Hayder Ibrahim AliAutobiography

About Hayder

أبولو (حيدر ابراهيم علي) يحلق عالياً

المستشار خالد رحمة الله البدوي ·

((لم يبق عندي مايبتزه الألم.... لم يبق عندي كفاء الحادثات أسى ولا كفاء جراحات تضج دم..)) الشاعر الجواهري

حقيقة لم يبق عندي ما يبتزه الحزن والألم، فأنا والحزن والألم أصبحنا في تحالف وإئتلاف منذ أمد، والامثلة لا تحصى ولا تعد لأسباب ووقائع هذا التحالف والائتلاف منها:-

  • إنفصال جنوب بلادنا وإحتفاء بعض المرضى بهذا البتر.
  • صاعقة قراءة خبر نعي العزيز (راشد) في إحدى القروبات وأنا متصل على تفلونه وتلفونه يرن وأنا داخل نفسي اعاتبه لتأخره في الرد على التلفون.
  • فاجعة رحيل أمي عن دنيانا الفانية في عز كارثة 15 ابريل 2023 وعدم تمكني من الوصول إليها والقاء نظرة اخيرة وقراءة الفاتحة على قبرها.
  • صدمة خبر رحيل العزيز المخرج والمنتج ياسر عوض الذي علمت برحيله فى معرض حديث عابر بين بعض الأصدقاء.

وغيرها وغيرها من الفواجع.

وأخيرا خبر تحليق (أبولو) عاليا وبعيدا عن فضائنا.

نعم هو (أبولو) بحق وحقيقة للسودان وللسودانين.

فوفقا للميثولوجيا الإغريقية فإن (أبولو) هو إله النور، والشمس، والموسيقى، والشعر والرماية، وحامل الضياء والصدق، ودكتور حيدر إبراهيم علي هو الإله أبولو للسودان والسودانيين.

(أبولو) خليط من الشخوص والقيم في جسد وعقل واحد.

فهو إبن المقفع في ذكائه وكرمه وأخلاقه الحميدة، وسعة وعمق علمه ومعرفته ما جعله من أحد كبار مثقفي عصره، حيث أن ثقافته هي عصارة ومزيج من الثقافات.

وهو الشيخ أحمد الكراس معلم الشيخ بابكر بدري، الذي لا يبالي بأهل المال ولا أهل السلطة والجاه في علمه وعمله.

وهو ايضا بابكر بدري في صدقه وبناء مشروع تنوير المجتمع السوداني.

وهو الحلاج في جهاده ضد الظلم والطغيان في النفس والمجتمع.

وهو سلامة موسى في اهتمامه الواسع بالثقافة، واقتناعه الراسخ بالفكر كضامن للتقدم والرخاء. وهو معاوية محمد نور في غزارة إنتاجه وتسابقه مع الزمن في بث ونشر الوعي بين أهل السودان. وهو عبدالله العروي في إيمانه بالمنهج المعرفي. هو خليط من الشخوص والقيم النبيلة والافكار القويمة.

1. (ياسر) و (بت أحمد) وعم (إبراهيم علي):

هي رحلة إمتدت منذ عهد الطفولة مرورا بالمراهقة والصبا وحتى الآن، إذ تعود بي الذاكرة الي إجازة نهاية العام الدراسي للصف السادس الإبتدائي، ونحن بحلفاية الملوك، الحي الجنوبي، ونحن شبه أطفال نلعب كرة القدم بالساحة التى تحولت فيما بعد الى مسجد، مجموعة من الأقران في عمر متقارب، كان من بين هؤلاء الأقران (ياسر ابراهيم علي) - الذي هو الآن المهندس ياسر -الذي كان عمره في عمري، كان كل أقراننا من ابناء حلفاية الملوك أو من العاصمة المثلثة أبا عن جد، بمعنى أنهم ليس من (أهل العوض) كحالنا، إذ أن أسرتي قادمة من (أبودليق)، بينما اسرة المهندس ياسر من منطقتي (القرير والدويمات).

