، والتربية الفكرية والعقلانية ولكن العمل السياسي الآني والانفعالي سد عليها هذه الآفاق ويقول الإسلاميون- مع التبرير اللازم- بهذه الحقيقة إذ يقول الترابي:((إن المنافسة التي كابدتها الحركة الإسلامية الناشئة في البيئة الطلابية إنما كانت أساسا مع الحركة الشيوعية بل يمكن القول بأن الحركة نشأت تحت وطأة الاستفزاز والضغط الشيوعي الأكبر، ولذلك اضطرت بعامل المقابلة ورد الفعل أن تأخذ عنها بعض التجارب التنظيمية والوسائل الحركية43. ويضيف مؤكدا عدم اصالة الحركة ويرجع ذلك لظروف النشأة ولكن ذلك أصبح سمة وجود وتطور للحركة يقول:((هكذا كان المدد الفكري والنموذج التنظيمي والمنهاج الحركي بغالبها واردة على الحركة الإسلامية الناشئة من خارج السودان أو من خارج تجربتها وكانت تلك سمة ضرورية لحركة ناشئة))44.
تجاذب الحركة الإسلاموية من البداية اتجاهان لأسلوب العمل، الأول ينادي بالإعداد الروحي والتربوي قبل أداء أي مهام سياسية، والآخر سمي تيار الشمول ومصاحبة التعبير السياسي للمناشط الأخرى45. الأول قريب من حركة الإخوان المسلمين المصرية عندما أنشأها حسن البنا في نهاية العشرينيات والتي ركزت على نشر الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة ومحاربة المنكرات. أما في السودان فقد انتصر الاتجاه الثاني الذي يفضل التركيز على العمل السياسي وقد يكون لظروف العمل الوطني العام قبل الاستقلال وبعده، أثره الواضح على الحركة، ولكن غلبة التسييس المتزايد، أضعفت باستمرار الجوانب التربوية والفكرية . وهذا الاتجاه هو الذي أفضى إلى تطبيق متسرع لقوانين سبتمبر 1983 دون تمهيد تربوي وفكري للمجتمع ويسخر الترابي من الاتجاه التربوي: ((... كذلك لا مجال في سياق دين التوحيد للمراء البعيد في خيار تقديم التربية الأخلاقية الاجتماعية بسياسة الدعوة أو الإصلاح التنفيذي المباشر بقوة السلطان، متى تمكنت منها حركة الإسلام أما أكثر الذين ينادون بالتربية دون القانون بحجة التمهيد والتوفيق فإنما يريدون تجريد حافز القرآن من الاستنفار بوازع السلطان وعزل الدين عن الحكم ولا خير في تربية مزعومة تعطل الحكم بما أنزل الله))46.
من مظاهر تضخم السياسي في الحركة الإسلامية السودانية تبني الحركة لقضية الدستور الإسلامي وجعلتها محور كل نشاطها هذه القضية التي إستنزفت طاقات القوى السياسية والفكر السوداني لسنوات عديدة على حساب قضايا مثل التنمية والوحدة الوطنية والتعددية الثقافية والتعليم. وهذا فرق أساسي بينها وبين الجماعة الإسلامية (حركة التحرير الإسلامي) التي إهتمت كثيراً - في برنامجها - بالتنمية والعدالة الاجتماعية ويرجع البعض سيادة قضية الدستور الإسلامي في عمل الحركة إلى غلبة القانونيين على مكتب الإخوان المسلميين بعد مؤتمر العيد 195447. ولكن الأسباب الحقيقية هي أن الحركة حسمت خيارها بأن تكون سياسية تماما تتوسل الدين كوعي سائد بين غالبية الشعب السوداني وبالذات في المنطقة الشمالية النيلية والوسطى، والتي حكمت السودان فعليا طوال تاريخه. وقضية الدستور الإسلامي أداة جيدة لتعبئة الجماهير واستثارة عاطفتها الدينية، كما إنها قضية عامة لا تتطلب برنامجاً تفصيلياً لما يعنيه الدستور الإسلامي. وعمومية أي قضية في العمل السياسي تسمح بقدر كبير من التلاعب الأيديولوجي بمعنى الانتقائية والتلفيقية في تكوين الخطاب الموجه للجماهير التي ينشط بينها.
وكانت الحركة الإسلاموية تعي ذلك جيداً، حيث يكتب أحدهم ((قضية التشريع قضية مبسطة، ومدخل سهل لعرض الأزمة الدينية. ويمكن أن تجمع حولها كل العناصر ذات الخلفية أو الثقافة الدينية في أرضية مشتركة وقد نجحت حركة الإخوان الجديدة عرض قضية الدستور الإسلامي من خلال معركة الجبهة الإسلامية للدستور التي تكونت في دار جماعة التبشير الإسلامي بأم درمان يوم 10/12/1955))48. ويؤكد الترابي فعالية هذه الآلية في الضغط السياسي لدى الجماعة الناشئة :((إذ اتخذت واجهة تحالفية هي الجبهة الإسلامية للدستور التي وسعت أثرها وروجت دعوتها، وإذ صاغت جماع دعوتها في شعار سياسي يكون كلمة التداعي المشهور للجماهير، وإذ بسطت حملة شعبية واسعة للتذكير والتبشير بالحكم الإسلامي بمنهج لا يتجاوز الأحزاب ولكنه يحاصرها في الإسلام ويحرجها بقبول دعوته))49 ومثل هذه الشعارات البسيطة والمهيجة تذكر بهتلر وشعار ((ألمانيا فوق الجميع)) والذي كان يحرك الملايين.
آثر ((الإخوان المسلمين)) السودانيون هذا الشكل الفضفاض والسياسي العام واعتبر ميزة تتسم بها الحركة ويمكن أن يوظف بمهارة لتحقيق الأهداف، لذلك لم يكن مصادفة أن يشتد الخلاف حول اسم الحركة في فترة التأسيس، وحاولوا تجنب اسم ((الإخوان المسلمين))، ويورد أحد مؤرخي الحركة أسباب الابتعاد عن هذا الاسم، فقد عرض وفد مصري إخواني عام 1952 على الحركة الالتحام العضوي بحركة الإخوان المسلمين مثل تنظيمي سوريا والعراق. ولكن السودانيين اعترضوا مؤكدين خصوصية الحركة السياسية السودانية وضربوا مثلا بحزب ((الاشقاء)) الداعي للوحدة مع مصر ومع ذلك لم يصبح جزءاً من حزب الوفد المصري. وأن ربط الحركة بمصر سيؤدي إلى ابتعاد أبناء الأنصار عنها. وهذا التركيز على المحلية والخصوصية محاولة للتخلص من أثر بعض ممارسات الإخوان المسلمين المصريين الإرهابية التي قد تضر بالحركة في السودان. بل يقول أحد الإسلاميين الرواد: يوسف حسين سعيد إنه لم يسمع باسم الإخوان المسلمين السودانيين إلا من أفواه الشيوعيين))50.
يدل هذا على إحساس الإسلامويين بالرفض القاطع لأساليب عملهم بين السودانيين العاديين والذين يميلون إلى رفض التطرف والغوا في الدين عموماً وإدخال أساليب جديدة تتعارض مع العرف والتقاليد السودانية في العمل السياسي الذي هو انعكاس للواقع العشائري والقبلي الذي يحدد العلاقات الاجتماعية المختلفة. لذلك لجأت الحركة الإسلاموية إلى أسلوبين: العمل الجبهوي أو التسلسل واختراق الأحزاب والكيانات التنظيمية والمؤسسات الرسمية مثل الجيش والتعليم. وهذه خطة سياسية لم تتخل عنها الحركة حتى وصلت بواسطتها إلى السلطة الآن.
ومن الأمثلة على اختراق الأحزاب: فقد فكر الرشيد الطاهر المراقب العام للأخوان المسلمين في أن ينزل في قائمة مرشحي حزب الأمة في الانتخابات الثانية))51. أما بالنسبة للختمية فقد تسلسل أفراد بعينهم إلى جريدة ((الجهاد)) التي كان يصدرها عبد المنعم حسب الله (ختمي) إذ أخذ عثمان جاد الله وعبد الله محمد أحمد ومدثر عبد الرحمن بالتعاون مع الصحيفة وما لبثوا أن أصبحوا أسرة تحرير وأصدروا بضعة عشر عددا))52. ويقول مكي عن البدايات: ((ولم يكن للحركة صلات سياسية، غير أنها أحسنت استغلال نادي أم درمان الثقافي في تنشيط الحركة الثقافية والفكرية))53. كما ظهرت للإخوان المسلمين نشاطات اقتصادية صغيرة كإنشاء محمد خوجلي صالحين ومحمد أحمد البشير ((لمخبز الإخوان)) بالخرطوم بحري حيث الأمانة والصدق والجودة في العمل))54. ومن أهم أشكال الاختراق واستغلال المنابر والتجمعات السياسية تكون الجبهة الإسلامية للدستور 55-1958 وحضور الاجتماعيين التأسيسيين مندوبون من الهيئات الآتية: اتحادات الختمية، هيئات الأنصار، الإخوان المسلمين، أنصار السنة، خريجوا المعهد العلمي، صوت الإسلام، جماعة القرض الحسن، الجمعية الخيرية الإسلامية بالخرطوم، جماعة المحافظة على القرآن بأم درمان، مؤتمر الهيئات الإسلامية، جماعة التبشير الإسلامي والإصلاح، جماعة المحافظة على القرآن بشمبات، النادي الإسلامي الثقافي بخرطوم بحري، جماعة اللواء الأبيض، النادي الثقافي بأم درمان، جماعة السيرة المحمدية، ويعلق مؤرخ الحركة: ((ومن الواضح أن معظم هذه المسميات عبارة عن كيانات إخوانية وقد انتخب عمر بخيت العوض (أخ مسلم) سكرتيراً عاماً))55.
أما الجيش فقد ركز عليه الإسلاميون مبكراً وتم تجنيد عدد من الضباط مثلوا ((جيل الطلائع العسكري الإخواني)) وهم: بشير محمد علي، وعبد الله الطاهر وعبد الرحمن فرح وعبد الرحمن سوار الذهب وتطور العمل داخل الجيش :((ويبدو أن أبا المكارم عبد الحي حينما جاء إلى السودان في 1955 كان منفعلا بتجربة الإخوان المصريين مع الجيش فأوصى بالتركيز عليه ونقل تجربة النظام الخاص في مصر مما أدى إلى أن يقبل بعض شباب الإخوان على الكلية الحربية :((محمود عبد الله برات وحسين خرطوم دارفور))56. ويظهر جلياً أن الوسيلة غير مبدئية في العمل السياسي الإخواني فقد عرض الرشيد الطاهر المراقب العام للإخوان المسلمين فكرة إقامة ميليشيا - جيش وطني - تحت ستار تأييد نظام عبود))57. ولم تنجح الفكرة فاستمر في محاولته الفردية مستغلاً وضعيته السياسية فأتصل ببشير محمد علي الذي أسس أول أسرة إخوانية داخل الجيش في مطلع الخمسينات وإتصل بمحمد يوسف المحامي وعضو التنظيم في ((الأبيض)) لضمان تأييد القيادة الوسطى ولكن انقلاب التاسع من نوفمبر 1959 لم ينجح وتنصل عنه ((الإخوان المسلمين)) رغم أنهم أقاموا صلاة الغائب على أرواح الضباط الذين تم اعدامهم وتظاهروا أثناء الدفن.
ومن ناحية أخرى نجد في كتابات الإسلامويين ما يوحي بالتعاطف:((عمت الشعب السوداني مظاهر الحزن على إعدام الضباط، حيث أنها المرة الأولى بعد المهدية التي يلجأ فيها حكم وطني لتنفيذ أحكام الإعدام على سودانيين لأسباب سياسية!)) ويضيف الكاتب أن صدمة الإخوان كانت أشد: ((إذ أصيبوا في مسئولهم - كما أنهم أصيبوا منه إذ تجاوزهم في موضوع الانقلاب، دون اعتبار لرأيهم مع استخدام كوادر إخوانية. فقدوا كل نواة تنظيمهم في الجيش))58. وحسب رواية الرشيد الطاهر فإن سرية الموضوع وخطورته لا تسمح بالتشاور، ويضيف أن أسباب استقالته ترجع للجو الذي حدث في التنظيم بعد فشل الانقلاب، ويتساءل :((ماذا كانت ستكون النتيجة لو نجح الانقلاب))59 ونضيف كانت ستكون مثلما يحدث في محاولتهم الراهنة مع البشير.
تيقنت الحركة الإسلاموية السودانية من استحالة أن تعتمد على قواها الذاتية لذلك تفننت في أساليب الاختراق والتسلل واستغلال وسائل الابتزاز بإسم الإسلام وتطويع إسلامية الكثيرين لخدمة أهدافها، وتشكيل مجموعات الضغط الفعالة. أضيف لذلك شبكة علاقات خارجية محكمة ومنتشرة ثم في السبعينيات استفادت من أوضاع اقتصادية مواتية عقب الفورة النفظية. كل هذه النجاحات كرست الضعف الفكري بل اعتبرت بديلاً عن أي تجويد في مجال الفكر والمعرفة الإسلامية طالما أن الحركة تحقق النجاحات السياسية والتنظيمية خاصة حين إستولت على السلطة رغم أنها أقلية لا تتجاوز 5% من الشعب السوداني.
