Hayder Ibrahim AliAutobiography
Contents

We, Hayder Ibrahim's family, are making all his books freely available for the public good and to continue his project of enlightenment. All rights remain reserved: the books may not be printed or published without written permission.

في المفاهيم والتنظير والمنهج

تشغل قضية الدين حيزاً كبيراً في الفكر والواقع العربي - الإسلامي، ويتزايد الاهتمام بموقع الدين في الفكر والسياسة والحياة اليومية باستمرار مقارنة بالتاريخ القريب. وبما يثير الدهشة تنامي الظاهرة الدينية في منطقتنا مع تزايد العلمنة في بقية العالم والاتجاه لإبعاد الدين عن الحياة العامة وعن المجالات الخلافية مثل السياسة والاقتصاد والفنون والعلوم مثلاً، وقصره على الجوانب الروحية والنفسية والوجدانية في الشخصية الفردية والتي يمكن أن تحقق توازن الإنسان في بعض الظروف، وبدأ الباحثون والمفكرون من المسلمين وغير المسلمين في دراسة وتوصيف وتحليل ظاهرة الانتشار الديني ونمو الحركات الإسلامية أو ما يسميه الكثيرون ((الصحوة الدينية)) وبالتحديد الإسلامية، رغم عمومية الظاهرة في أديان أخرى. وقد كانت بداية عقد الثمانينيات أي عقب الثورة الإيرانية مباشرة هي نقطة انطلاق الباحثين للاهتمام المكثف بدراسة ظاهرة الحركات الدينية والمد الديني. ولكن قبل ذلك كان الفكر العربي يموج بالكثير من الحوارات والسجالات الفكرية والسياسية والتنظيرات التي تناقش علاقة الدين بالسياسة ودور الدين في النهضة والتقدم وإمكانية أن يكون الإسلام هو الحل أو البديل لكل محاولات تأسيس مشروع حضاري حديث. ويمكن إرجاع هذه التوجهات إلى حقبة ما بعد هزيمة يونيو (حزيران 1967) حين حاولنا تقصي أسباب تلك الهزيمة الشاملة والمهينة، والتي أعتبرها البعض هزيمة للتيار القومي العربي وبالذات التوجه العلماني، وبدعوى المراجعة والعودة للأصول والنقد الذاتي وبرزت تيارات واتجاهات عديدة تراجعت عن كل التاريخ العربي النهضوي الذي دشنته الحركات الإسلامية السياسية مع انحسار المد القومي - التقدمي وترجع المشروع العربي للاستقلال السياسي والاقتصادي بسبب عوامل ذاتية أهمها غياب الديمقراطية وقيادة البرجوازية البيروقراطية للمرحلة بالإضافة اشتداد الهجمة الإمبريالية من خلال رأس رمحها في المنطقة الكيان الصهيوني. قدمت الحركة الإسلامية نفسها كبديل مغاير تماماً لا يبدأ من اللحظة التاريخية ويصعد ولكن يلغي كل هذا التراكم التاريخي لأنه يتوق لنموذج مثالي تحقق في العصر الذهبي للإسلام . ورغم اختلاف ظروف الحركة الإسلامية في كل قطر. فقد كان لفورة الثروة النفطية في السبعينيات ونجاح ونجاح الثورة الإيرانية أثر واضح في تقوية الجماعات الدينية والتي استغلت جيداً ظروف الفراغ السياسي والفكري واليأس الجماهيري والمعاناة الاقتصادية والاغتراب والتبعية بأشكالها المختلفة.

إتخذت ظاهرة الإسلام السياسي تسميات عديدة لا تخلو من دلالات إيديولوجية، إذ يتم تداول مصطلحات تؤدي نفس المعنى مثل: الصحوة الإسلامية أو حركة التجديد الإسلامي أو الانبعاث (البعث) الإسلامي أو النهضة الإسلامية.... إلخ ولكن يهمنا فقط في هذا الصدد تناول الظاهرة كحركة اجتماعية تعمل في شكل مجموعات منظمة تنتسب للإسلام ((الأصل)) كما تقول - وتفترض امتلاكها لنظرية شمولية ورؤية كاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية حسب المقولة الشائعة ((الإسلام دين ودنيا ودولة)) . وهذا الفهم للدين أعتبر السياسة آداة هامة وحاسمة في إحداث التغيير والنهوض بالأمة الإسلامية. وعلى ضوء هذه النظرية لا يتضمن الإسلام السياسي الحركات الدينية التي تبتعد عن العمل السياسي مثل الطرق الصوفية. لأن الهدف كما - تدعي كل حركات الإسلام السياسي - واضح ومحدد ومتفق عليه وهو شمولية الإسلام وإلا يكون مجرد دين عبادة. ولكن هذه النظرة تحمل خطر أن يؤدي تسييس الدين المتزايد إلى إضعاف البعد الإنساني الشامل للدين وحصره في معارك ضيقة والاختصام مع الكثيرين بسبب الخلافات السياسية التي تتنامى مع كل حدث يومي. أو قد يفرض ذلك مرونة لا متناهية بهدف كسب المؤيدين وحشد الجماهير على حساب تثبيت المبادئ وتوضيح الأفكار. إكتسب التأكيد على السياسي في الدين الإسلامي قبولاً نتيجة لسقوط الدولة العثمانية - أو بالأصح إلغاء الخلافة في عهد كمال أتاتورك حين لم يستطيع ((رجل أوربا المريض)) مواكبة تغيرات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وبوادر الأزمة الاقتصادية الدولية. وكانت حركة ((الإخوان المسلمين)) في مصر التي تأسست عام 1928 هي أول ردود الفعل بسبب وضعية مصر المتميزة إسلامياً (وجود الأزهر مثلاً). كما ظهر لأول مرة في نفس الفترة والمكان شعار ((الإسلام دين ودولة)) والذي استعمله الدكتور عبد الرازق السنهوري في مطلع بحث له في مجلة ((المحاماة الشرعية)) في أكتوبر 19291 ومن هنا يتضح أن الشعار حديث وليس له أصل في الإسلام ولكن الظروف التاريخية كانت تحتاجه. وضمن نفس الصراع أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه (الإسلام وأصول الحكم) عام 1925.

تحتاج هذه الفكرة المحورية للإسلام السياسي إلى وقفة إذ يقوم عليها كل البناء النظري والأيديولوجي والسياسي. وبالتالي التنظيمي. لهذه الحركات التي تسعى للوصول إلى الحكم من خلال شرعية دينية تتمثل في تطبيق الشريعة الإسلامية أو الحكم بكتاب الله. وقد شهدت الساحة الفكرية والسياسية العربية جدلاً واسعاً حول الإسلام السياسي وبالذات تطبيق الشريعة2 ويتراوح فكر الحركات بين الدفاع عن الخلافة والحديث عن الحاكمية لله وأخيراً المطالبة بالحكم الإسلامي، هذا في حد ذاته دليل على عدم وضوح الرؤية. فالدفاع عن الخلافة العثمانية وضرورة استمرارها كرمز لوحدة الأمة الإسلامية ولدرء الفتنة، اصطدم بفساد الحكم العثماني وتخلفه واستبداده وصار من الصعب الدفاع عنه. كما أن الخلافة كشكل للحكم تجاوزه عدد من الأحزاب والحركات الإسلامية بقصد استبعاد صور رديئة لخلفاء عرفتهم الدولة الإسلامية. بقيت حركات قليلة تتمسك بالخلافة - مثل حزب التحرير - ويبدو أن ذلك يعني لها التمايز والأصالة والاختلاف عن النظم السائدة. أما شعار الحاكمية لله الذي أطلقه أبو الأعلى المودودي فهو تنويع على فكرة الخلافة بقصد إعطاء الحكم الإسلامي قدسية أكثر. إذ يقول عن الدولة الإسلامية: ((إن الأساس الذى يقوم عليه بناؤها هو تصور (مفهوم) حاكمية الله الواحد الأحد، وأن نظريتها الأساسية، أن الأرض كلها لله وهو ربها المتصرف في شئونها، فالأمر والحكم والتشريع كلها مختصة بالله وحده وليس لفرد أو طبقة أو شعب بل ولا للنوع البشري كافة شئ من سلطة الأمر والتشريع فلا مجال في حظيرة الإسلام ودائرة نفوذه إلا لدولة يقوم فيها المرء بوظيفة خليفة الله تباركت أسماؤه، ولا تتأتى هذه الخلافة بوجه صحيح إلا من جيهتين: ((أما أن يكون ذلك الخليفة رسولاً من الله، أو رجلاً يتبع الرسول فيما جاء به الشرع والقانون من عند ربه)).3