كنا كأطفال نتعامل مع بيوت بعضنا كأنها بيوتنا جميعا وعلى وجه الخصوص أنا، اذا كنا في مربع واحد بالحي.

بعد لعب الدافوري كنا نتجمع مساءا أمام منازلنا أو غالبا في بيت (ناس ياسر) أو مزرعتهم التى كانت تقع شرق شارع الطيار الكدرو، قبل ان ينزعها مخاليق الإنقاذ لمآربهم الخاصة، كان بيت (ناس ياسر) يتميز عن بيوتنا بالحيشان الوسيعة بالإضافة لتوافر الكثير من المزايا والمميزات وغير متوافرة في الغالبية الساحقة من بيوت العاصمة المثلثة.

كانت أمنا (بت أحمد) الشايقية المشلخة بشلوخ الشايقية تتحفنا بالحكم والقصص والأمثال والحكاوي عن منطقة القرير، كما كانت تشرح لنا مفردات بعض أشعار وغناء الشايقية ومن ضمن تلك الشروح التى أتذكرها شرح معنى (ضل ساسويا) الواردة بقصيدة (مسدار ابو السرة) للشاعر القدال، فعرفت انها تعني ظل قطعة الزجاج المكسورة. ، كانت توجهنا في كثير من الأحيان و (تعدل عوجنا، وتطلق علينا مختلف الألقاب.

كنا نجلس، ونتسامر مع الرجل الحكيم عمنا (إبراهيم علي بابكر) ضابط الشرطة المتقاعد ونستمع لحكاياته وما لاقاه في مختلف المناطق التي عمل بها في السودان. عمنا (إبراهيم علي) صاحب النظرة المتقدمة في في التعامل والأفق الواسع والراقي، ومن ضمن مظاهر التقدم تلك تميزه لبناته (كوثر وثريا وسمية) تميزا إيجابيا على أبنائه (حيدر وأنور وياسر وناظم)، ومن ضمن حالات التميز الايجابي تسجيله لكل واحدة من بناته قطعة أرض في إسمها دون أن يفعل ذلك لأحد من أبنائه، بخلاف التميز الايجابي في الجوانب الأخرى وتعامله مع بناته، فعل ذلك وهو على قيد الحياة.

عمنا (ابراهيم) الحكيم الذي شاهدنا، ياسر وأنا وبعض أقراننا في سلوك غير منضبط بضع مرات، ونحن في طور الصبا، وتغافل عنّا كأنه لم يشاهدنا أو يسمعنا (مع أنني متأكد كل التأكد) بأنه شاهد وسمع ولكنه تغافل عمدا عنّأ، ويا ليته وبخنا ساعتها، إذ أن تصرفه تجاهننا آنذاك كان أشد تأثيرا وألما، وها أنا أتذكر تلك المواقف، وتلك المشاهد ما زالت راسخة بذهني.

هذا الفهم الراقي لعمنا (إبراهيم علي) تعلمت منه وسلكته في تعاملي مع بنتي وميزتهم عن أخيهم تميزا إيجابيا.

نعم كان منزلنا يرتاده العديد من الأقارب والمعارف الذين يأتوا من البلد إما للعلاج أو قضاء بعض أغراضهم بالخرطوم أو السفر للسعودية ويمكثوا معنا عدد من الأيام، ولكن بيت (ناس ياسر) كان مختلفا، إذ لا ينقطع عنه الضيوف أو الزوار من الأهل أو المعارف وبأعداد كبيرة من القرير أو الدويمات أو أماكن أخرى، لا هذا بل لا يخلوا البيت من طلاب مقيمين بصفة دائمة حتى ينتهي العام الدراسي أو الفصل الجامعي، وكانت صواني الأكل والشراب والقهوة والشاي تدور طوال اليوم وعلى مدار الأسبوع والشهر والسنة، دون كلل أو تذمر، والله على ما أقول شهيد.