مرحلة التطور والانتشار
قطع انقلاب الجنرال إبراهيم عبود في 17 نوفمبر 1958 الطريق أمام تطور التجربة الديمقراطية دون أن تتمكن القوى السياسية والمجتمع المدني في السودان من ممارسة قيم الديمقراطية بطريقة صحيحة وحقيقية بعيداً عن الشكليات والمناورات التي صاحبت التجربة الناشئة قبل أن تقوي. وكان من المتوقع أن تنشط حركة الإسلام السياسي التي حققت صعوداً في ظروف الديمقراطية الأولى ضد هذا الانقلاب. يقول أحد الإسلامويين عن أثر الجبهة الإسلامية للدستور قبل الانقلاب إذ أنها خلقت راياً عاماً شعبياً كاسحاً مؤيداً للفكرة وألزمت رجال السياسة وقادة الأحزاب بالفكرة. حتى إضطرت القيادة السياسية لرفع شعار الدستور الإسلامي والدعوة له لكسب التأييد (...) كما لفتت قوة دعوة الدستور الإسلامي العالم الخارجي، بريطانيا وأمريكا وكذلك النظام المصري إلى خطورة تنظيم الإخوان مما سهل أمر الانقلاب العسكري))60.
رغم هذه الإدعاءات ومع الزخم التعبوي الحقيقي والمزعوم لم تحرك الحركة الإسلاموية ساكناً ولم تقاوم النظام العسكري ولم تصدر حتى بياناً يعارض اغتيال الديمقراطية بل أسمت تلك الفترة - حسب الترابي - ((عهد الكمون الأول)) مع إن العسكر لم يعلنوا الالتزام بالدستور الإسلامي ولم يعدوا بتطبيق الشريعة الإسلامية وكشف هذا الموقف عن قصور معرفة الحركة لإدارة الصراع السياسي وعن موقف غامض ومتردد تجاه مسألة الديمقراطية كقضية مركزية في أي عمل سياسي جماهيري. ولا يتضمن تقييم زعيم الحركة الإسلاموية لانقلاب عبود أي إشارة للديمقراطية أو إدانة للدكتاتورية العسكرية التي حلت الأحزاب والنقابات وعطلت الدستور ومنعت الصحف. يتحدث عنها بلطف بالغ، لأن السلطة التي وليت البلاد ((فساستها سياسة محافظة معتدلة، فلم يفرطوا في القهر السياسي ولم يعنوا بالقضية السياسية، بل ركزوا على الإدارة والتعمير بغير إدعاء مذهبي أو ثوري))61.
من غير المعقول أن تجد مجموعة تمسك بالحكم ونتيجة انقلاب عسكري ولا تعني بالقضية السياسية وكونها لم تعلن إسلاميتها أو اشتراكيتها لا يعني أنها غير سياسية كما إن أي إدارة أو تعمير لابد له من مضمون طبقي وسياسي.
من المفروض أن يكون نظام عبود العسكري قد أضر بالحركة الإسلاموية لأنها منعت العمل الحزبي وبالتالي أوقفت حملة الإسلامويين الناجحة حسب قولهم، للدستور الإسلامي، ولكن الحركة خشيت الصدام مع العسكر وفي ذاكرتها التجربة الناصرية مع الإخوان وتوهمت أن التاريخ سيعيد نفسه معها. يقول الترابي: ((وهي فترة كمون، لأن الحركة واجهت لأول مرة ما توهمته خطر محنة وابتلاء. والحقيقة أن الحركة فزعت غلى حذر بالغ دون أن تلاقي ابتلاء وذلك من فرط اعتبارها بما حدث في مصر فانفعلت انفعالاً شديداً بالخوف وكمنت كوناً حاداً لأول عهد حتى كادت تجمد نفسها))62. ولكنه يضيف :((ولكن ظلت الحركة الطلابية - شذوذاً من هذا ا لانزواء - تجاهر وتعمل وتجاهد النظام وكانت هذه مرحلة بركة ونمو للحركة الطلابية حتى أصبحت من كبريات الاتجاهات الطلابية. ((فقد انصب القمع على الشيوعيين واليساريين، كما إستغلت الحركة العمل الثقافي والديني بالذات لتوصيل أفكارها ولتدريب كوادرها على الاحتكاك بالجماهير من خلال تلك المنابر. عاملت الحكومة العسكرية الحركة كجمعية دينية وليس كحزب سياسي، واستمرت صحيفة ((الإخوان المسلمين)) في الصدور ثم أعقبتها (البلاغ). ولكن كما يقول مكي:((ما لبثت التجارب أن أثبتت استحالة تعاون الإخوان مع الانقلابيين)) ويبدو أن الإخوان كانوا على صلة أو على علم بالانقلاب فقد صدرت صحيفة ((الإخوان المسلمين)) في نفس يوم 17/11/1958 تحت عنوان :((على حافة الهاوية)) ويرى الرشيد الطاهر أن الانقلاب كان شبه مكشوفا.63 ومن الملاحظ أن الحركة لم تكن تمانع في الاستيلاء على السلطة بالقوة والدليل على ذلك محاولة المراقب العام للإخوان المسلمين في نوفمبر 1959.
ينسب ((الإخوان المسلمين)) إلى انفسهم فضل الإعداد لثورة 21 أكتوبر 1964 رغم موقفهم من الديمقراطية أصلاً. وحسب تفسيرهم للتاريخ من خلال البطولات الفردية والصدف يحللون ثورة أكتوبر وكأنها نتيجة أحداث الجامعة فقط وليس نضالاً متواصلاً تراكم من خلال العمل الجبهوي والشعبي والنقابي حتى وصل إلى السبب المباشر وهو أحداث ندوة الأربعاء 21 أكتوبر واغتيال القرشي وإعلان الإضراب السياسي. تحدد سيطرة جبهة الهيئات واليساريين على سلطة أكتوبر القوي التي أطاحت بالحكم العسكري حقيقة.
ويقول الترابي عن دور الإسلامويين: ((ولئن ظلت الجماعة على صلة بالجبهة المعارضة للنظام، فقد كان إسهامها ضعيفاً لأول الأمر، حتى إذا قويت شوكتها وإعتزل الشيوعيون المعارضة، انبرت الحركة في أواخر عهد النظام تتخذ مبادرات في التحريض بالمنشورات والندوات وتشجع طلابها على قيادة الثورة على النظام))64. وقد كان هاجس ((الإخوان)) الأول هو ((الشيوعيون)) وليس انعدام الديمقراطية لذلك عارضوا النظام مؤخراً حين توجسوا تحالفهم مع العسكر بعد مشاركتهم في المجلس المركزي وزيارة برجينيف))65. وهذا تبرير يعيد صياغة التاريخ بطريقة تدعم الصورة التي يراد تثبيتها بين المؤيدين.
رغم موقف الإسلامويين غير المبدئي وغير المقتنع بالديمقراطية إلا أنهم باستمرار يكونون أكثر المستفيدين من الديمقراطية. وبعد ثورة أكتوبر 1964 استغل الإسلامويون التحولات السياسية الجديدة بالذات ازدهار الحركات النقابية والطلابية وانتشار أشكال جديدة لمجتمع مدني متمكن مثل الاتحادات والمنظمات والهيئات الكثيرة التي تم تكوينها لأغراض عديدة ومتنوعة، في هذه الأجواء توصل ((الإخوان المسلمين)) إلى شكل التنظيم الإسلاموي المناسب للمرحلة فكان تأسيس ((جبهة الميثاق الإسلامي)) وانتخاب حسن الترابي أميناً عاماً للجبهة في اجتماع لم يشارك فيه كثير من رواد الحركة الإسلامية مثل بابكر كرار والنصري وعلى طالب الله وسليمان عبد الله سليمان وقد بدأ التمهيد لهذا الاجتماع/ الانقلاب بعد ثورة أكتوبر مباشرة، فقد صدر (حسب قرار للمكتب) في نوفمبر 1964 بيان بإسم حسن الترابي بصفته الأمين العام للجماعة. يكتب مؤرخ الحركة - مكي - عن هذا التطور الحزبي:-
((وكان صدور هذا القرار يعني تغييراً دستورياً ليس من حق المكتب، بمعنى أن فيه تجاوزات لقرارات المؤتمر الخامس الخاص بالقيادة الجماعية - بل من حق الهيئة التأسيسية، ولهذا راي المكتب أن يبقى قراره هذا في شكل توصية تقدم لاجتماع مجلس الشورى، وانعقد اجتماع عام للمجلس ولم يحضر أكثر الإخوان الموجودين خارج العاصمة ولم تتوافر لذلك الأغلبية اللازمة لإقرار التعديل الدستوري ولكن الاجتماع وافق على البيان الصادر. وفي يوم الخميس 25 نوفمبر 1964 وفي جلسة مكتملة للمجلس نوقش التعديل الدستوري الخاص بتوسيع وظائف المكتب التنفيذي وتحديد اختصاصاته وأقرت وظيفة الأمين العام66.
أقر المجلس العمل في كيان جماهيري لذلك كانت صيغة وشكل الجبهة الواسعة هي أفضل أداة لنشاط سياسي تختفي خلفه جماعة الإخوان المسلمين أو حركة الإسلام السياسي في السودان، لمواجهة الأحزاب التقليدية والجماعات الصوفية من جانب واليساريين والقوميين والشيوعيين من جانب آخر. وتعمل حركة الإسلام السياسي في السودان من خلال ما تسميه ((الواجهات)) وهذا ما يجعلها تتجنب دائماً الوضوح الفكري القاطع والبرامج التفصيلية المحدودة والتحالفات المبدئية. يقول زعيم الحركة عن قيام جبهة الميثاق الإسلامي مؤكداً هذا التكتيك، فهي: ((مؤسسة على منهاج مكتوب وضعته الجماعة وجمعت حوله الجماعات الإسلامية والأفراد في حركة سياسية موحدة. سوى أنها حفظت لنفسها إحتياطاً في خاصة أمرها بالاستقلال عن الجبهة بل التحكم فيها (...) وقامت حركات نقابية وطنية وتنظيمات وواجهات لأغراض إسلامية شتى. أما جبهة الميثاق الإسلامي فعلى الحذر في منهج تشكيلها وعملها أصبحت واجهة العمل السياسي وحاملة الدعوة للدستور بل لكل معاني الإسلام. وأما المنظمات الأخرى فقد كانت وطنية الواجهة، نافست التحرك الشعبي الشيوعي، وأتاحت للحركة منابر عمل غير مباشر حتى حيثما لم تكن لديها القوة لتجعلها إسلامية خالصة))67.
يتضح من إستراتيجية العمل الإسلامي التي أعلنتها الجبهة ونشرت في صحيفة ((الميثاق الإسلامي)) الناطقة بإسمها، أن ضعف الحركة الإسلاموية السودانية الفكري يزداد طردياً مع الانتشار الجماهيري وهذا تطور طبيعي في أي جبهة واسعة تسعى لإرضاء قطاعات متنوعة وتقوم على المساواة والحد الأدنى في الاتفاق. حصرت الحركة أهدافها المعلنة في قضايا ضيقة وهامشية ليست في مستوى ما تسميه الحل الحضاري الإسلامي، على سبيل المثال:
- تأمين الجبهة الداخلية بمحاربة الحزب الشيوعي ومؤامرات الاستعمار الغربي.
- تبني القضايا المطلبية العادلة، وخلق تيارات موالية في الجماعات الضاغطة (النقابات) والاتحادات والاتجاه نحو الجماهير عامة.
- مزيد من التوضيح لما يمكن أن تكسبه من قيادة مجتمع إسلامي وحكومة إسلامية.
- معارضة النظام الناصري وكشفه إعلامياً والتعاطف مع إخوان مصر .68
تتحمل الحركة الإسلامية السياسية في السودان بالذات بعد انتصار الجناح المحافظ والانتهازي بقيادة الترابي واستبعاد العناصر المخلصة وذات الرؤية المتقدمة للإسلام ولقضايا الوطن، مسئولية الأزمات السياسية التي لاحقت السودان منذ منتصف الستينات حتى الانهيار الأخير الذي دشنه انقلاب الجبهة القومية الإسلامية في 30 يونيو 1989 فقد نجح الإسلاميون في شغل الرأي العام السوداني والقوى السياسية بقضيتي الدستور الإسلامي ومحاربة الشيوعيين وقد تكون عملة واحدة ذات وجهين. فالدستور الإسلامي - رغم كل الضجيج - كان مجرد شعار سياسي إذ عجز الفكر الإسلاموي - الإخواني عن تقديم مشروع متكامل للدستور الإسلامي عدا العموميات التي تضمنتها إحدى مطبوعات الجبهة، وكتيب لإسلامي مستقل 69. والدليل على هذا العجز النظري والفكري ما حدث بتطبيق قوانين سبتمبر 1983 ثم التراجع عنها واستدعاء العلماء لتقويمها والحديث عن قوانين بديلة، والدليل العلمي ما نراه الآن من تخبط وفوضى وانعدام رؤية حين تسلموا السلطة كاملة غير منقوصة، فقضية الدستور الإسلامي أضاعت على الشعب السوداني أحوج السنوات هدراً دون أن يؤسس البرلمان والأحزاب موقفاً قومياً موحداً تجاه مستقبل السودان.