الشعار امتداد لقول الخوارج على أساس موقفهم من التحكيم بين علي ومعاوية، مرددين: ((لا حكم إلا لله)) واتخذوا مواقف متطرفة نتيجة التمسك بهذا الشعار الغامض. وفي الوقت الحاضر كانت تنظيمات التكفير والهجرة أو الجهاد نتاجاً لفكرة الحاكمية لله، إذ كفروا الجميع وقسموا المجتمع الإسلامي إلى مؤمنين وجاهلية القرن العشرين وبالتالي أعطوا أنفسهم حقاً إلهياً في محاربة كل الآخرين. وتحاول كثير من الجماعات الدينية التي تقدم نفسها كمعتدلة أو مؤمنة بالتعددية أن تنفي صلتها المباشرة بهذه الفكرة، لكنها في نفس الوقت تذكر المودودي كمصدر مرجعي في تكوينها الفكري. لذلك يمكن القول بأن التيار السائد الآن والذي يرفع مطلب حكم الله ويتحدث عن المجتمع الإسلامي وتجربة المدينة وتطبيق الشريعة الإسلامية، غير منفصل عن أيديولوجية الحاكمية لله، خاصة حين يحاجج بالآية: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) (سورة المائدة، آية 44) أو ((فأولئك هم الظالمون)) (آية 45) أو ((وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)) (آية 47). وتستعمل هذه الآيات كثيراً في وصف الحكام الذين تعارضهم هذه الجماعات. وهذا هو الإطار الفكري الذي تعمل ضمنه كل اتجاهات الإسلام السياسي والتي تختلف في الدرجة فقط وليس في المضمون، إذ تدعو في النهاية إلى تجاوز حكم البشر إلى حكم الله.

ظهرت كتابات جديدة تحاول - لأول مرة منذ كتاب علي عبد الرازق في منتصف عشرينيات القرن - أن تنفي وجود نظام حكم إسلامي يستند على الكتاب والسنة. وتقول هذه الكتابات إن الإسلام لم يترك آية أو حديثاً صحيحاً بين طريقة اختيار الحاكم أو الخليفة أو يحدد مدة الحكم وعزل الحاكم. وهذا دليل على أن الإسلام أراد أن يترك قضية السياسة والحكم للاجتهاد الإنساني. ويقول مفكر إسلامي في هذا الصدد إن الشريعة خلت من نص ينظم تلك الأمور ((لحكمة يريدها الله وهي أن المسألة يجب أن تترك للعقل البشري يجتهد فيها بحسب ظروف الزمان وظروف المكان وبحسب تطور الفكر البشري في وعيه بمسئوليات رئيس الدولة أو الخليفة))4

ورغم المنحنى العلماني الذي يتخذه هذا التعليل يرفضه أحد المفكرين الإسلاميين المستنيرين لأنه لا يخرج عن دائرة التفسير الغيبي الميتافيزيقي وفي نفس الوقت لا يكفي لأن الإسلام تعرض بالتفصيل إلى أمور ثانوية مثل: ((كيفية ارتداء الملابس أو انتعال الحذاء، على أي شق (جنب) ينامون، من أي مكان يبدأون الطعام في الصحاف، طريقة الجلوس في الطريق، صيغة السلام على المسلمين وأهل الكتاب، آداب دخول الفراش مع الزوجة الحرة أو ملك اليمين وما يقولونه قبلها وما يفعلونه أثناءها وكيف يسلكون عند زيارة المريض واتباع الجنازة....ألخ))5. هذا لا يعني وجود حكمة ما في عدم التعرض لنظام الحكم والسياسة ولكن يعني ببساطة - فى نظر الكاتب - أن الإسلام قصد فصل الدين عن السياسة، ويقول: ((الدين علاقة خاصة بل وشديدة الخصوصية بين المخلوق وخالقه وأن ميدانه الأصيل البِيع والكنائس والأبرشيات والأديرة والمساجد والجوامع والزوايا والتكايا والخانقاوات والربط وحلقات الذكر وحضرات الصوفية ومجالس دلائل الخيرات والخلاوي والحسينيات والمزارات الشريفة والعتبات المقدسة...ألخ وأنه إذا غادر هذه الأماكن (المبروكة) تغيرت كينونته مثل السمكة إذا خرجت من الماء. ومن ثمة فأنه من الطبيعي أن نعثر على حديث نبوي شريف يحدد خليفة رسول الله (ص) أو طريقة تعيينه أو توليته أو قواعد تنظيم الحكومة لأن كل هذا يخرج عن نطاق الدين الذى لا شأن له بالحكم أو السياسة أو الولاية، يستوي في ذلك الإسلام مع الديانتين السماويتين أو الساميتين اللتين سبقتاه بل حتى الديانات الأرضية6.

رغم أن السجال القائم بين دعاة الحكم الديني أو تطبيق الشريعة بلغتهم وبين الرافضين للدعوة يرتكز على أساس ديني واحد، إلا أن أنصار الحركات الإسلامية السياسية يسمونهم علمانيين، فالملاحظ أن الرافضين يحتجون من داخل موقف أو رؤية ديننة بقولهم إن الإسلام لم ينص على ذلك. هذا لا يعني رفضهم للدولة الدينية حصراً ولكن يعني أنهم لم يجدوا لها سنداً في الكتاب والسنة. لذلك فأن وصفهم بالعلمانيين تسمية ناقصة يقصد بها الجانب الهجائي الذي يمهد للهجوم الذي يقذف تهم الكفر والمروق والزندقة. لذلك نجحت الجماعات الإسلامية السياسية في شحن فكرة الحكم بكتاب الله، بطاقات عاطفية وانفعالية وجعلت منها أيديولوجية للتجييش وتحريك الجماهير. فالنقاش حول ورود الفكرة في النصوص الدينية غير مجد لأن الشاهد ليس منطقية القضية وتمسكها وعقلانيتها ولكن كيف تتحول الفكرة إلى قوة وحركة لدي الجماهير. وبهذه الطريقة تخلق الحركات الإسلامية عدواً أو خصماً حسب رؤيتها وكما تريده لكي تنشر من خلال حربها معه أفكارها ومبادئها. فمن المؤكد عدم وجود تيار علماني مؤثر ويعلن عن نفسه. ومع ذلك تهاجم الحركات الإسلامية خطراً علمانياً وهمياً ، ونفس الشئ يقال عن المؤامرات والكيد للإسلام وأن الدين مهدد مع أنه لا يوجد من يجرؤ على تجاوز المحرمات العديدة التي تحرسها الجماعات الدينية وحتى المؤسسات الرسمية الدينية. على العكس فإن الخطر الحقيقي هو على حرية الفكر، ولكن هذه الحركات المتعصبة تحتاج دائماً لكبش فداء مثلما فعلت النازية مع اليهود والشيوعيين والعنصرية البيضاء مع الزنوج والملونين.

يتداول الدارسون للإسلام السياسي مصطلح الأصولية (Fundamentalism) ومن الملاحظ أن هذا المفهوم رغم مصدر غير إسلامي إلا أنه أكتسب قبولاً وانتشاراً في الفترة الأخيرة لدى السلطات الحاكمة وبين المهتمين عموماً بظاهرة الانتشار الديني وامتداداته في مجال العمل السياسي والنقابي.