بحكم إرتيادي الدائم لمنزل (ناس ياسر) منذ الطفولة وحتى الآن، أصبح منزلهم منزلي بحق وحقيقة، كانت بت أحمد أمي وعم إبراهيم (أبوي) وكوثر وثريا وسمية وياسر وناظم إخوتي. وفيما بعد أنور بعد رجوعه من يوغسلافيا، و (أبولو) الدكتور حيدر ابراهيم، الذين لم يكونا بالسودان خلال عهد طفولتنا وصبانا.

كنت أعرف أن دكتور حيدر خارج السودان - آنذاك كان بجمهورية ألمانيا الإتحادية، إذ لم ألتقيه لعدم تواجده بالسودان، كما أن أنور قد عاد متأخرا من جمهورية يوغسلافيا وبالتالي لم يكن له دور في حياتنا اليومية في عهد الطفولة والصبا.

لم أنقطع أو أتوقف عن زيارة (بت أحمد) حتى بعد أن تقدم بي العمر ورحيلي الى المنافي الواسعة، وإنتقالي الى بيت بالقرب من كبري حلفاية الملوك، ففي إجازاتي السنوية وكالعادة أكون مساءا مع بت أحمد وأتمدد على نفس السرير ويدور بيننا نفس الحوار والونسة، في حضور القهوة، ولكن هذه المرة معي أولادي عزة وعالية والمنذر وأمهم أحيانا، الى أن إنتقلت (بت أحمد) إلى جوار ربها.

بين تلك الأم (بت أحمد) وهذا الأب (عم إبراهيم) وتلك الصفات والعادات والتقاليد وهذه الأريحية، نشأ وترعرع (أبولو) بالاضافة لما ذكرت من صفات وشخوص فهكذا كان أساس دكتور حيدر إبراهيم.

2. إختلاف بيت (ناس ياسر) عن غيره من البيوت:

أن بيت (ناس ياسر) كان متميزا ومختلفا عن الغالبية الساحقة من بيوت العاصمة المثلثة، بل كان مختلفا عن كل بيوت مدن السودان الأخرى، وعرفت ذلك بعد أن تقدم بنا العمر، ومن أبرز الاختلافات:-

أ‌- جهاز العرض (projector):

بفضل ما وفره (أبولو) بهذا البيت، كان بيت ناس ياسر مختلفا، فلقد كنا نطلب من ياسر أثناء إجازات المدرسة أو أوقات فراغنا اثناء مرحلة الثانوي العام، أن يعرض لنا بعض الأفلام، ولأول مرة في حياتي أشاهد جهاز الـعرض (projector) الذي كانت تستخدمه دور السينماء التي نرتادها آنذاك مثل سينماء الصافية والوطنية وحلفاية، فيعرض لنا بعض الأفلام وكان يجعل من حائط الصالون شاشة للعرض، وفي البداية كنا نترك إختيار الفلم لياسر الذي كان يتحكم في أمزجتنا باعتباره المشغل لجهاز العرض والمخرج. وفيما بعد وبحكم إرتيادي الدائم لبيت ناس ياسر عرفت نوعية الأفلام التي يمكننا أن نختارها ونطلب عرضها لنشاهدها.

كان بالصالون وغرفة أخرى مكتبة مذهلة، مذهلة بمعني الكلمة ومتنوعة، هذا بخلاف عشرات الكراتين التي بها عشرات الكتب ومختلف المحتويات، وبحكم ترددي على بيت (ناس ياسر) وأنني أصبحت أحد أفراد هذا البيت، فكنت كنت في أوقات فراغي أو أثناء الإجازات اتردد نهارا على هذه المكتبة وربما أقضي كامل اليوم في قراءة كتاب أو مشاهدة فيلم أو متابعة مسرحية وبحكم أن تلك المكتبة كانت آنذاك مرتبة ومنظمة، كنت أرد الكتاب أو الشريط أو الأسطوانة الى مكانها. كانت مكتبة الدكتور حيدر إبراهيم متنوعة ومتفردة ويمكن تقسيمها الى: -