أما بالنسبة للحزب الشيوعي السوداني فقد نجحت في تأليب الأحزاب الكبيرة عليه حتى تم حله وإبعاد نوابه عن البرلمان السوداني في ديسمبر 1965. فقد إستغلت الشعور الديني لدى جماهير الأحزاب التقليدية وهيجت العواطف من خلال مسرحية طالب معهد المعلمين السخيفة. فقد كانت الندوة يوم 8/11/1965 التي إستفزت فيها سعاد الفاتح الشيوعيين متحدية أن يعلن أحدهم إلحاده. وفسر تعقيب الطالب شوقي محمد علي بأنه إساءة للإسلام وبيت النبي. ولم ينفعل الإسلاميون مباشرة وفي اللحظة كرد فعل طبيعي لأن الشعور الديني لا ينتظر حتى اليوم التالي ليعبر عن نفسه. ولكنها كانت خطة سياسية مدبرة بإحكام70. وجرت ((جبهة الميثاق)) الأحزاب إلى هذا الصراع، والذي بينت نتائجه هشاشة التعددية وعدم التسامح في فكر وممارسة الحركة السياسية الإسلاموية والأحزاب التقليدية، وهذا مقتل الديمقراطية في السودان. فالديمقراطية هي أن تقبل وتتحمل وتتسامح مع المختلف والمعارض وضرورة احترام الاختلاف والتعايش مع الآخر حتى لو كان ملحداً والاحتكام دائما إلى الصراع الفكري والعقلي وليس إلى الحل الأمني والقانوني.
فالحركة الشيوعية السودانية ظلت سياسية أكثر منها شيوعية فلسفية وفكرية لذلك لم تحاول المساس بالعقيدة أبدا. فقد كانت شيوعية أكثر منها ماركسية وبالتالي اهتمت بممارسة العمل السياسي وسط العمال والمثقفين من خلال طروحات سياسية وتنظيمية تستلهم - لحد ما - النموذج السوفيتي في تغيير المجتمع أو في تحقيق الثروة الاشتراكية. وفي الستينيات ركزت على قيام الثروة الوطنية الديمقراطية وانتهاج طريق التطور اللارأسمالي. وهذا يفسر تأييد الحركة الشيوعية السودانية لانقلاب ضباط مايو 1969 في البداية باعتبارهم ((ديمقراطيين ثوريين)) والانقسام في الحزب الشيوعي السوداني عام 1970 دليل على قوة هذا التيار داخل الحركة. باختصار لم تكن هناك قضية عقدية أو فلسفية بين الإلحاد والإيمان بل معركة سياسية بين اليمين واليسار. وكان للإسلامويين فضل اكتشاف سلاح الدين الفتاك في هذه المعركة، ويعتبر هذا الانتصار من أهم معالم تطور الحركة، يقول الترابي عن إنجازات تلك الفترة التي يسميها عهد الخروج العام (64-1969) :((وكان من أبرز الكسب السياسي الثورة الشعبية التي عبأتها الحركة لحل الحزب الشيوعي عام 1966 وفضلاً عما أثمرته تلك الحملة من تجربة الاتصال السياسي وتعبئة الشعور الديني، فقد عبرت بالحركة إلى مرحلة تجاوز الحزب الشيوعي. فحتى ذلك العهد كان هاجس الحركة الأول والأساسي منافسة الشيوعيين. ومنذئذ تخلصت الحركة من أن تحتكرها عقدة منافسة الشيوعيين بما ألحقت بهم من هزيمة وعزلة دينية بالغة، وخلفت الحركة الشيوعيين وراءها وأصبحوا مشغولين هم بالحركة ولم تعد هي المشغولة بهم، بل أصبح همها هو تطوير علاقتها مع الأحزاب الوطنية أو منافستها على الشعب71.
كان انقلاب مايو 1969 نتيجة طبيعية لحرب الاستنزاف السياسي والفكري التي عبأت لها الحركة كل الطاقات - سلبا أم إيجابا - فقد تبلور معسكران: مؤيد ومعارض، وهذا الاستقطاب يضع البلاد في حالة أزمة سياسية خاصة لو كانت آليات العمل السياسي متخلفة لأنها تصعد العداوات أو تلجأ إلى ما يسمى بلغة الإسلامويين - المكايدة السياسية!
ويرى بعض الإسلامويين أن حركة مايو 1969 جاءت ((كرد فعل للصراع السياسي الحزبي المحموم الذي أغرت به الحرية المطلقة وأثار الاستقطاب بين القوى الإسلامية والشيوعية والجنوبية والقومية مما أدى إلى فشل الحكم وضعفه واتساع الفراغ السياسي. وتبع ذلك صراع ضار بين القوى الوطنية داخل النظام والتي أفزعها الشقاق الوطني وسوء الحكم والعناصر اليسارية التي أفزعها التوجه الإسلامي ومضى هذا الصراع لنهايته بمحاولة الشيوعيين الاستئثار بالسلطة خالصة لأنفسهم))72.
عكس القول الشائع عن أثر انقلاب مايو السلبي على الحركة الإسلاموية فقد أنقذ الحركة من الانقسام لأنها كانت مطالبة بضرورة حسم قضايا تنظيمية وسياسية تعقدت مع تتالي المستجدات والظروف المتغيرة. كما أن الديمقراطية تفتح الحركة الإسلاموية على تحديات وتجعلها تتماشى مع أفكار وتيارات عديدة. لذلك تنمو الحركة في أزمنة الدكتاتورية لأن المحيط الفكري والسياسي الذي يحتويها يكون مغلقاً وشمولياً لا يسمح بالتساؤل والاختلاف. يصف زعيم الحركة الوضع داخل التنظيم قبل انقلاب مايو:((في أخريات هذا العهد استفحلت الثنائية في الحركة الإسلامية بين التنظيم الأم الداخلي وبعض جبهاته الخارجية، لا سيما بين ما في الأخواني وما في الجبهة من معاني تربية وسياسة متقابلة أو من قيادات مشهورة وأخرى مغمورة وأدت هذه الثنائية إلى خلافات حادة إتخذت صوراً تنظيمية وشخصية هزت كيان الجماعة هزاً شديداً وإنتهت بها إلى شئ من الجمود في الحركة العامة في أواخر العهد)) ويضيف :((... وأثارت قضية التوازن بين التركيز التربوي لقاعدة الجماعة وكيفها والانتشار الدعوي والسياسي لصفها وولائها وكمها، وأثارت قضية الاجتهاد الذاتي للحركة وعلاقاتها بالحركة الإسلامية العالمية))73.
هذا الصراع بين التربوي- المجتمعي/ الفكري والسياسي - الحركي يتكرر كثيرا داخل الحركة ويبدو مفارقة وتناقض فاضح داخل تنظيم يتحدث كثيراً عن الفكر الأصيل وخلق الإنسان المسلم المثالي وعن المنهجية والعلمية وتجاوز كل الأيديولوجيات البشرية. حسب وصف زعم الحركة هناك صراع بين الكم مقابل الكيف، والتركيز على التربوي أو الانتشار الدعوي وبين القاعدة والصف أي الحزب/ النواة والجبهة الواسعة. جاءت الأحداث لصالح حسم الصراع بانتصار التيار السياسي- الحركي على حساب الفكري والتربوي نهائياً، مما يفسر كل الممارسات الميكافيلية والانتهازية التي صارت تدمغ الحركة الإسلاموية السياسية في السودان سواء البورجوازية الطفيلية أو المستوى الحياتي العادي: الميول العدوانية. فقد تكاملت شخصية للأسلاموي ولتنظيمه نتيجة حسم ذلك الصراع. وفي إجابة عن سؤال حول أسباب زيارة وفد الجبهة القومية للصين رد الترابي: ((نحن لسننا حركة فكرية نحن حركة سياسية قد تشارك في السلطة ولابد أن نؤسس علاقات مع كل العالم ولذلك خرجنا للعالم ونحن نميز بالطبع بين العقيدة الشيوعية التي نرفضها ونحاربها وبين دولة قائمة ولنا معها مصالح سالبة وموجبة وفيها مسلمون))74.
لذلك من الخطأ أن نلصق بالجبهة القومية تهمة حزب عقائدي أو حركة إسلامية فكرية، رغم أنها في خطابها للمتعلمين تحاول استغلال هذه الصفة لتتميز عن الأحزاب التقييدية وترضي إدعاء المتعلمين بقشور الثقافة والفكر وعدم الرجعية.
مرحلة التمكن والانقضاض على السلطة (69-1989)
جاء انقلاب مايو مثل كل الانقلابات العسكرية كمحاولة فوقية وأبوية لحل المشكلات الاقتصادية والسياسية بضربة واحدة حاسمة تتجاوز ((الفوضى)) والمقصود بذلك الديمقراطية والحوار والبيان الأول لأي انقلاب واحد سواء في أمريكا اللاتينية أو أفريقيا أو أسيا يورد أحد الباحثين: ((فالبيان، بعد أن يرسم صورة قاتمة للأزمة التي مرت بها البلاد. يقول ((ونتيجة لذلك من المسلك الطبيعي أن ينهض جيش البلاد ورجال الأمن لإيقاف هذه الفوضى ووضع حد نهائي لها))75. وهكذا يعتبر الانقلاب المسلك الطبيعي في التطور السياسي في العالم الثالث حسب تصور العسكريين وكثير من السياسيين العاجزين عن ممارسة الديمقراطية بطول نفس وصدق واقتناع، فالديمقراطية ليست غاية في ذاتها ولكنها وسيلة للانتشار ثم الانقضاض على الديمقراطية. لذلك أدخلت القوى السياسية السودانية الجيش في لعبة السياسة لخدمة أغراضها، رغم ادعاء قومية الجيش الذي يصعب أن يكون مجرد فنيين محادين تماماً. كما أن الجيش أصبح مع تراكم الامتيازات والهالة السيادية والزهو الاجتماعي يمثل إمكانية لعقبة في سبيل التنمية - اقتصادياً وسياسياً - لو لم يحدد دوره كمؤسسة ذات وظائف معينة ومركز واضح في الهرمية الاجتماعية وتقسيم العمل. لذلك لم يكن انقلاب مايو صناعة شيوعية بل تدخل للجيش بتعال على كل الخلافات ويتضح ذلك في التركيبة المتناقضة لمجلس الثورة ولمجلس الوزراء رغم غلبة اليساريين - وهذه كلمة واسعة وغير علمية - ورغم الشعارات المرفوعة حاولت القوى التقليدية وبالأخص الإسلاميويين خلق صورة للعدو الجديد تمكنهم من حشد الجماهير ضده، ولنقرأ وصف الرابي للانقلاب: ((.. ونظام مايو الذي أجهض الديمقراطية وأجهد القوى الوطنية والحركة الإسلامية خاصة وجاء يدفعه أهل الولاء الشيوعي والعصبة العربية ليمكن الاشتراكية وليستأصل شأفة الإسلام في مظاهره الجديدة - الدعوة والحركة والتوجه التربوي والسياسي))76. رغم عدم وجود أي اشتراكية ولم يجرؤ أي شخص على التعرض للإسلام فقد أقامت القوى المحافظة دعايتها على هذا الموقف المتوهم. ويظهر جانب أخر للتلاعب بالدين حين يقول النميري عن انقلابه :((وهبت الثورة في 25 مايو 1969 فبدأت الدولة الإسلامية الجديدة انحيازاً للتاريخ ورضاء بحكم الله وارتضاء بحكمته))77. وفي موقع أخر :((إن الالتزام بالنهج الإسلامي وإن تحددت معالمه مع بدايات الولاية الثالثة، إلا أنه في حقيقته عطاء ثورة درجت وما تمهلت منذ تفجيرها في الوصول ِإليه كهدف وغاية (...) لقد كانت الثورة إلى الدين أقرب يوم حققت الوحدة الوطنية يوم أطاحت بالطائفية (...) يوم صارعت الإلحاد فصرعته، وناطحت الاغتراب الفكري بالأصالة))78.
صادمت الحركة الإسلاموية السودانية ممثلة في ((جبهة الميثاق)) نظام مايو من خلال حزب الأمة، بالذات المواجهة الدموية في أحداث ودنوباوي والجزيرة أبا، فقد حاولت استغلال العاطفة الجهادية عند الأنصار من خلال استثارة العاطفة الدينية الجياشة، خاصة إذ كان الموضوع الخطر على الإسلام. ويكتب أحد مؤرخي الحركة بوعي بين عن هذا الجانب: ((ومهما يكن فعلى أكتاف جماهير الأنصار تم إنجاز استقلال السودان كما أن شوكة جماهيرهم حلت حكومة سر الختم الخليفة الأولى التي تكاثر فيها اليساريون لتحل محلها حكومة أكثر تمثيلاً لسودان الحزبين التقليديين. وأسهمت جماهير الأنصار في حل الحزب الشيوعي في ديسمبر 1965. وأخيرا تراصت صفوفها في مجابهة داعي العلمانية الاشتركة في أحداث أبا 1970))79. وفي كل هذه الأحداث قام ((الإخوان المسلمين)) بمهمة تهييج جماهير الأنصار واحتواء قياداتها سواء من خلال التحالفات السياسية مثل مؤتمر القوى الجديدة والذي ضم حزب الأمة جناح الصادق المهدي وحزب سانو رغم انفصاليته والتمردية حسب لغة الإسلامويين اليوم، ويكتب مكي عن هذا التنسيق ((..أن الإسلاميين رأوا في الصادق خير نصير مرحلي كما كان من إستراتيجيتهم: تسخير الصادق في ضرب الطائفية والعشائرية والشيوعية، كان التنسيق وليد إستراتيجية دفاعية، إذ كانت الأحزاب الكبيرة تحاول تحطيم الجبهة كحزب ناشئ، إذ الاتحاديون نظروا لها من خلال أنها تتوسع على حسابهم ووسط جماهيريهم والأنصار لم يفرقوا بينها وبين حركة اليسار ونظروا إليها بشك عميق))80.