ويبدو أن استعمال كلمة الحركات الأصولية يحاول عدم إضفاء صفة الإسلامي عليها بصورة دالة، وفي نفس الوقت توحي الكلمة بقدر من التزمت والتعصب والرجعية، حتى في حالة الالتزام بالمعنى الحرفي للكلمة. فأفراد هذه الحركات لا يطالبون بالعودة إلى تعاليم دينية تعتبر هي الأساس والأصح، ولكن العودة لديهم إلى نموذج حكم مثالي وجد - في نظرهم - خلال حكم الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز. والمصطلح يرتبط بمعنى السلفية لحد ما خاصة في جانبها الذي يقبله أصحابها، إذ يعني لديهم العودة إلى سنة السلف وهي في نظرهم بالضرورة إيجابية، ويستعمل بعض الباحثين كلمة المحافظة (Conservative) كمرادف للأصولية7 والذي يطلق أحياناً على حركات سياسية ذات طابع علماني بل إلحادي، كما أنه في مضمونه ليس مفهوماً حديثاً لأن هناك حركات فكرية وأيديولوجيات عديدة ولكن هناك سمات تشترك فيها أي أصولية ويمكن اختصارها بالقول أن الأصولية هي: ((قناعة مؤكدة لا تزحزح بأن مجموعة معينة من العقائد - غالباً ما تسندها مصادر مقدسة وكثيراً ما ترتبط بحياة وتعاليم شخصية معينة، تمثل هذه العقائد دون تساؤل، الحقيقة ومن واجب كل المؤمنين أن يكرسوا حياتهم ويوجهوا نشاطهم طبقاً لهذه العقائد))8

ويتضح من هذا التعريف ربط الفكر بالعمل كما أن مطلقية حقيقية الأصوليين تجعلهم في مواجهة مع حقائق الآخرين وبالتالي غالباً ما تصبح صدامية أو حتى أحياناً إرهابية لأنها غير متسامحة، ولا يخلو أي تفكير أصولي من عقيدة رؤيوية تسعى إلى كمال مثالي ترى إمكانية تحقيقه على هذه الأرض. وهنا تختلف الأصولية الإسلامية التي تحاول من خلال تفسير وتأويل حديث وأدوات جديدة (الاستفادة من التكنولوجيا والعلوم والإدارة) إعادة إنتاج العصر الذهبي السابق ومن هنا جاءت فكرة مقاصد الشريعة التي تسمح لهم باستلهام نماذج قديمة في المجتمع والسياسة وبالذات، دون حاجة إلى مرجعية نص مغلق حسبما توحي منطقا كلمة أصولية - ومن هنا يفرق أحد الباحثين بين تيار الأصولية العقلية وتيار الأصولية الحركية، ويعني الأول العودة إلى أصول فهم الإسلام كما فهمه المسلمون الأوائل، إتباعاً لأوامر القرآن والسنة وإتخاذ هذا الفهم سبيلاً لتجديد الحياة الروحية للمسلمين في العصر الحاضر. ويقصد بالأصولية الحركية ((ذلك التيار الذى يتبع الحركات السياسية دون أي تجديد حقيقي للفكر الديني وينتهج الأساليب الحزبية بغير تقديم أي برامج مدروسة أو أي نظم علمية، ويعمل على أن يكون الدين سياسة والشريعة حزباً والإسلام حرباً))9. والأخير هو التيار السائد والمثير للاهتمام والذي تمثله الجبهة الإسلامية القومية السودانية بامتياز بالإضافة لحركة النهضة التونسية وجبهة الإنقاذ الجزائرية.

يكمن مأزق الحركات الإسلامية المعاصرة في مشكلة التوفيق بين التجديد والعودة إلى الأصول حيث تلجأ إلى تفسيرات مبتسرة للنصوص الدينية وتلهث للحاق بالكشوفات العلمية والنظريات الحديثة في مختلف المعارف، ومن هنا جاء الحديث عن الاقتصاد الإسلامي وعلم الاجتماع أو النفس الإسلامي أو أسلمة العلوم. فالمعرفة أو العلم يحدد حسب المضمون الاجتماعي - التاريخي الذي يلازمه وليس حسب التسمية التي تلتصق به، كما تحدده الاستخدامات، تنسحب مشكلة تزاوج الأصولية والتجديد على المجالات السياسية والمجتمعية كما يظهر في محاولات اعتبار (الشورى) هي الديمقراطية أو أن الاشتراكية متضمنة في حديث ((الناس شركاء في ثلاث)) كما أن كثيراً من مظاهر الحياة الحديثة من الدعوة إلى التعاون في لعبة كرة القدم حتى موقف الإسلام من أرباب المعاشات، تجد لها مكاناً في التفسيرات الجديدة والمثال الجيد لهذا التوجه هو برنامج مصطفى محمود التلفزيوني بعنوان ((العلم والإيمان)). وهذا اتجاه متهافت في التوفيق والتلفيق بين العلم والدين، فالأيمان لا يحتاج لكل هذا الجهد المضني، فالناس آمنوا قبل أن يستدل لهم الفقهاء والمنظرون بإن الإسلام توصل إلى نظرية النسبية أو تفجير الذرة قبل العلم الغربي مثلاً. لأن الإيمان له منطق خاص يختلف عن منطق العلم ولا يحتاج إلى كل هذه الحذلقة. وكلما زاد تأويل وإعادة تفسير النص الإسلامي إبتعد عن إسلاميته الأصلية. فالإسلاميون يقدمون في الواقع قراءة اجتماعية - تاريخية جديدة للإسلام تحاول التكيف مع التغيرات المتسارعة في عالم اليوم. إلا لكان السبق موجود حقيقة قبل أن يتوصل الغرب إلى تلك الحقائق أو الفرضيات والاكتشافات. وكان المتوقع أن يقدم المسلمون للآخرين تلك المعارف والاختراعات التي تطابق مكنون النصوص.

قد تكون هذه النقطة مدخلاً جيداً لعرض افتراض هام يفسر أسباب ظهور وانتشار الحركات الإسلامية في هذه الفترة الزمنية بالذات. ويدور هذا التفسير حول إشكالية الاستجابة والتفاعل مع الأزمة، والصحوة الإسلامية في الأساس حركة أو فكر الأزمة مع اختلاف شكل وسبب الأزمة نفسها فقد تكون اقتصادية - اجتماعية أو ثقافية أو سياسية. ويعترف منظرو الحركة الإسلامية بالأزمة ولكن من زاوية التذكير بأمجاد المسلمين والذين هم خير أمة أخرجت للناس، ويتوجب عليهم النهوض للقيام بدورهم المنشود ويمكن اعتبار تحليل صلاح الدين الجورشي المفكر الإسلامي المعروف من أكثر الكتابات دقة في توصيف دور الظاهرة حين يكتب: ((فالظاهرة الإسلامية هي تعبيرة رئيسية من تعبيرات الدفاع الشامل لمجتمعات تعاني من التفكيك والاهتزاز، مجتمعات فقدت الكثير من إرادتها المستقلة ومن وحدتها الداخلية وأصبحت محكومة بتناقضات حادة إجتماعياً (ازدياد الفوارق الطبقية) وسياسياً (بين الدولة والمجتمع) وثقافياً (في مستويات اللغة وطرق التفكير وتعاطي الحياة) وطائفياً (بإحياء الانقسامات المذهبية والدينية والعرقية وكل انقسامات ما قبل الأمة) إن الظاهرة الإسلامية محاولة واعية في غالب الأحيان لاحتواء كل تلك التناقضات وتجاوزها ورداً على الهيمنة الخارجية وفشل الدولة القطرية داخلياً)).10