ب‌- مكتبة الكتب الورقية:

كان صالون (ناس ياسر) وسيع جدا وبه مكتبة ضخمة جدا بها الآلف الكتب في شتى مجالات الكتابة التي تعرفها البشرية وبكل اللغات، وتفوق مكتبة مدبولي بمراحل، من دواوين شعرية أو روايات أو كتب في التأريخ او كتب عن الأديان أو السياسة أو الاقتصاد أو الفلسفة.

كانت كل كتب التراث الإسلامي حاضرة، السيرة والتأريخ الإسلامي وكتب الفلاسفة وعلماء الإسلام مرورا بالأفغاني ومحمد عبده.

في هذا المكتبة تعرفت على لوركا وكافكا والسياب ونازك الملائكة ومحمود درويش أدونيس وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل والتجاني يوسف بشير وإدريس جماع، خليل حاوي وحسين مروة وإلياس فرح، وفيكتور هوغو ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وطه حسين، وصنع الله إبراهيم وغابرييل غارسيا ماركيز وأدب أمريكا اللاتينية وغيرهم من الكتّاب والإصدارات الدورية من مجلات في مختلف مناحي الحياة.

في هذه المكتبة تصفحت - بالاضافة للقران - التوراة والأنجيل، وتعرفت على بوذا وكونفشيوس والديانات القديمة.

ت‌- مكتبة الفيديو:

بغرفة أخرى كان هنالك جهاز فيديو وعشرات الأشرطة المكتوب عليها المحتوى، أكاد أجزم بأن تلك الأشرطة تحتوي على كل المسرحيات والحفلات التى تم تسجيلها في السودان أو في الوطن العربي، فلقد شاهدت حفلات فيروز ووديع الصافي ومسرحيات الرحابنة وفريد الأطرش وعبد الحليم وأم كلثوم، والأفلام التأريخية أو التى حازت على جائزة الأوسكار، من الأفلام التي أتذكر أني شاهدتها فيلم صائد الغزلان (DEERS HUNTER) الذي يحكي عن حرب فيتنام، العراب (God Father) وحفلات بوب مارلي وجمي كليف ودميس روس وديانا روز والبوني ام وفرقة آبا بالإضافة الى عشرات الأفلام الوثائقية.

ث‌- مكتبة الأسطوانات الموسيقية:

كان بنفس الغرفة التي بها أشرطة الفيديو، مشغل للإسطوانات وكانت هنالك مجموعة هائلة من الإسطونات تحتوى على عدد كبير من الأغاني السودانية القديمة وكذلك الأغاني العربية والأجنبية.

هذه المكتبة المذهلة أخذت بعقلي وجعلتني أتشبه بدكتور حيدر إبراهيم وأتمنى وأسعى لتأسيس مكتبة مشابهة لها بمنزلي الخاص، ولقد فعلت فيما بعد ذلك بصالون بيتي، إذ رتبت مكتبة مشابهة للكتب الورقية وكذلك مكتبة مرئية ومسموعة، إلى أن ألمت بنا كارثة 15 ابريل 2023 وجعلت منزلي وكل ما فيه خرابا بما في ذلك مكتبتي الورقية والسمعية والمرئية.

وأتمنى وأرجو من ياسر إبراهيم وبكري جابر ومظفر وانديرا وحياة أن يهتموا بمكتبة دكتور حيدر المتنوعة تلك ويعيدوا ترتيبها وتنظيمها، لأنها كنز حقيقي.

3. الالتقاء بدكتور حيدر إبراهيم (أبولو):

أخيرا وأنا طالب في المرحلة الثانوية بالخرطوم القديمة الثانوية، وأثناء خروجي صباحا للشارع في طريقي للمدرسة شاهدت أمام منزل عم إبراهيم، عربيتين شكلهما غريب جدا بلوحات أجنبية، تلك العربات كانت تشبه عربات الهمر، ولكن كل عربية منهما كانت عالية وأوسع من الهمر، فحدثت نفسي بالمرور على منزل عم إبراهيم في المساء وبعد العودة من المدرسة.