مع أن الحركة تتحدث عن المفارقة والبطولات إلا أنها تستفيد حقيقة من فترات الحكم الدكتاتوري بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فالترابي يصف المرحلة أي انقلاب 69 حتى المصالحة 1977 بمفهومين متناقضين: ((عهد المجاهدة والنمو)) ويقول: ((في هذه المرحلة وفي الفترات أيضا فرغت الحركة لنفسها ونظامها. كما فرغت لها في عهد عبود))81. إذ بدأت- كما يقول - ثورة تنظيمية من حيث تقسيم العمل وترتيب الإدارات ووضع اللوائح واتخاذ نظم المحاسبة والتقارير السنوية. والأهم من ذلك أن كوادرها وجدت الفرصة للإطلاع على التراث الإسلامي! وإن يتأملوا في فقه الدين والحركة، وبدأت حركة التأصيل الفكري - بمعنى رد العمل الحركي إلى أصول الاعتقاد
والأحكام الدينية وتقويمه في ضوء معانيها))82. هذا يعني ببساطة أن الحركة كانت طوال ربع قرن بدون أصول في الدين والفقه تحكم عملها ونشاطها. ويعترف الترابي دون مواربة بهذا القصور الذي لا أرى أنه طارئ في تكوين ظاهرة الإسلاموية التي لا يشغلها الفكر كثيراً، يكتب: ((فكانت هذه المرحلة التأصيلية بداية للأصالة في كسب الحركة الفكري الذي ظلت فيه من قبل عالة ما يرد إليها من التجارب الإسلامية الأخرى ما عدا شيئا قليلاً من العطاء الأصيل في مسألة الدستور الإسلامي))83.
عبرت الحركة الإسلاموية السياسية السودانية بوضوح عن تفرد الخط الداعي للوصول إلى السلطة سواء عن طريق التحالف أو الائتلاف أو النصح والاستشارة أو الاستفراد والهيمنة كلية. وهذا التوجه نشط في ذهنها ومسلكها بعد تصفية الشيوعيين على يد النميري بعد انقلاب 19 يوليو 1971، العمل على الوصول إلى السلطة هدف سياسي مشروع لأي حزب أو حركة سياسية، ولكن الفرق هو أن الإسلامويين مقتنعون تماما بأنهم يعملون من أجل تحقيق غايات نبيلة ومقدسة وهي إقامة شرع الله على الأرض، لذلك فكل الوسائل مباحة ومبررة. ويستعرض دستور جماعة الإخوان المسلمين أهم وسائل تحقيق هذه الغاية، وتستوقفنا المادة (46) الفصل الثالث التي تدعو إلى ((الاشتراك في مؤسسات الحكم التنفيذية والتشريعية إيماناً بأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن والدخول في جبهات سياسية جامعة لخدمة هدف محدد مؤقت مع احتفاظ الجماعة بتميزها واستقلالها وحقها في النقد والتوجيه)) فالتفضيل بين قوة القرآن أو السلطان يرجح الأخير. وهذا الاختيار الذي يحبذ السلطان كوسيلة لنشر أو فرض المبادئ يفسر علاقة الإسلامويين بالسلطة منذ منتصف السبعينات حتى اليوم كما يفسر الضمور الفكري المزمن في الحركة والذي لا تنكره الحركة، يكتب أحد الباحثين القياديين في التنظيم: ((لم يواكب تطور الحركة السياسي تطور فكري وأدبي وفني باستثناء الشعر- وما تزال الحركة قاصرة تماماً في الإبداعيات الإنسانية إذ المسيرة المطلوبة في حركة إسلامية مسيرة حضارية. ولكن كان تسيير الحركة ابداً أسير العمل السياسي))84.
ضعف المرتكز الفكري الدقيق والمحدد والعميق هو الذي أوصل الحركة الإسلاموية إلى التعاون مع النظام المايوي وتواطأت معه في جريمة اغتيال الإستاذ محمود محمد طه بل هندست المبررات القانونية والدينية للاغتيال. فقد كان الأستاذ محمود يمثل تحدياً حقيقياً لذلك النوع من الإسلامويين في سلوكه وفكره، قاد الأستاذ محمود تياراً إسلامياً مستنيراً وقدم اجتهادات وتفسيرات جريئة شكلت ما سمي بالفكر الجمهوري ((والجمهوريون)) هم أنصاره الذين نشروا هذا الفكر رغم محدودية إمكانياتهم المادية. حوكم الأستاذ بتهمة الردة وهذا منعطف خطر في الحياة السياسية السودانية أي تديين الصراع السياسي والفكري أو نقله إلى مجال عقدي - ديني بعد أن يكون قد بدأ في ميدان سياسي- اجتماعي. وقد كان سودان الستينات متسامحاً فقد أعلن أحد المواطنين في الصحف اعتناقه للبوذية وكان رد العلماء رائعاً: بأن الإسلام لا يزيد أن ينقص بك! ولم يطالب أي شخص بمحاكمته أو إعدامه والسبب هو أن الإسلامويين لم يستطيعوا في ذلك الوقت نشر الهوس الديني.
لم تشغل الحركة الإسلاموية نفسها بتأصيل الفكر الإسلامي بعد المصالحة عام 1977 والتي منحتها حق العمل والنشاط العلني، ويصف زعيم الحركة هذه الفترة التي يسميها ((عهد المصالحة والتطور)) (77-1984) بقوله: ((وكان هذا العهد هو عهد العمل الاقتصادي الإسلامي الذي أبتدر قبيل المصالحة، ولكنه إنفتح بعدها وأصبح كسباً من مكتسبات حركة الإسلام في السودان- كسباً لتجربتها في تطبيق الإسلام لقوتها في سبيله))85. ويربط الإسلامويون بين الاقتصاد والتحول الإسلامي للنميري والمصالحة. فمن بشائر هذا التغيير لتبني النهج الإسلامي - حسب تاريخهم- ((حيث أفتتح في عام 1977 بنك فيصل الإسلامي كركيزة من ركائز التحول الإسلامي))86. ويواصل الكاتب: ((وفي السعودية اقترح نفر من الإسلاميين من بينهم الأستاذ / علي عبد الله يعقوب على الأمير محمد الفيصل بذل مساعيه لتقريب الشقة بين الجبهة الوطنية والنظام خصوصاً أن برنامج الولاية الثانية جعل هذا الأمر ممكناً وكان الأمير محمد الفيصل حينها قد توطدت صلته بنظام نميري وشرع في تنفيذ عدد من المشاريع في السودان))87. هذا الكسب الاقتصادي والاهتمام بالمال الذي ملأ على الإسلامويين أقطار نفوسهم وقلوبهم هو سبب ما يعاني منه الشعب السوداني الآن وما ستعاني منه الأجيال القادمة فقد تمت عمليات نهب ((مقدس)) وهائل لمقدرات البلاد المالية. يقول جعفر النميري عن هذه الفترة هناك ثلاث شخصيات كانت من الأسباب الرئيسية لانهيار السودان إقتصادياً وهم د. محمد سعيد النجار ومحمد الفيصل ومن يدعي صاحب مصانع الدلة. وهم السبب الرئيسي لانهيار السودان إقتصادياً لأنهم لم يتحدثوا ولم يعملوا للحقيقة، د. النجار كان ينظر ويفكر لهم في البنوك الإسلامية. وهما كانا ينفذان ويأخذان أموال السودان بإسلوب عجيب للغاية، فالسودان حديث العهد بالملايين لقلة الخبرة ولهذا استطاعت البنوك هذه أن تخرج بأموال السودان للخارج88.
ولكن الترابي يرى أن التجديد الإسلامي والعمل الإسلامي لن ينجحا إلا من خلال تحقيق هذه الغاية التي هي- في نظره محور كل الصراع: ((ففي مرحلة الدعوة الأولى في قرننا كانت أصول الدين الأساسية ذاتها غير مقبولة، كان المتسلطون على المجتمع ينكرون أن يسود الإسلام على الملوك والبنوك))89. سجع الكهان لهذا ليس مجرد تلاعب باللغة والحروف بل إستراتيجية التمكن بالوصول إلى السلطة/ الملوك والثروة/ البنوك.
قدمت الحركة الإسلاموية السودانية كثيراً من المبررات وليس المسببات لقبولها المصالحة ثم المشاركة في الحكم مع النميري. وحين قررت المصالحة بحثت عن الكثير من العيوب في المعارضة لكي تقنع الناس بمنطق خروجها واختيار المصالحة، ويورد أحد مؤرخي الحركة سببين رئيسيين: ((أولهما أزمة الثقة التي إعترت الإخوان قيادة وقاعدة بعد فشل محاولة يوليو. مما أدى إلى عقد مؤتمر شوري موسع في الخارج والذي إنتقد قيادة الإخوان في الجبهة وافتقارها للحزم اللازم في التعامل مع قيادات الجبهة ومحاولات قيادات الجبهة إضعاف الدور الإخواني وجوداً وتوجهاً، كما تحدث بعض الإخوان عن خيانات كما طالبوا بضمان نصيبهم من مال تسيير الجبهة (...) أما الأمر الثاني فحسب إشارات التقارير الواردة للقيادة الإخوانية عن واقع العمل الإسلامي المتقلص فإن منطق الأشياء الداخلية في التنظيم كان يستدعي إجراء هدنة مع النظام، إذ تناقص عدد الإخوان وسط طلاب المدارس من 15% نسبة عام 1969 إلى 6% في عام 197790. ويورد أحد مؤرخيهم حقيقة هامة عن علاقة الإخوان مع النميري خاصة بعد تصفية الشيوعيين عام 1971، إذ يقول: ((كما أن الإخوان كتنظيم لم يمانعوا في الحوار مع نظام نميري ابتداء.. إنما كان النظام هو الممانع فحينما إلتقى الرئيس النميري بالترابي في كسلا بعد فشل حركة يوليو 1971، تلخصت مطالب الحركة بالسماح لها بحرية الدعوة للإسلام وتمسكت بذلك في مقابلة الترابي بنميري في عام 1972 بوساطة من د. خليل عثمان))91. كل ذلك يوضح موقف الإسلامويين من الديمقراطية والدكتاتورية كنظم سياسية للحكم، فالديمقراطية ليست من أولويات الحركة الإسلاموية ثم كيف تكون الدعوة للإسلام في ظل نظام دكتاتوري يوجه كل شئ في الدولة والمجتمع؟.
يأبى الإسلامويون إلا الإساءة إلى حلفائهم وتقليل قيمتهم وتشويه صورتهم الوطنية، فبعد المصالحة يكتبون عن الأنصار: ((صدم الإخوان بضعف معرفة بعض الأنصار بأبجديات الإسلام وأميتهم الشديدة وجهل بعضهم حتى باللغة العربية مما أعاق تعليمهم وتحفيظهم لآيات من القرآن (...) كما فجع الإخوان بانعدام البعد التاريخي للحدث الإسلامي في ثقافتهم حيث لم يميز عدد منهم المدى الزمني الفاصل بين الرسول (ص) والسيد محمد أحمد المهدي حيث ظنه البعض الخليفة الخامس (...) كما ظهرت إشكالية ثقافة الاعتقاد بعقيدة المهدي وإشكالية الإيحاء إليه وتلقيه من الرسول (ص) مباشرة (...) وأخذهم بالرؤية كمصدر للتشريع في أنماط الثقافة التي لم يسمع بها الإخوان أو يجدوها في كتب الفقه والثقافة الإسلامية الأصولية))92. وللمفارقة إستغل الإخوان ((ثقافة الرؤية)) سياسياً حين أوحوا للنميري بالصلاح والطيران في الهواء ومجالسة الملائكة. بعد أن أعلن قوانين سبتمبر. كما أن هؤلاء ((الأنصار)) الموصوفين بالجهل هم الذين تحدث الإخوان - من قبل - عن جهادهم ضد الشيوعيين واليساريين في السودان بعد أكتوبر وعند حل الحزب الشيوعي، وتحالفوا معهم باستمرار - كما أسلفنا - أخرها مؤتمر القوى الجديدة. كذلك يهاجمون بخبث قادة الجبهة الوطنية حين إنتقد هؤلاء المصالحة حسب شروط النميري ولم يندفعوا مثل الإخوان ويقول مؤرخهم مكي: ((شهدت الأيام الأولى من المصالحة عدداً من المواقف الاستعراضية من قبل السيد الصادق المهدي والشريف الهندي . أما الأول فقد أخذ يظهر تضجره مطالباً بإحداث تغيير على المستوى السياسي مثل حل الاتحاد الاشتراكي والمستوى التنفيذي واستحداث منصب رئيس الوزراء وإقامة مؤتمر اقتصادي))93 أما الهندي فقد حاول الإخوان تخويف القيادة الأنصارية من طموحاته :((أما الشريف الهندي فقد سعى لتجريد السيد/ الصادق من شرعيته وتبعية الأنصار له. حتى يصبح الشريف الهندي سيداً للموقف وزعيماً للمعارضة بلا منافس))94. وفي موقع أخر: ((وخشى الإخوان أن يقع الأنصار في أسر الشريف الهندي خصوصاً وقد أصبحوا قوة عسكرية ضاربة وخشي الإخوان إن لم تجد هذه القوة الشخص المؤمن الذي يخاف الله فيهم ويستخدمهم في سبيل نصرة الإسلام وإقامة الشريعة أن يتحولوا إلى قوة تدميرية هائلة))95. ويبدو أن الهندي كان يمجد الأنصار كثيراً سواء صدقاً أم بلاغة فقط مما أثار حفيظة الإخوان: ((رفع الشريف الهندي رؤوس الأنصار وملأهم زهواً بما أضفاه عليهم من صفات الجمع بين الهجرة والنصرة وزادوا على الصحابة الكرام بأنهم تركوا زوجاتهم مضيفين بعداً جديداً للهجرة والنصرة))96. وكالعادة هيأ الإخوان المسرح جيداً لعودتهم وحاولوا الاستفادة دون تردد أو تحفظ من المصالحة بهدف محدد هو أن تقودهم إلى الانفراد بالسلطة وإبعاد النميري بعد أن أسماه الترابي مجدد هذه المائة وبايعوه على المكره والمنشط97.