هذه صور قاتمة لمجتمع مأزوم ومتناقض ومهدد من الداخل والخارج، ويرى الكاتب أن تقاعس المسلمين هو سبب الكارثة والعيب ليس في الإسلام، بل توجد في الدين الإمكانيات غير المحدودة لنهضة جديدة، ويضيف: ((يخطئ الإسلاميون عندما يعتقدون أن الصدى الذي يلقاه خطابهم مرجعه قوة الخطاب الذي أنتجوه وينسون أن الاحتماء بالمسجد هو بحث عن الذات ودفع للخطر وتجديد للحلم وتحد للأزمة. فالظاهرة دليل على قوة الإسلام وعمق انغراسه في المجتمع والتاريخ، وليست دليلاً على قوة الإسلاميين وإنتصاراً لكياناتهم. إنهم يستفيدون من أوضاع لم يصنعوها ولم يفكروا فيها بشكل علمي وعميق))11. من ناحية أخرى نجد تياراً واسعاً ومؤثراً يتعامل مع الأزمة الخاصة بالمجتمعات الإسلامية على أساس إنها أزمة الإنسانية ليصل إلى أن الحل في الإسلام، إذ يقول سيد قطب إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها. جاهلية لا تخفف منها شيئاً هذه التيسيرات المادية الهائلة. وهذا الإبداع المادي الفائق12. وسبب هذه الجاهلية في نظره الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية.. وهي الحاكمية .. إنها تسند الحاكمية إلى البشر ونتيجة لهذا الاعتداء على سلطان الله يحدث اعتداء على عباده، خاصة أن الله لم يأذن للبشر بوضع الشرائع والقوانين والأنظمة والتصورات والقيم. نلاحظ أن هذا الافتراض يتناقض مع فكرة استخلاف الإنسان على الأرض والتي سيستند عليها منظرو الحركة الإسلامية بعد (قطب) لتبرير اجتهادات وتأويلات تبعد عن الأصول الدينية المعروفة بدرجة أو بأخرى. ويقرر: ((وما مهانة الإنسان عامة في الأنظمة الجماعية وما ظلم الأفراد والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم الرأسمالية إلا أثر من آثار الاعتداء على سلطان الله)). ويصل إلى النتيجة التالية: ((وفي هذا يتفرد المنهج الإسلامي .. فالناس في كل نظام غير النظام الإسلامي، يعبد بعضهم بعضا - في صورة من الصور - وفي المنهج الإسلامي وحده يتحرر الناس جميعاً من عبادة بعضهم لبعض)).

ويختم: ((إننا - دون شك - نملك شيئاً جديداً جدة كاملة. شيئاً لا تعرفه البشرية ولا تملك أن تنتجه)).13

تعتبر كتابات سيد قطب (مانيفستو) الحركات الإسلامية والكتاب الذي استشهدنا ببعض فقراته هو بالفعل معلم في طريق هذه الحركات وطريق مجتمعها الذي تتصوره فكرة الأزمة وتدهور الأوضاع في المجتمعات الإسلامية تمثل هاجساً متزايداً بين الجماعات الإسلامية والتي تساءلت منذ زمن عن أسباب تأخر المسلمين وتقدم الآخرين، ونجد كتاباً بعنوان ((ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين))14. ومن هنا كان تعبير الصحوة الإسلامية والذي يوحي أو يعلن أن المسلمين كانوا نياماً واستيقظوا أو غاب وعيهم وصحا الآن والخطوة الطبيعية بعد هذا هي التهيؤ للقيام بدورهم التاريخي الذي فقدوه. فالتاريخ عند الجماعات الإسلامية دائري أو دوري يعيد نفسه باستمرار أو يكمل دورة حياة معينة ثم يبدأها من جديد، والحركات الإسلامية تجد مثالها دائماً في الماضي سواء أكان عبرة من الأمم السابقة أو مثالاً تتوق إلى تحقيقه مرة أخرى في المستقبل ولكن تستمد تصوره من ماضيها أو العصر الذهبي.

يتعامل الباحثون من خارج الحركة الإسلامية مع فكرة الأزمة في الصحوة الإسلامية بطريقة تنفي عن الحركة الإسلامية أنها تمثل قطيعة مع الأزمة ولكنها كشكل آخر للتعبير عنها، فهي رد فعل للأزمة يعمل بآليات تعمق وتكرس الأزمة عوضاً عن تجاوزها. فظاهرة الانتشار الإسلامي الراهن دليل على الإحساس بوجود أزمة ولكن في نفس الوقت لا يوجد بديل واقعي - تاريخي. لذلك تبقى الحركات الإسلامية الحالية على مستوى التمرد والرفض والمعارضة فقط فهي حركات سالبة تنفي الموجود وهو بالفعل لم يعد صالحاً ، ولكن تعجز عن إيجاد حلول جذرية لمشكلات المجتمعات التي توجد فيها. فالحركات الإسلامية تستطيع أن تعارض حكومات وأنظمة حاكمة دون أن تستطيع أن تحكم أو تشارك في الحكم بفعالية فهي خارج الحكم تتحدث عن مشروع حضاري عظيم يبحث عن أمجاد الإسلام وعند وصولها للحكم يتحول هذا المشروع إلى شكليات وقضايا ثانوية مثل فرض الحجاب وقطع الأيدي بدون حل المشكلة الاقتصادية المسببة للسرقة مثلاً ، وتحول الجهود التي كان يمكن أن تعبأ ضد التخلف والتبعية والاستعمار الجديد إلى مجرد شعارات وتشنجات وإلى عدوانية منتشرة ضد مواطنيهم المختلفين معهم سياسياً. وتتحول تلك الطاقات الروحية إلى معارك وهمية مع أعداء أشباح لأن المجتمع ينقسم إلى جاهلية وإسلام. ويرجع كل قصور ذاتي إلى المؤامرات والاستهداف والحصار لذلك رغم أن الحركات الإسلامية هي نتيجة أزمة عميقة - حضارية وسياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية إلا أنها تنقلب ألى أن تكون سبب أزمة أكثر عمقاً وتعقيداً كما يحدث الآن في عدد من المجتمعات العربية - الإسلامية وعلى رأسها السودان والجزائر وتونس.

أستعمل أحد الباحثين الأجانب ((مفهوم أيديولوجيا الأزمة)) بمعنى نمط لموجات متتالية من الانبعاث أو النهوض كاستجابة لمواقف أو أوضاع الأزمة، ويحتوي هذا النمط على آلية اجتماعية - سياسية مضمنة فيه مكنت الإسلام من التجديد وتأكيد نفسه ضد التآكل الداخلي والتهديد الخارجي. هذا وقد تكررت هذه الموجات أو الحركات في التاريخ الإسلامي كثيراً ورغم التشابه الواضح الذي تظهره إلا أنها تتميز بقدر من الاختلاف في المضمون الأيديولوجي وكيفية التطبيق فالأصولية والتي تتعدد تسمياتها من تجديد ونهضة وانبعاث هي ظاهرة دورية تحدث كرد فعل للأزمة الحادة والمنتشرة التي قد يعيشها مجتمع إسلامي ما في فترة تاريخية معينة، أو عندما يتهدد الكيان الإسلامي خطر سياسي أو أخلاقي أو ثقافي. يحاول الباحث أن يعطي نماذج على تكرار هذه العلاقة تدهور أو أزمة / أصولية - تجديد، ويرى أن الخلافة كانت أول الأزمات في التاريخ الإسلامي والتي أفرزت الخوارج والشيعة، وهكذا كل تدهور أو انحطاط ينتج مصلحاً دينياً أو عالماً مجدداً أو جماعة مختلفة عن السائد. وأستمر هذا النمط يتكرر حتى وصل إلى بيئة الأزمة الحالية في المجتمع المسلم وإمتد من بداية الثلاثينيات بظهور حركة ((الإخوان المسلمين)) ثم الثورة الشيعية الإسلامية في إيران وأخيراً الانبعاث السني - حسب قوله - والذي بدأ في نهاية السبعينيات وتمثله الأحزاب والجماعات الإسلامية الموجودة حالياً في أغلب الأقطار العربية15

يرى ديكمجيان Dekmejian أن الاختلاف في ردود الفعل الناجم عن خصوصية ظروف الأزمة التي تواجه المجتمع الإسلامي في المراحل المختلفة والأوضاع الجغرافية وكل استجابة أو رد فعل للأزمة تحدده بيئة الأزمة ومتطلباتها بالإضافة لشخصية قائد التجديد أو البعث. مثال ذلك السبب الرئيسي لدعوة ابن حنبل للعودة للجذور الإسلامية هو الانحلال الأخلاقي في المجتمع العباسي، كذلك كان دافع إبن عبد الوهاب التدهور الأخلاقي للمسلمين في مجتمع شبه الجزيرة العربية. هذه الحركات ذات تجديد داخلي مقارنة بظروف الأزمة عند إبن تيمية حيث جمعت بيئة الأزمة بين الانهيار الأخلاقي الداخلي والتهديد الخارجي من قبل التتار، وينطبق ذلك على دور حركات السنوسية والمهدية لمواجهة الخطر الأوروبي في القرن التاسع عشر وما اعتبروه إنهياراً في أخلاق مجتمعاتهم كما يلاحظ الباحث أنه في المجتمعات الإسلامية الأكثر تقدماً - نسبياً - مثل مصر وتركيا والهند تأخذ ردات الفعل شكلاً آخر فقد حاول الشيخ محمد عبده أن يوفق بين الأفكار الغربية وواقع المجتمع المسلم.

ولكن هذه الملاحظة ليست صحيحة تماماً فقد تراجعت الحركة الإسلامية المصرية المعاصرة عن تجديد محمد عبده وظهرت ضمنها تيارات شديدة التعصب مثل تنظيم الجهاد، والتكفير والهجرة16. ويرى Dekmejian أن مد وجزر الأصولية الإسلامية في كل تاريخها يظهر علاقة جدلية مستمرة بين الإسلام والبيئة الاجتماعية - الاقتصادية والسياسية وينطبق هذا التفاعل على الواقع الراهن إلا أنه يتوتر في أزمنة الأزمة، وكمثال لهذه الثنائيات الجدلية العلاقة بين العلمانية والدينية (الثيوقراطية) وبين التحديث الإسلامي والإسلام المحافظ، الإسلام المؤسسي مقابل الإسلام الأصولي وبين الصفوات الحاكمة والإسلاميين والراديكاليين وبين القومية وأمة الإسلام وأخيراً بين الإسلام ودار الحرب17.

هناك اتجاه ماركسي ينطلق من تشخيص الأزمة لفهم نمو وانتشار الأصولية والحركات الدينية عموماً ، ويرتكز على التطور الاجتماعي - الاقتصادي والصراع الطبقي . يرى فالح عبد الجبار أن البلدان التي شهدت الانبعاث الإسلامي هي في مرحلة الانتقال من الإقطاع الشرقي إلى الرأسمالية بدرجات متفاوته وهذا يقود بالضرورة إلى تفكيك العلاقات السابقة للرأسمالية بالإضافة إلى فصل المنتجين الصغار في الريف والمدن عن وسائل إنتاجهم الخاصة وتحويلهم إلى عمال يبيعون قوة عملهم، ويبدأ تمركز الثروة الاجتماعية في شكل رأسمال ويصاحب هذا التحول تدمير لعلاقات قديمة ومستمرة وتحرسها نظم ثقافية وفكرية وقيمية ومؤسسات تحمي بقاءها واستمرارها . ويتوصل الكاتب إلى أن الانبعاث يضرب بجذوره في التناقضات الملازمة للشكل الخاص الذي تطورت به الرأسمالية، رغم أن التناقضات الاقتصادية والاجتماعية عندما تصل إلى قمة الأزمة الحادة قد تدفع بالمنتج الصغير إلى الانخراط في جيش سياسي عمالي أو تقوده إلى متاهات الصوفية الدينية . ولأن وعيه حافل بعناصر غيبية يصبح الاحتمال الثاني أكثر إمكانية18.

يكمل هذا التشخيص تحليلات ماركسية أخرى تبرز جوانب سياسية وفكرية كمستويات في هذه العلاقات الطبقية تحاول أن تعالج جانب الوعي والتنظيم. نجد عند عفيف الأخضر إضافة ونفساً مختلفاً يتسق مع مواقفه الحدية فهو يسميها من البداية غفوة إسلامية ويقول عنها: ((السلفية المعاصرة، بعنصرها السائد، تعبير عن أزمة الانحطاط وإسهام قوي في مفاقمتها . وهي بطبيعتها الطبقية، كتعبير عن مخاوف - لا مصالح - الطبقات الوسطى التقليدية ذات الأيديولوجيا الزراعية، تبحث في بحور التفكك العالمي عن ملاذ لا عن حل)). وحسب رأيه كل هذه التيارات الدينية تزدهر في فترات انحطاط الحضارات وحين تعجز السلطة القائمة عن أداء مستوياتها وترتبط هذه الحركات بإفقار الريف وهجرة المواطنين إلى المدن بحثاً عن الخبز والأمان ويتمزق النسيج الاجتماعي وتنتشر الأمراض النفسية وتشتد الحاجة للبحث عن العزاء والملاذ الأخرويين وعلى هذه التربة يترعرع اللاعقلاني والعصاب))19. ويقارن بين تفكك الريف في أوروبا وفي بلادنا، فهناك أعطى أوروبا الناهضة طبقتها العاملة في الصناعة أما في العالم العربي والإسلامي فقد قدم تفكيك الريف لمدن المضاربة العقارية والأنشطة الطفيلية الأخرى وأعطاها يدها المهمشة ويرى أن المهمشين والمهددين بالتهميش هم المستنقع الذي تستقي منه السلفية20. وختم تحليله بالقول: ((إذن فشل البرجوازية العربية والإسلامية في اكتساب شرعية عقلانية حد من قدرتها على الإنتاج والتصنيع مكمن بقايا البرجوازية العقارية المتمرسة في المؤسسات التقليدية والطبقات الوسطى ذات المنشأ أو الأيديولوجية الزراعية في العودة إلى العصمة الدينية وتقاليد الخلافة العثمانية لتتخذ منها غطاء شرعياً لمشروعها السلفي وعربة لاهوتية تمتطيها للوصول إلى مخيلة جمهورها وفانتزماته))21.

تأخذ الأزمة عند سمير أمين شكل التحدي الذي خلفته فترة الاستعمار والتبعية الممتدة حتى اليوم، فالعالم العربي الإسلامي المعاصر مطالب بالقيام بمهام مزدوجة: ((إتمام تحرره من السيطرة الاستعمارية والبدء في تنمية وطنية شعبية قائمة على سلطة غير سلطة الطبقات المستغلة التي تضمن استمرار اندماجه في النظام الرأسمالي العالمي علماً بأن هذه التنمية تتفتح على احتمال تحول اشتراكي ومن الجانب الآخر مراجعة نظم الفكر التي ورثها من العصر الوسيط))22. ورغم أن الوعي بالتحدي الذي يمثله تفوق الغرب قد ظهر منذ بداية القرن التاسع عشر أي منذ محمد علي في مصر، ولكن تم الفصل باستمرار بين التحديث المادي وتجديد الفكر. لذلك لم تتجه النهضة أو حركة التجديد نحو شروط ثورة ثقافية بل إنتهت إلى غلبة تيارات أكثر ظلامية خاصة وقد هيأ فشل النظم الوطنية العسكرية المجال لانتشار المشروع السلفي مع أنه لا يملك بديلاً حقيقياً قادراً على مواجهة التحدي وبالتالي فهو يمثل عرضاً للأزمة وليس حلاً لها. لأن مواجهة التحدي - حسب أمين - تتطلب الخروج من آفاق الميتافيزيقيا. فالعرب أمام تحدي مزدوج: النضال من أجل تقدم الأوضاع الاجتماعية من جانب، والتحدي على جبهة الفكر من أجل الخروج من مأزق الفكر الوسيط من جانب آخر، لذلك الخروج من المأزق يتطلب أكثر من معركة، ورغم أهمية الكفاح على جبهة الفكر إلا أن الأمر يتطلب أولاً وقبل كل شئ الخروج من المأزق في مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل رأى أن التحول في ميادين الحياة الاجتماعية هو العنصر الحاسم والمحرك الأول. فإذا تم تحرير في الحياة الاجتماعية كان انهيار الفكر الميتافيزيقي الذي أصبح فكر الفقر والعجز23.