دار خلاف بين الإسلامويين حول صحة المشاركة في السلطة ضمن نظام النميري، وانتصر الخط العملي - الحركي أو الانتهازي لأن الحركة حسمت خيارها وستتأثر القرارات أو بالأصح قد تتم برمجتها حسب ذهنية وآليات الحركة وستكون النتائج شبه معلومة مسبقاً. وأجد دون مبالغة النموذج المثاليIdeal Type لتوضيح معنى الذرائعية أو البراجماتية Pragmatism في ممارسات الحركة الإسلاموية السودانية. فالتعريف المبسط والأكثر تفسيراً يحدد المفهوم بقوله: ((الحق عند البرجماتزم هو ما ينفع أو يصلح لشئ يتلو، ليس هو موجوداً مستقلاً في هذا الكون وإنما هو نظرية أو رأي يصلح وينفع الحق يؤدي عملاً مطلوباً منه، يقود إلى نتائج معينة (...) فإذا كانت الفكرة تسير بنا إلى شئ أو تؤدي بنا إلى النتيجة المرجوة فهي حق، والحق هي، وإما إذا لم تكن الفكرة تؤدي إلى نتيجة ما فليست حقاً. وبعبارة أخرى ليس مقياس الحق انطباقه على الحقيقة بل النفع أو الغاية التي تقود إليها الفكرة (...) فإذا كانت الفكرة تقودنا إلى النفع وإلى النتيجة المرغوبة فهي حق، وإن لم تفعل فهي باطلة))98. فالحق أو الصحة عند الذرائعين تقاس بالنجاح أو الفائدة وهذا ما نجد عند الإسلامويين عند تقييمهم لعملهم السياسي أو ممارساتهم، لذلك يلتقي تفسيرهم الفقهي للمصلحة مع هذا الاتجاه. فقد تم تقييم الموقف من مصالحة النميري حسب النتيجة، ويفتخرون قائلين: ((اجتهد الإخوان في استثمار المناخ العام للمصالحة. بينما أضاع السيد/ الصادق وقتاً ثميناً بتردده وموازناته ثم خروجه من السودان في ديسمبر 1977 مما قلل حركة الدفعة التي بدأت بها المصالحة))99. أما الترابي فلا يكتفي بإبراز النجاح بل يعطيه بعداً دينياً إذ يقارن موقفهم بيوسف وفرعون ويعطي قياساً أيديولوجياً في حقيقته إذ يوظف التاريخ للتبرير: ((وقديماً شارك يوسف عليه السلام في إدارة الشئون العامة لتحقيق مصلحة في رعاية تموين العباد لا تتحقق بالبقاء في السجن، بينما كان قد آثر السجن على الفتنة المحتومة. فاللبيب من عرف متى تكون مشاركته فتنة عليه بغير جدوى لحركة تغيير المجتمع نحو الإسلام فيعتزل، وكيف تكون إصلاحاً للمجتمع وتثبيتاً لنفسه فيقبل))100. ثم يضيف: ((أما الثمرات المقدرة في المصالحة فقد جاءت بأكثر مما كان مرجواً. لا سيما إذا نسب كسب الحركة من اغتنام الحرية والمشاركة إلى كسب سائر المصالحين الذين تجمدوا وتبلدوا لأنهم لا يحسنون العمل في ظروف السرية والحرية المحدودة أو لأنهم طلبوا المصالحة لقسمة في السلطة ثم لم يرضوا بما جاء به النظام البخيل بحكر سلطته ولم يصبروا ويعدوا للأجلة!))101.
يحتاج موقف الإسلامويين من المشاركة في الحكم غير الإسلامي كاملا إلى توقف لأنه يفصح عن ازدواجية في التقييم وقدرة وبراعة في تبرير الممارسات الخاطئة ويؤكد مثال الذرائعية بامتياز. كذلك يكشف لا مبدئية الحركة تجاه قضيتين هامتين إسلامية الدولة والديمقراطية. فحين تمت المصالحة لم يعلن نظام النميري قوانين سبتمبر 1983 التي ألصق بها إسم الشريعة الإسلامية بل أكتفى بلجنة لمراجعة القوانين كان من أعضائها الترابي النائب العام وتوصلت ((إلى أن مائتين وخمسين قانوناً من قوانين السودان التي بلغ عددها آنذاك مائتين وستة وثمانين لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية وأن الثمانية والثلاثين قانوناً المتعارضة مع الشريعة ينحصر تعارضها في بعض المواد لا في جوهر القانون. ومن أجل هذا أحسنا الظن بالنائب العام الدكتور الترابي عندما سارع بطبع تلك القوانين لأننا حسبناه قد تثبت من إسلاميتها وعدم تعارضها مع واقعنا وتراثنا وحضارتنا وأصالتنا..فما الذي حدث بين عام 1978.. عندما تمت تلك المراجعة وعام 1983.. عندما أصبحت كل هذه القوانين رجساً من عمل الشيطان يستدفعه الصحويون بالفاتحة والمعوذتين؟؟))102
أما بالنسبة للديمقراطية فقد كانت الحركة - حسب زعيمها - محرجة في ((أن تضطر إلى مشاركة نظام موسوم بالطغيان والفساد. فالتلبس بمثل هذه العلاقة يؤذي سمعة الدعوة والجماعة ويتيح لأعدائها فرصة وحجة للنيل منها. لا سيما أن الناس يحاسبونها بمعاير الاستقامة أكثر مما يحاسبون أحزاباً أخرى لا تبالي أو يبالي أتباعها بما يكسبون إلا عصبية ولاء وانتهاز فرص في السلطة ولا سيما أن الضرورة الإستراتيجية التي ألجأت الحركة لأن تتغاضى على كره منها عن دكتاتورية النظام وفساده ما كانت مما يمكن التصريح به درءاً للحجة المعارضة.))103
يستعمل الإسلامويون حيلة في حوارهم يظنون إنها تنفي التهمة أو الخطأ، فكأن الإفصاح وعرض نقاط النقد بواسطة الحركة نفسها ينزع عن التهمة صوابها أو يكون ذلك العرض للسلبيات شكلاً غير مباشر للنقد الذاتي أو سحب للبساط من تحت أقدام المخالفين، دون أن تقدم تفسيراً أو تعليلاً منطقياً لموضوعات النقد والإدانة. فقد أنكرت الحركة بعد المصالحة إسمها وصلتها بالتنظيم العالمي وأندمجت في تنظيم ((الاتحاد الاشتراكي)) وهي التي تتحدث كثيراً عن أهمية الرمز والشعار المبدئي. وهنا تظهر البراجماتية والانتهازية بوضوح حين يقول زعيم الحركة: ((وذلك أن العلاقة بالنظام أسست على شروط مهما أقتضت كبت إسم الجماعة ووجهها المباشر تطلق لها فرص التعبير والعمل بصور كثيرة كيفتها هي لتتناسب الوضع السياسي وتحقق أهداف إستراتيجيتها في المجتمع))104 وتستعمل الحركة الحيلة الثانية وهي إعطاء مسميات جذابة خادعة لمضامين وأشياء غير طيبة، وإطلاق أوصاف ومصطلحات تحرف الواقع لتعكسه في الوعي بطريقة تختلف عن حقيقته، والترابي القانوني ماهر في صك تلك المصطلحات والتسميات. إذ يقول: ((إن الحركة وظفت المصالحة لتتحول إلى تيار شعبي واسع ومنظمة حركية شاملة وإلى فكر متوجه نحو الإيجابية التطبيقية لا إلى السلبية النظرية))105. وهكذا تكتسب المصالحة وصفاً جيداً وسنداَ في اللغة والفكر يقلل من بشاعة التعاون مع الدكتاتورية النميرية. ومفهوم ((الإيجابية)) مقابل ((السلبية)) والتطبيقية مقابل النظرية يوحي بكثير من القدرة على الفعل والإنجاز وتحقيق نتائج ملموسة الفائدة مقابل السلبية المرتبطة بالتردد والعزلة والعجز، كذلك التنظير أو النظرية تربط خطأ أو بتعمد بالبعد عن الواقع والحياة أو حتى بأحلام اليقظة مقابل التطبيق والذي يحمد حتى لو أخطأ لأن الإنسان يتعلم من أخطاءه وتجاربه والآن لا نناقش المبدأ ولكن المهم النتيجة بغض النظر عن كيفية الوصول لها.
في إطار هذا الفهم تؤكد الحركة أنها لم تفقد شيئاً بل استفادت من ((نظام الحريات النسبي الذي كفلته المصالحة)) وبالفعل استطاعت الحركة الانتشار كمياً، وتسربت وأنشأت عدداً من الكيانات التنظيمية لكي تعمل بواسطتها دون أن تعلن انتماءها، ويورد مؤرخ الحركة هذا التطور باعتزاز: ((أدى تحرك الحركة إلى ازدهار واضح في جسم الحركة وظهرت ثمار ذلك في بروز عدد من واجهات (!) العمل الإسلامي مثل ((منظمة الدعوة الإسلامية)) ((جمعية الفكر والثقافة الإسلامية)) ((جمعية الإصلاح والمواساة)) ((الوكالة الإسلامية الأفريقية للأغاثة)) ((جمعية رائدات النهضة))..ألخ106
ويضيف لذلك، التحكم في مسار مؤسسات المال الإسلامي في بنوك وشركات، ونمو الحركة وسط الطلاب مما مكنها من السيطرة حتى على اتحاد جامعة القاهرة الفرع ابتداء من عام 1981، التي يصفها: ((وقد ظلت هذه الجامعة بؤرة لليساريين منذ افتتاحها في منتصف الخمسينات مما عني أن هناك تحولاً حقيقياً في قطاع الطلاب في اتجاه الإسلام. ((ويضيف لكسب الحركة: إضعافهم لتيار العلمانيين في النظام (منصور خالد، بدر الدين سليمان، جمال محمد أحمد)..ألخ))107 أما أكبر الإنجازات فقد كانت - حسب تقديرهم - في المجال الخارجي حين أعتبروا عام 1982 عام أمانة العلاقات الخارجية التي كان يرأسها د. التجاني أبو جديري108 ولا بد من التوقف عند نشاط هذه الأمانة التي ناصبت القيادة الليبية العداء رغم علاقتها المتميزة أثناء عمل الجبهة الوطنية قبل المصالحة، وهذه الأيام عادت الحركة الإسلاموية السودانية لأهداف انتهازية صرفة إلى صداقة ليبيا لأنها تعتبر ليبيا حلقة ضعيفة يمكن أن تحقق فيها إنتصاراً. لذلك بدأت الحركة مبكراً في تشجيع ودعم الإسلامويين الليبيين، تقول عن إنجازات عام 1982: ((كما فتح مكتب العلاقات الخارجية أبواب السودان للمقاومة الإخوانية الليبية مع إن هذه القضية كانت لها تداخلات إقليمية ودولية.. حيث شجع المصريون والأمريكان نظام نميري على دعم حركة المقاومة الليبية لنظام معمر القذافي. بينما لم يكن التنظيم الدولي راضياً عن التعاون الجاري بين الحركة الإسلامية السودانية والتنظيم الليبي. وكان نميري يريد استخدام وجود حركة المقاومة الليبية في السودان لمجابهة وجود حركة المعارضة السودانية في ليبيا))109. ويضيف المؤرخ الإسلاموي بفخر: ((وفي مايو 1984 نجحت المعارضة الإسلامية الليبية لأول مرة في تاريخ ليبيا الثورة في اقتحام عرين نظام القذافي أي القيادة العامة للجيش الليبي وضرب مركز وجود القذافي مما أحدث هزة عنيفة في نظام الأمن الليبي))110. والمطلوب فقط مقارنة هذا الموقف وبما تقوم به الحركة الإسلاموية السودانية في الوقت الحاضر من تقارب واقتباس لنظام المؤتمرات الشعبية وعقد الندوات مع ليبيا آخرها ندوة التكامل الليبي السوداني في نهاية يونيو 1991 والتي أشرف عليها الترابي شخصياً ومهدي إبراهيم والسنوسي وسيف محمد أحمد.