يرجـع أحد الباحثين - في نفس السياق التحليلي - نمو ظاهرة الأصولية الإسلامية إلى أزمة الشعبوية العربية، إذ يرى أن الأصولية تعبير أيديولوجي - اجتماعي - سياسي عن أزمة متناقضات وإخفاقات الشعبوية التي عجزت عن تحقيق الحد الأدنى من برنامج التحرر الوطني، وهذا يساعد على تفسير ظاهرة الإسلام الأصولي وتوسعه الأيديولوجي في وعي الفئات الوسطى التي شكلت القاعدة الاجتماعية للشعبوية العربية في الستينيات. وبهذا المعنى فإن الأصولية الإسلامية نتاج معقد لإخفاقات الشعبوية وتناقضاتها الحادة24. ويربط الباحث باروت مثل سابقيه بين عملية ترييف المدينة حيث تكونت رأسمالية طفيلية وبيروقراطية هباشة عممت التفسخ والرشوة والانحلال والفساد والجشع في كل مكان، كما قاد تزييف المدينة إلى انهيار التوازنات التقليدية مما أدى إلى بروز ظاهرة الإخوان المسلمين في عدد من الأقطار العربية باعتبارها ظاهرة مدينية أنتجتها مدن تقليدية، اهتزت توازناتها الاجتماعية وتريفت بأحزمة رعاعية بفعل عوامل عديدة ومعقدة للغاية25 . وأخيراً يقول عن الحل: ((إن المخرج الديمقراطي باتجاه المجتمع المدني هو الرد التاريخي على المخرج الأصولي الإسلامي باتجاه المجتمع الثيوقراطي الفظيع والفظ ومن المؤكد أن المخرج الديمقراطي ليس وصفة جاهزة بل إنتاجاً مجتمعياً - سياسياً، تنتجه المجتمعات البشرية بصيغ تتناسب وتناقضاتها الاجتماعية ومدى حدتها26.

نستخلص من هذه التحليلات الاجتماعية - الاقتصادية والسياسية والفكرية للظاهرة الأصولية الإسلامية إنها نتيجة صيرورة اجتماعية - تاريخية وصراع طبقي يبرز بعض الطبقات أو الفئات اجتماعية ويقضي على البعض الآخر ويصاحب هذا التطور صراع فكري أو أيديولوجي في أكثر الأحيان يجبره الوضع المتأزم على البحث عن تبريراته وتفسيراته خارج ميدان الصراع لذلك يتمترس داخل الدين كفضاء متعال يزوده بمقولات وأفكار وانفعالات تقنع أو تجذب الكثيرين من بين فئات اجتماعية متباينة ويتوهم كل فرد أنه وجد شيئاً مما يبحث عنه فالظاهرة أحد الأشكال الممكنة للاستجابة لتحدي الاستعمار والتخلف الذي يواجه المجتمعات العربية وهي الاستجابة الأسهل والأرخص لأنها تقليدية ومحافظة ولا تتطلب جهداً عقلياً وإبداعاً بل بحكم العادة والاستمرار لذلك تكون معركتنا ناقصة لو اقتصرت على الجبهة الفكرية والتغيرات التي تستهدف هذه الظاهرة يجب أن تعمل معاً في جدلية وتزامن متسق تحاول الأصولية الإسلامية - بطبيعتها - أن تقصر المعركة على صراع أفكار فقط ونتوه في صحة أو خطأ هذه الأفكار دون أن نسأل كيف ولماذا ظهرت هذه الأفكار وفي هذه المجتمعات بالذات وفي هذا الوقت بالتحديد؟

يعمل فكر الأزمة - حسب ظنه - على مواجهة تآمر مستمر لذلك يتوهم الأعداء أو يخلقهم ليحاربهم ومن هنا جاء الحديث المنتشر الآن عن العلمانية والعلمانيين وخطرهم على الإسلام والمسلمين. يحتاج مفهوم العلمنة Secularization لقدر من التوضيح لأن الكثير من فكر وعمل الحركات الإسلامية يتوجه نحو ما يسمونه بالعلمانية والتي يشرحونها ببساطة، وهنا أختار تعريفاً لأحد الإسلاميين غير متطرف ومنفعل. أن العلمانية فلسفة تقتضي قيام الحياة الإنسانية على أساس من الخبرة البشرية لا من كتاب سماوي قد تكون خاطئة، أو قاصرة عفا عليها الزمن ومع ذلك تفرضها القوة الغاشمة على الشعوب، وتمنع كل خيرة أخرى من منافستها فهي تحرر من الكتب السماوية حقاً ، لكنها تكبل نفسها بكتب البشر، من أمثال ماركس ولينين وهتلر وماو! وقد تنجو من حبائل الكتب البشرية، لكنها تقع فريسة لاستبداد الأهواء والغرائز27. فهي تعني عند الإسلاميين الفصل بين الله والإنسان، وهذه معركة مفتعلة ولا توجد في الواقع، فالدعوة للعلمانية تعني عدم تسييس الدين بالمعنى الصراعي الذي يعيد للأذهان خطايا حكم الأمويين والسلاطين الطغاة المسلمين الذين أساءوا للدين أكثر من أي علماني. كما أن التعددية الثقافية والسياسية والعرقية تستوجب قدراً من المساواة بين أديان الوطن والواحد وهذا لا يتم إلا بإبعاد الأديان عن صراع السلطة السياسية المباشر، ويظل الدين محترماً ومقدساً كشأن خاص لا يتدخل في الدولة ولا تتدخل الدولة فيه.

ارتبط مصطلح العلمانية بتاريخه الغربي وعلاقة الكنيسة التي تتغير حسب الحقب والمجتمعات، وينطبق هذا على مفهوم العلمانية الذي يكتسب في العصر الحاضر وفي مجتمعات الوطن العربي والعالم الثالث معنى مختلفاً عن السابق. ففي الوقت الحالي ومع ضرورات بناء الدولة الوطنية في المجتمعات حديثة الاستقلال والمتعددة المجموعات الإثنية لا بد من شكل علماني لكي تقوم العلاقة في الدولة على أساس حق المواطنة وليس على العقيدة الدينية التي يمكن أن تفرق فالعلمانية هي أن تبدأ السياسة من الواقع ولا يفرض تصور مثالي من خارج التاريخ يعطي صفة دينية بينما هو أيديولوجيا أو تفسير قوى اجتماعية معينة للدين. يقول أركون في هذا الصدد: ((فالفضاء المدني للمجتمع ينبغي أن يكون لكل المواطنين دون أي تمييز بينهم حسب أديانهم، أقلية كانت أم أكثرية مسيحية أم إسلامية. فالعلمنة بهذا المعنى حق وواجب. ففي المجتمع المدني الحديث المعلمن لا يحق لأي مواطن أن يعتبر نفسه أكثر من مواطن آخر لسبب بسيط هو أنه ينتمي إلى دين الأغلبية))28. لذلك فالعلمنة في نظره ((قفزة نوعية في تاريخ المجتمعات البشرية فهي التي نقلت البشرية من الفضاء العقلي للقرون الوسطى إلى الفضاء العقلي للتقدم والحداثة))29. فالخطاب الديني يجب أن يختصر على العائلة أو الجامع أو الكنيسة، كذلك ضرورة تعليم الأديان بطريقة علمانية، فهو يعرف العلمنة بأنها الموقف الحر والمفرح للروح أمام مشكلة المعرفة30. ويرى أن العلمنة تأخذ كلية الإنسان المادية والروحية معاً ، دون أن تؤثر بعداً من أبعاده على حساب البعد الآخر. كذلك يرفض العلمنة السلبية ويقصد بها: ((ليبق كل منا في مذهبه ولا نناقش المسائل التي تفرقنا)) ويعتبر مقولة الدين لله والوطن للجميع شعاراً جميلاً ولكن لا يحل المشاكل للأسف بل يمثل نوعاً من الهروب أمام المشكلة الأساسية وعدم الجرأة على مواجهتها. فالدين ليس لله فقط وإنما هو موجود بالشارع31.