لم يرضى كل الإسلامويين والإسلاميين عن هذه العلاقة والتوجه الجديد المرتبط تماماً بنظام نميري فقد أعلن الصادق عبد الله عبد الماجد في بيان أصدره في سبتمبر 1980: ((أنه باقي في تنظيم الإخوان المسلمين الجديد. الذي سيواصل السير في الخط الذي يتفق مع منهج الحركة الإسلامية وتاريخها وركز على عدة أسباب لانفصاله عن الترابي وجماعته منها: عدم رضائه عن الفتاوي والاتجاهات التنظيمية التي يقودها الترابي، وعدم اقتناعه بمسوغات المصالحة، وأكد إيمانه بوحدة الحركة الإسلامية وتمسكه بصيغة المولاة للتنظيم الدولي الإخواني واستنكاره لإعلان الترابي في مقابلة مع صحيفة أجنبية حل تنظيم الإخوان المسلمين، وأخيراً إيثاره لإسلوب التربية والتظيم الدقيق في العمل السياسي))111. وخرج عدد من الرواد القدامى والشباب ولكن كان جناح الترابي هو الذي يعبر عن فئات اجتماعية جديدة ذات توجهات برجوازية صغيرة مأسلمة كانت طروحات الترابي تقنعها أو تساعدها على التكيف وسوء الطوية أي القدرة على تعايش الداخل والخارج النفسي المختلفين أو أن يقولوا ما لا يفعلون دون تأنيب ضمير وأن يمتلكوا الدنيا ومباهجها وماديتها وعينهم على الجنات والنعيم والحور والولدان. وأن يكونوا الجاهل الذي رضى جهله عنه ورضى عن جهله ومع ذلك تظهرهم الحركة بإنهم صفوة المثقفين والقوى الحديثة رغم أنهم طلقوا الثقافة منذ أن غادروا مقاعد الدراسة. يضاف لهؤلاء برجوازية طفيلية شعارها تحقيق أقصى الثراء بأقل المجهودات وتقديس المال باعتباره زينة الحياة الدنيا الوحيدة. وكل هذه الفئات تستهل الحياة سواء فى التعليم والثقافة أو في التجارة والمال. لذلك كانت حركة الترابي هي حركة الوقت - حسب التعبير الصوفي معكوساً - فقد كان الانفتاح الذي أعقب مبادرة السادات والمناخ الإقليمي والدولي في صالح مثل هذه الحركات وأفكارها التي تتكلم كثيراً ولا تفعل شيئاً يضر بالغرب والاستعمار الجديد حقيقة. كذلك كانت الظروف الداخلية تحتاج لفكر فراغ ليملأ الفراغ بعد قمع كل الحركات والاتجاهات الجادة الأخرى. لذلك إنتصر إسلام الترابي الذي هو امتداد لإسلام معاوية ويزيد على إسلام علي والحسين المحتمل. حاولت حركة الترابي - كالعادة - تقييم موقف ((الإخوان المسلمين)) بقيادة الصادق عبد الله والحبر نور الدائم من خلال التفسير التآمري الذي يقلل من قيمة الموقف المتميز ويسئ إليه، يقول مكي: ((نظرت القيادة إلى التنظيم الجديد كمحاولة من التنظيم الدولي للضغط على تنظيم السودان لارتضاء صيغة مبايعة التظيم الإخواني المصري والعمل من خلال أطره))112.
إستمر جناح الترابي في التعاون مع النميري وفي الانتشار في أجهزة الحكم ويفخر بهذا التوسع الكمي ولكن يخجل من المواقف ذات الطابع الفكري والمبدئي. وكمثال لهذه التصرفات الساذجة في هذه العلاقة الشاذة بين النظام والحركة يكتب مؤرخهم: ((حرصت قيادة الجماعة أن تتجنب الظهور في مناسبات النظامخشية أن تضفي عليه شرعية إسلامية لم يتلمس طريقه إليها بعد.. ودرج الترابي على الاستجابة لدعوات المشاركة في مؤتمر اتحاد الطلاب المسلمين في أمريكا وغيرها والتي تتوافق مع احتفالات ذكرى مايو))113. من ناحية أخرى نجد الفخر بأن الحركة حققت كسباً يبرر المصالحة مع النميري، على سبيل المثال لا الحصر وحسب أدبيات الحركة. نجد الحديث عن مجلس الشعب القومي عام 1981 والذي أبرز عدداً من الإخوان: علي عثمان، عبد الجليل الكاروري، يس عمر الإمام، حافظ الشيخ، عبد الله حميدة، كما أصبح أحمد عبد الرحمن وزيراً للشئون الداخلية والرعاية الاجتماعية، ويس عمر الإمام عين رئيساً لمجلسي إدارة وتحرير (الأيام) أما الترابي فقد عين مسئولاً عن الفكر والمنهجية في الاتحاد الاشتراكي بالإضافة إلى نائب عام. ويظهر فخرهم وفرحهم خلال تقييم تلك الفترة قائلين: ((أدى هذا الصعود الإسلامي إلى جفوة وخصام من قبل رجال وقادة الأحزاب الذين شعروا بأن الحركة كسبت من وراء ظهورهم وتركتهم في العراء حيارى ما بين موالاة المعارضة وما تجلبه معها من سجن وقهر أو الاستدارة لحركة السياسة والانسحاب من مسرح الأحداث))114.
كان تطبيق قوانين سبتمبر 1983 فرصة لتبرير كل انتهازية الحركة التي أصبحت تردد أنها أجبرت النميري على تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية وهذا هو الهدف الإستراتيجي للحركة كما تعلن باستمرار، وليس هناك أروع لحركة سياسية من أن تحقق إستراتيجيتها بمجهود قليل وتضحيات غير جسيمة وفي وقت قياسي، وهذا ما عجزت عنه كل الحركات المماثلة وبالتالي يثير إعجابها بالتجربة الإسلاموية السودانية وتجعل منها قدوة ونموذجاً. وكانت مسرحية تطبيق الشريعة عملاً متعدد المنافع للإسلامويين فقد أصبحت في يدهم سلطة دينية مدججة بقوانين قمعية جائرة بالإضافة لشارع إسلامي تم تحريكه لحماية ((الشريعة)) وظهرت جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ((كجناح مدني يتغلغل في كل مساحات المجتمع المدني ويرهب أي معارضة أو نقد مسنوداً بكل تراث محاكم التفتيش وعقد العصابي في مجتمع متغير تتبدل فيه بعض القيم والأخلاقيات الموروثة. الأهم في ذلك إمكانية التبرير بأثر رجعي لتعاونهم مع النميري، كما حدث بعد ذلك في تلاعب ماهر باللغة والمواقف بأنهم بايعوا شرع الله ولم يبايعوا النميري. ويقول الترابي عن التجربة: ((وقد جاء تطبيق الشريعة الإسلامية بركة ضخمة غير محتسبة وجاءت التعبئات الإسلامية إحتفالاً بها دفعاً لأهم إستراتيجية ألا وهي البناء الشعبي للجماعة وهكذا أحيل أمر الشريعة من قانون مسنون إلى وعي وتوجه إسلامي شعبي بقى زخراً وقوة للحركة في العاقبة))115.
لا أريد مناقشة إسلامية قوانين سبتمبر 1983 أو عدمها فقد دفع الأستاذ محمود محمد طه حياته ثمناً للدفاع عن الإسلام من تلوث قوانين الترابي والنميري لقدسية الدين وبالإضافة لكتابات الجمهوريين هناك كتابات منصور خالد وطه إبراهيم وحوارات القانونيين بعد انتفاضة أبريل 1985116. والأهم من ذلك موقف ((الجبهة الإسلامية القومية)) نفسها من هذه القوانين، فقد أنتقدت هذه القوانين ووافقت على تجميدها من داخل الجمعية وشاركت في البحث عن قوانين بديلة واستدعت متخصصين في القوانين الدينية لمراجعتها وتقييمها وهكذا تراجع السياسة شرع الله حين تقتضي المصلحة الحزبية للإسلامويين ذلك. وهذا للمفارقة نجاحهم الحقيقي وهو جر الحركة السياسية السودانية منذ الاستقلال للانغماس في القضية - الشبح - وهو الدستور الإسلامي الذي لا يملك الإسلامويين أي تصور له.
وكان الأخرون يبحثون ويجادلون حول الإسلام والشريعة بجدية ومن خلفهم يعمل الإسلاميون في السياسة حتى وصلوا السلطة رغم إنهم أقلية. لذلك يكفي ما ضيعنا من نقاش انصرافي حول القوانين الإسلامية أو الشريعة، ولنتوجه مباشرة لفضح من الذي يريد أن يطبق هذه القوانين وهل المراد تنزيل شرع الله على المجتمع السوداني أم يكتفي المخطط بالسيطرة على الملوك والبنوك - كما قال الترابي - ويضعوا الشعب السوداني النبيل تحت أحذية العسكر ويحكموه بالطوارئ وحظر التجوال وبيوت الأشباح والفصل التعسفي. الصراع ليس بين الإسلام والإلحاد ولكن بين حلف الطفيليين من تجار الجبهة والمتطلعين من العسكر الفاشلين مهنياً وسياسياً، والانتهازيين من المثقفين وصبية صغار تم مصادرة المستقبل من قلوبهم وعقولهم وتنظيم سياسي يبطن الإرهاب بالدين. وبين بقية السودان من جيهة أخرى. إذ أعلن الإسلامويون بعد تمكنهم من السلطة تحت عباءة دكتاتورية الحرب الأهلية ضد كل الشعب السوداني وينطبق تقسيمهم المجتمع إلى جاهلية وإسلام على الوضع الحالي في السودان ولكن التقسيم مقلوب إذ نجد جاهليتهم بكل فاشيتها في مقابل إسلام ووطنية بقية السودانيين.
ليس الحديث المتقدم مجرد انفعال وخطاب ولكن محاولة للوصول إلى لغة ما تعبر عن واقع هو أسوأ وأقسى من كل ذلك بكثير فقد أصبح وجود الوطن أصلاً مهدداً بسبب العبثية التي يدير بها الإسلامويون الأمور. ولكن الأهم من ذلك كيف نتعلم من التاريخ؟ كيف وصلوا إلى غايتهم مؤقتاً؟ إنتهى تاريخ الحركة الذي تتبعناه بوصولهم إلى التمكن من السلطة الدكتاتورية من خلال استغلال الديمقراطية. كذلك إستمروا في السلطة بتمرير أكليشيه مستهلك يسمونه ((الأخلاق السودانية)) والتي هى ضد العنف والكذب والغدر، استفادوا حقيقة من السذاجة والعفوية السودانية لأنهم كانوا الأكثر تنظيماً وخبثاً. وهذه ليست إدانة أخلاقية لأنهم يستبعدون الأخلاق عن السياسة ويكتفون بالنتيجة أو عاقبة الأمر - كما يقولون، لذلك يصبح النقاش مع الإسلامويين حول أساليبهم في الوصول غير مجد لأننا نتعامل مع بنية عقلية مغلفة متسقة مع منطقها ورؤيتها للأشياء فهي تسعى - كما أسلفنا - إلى تحقيق هدف إلهي ومقدس لذلك الوسائل لا تهم طالما تساعد في تحقيق تلك الغاية التي تباركها السماء وقد يعارضها بعض البشر. لذلك سرد الوقائع التاريخية وتحليلها يهدف إلى التعلم والتدبر والعبرة لدي القوى التي تقف ضد مشروع الإسلامويين الظلامي المغامر إذ يجب أن تكون الصحوة الحقيقية للوطنيين السودانيين هي تجربة تمكن ((الجبهة الإسلامية القومية)) من السلطة بعد انقلاب 30 يونيو 1989 وكيف أذلت الشعب السوداني. هذا موضوع منفصل في تفاصيله ولكن من صلب فهم ممارسة وفكر الإسلامويين، إذ عشنا في الواقع النموذج الإسلاموي كما يفهمه هؤلاء.
لم يكن من الممكن أن تصل أي جماعة سياسية للسلطة بهذه السهولة ورغم إنها غير مؤهلة لاستلام السلطة أو تثبيتها إلا في السودان وفي تلك الظروف التي أعقبت الانتفاضات والديمقراطية الثالثة فقد تيقن السودانيون تماماً من استحالة أن يغامر عسكري آخر بمحاولة الاستيلاء على السلطة، كما أن السودانيين من غير الإسلامويين مخلصون فعلاً وصادقون في ديمقراطيتهم، ومن هنا تسرب الإسلاميون. فقد كان من الممكن والمفروض عزل الإخوان المسلمين بعد انتفاضة أبريل 1985 لأنهم كانوا محرك النظام الذي إنتفض ضده الشعب السوداني ولا يكفي أن النميري إنقلب عليهم وأعتقلهم قبل أقل من شهر من الانتفاضة وبداية مارس 1985 إذ لم يكن الخلاف حول الاستفراد بالسلطة بعد أن إقتنع كل طرف أن دور الآخر قد إنتهى، وكان النميري الأسرع وقلب الطاولة على حلفائه المقامرين أما الشعب السوداني فكان أسرع وأكثر حسماً من الأثنين فأسقط مايو بنميرها وترابيها. ولكن الإخوان المسلمين أو دم الغول117 فقد حركوا ((الواجيهات)) بفعالية. إذ يظهر مجلس انتقالي أعلى يكون على رأسه عبد الرحمن سوار الذهب - من جيل الرواد من الإخوان في الجيش ورئيس مجلس وزراء من نقابة الأطباء التي حاول الإسلامويون إفشال إضرابها ضد نظام النميري. ونتوقف عند هذه النقطة كمثال المعارضون للإضراب قادة في الانتفاضة. فالحركة تؤرخ لهذه الفترة بتصور مختلف ينطلق من التمسك بالنميري بعد أن طبق قوانين سبتمبر، نقرأ لمؤرخ الحركة: ((وفي نوفمبر 1983 سافر النميري مستصحباً معه د. حسن الترابي في رحلة عمل لأمريكا وقد عنت مصاحبة الترابي للنميري في رحلته لأمريكا أنه ليس من الوارد تقديم أي تنازلات في موضوع تطبيق الشريعة مما جعل الإدارة الأمريكية تتحاشى فتح ملف الشريعة وإن إجتهدت في تقويض المشروع بوسائلها الأخرى المتعددة.. وما أن عاد الوفد من أمريكا حتى تولت جهود مراكز التكييف العلماني لإجهاض مشروع تطبيق الشريعة))118. ويعطي مثالاً لذلك إضراب القضاة وخروج السيد محمد إبراهيم دريج حاكم دارفور في فبراير 1984 ثم إضراب الأطباء الذي يقول عنه ((ومع أن قيادة النقابة كانت إسلامية وجاءت لمواقعها عبر سواعد الإسلاميين: د. الجزولي دفع الله، د. حسين أبو صالح، د. مجذوب الخليفة، إلا أن الإضراب كان قراراً إتخذته القواعد وأعتبرت القيادة أنها لا تملك إلا التنفيذ.. حاولت القيادة الإسلامية حث الرئيس نميري على الاستجابة لمطالب الأطباء ولكنه عاند ذلك بصلابة، مما دفع القيادة الإسلامية للموازنة الصعبة بين ترك الإمور تسير مسارها العادي مما قد يقود إلى تقويض مشروع تطبيق الشريعة أو مجابهة الموالاة والعصبية النقابية بداعي الالتزام الإسلامي!))119 وغلبت الحركة مصلحة تحالفها مع نميري على احترام العمل النقابي وإضعاف حكم الفرد. وكان موقفها تحت مبرر المصلحة العامة بضرورة تدخل التنظيم ملزماً قواعد الأطباء الإسلاميين بعدم الاستجابة لكل إملاءات الإضراب على الأخص الخدمة الطوعية في أقسام الطوارئ والحوادث)) وكانت النتيجة: ((ثم دفعت الحركة الإسلامية ثمن ذلك غالياً حينما والى الأطباء عزل العناصر الإسلامية من قيادة النقابة))120. رغم كل هذه المواقف المتخاذلة استطاع الإسلامويون تصعيد بعض واجهاتهم إلى الحكومة الانتقالية التي يفترض فيها أن تزيل آثار مايو.