العلمانية ليست ظاهرة مرتبطة بتطور التاريخ الأوروبي فقط ومجرد صراع بين سلطة الكنيسة وتقدم العلم والفكر كما يحاول الكثير من الكتاب أن يختزلها، بل هي ضرورة عقلية واجتماعية وسياسية في كل المجتمعات التي تتجه نحو التقدم والديمقراطية والوحدة بكل أشكالها دون قصر. ويورد فؤاد زكريا بعض الحجج على ضرورة العلمانية في المجتمعات العربية بسبب تزايد الظاهرة الدينية، فهو يرى عدم التقاء السياسة والدين وهذا مبدأ كان الاتفاق حوله حتى نهاية الستينيات يكاد يكون كاملاً ، لأن السياسة تفترض الاختلاف وأساس مهمتها تغليب وجهة نظر معينة على الاتجاهات الأخرى، بينما تسعى الأديان إلى أن تكون شاملة وتسري على كل البشرية. وتنتمي الممارسات السياسية إلى عالم الوسائل باستعمال كل الأساليب والأدوات مما ينزل الدين عن علياء المثل، وهكذا تدخل السياسة الدين في مأزق أما استعمال الأساليب المعروفة وبالتالي تهبط بالدين أو أن يتمسك بالمثاليات الدينية وبالتالي يعجز عن التعامل مع عالم يمارس السياسة بطرق دنيوية خالصة32. ويرى أن التجربة أثبتت أن نطاق الحرية يتسع كثيراً في ظل الحكم العلماني أكثر من المجتمعات التي تدير شئون السياسة على أسس دينية، والسبب في ذلك كما يقول الباحث: ((فالحكم الديني يغري الأغلبية باضطهاد الأقلية، ويغري الحكام باستغلال قداسة الدين من أجل تبرير تصرفاتهم وإضفاء العصمة على أخطائهم، وكثير من حقوق الإنسان الأساسية، ولا سيما حرية الاعتقاد والتفكير، تقيد أو حتى تهدد إذا كان الحكم يرتكز على وجود حقيقة مطلقة يعد كل ما يخالفها زندقة وتجديفاً)).33

وفي نفس إطار ضرورة العلمانية باعتبارها ظاهرة إنسانية يقرر أحد الاجتماعيين حقيقة هامة فيما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة إذ يرى استحالة الدمج بينهما، لأن الدولة بمفهومها العصري تتمتع بشخصية تشريعية تحكم وتحاكم - لا يمكن أن يكون لأي دين فالدين يحكم ولا يحاكم أما الدولة فتحكم وتحاكم. من هنا القول إن الدولة بجوهر مفهومها شخصية تشريعية، تنظيم معلمن سلفا34. لذلك فالعلمانية هنا لا تعني اللادينية كما يردد بعض الإسلاميين، بل تعطى المواطن حق رفض أو قبول تشريعات الدولة لأنها بشرية لا من صنع السماء. ويؤكد: ((والواقع أن المسلم اليوم بوضعه الدولتي إن صح التعبير، يعيش العلمانية مسلكياً وينكرها على نفسه أيديولوجياً ، يعيش معاناة دائمة بين موقعه الدولتي وموقعه الأمتي أي بين الأخوة في المواطنة وهي الدولة وبين الأخوة في الدين وهي الأمة35. ولا يقتصر هذا الموقف على السياسة فقط إذ أمتدت العلمانية المسلكية إلى كل أشكال الحياة الإنسانية الحديثة المتأثرة بتقدم العلم وتوسع الاتصال والاحتكاك الثقافي. فأغلب المسلمين لا يرفض علمنة حياته ولكن يسعى لكي يجد لهذه العلمنة المتزايدة غطاءاً دينياً ما. وسيتضح لنا من خلال هذه الدراسة كيف تعلمن سلوك وتفكير الحركة الإسلامية في السودان برغم كل الشعارات التي ترفضها.

منهج دراسة الحركات الإسلامية أو الأصولية يجد أسسه في علم الاجتماع كنسق معرفي يبحث عن المعنى أو الفهم في الظاهرة لا يصف أو لا يحلل بالطريقة التقليدية معتمداً على الاستبيان أو الإحصاء فقط بل يحاول الاستفادة من معارف تساعد في عملية البحث عن المعنى. والظاهرة الدينية ليس استثناء لأن البحث الاجتماعي لا يحاور النصوص المقدسة بل يفهم المعاش والممارس. ليس المهم صحة هذه النصوص وتفسيراتها ولكن تجلياتها وتجسيدها في علاقات ونظم اجتماعية. من هذا المنظور تعاملنا مع الدين كما تمارسه الجماعات والأحزاب الدينية كأيديولوجيا وشكل من أشكال الوعي الاجتماعي، فالتدين نفسه لا يهتم بالدين كمعرفة مجردة أو حقيقة مطلقة ولكن بكيف تعاش وتتجسد هذه الحقيقة واقعياً. فالعقيدة تتحول إلى أيديولوجيا في ظروف عديدة أهمها هنا عندما تستعمل في السياسة، حينئذ تكون أداة للسيطرة والهيمنة من قبل مجموعة على أخرى بدون استعمال القوى المادية بالضرورة أو حين تساعد في تبرير نظام معين للامساواة وتجعله يبدو طبيعياً - كما يقول ماركس.

تتميز أي عقيدة بقدر من الثبات والاطمئنان. لذلك كثيراً ما تهتز وتتعرض لصعوبات في فترات التحول والانتقال والتغيرات الاقتصادية - الاجتماعية والثقافية . وهنا يبرز السؤال الذي يقلق الاجتماعيين والأنثروبولوجيين بالذات: كيف يسلك ذوو الحساسية الدينية عندما تبدأ العقيدة في التآكل وتتشقق التقاليد؟ هذا وجه لفكر الأزمة، هناك احتمالات يعددها Geertz الباحث المعروف في أنثروبولوجيا الدين والإسلام على الأخص: ((قد يفقدون الحساسية أو تحويلها إلى حمى أيديولوجية أو يتبنون عقيدة مستوردة أو التحول بقلق إلى دواخلهم أو يتمسكون أكثر بالتقاليد البالية، أو يحاولون تشغيل هذه التقاليد بطريقة أخرى فعالة أو يقسمون أنفسهم إلى ذاتين واحدة في الحاضر ماديا وأخرى روحيا في الماضي، أو التعبير عن تدينهم بطريقة علمانية، وقليل منهم يفشل في رؤية عالمهم يتحرك وينهار))36. هناك ملاحظة هامة وهي وجود عقائد معينة تزدهر في مجتمعات معينة ومهمة علم اجتماع الدين اكتشاف هذه العلاقة وبالذات بين الدين والتغير الاجتماعي.