نجحت الحركة الإسلاموية بعد أن فلتت من عقاب الشعب السوداني بسبب التردد أو ما يسمى بأخلاق السودانيين، في فرض سياسات تخدم برنامجها مستقبلاً. فهي تكرر التاريخ والآخرون لا يتعلمون فكما شككت في جبهة الهيئات بعد ثورة أكتوبر1964 وأخافت الأحزاب التقليدية بالشيوعية ورفضت محاكمة مدبري انقلاب 17 نوفمبر1958 تحت الشعار الشهير: ((عفا الله عما سلف!)). وفي انتفاضة أبريل كررت نفس الشئ بمهاجمة التجمع الوطني الديمقراطي وربط إسمه دائماً بالعلمانية والتمرد والشيوعية، وبالفعل تمكنت من تعطيل دور ((الحزب الاتحادي الديمقراطي)) في تنشيط التجمع لإكمال أهداف الانتفاضة وبالزات تصفية آثار مايو وأدخلتنا في متاهات تحديد من هم السدنة والأهم من ذلك كله عدم إتخاذ قرار بخصوص إلغاء قوانين سبتمبر سيئة السمعة وإهدار وقتاً ثميناً في المطالبة بنميري وتدبيج المذكرات القانونية بدلاً من توجيه الجهود نحو تلك القوانين المهينة والقمعية. أما انتصار الحركة الأكبر فكان في وضع قانون انتخابات يضمن عودتها للحياة السياسية ومن خلال الديمقراطية والشعب الذي شاركوا في إذلاله وإفقاره طوال السنوات الثمانية التي أعقبت المصالحة. وكان ((الإخوان المسلمين)) هم الوحيدون الذين يعرفون ماذا يريدون من الانتخابات والجمعية التأسيسية والديمقراطية. فقد استطاعوا إدارة الانتخابات بالطريقة الأمريكية مالاً وإعلاماً وتنظيماً. وفازوا بأغلب دوائر الخريجين من خلال حيلة توزيع الدوائر إقليمياً وليس قومياً وبالتالي فاز بعض مرشحيهم بأقل من مائتي صوت وفشل بعض من نال أكثر من خمسة آلاف صوت في مناطق أخرى، كما أن انقسامات الاتحاديين تسببت في خسارة عدد من الدوائر في العاصمة المثلثة لصالح الإخوان المسلمين. ومن هنا روج الإسلامويون لأسطورة أنهم يمثلون المثقفين والمناطق الحضرية والقوة الثالثة. واستطاعت بهذه الإدعاءات التي تداولتها في أجهزة إعلامها القوية والأخطبوطية والتي بلغت في مجال الصحافة فقط - امتلاك ست صحف - أن تبيع هذه الفكرة داخل الساحة السياسية ويلاحظ أن السيد الصادق المهدي تأثر في تعامله مع الجبهة بهذه الرية وتمكنت الجبهة من تعطيل السيد الصادق المتردد أصلاً في إتخاذ أي قرار حاسم مستغلة في ذلك إسلامية الخطاب الصادقي أي نهج الصحوة وتقاطعاته مع الخطاب الإسلاموي بالذات في تناول مشكلة الجنوب والتعددية والعلمانية يضاف إلى ذلك بحث السيد الصادق المستمر عن الإجماع في اتخاذ القرارات مما منح الجبهة القومية ((فيتو)) وظفته جيداً حتى شاركت في السلطة. مع أنه في الديمقراطية البرلمانية يمكن أن يكون القرار شرعياً وملزماً حتى ولو فاز بصوت واحد فقط.
كان واضحاً من نقاشات الجبهة القومية حول المشاركة في الحكم عام 1988 أن هناك تياراً قوياً يفضل الاستفراد بالحكم وليس بالضرورة طريق الشعب والديمقراطية فتلك مرحلة قد إكتملت كذلك إعتبرت دخولها في الحكم تمريناً لممارسة ولتجنب الأخطاء. دخلت الجبهة القومية الحكومة بنفس العقلية والأهداف وبالذات تقوية الجماعة، يقول زعيم الحركة: ((لكن الهم الأهم في المشاركة كان بناء الحركة والحذر والمحذور في الاجتهاد بشواغل الحكومة وإهمال الجماعة أو تعويل القادة على دورهم في السلطة وإتكال القاعدة على وسيلة السلطان في بسط دعوة الإسلام وتحقيق مقاصده. هكذا جعل بناء الحركة أولوية مقررة كما كان القرار في المصالحة الأولى))121.
ويتحدث عن السلطة بلذة وشبق: ((وقد تذوقت الحركة إذ وليت السلطة بوجه جذئي بعض ما ينتظرها إذا تمكنت بأتم من ذلك))122. وكانت تتوق دوماً إلى ((التمكن التام)) ولكن نتيجة الديمقراطية التي رضيت الحركة بحكمها - مؤقتاً - كانت عقبة حقيقية.. ويقول الترابي: ((وما زالت تجربة السلطة الجزئية تطرح للجماعة كل حين وجهاً جديداً من الابتلاء وتثير لها قضية اجتهاد أو جهاد في وحدتها أو خطتها أو حركتها هي وفي سياستها للأمر العام))123. ورغم كل التنازلات فقد طغت الاختلافات والتناقضات وتم إبعاد الجبهة التي خلقت من خروجها بطولة على أساس تبرير ذلك بإصرارها على البرنامج الإسلاموي، وأرجعت ذلك إلى الضغوط الخارجية وتقارن إبعادها بانقلاب نميري على الإخوان المسلمين وأخيراً يقول الترابي بوضوح لا يشوبه أي لبس: ((وكانت عبرة بالغة في شأن الديمقراطية والإسلام والعامل الخارجي. فقد بدأ أن الديمقراطية لا تتجه لأن تتمخض عن الإسلام بدفع التعبير النيابي عن إرادة الجماهير المؤمنة حتى تعاجلها ضغوط الإجهاض والتشويه من تلقاء إدعيائها أنفسهم الكائدين للإسلام من الخارج ثم الداخل))124. لا يفهم الإسلامويون الديمقراطية على إنها اختيارات وتعدد واختلاف، وبالتالي يمكن ألا يطبق مشروعهم حتى ولو رفعت الأحزاب التقليدية شعارات تقارب برنامج الإسلامويين. لذلك الديمقراطية في نظرهم لا تحترم في حد ذاتها كوسيلة وأسلوب للكم بل تقيم حسب تقاربها لنظرتهم للإسلام والتي تعتبر نفسها الإسلام الصحيح، وإذا لم تحقق الديمقراطية هذا الهدف فهي مجرد عبث أو حتى مؤامرة أو مكايدة غربية أو علمانية. ومن هنا عمل نواب ((الجبهة الإسلامية القومية)) على تعطيل الجمعية التأسيسية لإثبات فشل وعجز النظام الديمقراطي عن حل مشكلات الوطن. فتعمدوا استغلال لوائح الجمعية والمناورات وأخيراً الهجوم المباشر على الديمقراطية وتهيئة الجو السياسي للقضاء على الديمقراطية فقد إنطلقت صحافتها المتمرسة في المهاترة والتهييج في تعبئة الرأي العام ضد الديمقراطية أو على الأقل تحييده. بدأ الهجوم على الديمقراطية ثم الدعوة للجهاد وكل هذا بإسم الشعب بدعوى إن الديمقراطية لم تعد تمثله ثم أنه مطالب بتنفيذ تطلعاته والمقصود هنا الشريعة الإسلامية - عن طريق الجهاد وليس البرلمان. يقول الترابي في ((الراية)) صحيفة الجبهة القومية بتاريخ 29/4/1989: ((قيادة البلاد اليوم أصبحت وراثية وديمقراطيتها أصبحت شكلاً زائفاً وأنتفت المساواة حيث قامت بالمجتمع طبقات السادة والعبيد)). وفي نفس الصحيفة يواصل هجومه في عدد يوم 30/4/1989 وبالذات ضد السيد محمد عثمان الميرغني بعد اتفاقية نوفمبر88 مع الحركة الشعبية: ((فقد ركع وإستسلم زعيم ديني في أرض الكفر لمتمرد كافر.. واليوم القضية ردة تخرج من الدين جملة واحدة.. لسنا في بلد نرمم فيه الديمقراطية ولكننا في بلد إنهارت فيه نظم الحكم وأصبح لا فرق بين حكم عسكري وحكم يسمونه ديمقراطياً)). وهكذا ببساطة تتحول قضية سياسية إلى أخرى دينية وتستعمل فيها لغة الكفر والردة الخارجة عن القاموس السياسي. وهنا خطورة الإخوان يقفزون فوق حاجز الدين والسياسة حسب الظروف والموقف. لذلك ينتقل الترابي إلى خطاب آخر وبلغة تختزن لمثل هذه المواقف، بعيدة عن الكياسة والمرونة والاعتدال الذي توصف به الحركة خطأ، يقول الترابي في نفس العدد من الصحيفة مخاطباً أنصار الجبهة القومية: ((أبدأوا بالجهاد اليوم في أنفسكم، وغداً وأن غداً لناظره قريب يكتب عليكم الجهاد الغليظ.. وقيم الإسلام لا تثبت إلا بالجهاد والاستشهاد، والدين لا يقام بمجاهدة أهل الباطل بالحسنى))125.
كثيراً ما أقارن بين هذا الوضع ورد فعل القوى السياسية في السودان وبين ما حدث في الجزائر وتونس حين حاولت الحركة الإسلامية هناك تقليد تجربة السودان. فقد كان رد الفعل حاسماً وسريعاً وأنقذ البلاد من كارثة حكم شبيه بنظام الجبهة والبشيرفي السودان. فالسودانيون لم يتعاملوا مع خطورة ((الجبهة القومية)) بجدية وفي نفس الوقت تميزت الجبهة بأنها تعاملت بعقليتها التآمرية والانقلابية والإرهابية دون أن تفقد القدرة على المراوغة والاندماج الظاهري داخل شخصية سودانية عامة تغلب عليها البداوة حتى ولو سكنت المدن وتعاملت في الخارج والذات فيما يتعلق بالتنظيم والانضباط. فالجبهة إعتمدت على آلية مسايرة/مغايرة في التعامل مع السياسة والحياة في السودان، تستفيد من كل إيجابيات العلاقات الاجتماعية والخصائص النفسية في المجتمع السوداني وتعيد إنتاجها في سياق جديد يخدم إستراتيجيتها. لذلك استفادت الجبهة من المتعاطفين والواجهات والمستقلين واللامبالين أكثر من عضويتها الملتزمة.
تاريخ الحركة الإسلاموية حتى اليوم يعتبر نجاحاً سياسياً بالمنظور البراجماتي أو الذرائعي والنفعي، فقد استطاعت بقيادة الأمير الحديث ((الترابي)) أن تصل إلى السلطة - مباشرة أو مواربة - في وقت وجيز ومرتين في تاريخ سودان ما بعد الاستقلال، وفي كل مرة من خلال مغامرة محسوبة المقدمات والوسائل ولكن بالنسبة للنتائج والعواقب فتترك للغيب. لذلك فهي حركة كما يقول أنصارها شديدة التوكل أو كما يعرفها الزعيم بحق: ((حركة متوكلة جريئة، لا تبالي أن تخوض المخاطرات المخوفة ما قدرت أن فيها خيراً لدعواتها وجهادها وشعبها))126. هذا التأرجح بين علمانية وواقعية دقيقة التنظيم وبين التوكل والقدرية، هو ما يجعل التعامل مع هذه الحركة وفهمها أمراً معقداً وصعباً للغاية. فهي على استعداد للدخول في مغامرات باستمرار، كما أن إقناع المؤيدين من خلال تفسير ينتقل بين قطب التوكل والجرأة يكون وعياً غير ثابت ولكن يمكن إثارته وتحريكه، فالحركة الإسلاموية ممثلة في ((الجبهة الإسلامية القومية)) هي الآن في السلطة ولكن أين تكون غداً؟ هذا ما لا تعرفه ولا تريد أن تفكر فيه. للسيد الصادق المهدي تحليل ممتاز وكأنه يستشرف مستقبل الحركة الإسلاموية رغم أنه يستعمل مصطلح الصحوة الإسلامية العام، فهو يطلب من حركة الصحوة إذا وجدت مناخ الحرية وأن تطبق سياسة النفس الطويل ويوصيها بالابتعاد عن إغراء الاستيلاء على السلطة إنقلابياً وذلك لأن الانقلاب قد يحل أو يعالج قضايا جزئية ولكنه لن ينجح في إحداث تغيير حقيقي لأسباب يعددها في أن السلطة الجديدة تستقطب - رغم أنفها - النفعيين والانتهازيين الذين يستسهلون القفز المباشر للصدارة تحقيقاً لمكاسب ذاتية ((تفرض على الانقلابين بعض الظروف الأمنية فيضعون ((القوات المسلحة والشعب عامة تحت مراقبة شديدة ويصبح الأمن شاغلهم الشاغل)). ويضيف: ((السلطة المنتزعة خلسة، تظل في ريب من أمر شعبها.. مما يجبرها على الاستعانة بسند خارجي))127.