رغم أن مفهوم الأيديولوجيا متعدد المعاني والتفسيرات وقد لا يشمل الدين في كليته لأن التصورات الدينية تحتوي على رواسب غير أيديولوجية وقد تكون وجدانية غير أيديولوجية تماما في بعض المجتمعات، وبالتالي لا تستنفد الأيديولوجيا هذا الشكل من الوعي بصورة كاملة أو متطابقة. ويكون هذا الاستخدام أي الدين - أيديولوجيا صحيحاً في حالة تبني المفهوم الذي يرى أن التصورات الدينية توظف بطريقة معينة أي تحريفها أو تشويهها من قبل فئات اجتماعية بهدف ترسيخ سيطرتها37. وهذا قد يعني أن أي أيديولوجيا هي تزييف للواقع والتاريخ وعند دراسة الإسلام السياسي كثيراً ما يتداخل التاريخ والأيديولوجيا ويحتاج الأمر إلى قدر كبير من الدقة والنظر النقدي لإعادة ترتيب كل عنصر على حدة. وأحياناً يصعب تحديد صحة حدث ما أو تفسير واقعة معينة إذا تغلف بكثير من الانحيازات والمصالح الطبقية، وقد خلف الصراع السياسي في الإسلام تراثاً ضخماً من مثل هذا التاريخ.

تهتم هذه الدراسة بالإسلام السياسي ليس كما هو موجود في النص المقدس - القرآن والسنة المطهرة والإجماع لحد ما، ولكن: كيف يحول الناس هذه النصوص إلى حياة يومية وصراع سياسي حول السلطة في الماضي والحاضر؟ ورغم العلمنة التي دخلت في كل مجالات العلاقات الاجتماعية والثقافية والقيم والسلوك، إلا أن الحركات الدينية تحاول باستماتة التحصن في تأويلات دينية تلهث خلف التحولات الاجتماعية - الاقتصادية والفكرية والتكنولوجية التي تجتاح المجتمعات العربية - الإسلامية. يقول بعض الباحثين أن الدين المعدل أو المصلح Reformed ليس ديناً لأنه يفقد أصوله الأولى التي جعلته يحمل صفته وتمايزه. ما تسميه الحركة الإسلامية في العديد من الأقطار العربية والإسلامية تجديداً في الفكر الإسلامي، هو في الواقع تعبير عن فكر الأزمة الذي نعتقد أنه يفسر هذه الفورة الإسلامية التي تعيش الآن مأزقاً حقيقياً سواء أكانت في الحكم أو المعارضة.

هذه الدراسة اجتماعية شمولية بمعنى أنها تحاول الاستفادة من الطرائق المتعددة في البحث الاجتماعي. وهي على الصعيد الأول ليست فقهية وعقدية تبحث في أصول الدين أو أصول الفقه إلا بمقدار ما تراه يمشي على الأرض. ثانياً لم نلجأ إلى تصنيفات إحصائية لتحديد المنابت الطبقية لأعضاء الحركة في السودان بل اعتمدت على الملاحظة والمعايشة والشهادات الذاتية التي تظهر في كتابات أنصار الحركة، وتحاول الدراسة أن تكتب تاريخاً موازياً للحركة يعتمد على هذه المصادر التي قد تكون ثانوية ولكن أكثر تعبيراً من خلال إعادة قراءة المكتوب أو محاولة إظهار المسكوت عنه أو المقنع.

الهوامش

  1. محمد سعيد العشماوي: الإسلام السياسي. موفم للنشر، الجزائر 1990 ص 189. ↩

  2. راجع كتابات: محمد أركون، حسن حنفي، محمد أحمد خلف الله، محمد نور فرحات، خليل عبد الكريم، فالح عبد الجبار، هادي العلوي، فرج فودة، محمد سعيد العشماوي، بالإضافة لندوة :"الدين في المجتمع العربي" مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 1990 والحوار القومي - الديني، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 1989. ↩

  3. أبو الأعلى المودودي: نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور. مؤسسة الرسالة، بيروت 1980م ص 77-78 ↩

  4. محمد أحمد خلف الله: " مفاهيم قرآنية " مجلة اليقظة العربية، العدد التاسع، السنة الخامسة، سبتمبر 1981 ص 12. ↩

  5. خليل عبد الكريم: الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية. دار سينا للنشر القاهرة 1990، ص 3-104 ↩

  6. نفس المصدر، ص 106 ↩

  7. أرجع James Barr في كتابه Fundamentalism (SCM1977) الأصل التاريخي للكلمة إلى مجموعات من النشرات بعنوان الأصول Fundamentals صدرت بين عامي 10-1915 واستعملت الكلمة لتقديم العناصر التقليدية التي تؤكد سلطة النص الديني (الإنجيل) وإجلاء طهارة وقداسة المسيح والعذراء. ولكن بانتشار المصطلح في أمريكا ثم بريطانيا فقد كثيراً من معنى الأصل التاريخي. ↩

  8. R.M.Burrell(ed) Islamic Fundamentalism, R.A.S, 1989, p ↩

  9. محمود سعيد العشماوي، مصدر سابق، ص 160-161. ↩

  10. صلاح الدين الجورشي: " الحركة الإسلامية مستقبلها رهين التغيرات الجذرية " في كتاب: " الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية " تحرير عبد الله النفيسي. مكتبة مدبولي، الطبعة الأولى 1981 ص 4-125 ↩

  11. نفس المصدر. ص 125. ↩

  12. سيد قطب: معالم في الطريق، دار الشروق القاهرة 1988. ص10. ↩

  13. المصدر السابق، ص 10-11. ↩

  14. تأليف أبو الحسن الندوي. ↩

  15. R.Hrair Dekmejian: Islam in Revolution. Fundamentalism in the Arab World. Syracuse University Press, 1982, pp 9-23 ↩

  16. المصدر السابق، ص 19-20. ↩

  17. نفس المصدر، ص 20-23. ↩

  18. فالح عبد الجبار: " حول الحركات السياسية الإسلامية المعاصرة. نماذج من بلدان عربية وإيران وباكستان " (في الفكر الديمقراطي) العدد 8 خريف 1989 ص 75-82 ↩

  19. عفيف الأخضر: عصر الأزمة الدائمة. الدار البيضاء (ب.ن) و (وب. ت) ص 26. ↩

  20. نفس المصدر، ص 37. ↩

  21. المصدر السابق، ص 37. ↩

  22. سمير أمين: نحو نظرية للثقافة. معهد الإنماء العربي، بيروت 1989 ، ص 13. ↩

  23. المصدر السابق، ص 131-135 و 137 ، 139. ↩

  24. محمد جمال باروت: " الأصولية الإسلامية السائدة مدخل مقاربة وتحليل " مجلة الفكر الديمقراطي العدد 8 خريف 1989 ص 14. ↩

  25. المصدر السابق، ص 101. ↩

  26. نفس المصدر السابق، ص 110. ↩

  27. أحمد عبد الرحمن: أساطير المعاصرين. القاهرة: بيت الحكمة 1409ه، ص 117. ↩

  28. محمد أركون: " إعادة الاعتبار للفكر الديني-2 " مجلة الكرمل عدد 35، 1990 ص 29. ↩

  29. نفس المصدر، ص 32. ↩

  30. المصدر السابق، ص 32. ↩

  31. نفس المصدر، ص 32. ↩

  32. فؤاد زكريا: العلمانية ضرورة حضارية. مجلة " قضايا فكرية " الكتاب الثامن أكتوبر 1989 ص 291. ↩

  33. المصدر السابق: ص 291. ↩

  34. فؤاد إسحاق الخوري: " حرية المسلم وشمولية الدين" في " الإسلام والحداثة " ندوة " مواقف " لندن دار الساقي 1990 ص107. ↩

  35. المصدر السابق، ص 107. ↩

  36. Clifford Geertz: Islam Observed. Chicago University Press, London, 1968,P3 ↩

  37. ميشال بريان: وضعية الدين عند ماركس وأنجلز. ترجمة صلاح كمال. بيروت، دار الفارابي 1990. ↩

Share this page

Get new additions by email

We are adding Hayder Ibrahim Ali's books, articles and photos over time. Leave your email and we'll let you know what's new.

Help us document Hayder's work, writings and photos

Do you have a tribute, an article by or about him, or photos and recordings of him? Send them to us and we'll review them before publishing.

Or email us directly athayder@ssc-sudan.org

What would you like to add?