الهوامش
-
الطبقات لابن ضيف الله، تحقيق يوسف فضل، الخرطوم، دار النشر الجامعي. الطبعة الثانية 1974، ص 4. ↩
-
أحسن مثال قصة الشيخ محمد الهميم: " وذلك أنه في حالة الجذب الإلهي زاد نكاحه من النساء على المقدار الشرعي وهو أربعة وجمع بين الأختين (...) فأنكر عليه القاضي دشين حين قدم الشيخ الهميم أربجي وحضر صلاة الجمعة بأربجي فلما أراد الخروج من الجامع قبض دشين لجام الفرس وقال: خمست وسدست وسبعت ما كفاك حتى جمعت بين الأختين فقال له ما تريد بذلك قال أريد أن أفسخ نكاحك لأنك خالفت كتاب الله وسنة الرسول (ص) فقال له الرسول أذن لي والشيخ إدريس بيعلم وكان الشيخ إدريس حاضراً فقال لدشين أترك أمره وخل ما بينه وبين ربه فقال دشين ما يهمل أمره وقد فسخت نكاحه فقال الشيخ الهميم لدشين فسخ الله جلدك، فقال أنه مرض مرضاً شديداً حتى إنسلخ جلده وما رجع من أمره للشيخ الهميم، وما زاده ذلك إلا يقيناً " كتاب الطبقات " طبعة المكتبة الثقافية " بيروت (ب.ت) ص 150 ↩
-
هذا العام 1991 احتفلت منطقة " حلفاية الملوك " بمرور خمسمائة عام على قيام أول دولة إسلامية في السودان، وأكد رئيس لجنة الاحتفالات الدكتور عون الشريف وزير الشؤون الدينية الأسبق على إسلامية دولة الفونج والعبدلاب في خطاب الافتتاح. ↩
-
حسين سيد أحمد المغني: تطور نظام القضاء في السودان (ب - ن) الطبعة الأولى 1959ص18-20 ↩
-
المصدر السابق، ص10. ↩
-
المصدر السابق ص 60 - 61. ↩
-
الصادق المهدي: فكر المهدية (ب-ن) 1979، ص 18- 19. ↩
-
حسين سيد أحمد المفتي، مصدر سابق. ص 133 - 134. ↩
-
المصدر السابق، ص 14 ، عن مكي شبيكة. ↩
-
المصدر السابق، ص 147. ↩
-
حسن الترابي: الحركة الإسلامية في السودان. التطور، المكسب والمنهج. الناشر معهد البحوث والدراسات الاجتماعية، الخرطوم 1989 ص 18. ↩
-
أعني بالإسلاموي السياسيين الذين يوظفون الدين الإسلامي. أما الإسلامي فهو كل مسلم يسعى إلى إعمال الفكر والسلوك الإسلامي وإظهاره بين الناس في المجتمع لذا أطلقت صفة ((الإسلاموي)) في هذه الدراسة على فكر وأعضاء الجبهة الإسلامية القومية السودانية. ↩
-
عرفان نظام الدين: حوارات على مستوى القمة. منشورات المؤسسة العربية الأوروبية للصحافة والنشر (ب - ت) ص 298. ↩
-
الصادق المهدي، مصدر سابق ص 7 - 8. ↩
-
عبدالله أبو عزة: "نحو حركة إسلامية علنية وسلمية " في كتاب عبدالله النفيسي (تحرير) سبق ذكره ص 179. ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 23. ↩
-
محمد قطب: حول التفسير الإسلامي للتاريخ.. الناشر المجموعة الإسلامية، جدة، الطبعة الثالثة (ب-ت) ص 12. ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق ص 23-24. ↩
-
(56) تعقيب راشد الغنوشي في كتاب ((ندوة الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي)) مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1987 ص 305. ↩
-
(57) محمود أبو السعود: " مشكلة المدلولات والقيادات " في كتاب عبد الله النفيسي، مصدر سابق، ص 27 ↩
-
المصدر السابق ص 254-257. ↩
-
إسحق موسى الحسيني: الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية، دار بيروت للطباعة والنشر، 1952 ص 125. ↩
-
حسن مكي أحمد: حركة الإخوان المسلمون في السودان 1944-1969 معهد الدراسات الأفريقية والأسيوية، جامعة الخرطوم، 1982 ص 2. ↩
-
المصدر السابق بالإضافة للجزء الثاني: " الحركة الإسلامية في السودان 69-1985، تاريخها وخطابها السياسي " الخرطوم: معهد البحوث والدراسات الاجتماعية وبيت المعرفة للإنتاج الثقافي 1990 ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 24-32. ↩
-
حسن مكي، مصدر سابق ص 3-4. ↩
-
(64) المصدر السابق ص 4 - 5 ↩
-
حسن الترابي: مصدر سابق، ص 24. ↩
-
نفس المصدر السابق. ↩
-
حسن مكي، مصدر سابق ص14. ↩
-
المصدر السابق19، ليس مصادفة أن يكون قادة هذا الاتجاه بابكر كرار وعبد الله زكريا من المقربين للقيادة الليبية أثناء كتابة (الكتاب الأخضر) والذي يتحدث عن طريق ثالث للإنسانية يقوم على إسلام ذي توجه اشتراكي. ↩
-
(69)) نفس المصدر ص 20 - 21. ↩
-
المصدر السابق، ص 8. ↩
-
المصدر السابق، ص 10-12. ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 24-25. ↩
-
نفس المصدر، ص 25. ↩
-
حسن مكي، مصدر سابق ص 26. ↩
-
المصدر السابق، ص 26. ↩
-
المصدر السابق، ص 33، والمعلومات التالية من نفس المصدر. ↩
-
المصدر السابق، 33 مأخوذ عن كتاب اليسار في عشر سنوات ص 77. ↩
-
حسن مكي، مصدر سابق، ص 3-34. ↩
-
المصدر السابق، ص34. ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 25. ↩
-
نفس المصدر والصفحة. ↩
-
حسن مكي، مصدر سابق، ص 16. ↩
-
حسن الترابي: نظرات في الفقه السياسي، الشركة العالمية (ب.ت) ص 56. ↩
-
حسن مكي، مصدر سابقن ص 37، مثال لذلك وجود الأساتذة الرشيد الطاهر دفع الله الحاج يوسف وعمر بخيت العوض، محمد يوسف، صادق عبد الله عبد الماجد، توفيق طه. ↩
-
المصدر السابق، ص 37. ↩
-
حسن الترابي، الحركة الإسلامية، مصدر سابق، ص 37. ↩
-
حسن مكي، مصدر سابق، ص 16، ينسب ذلك إلى فاروق محمد إبراهيم وفاروق مصطفى من الشيوعيين حيث فرضوا الاسم على الحركة فيا لبداية أي حركة التحرير الإسلامي (حسب رواية الإسلامويين). ↩
-
المصدر السابق، ص 27. ↩
-
نفس المصدر، ص 32. ↩
-
المصدر السابق، ص 31. ↩
-
نفس المصدر: ص 42. ↩
-
المصدر السابق، ص 44-45. ↩
-
نفس المصدر، ص 59. ↩
-
نفس المصدر، ص 59. ↩
-
المصدر السابق، ص 60. ↩
-
هامش نفس الصفحة. ↩
-
حسن مكي، مصدر سابق، ص 51. ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 37. ↩
-
نفس المصدر، ص 27. ↩
-
المصدر السابق، هامش، ص 58. ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 28. ↩
-
حسن مكي، مصدر سابق 62-63. ↩
-
المصدر السابق، ص 67. ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 29. ↩
-
حسن مكي، مصدر سابقن ص 68-69. ↩
-
الجبهة الإسلامية تقدم مشروع دستور الجمهورية الإسلامية السودانية12 ربيع الأول سنة 1376 وأحمد صافي الدين عوض معالم الدستور الإسلامي. ↩
-
حضر علي عبد الله يعقوب في اليوم التالي ووجد الطلاب في حالة توتر قال: ((إن شاء الله الكلام ده يحل الحزب الشيوعي)) أوصاهم بتصعيد الموقف وحينما خرجت المظاهرات وعلم الناس بالخبر، بكى بعض المواطنين في المساجد والشوارع (مكي مصدر سابق، ص 83 الهامش 2). ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 29-30. ↩
-
حديث الترابي في المؤتمر العالمي (سبتمبر 1983) عن منصور خالد: الفجر الكاذب: نميري وتحريف الشريعة، دار الهلال (ب ت) 244. ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 30. ↩
-
حورات عرفان نظام الدين، مصدر سابق، ص 414. ↩
-
اليعازر بعيري: ضابط الجيش في السياسة والمجتمع العربي ترجمة بدر الرفاعي القاهرة، سينا للنشر، 1990، ص 7ز هذا البيان النموذج هو لإبراهيم عبود في صباح 17 نوفمبر 1958 حين استولى على السلطة. ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 31. ↩
-
منصور خالد، مصدر سابق، ص 246. ↩
-
جعفر محمد النميري، النهج الإسلامي كيف؟ القاهرة، المكتب المصري الحديث (ب.ت) ص 454. ↩
-
حسن مكي، الحركة الإسلامية، مصدر سابق، ص 30. ↩
-
حسن مكي: حركة الإخوان المسلمين، مصدر سابق، ص 88. ↩
-
حسن الترابي مصدر سابق، ص 32. ↩
-
المصدر السابق، ص 32. ↩
-
المصدر السابق 2-33 مع ملاحظة مشاركة السيد ظفر الله الأنصاري (باكستاني) في وضع مقترح الدستور الإسلامي مع الحركة كما تأثرت بأفكار المودودي كتاب (تدوين الدستور الإسلامي). ↩
-
حسن مكي، مصدر سابق، ص 118. ↩
-
حسن الترابي مصدر سابق، 33. ↩
-
حسن مكي، الحركة الإسلامية، مصدر سابق، ص 72 ↩
-
حسن مكي الحركة الإسلامية، مصدر سابق، ص 72. ↩
-
محمود فوزي: نميري والعودة لحكم السودان. حوار في المنفى. القاهرة، دار سفنكس 1991 ص 71. ↩
-
حسن الترابي: تجديد الفكر الإسلامي: جدة، الدار السعودية، الطبعة الثانية، 1987 ص 97. ↩
-
حسن مكي، الحركة الإسلامية، مصدر سابق، ص 76. ↩
-
المصدر السابق، ص 76. ↩
-
نفس المصدر ص 81. ↩
-
المصدر السابق، ص 76. ↩
-
نفس المصدر، ص 76. ↩
-
نفس المصدر، ص81. ↩
-
المصدر السابق. ↩
-
منصور خالد، مصدر سابق، ص 110، من أحسن المصادر في علاقة الإخوان بالنميري. ↩
-
يعقوب فام: البراجماتزم أو مذهب الذرائع، بيوت، دار الحداثة، الطبعة الثانية 1985، ص 5-266. ↩
-
حسن مكي، المصدر السابق، ص 76. ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 197. ↩
-
المصدر السابق، ص199 ↩
-
منصور خالد، مصدر سابق ص 26. ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 198. ↩
-
المصدر السابق، ص 198. ↩
-
نفس المصدر. ↩
-
حسن مكي، مصدر سابق، ص 93. ↩
-
نفس المصدر، ص 97. ↩
-
نفس المصدر، ص 96. توفى في حادث مرور بشرق السودان في 24 أبريل 1984 ويقال أنه كان في مهمة استلام أسلحة للداخل أو لحركة تتخذ من السودان مقراً. ↩
-
المصدر السابق، ص 96. ↩
-
نفس المصدر، ص 102. ↩
-
المصدر السابق، ص 90-91. ↩
-
المصدر السابق، ص 91. ↩
-
نفس المصدر، ص 93. ↩
-
المصدر السابق، ص 94. ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 199-200. ↩
-
على وجه الخصوص: طه إبراهيم (جربوع) هذا أو الطوفان ومنصور خالد: ((الفجر الكاذب)). ↩
-
الأسطورة السودانية التي تحكي عن غول يقتل وفي كل مرة تطير نقطة من دمه وينمو منها غول جديد وهكذا يتجدد الغول لأن التخلص منه لم يكن كافياً. ↩
-
حسن مكي: الحركة الإسلامية في السودان، مصدر سابق، ص 100-110. ↩
-
المصدر السابق، ص 101. ↩
-
نفس المصدر. ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 201. ↩
-
نفس المصدر، ص 202. ↩
-
نفس المصدر، ص 202. ↩
-
نفس المصدر، ص 203. ↩
-
إعتمدت في هذه الاستشهادات على رصد وتوثيق دقيق للدكتور مختار عجوبة في ورقة بعنوان: ((الديمقراطية مأزق الحركة الإسلامية في السودان)) يونيو 1990 (على الآلة الكاتبة). ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 198. ↩
-
الصادق المهدي: الصحوة الإسلامية ومستقبل الدعوة. منشورات الأمة (ب.ت) ص 27. ↩
Get new additions by email
We are adding Hayder Ibrahim Ali's books, articles and photos over time. Leave your email and we'll let you know what's new.