عند المساء وكالعادة دخلت بيت ناس ياسر بدون الضغط على الجرس أو النقر على الباب، فوجدت الحوش به عدد من الخواجات، وقلت في نفسي هذه المرة ضيوف ناس ياسر مختلفون و (جابت ليها خواجات)، شاهدني وشاهدت الدكتور وهو ينظر إلي باستغراب لدخولي البيت بدون استئذان، وكأنه يقول يا للفوضى - فيما بعد أن توطت معرفتي بالدكتور تيقنت بانه يكره، من ضمن ما يمقت، الفوضى - سلمت علي الدكتور وعلى الخواجات، وفيما بعد تيقنت بأن أهل البيت قد أفهموا الدكتور بان سلوكي الفوضوي هذا، هو سلوك متواتر ومنذ سنين، فتقبل وأستوعب هذا لأمر.

كانت هذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها (أبولو) اذ كان قادما من جمهورية ألمانيا بصحبة فريق إعلامي من إحدى القنوات التلفزيونية الألمانية، وكانت نية هذا الفريق تصوير فيلم وثائقي في الجنوب أو كينيا، لا أذكر وجهتهم إلى أين بالضبط، ولكن كانت تلك العربيتين مجهزة بأحدث الوسائل من كاميرات ومعدات وأجهزه أخرى، بعد أن شاهدت تلك العربات من الداخل، وكانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي اشاهد فيها العربات والطواقم الفنية التي تقوم بتصوير الأفلام الوثائقية.

استقر دكتور حيدر فيما بعد بالسودان كمحاضر بجامعة الجزيرة ومتعاون مع جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وهذه هي الفترة التي تعرفت عليه فيها أكثر وكنت اراقب حركاته وسكناته في تعامله مع الصغار والكبار، مع من هو قريب منه وبعيد عنه فكريا، كان يتعامل بكل الاحترام مع هذا أو ذاك بدون أي مجاملة أو مداهنة، ويفرق بميزان دقيق جدا بين ما هو إجتماعي وماهو فكري ومبدئي ولا يخلط بين الأمور حتى في تعامله مع أقاربه الذين لديهم وجهة نظر تختلف عنه.

وحقيقة كنت استمتع بحكاويه عن تجاربه في مختلف المراحل، فمثلا انه اعتاد طرد أحد طلابه عندما كان مدرسا بمدرسة بحري الثانوية لأنه كان يظن بان هذا الطالب سيفعل كارثة، وفعلا صدق حدسه، اذ أصبح ذلك الطالب فيما بعد أحد أعضاء ما يسمى مجلس ثورة الإنقاذ.

تواضعه وجديته في التعامل مع الحياة وتقديسه للعمل أيا كان العمل، فكان يحدثنا عن أيامه في جمهورية ألمانيا وأنه أحد بناة مطار فرانكفورت، إذ أنه كان عامل طلبة (عامل مونة).

المحاضرات والدروس التي كان يلقيها عليهم العقيد معمر القذافي عند الفجر بعد أن يوقظهم من النوم.

العقلية الأنانية المتخلفة التي كانت تدار بها الجامعات السودانية، ومن ضمنها جامعة الجزيرة.

محاربة مخاليق الإنقاذ له والتضيق عليه بعد أن شرع في تأسيس مشروعه ومشروع كل السودان الذي أفنى فيه عمره، (مشروع مدرسة التنوير والتحرير).

4. مواقف شخصية لن أنساها لدكتور حيدر ابراهيم:

بعد أن استولي مخاليق الإنقاذ على السلطة في بلادنا وزجوا بأعداد كبيرة من أبناء بلادنا بمختلف المعتقلات والسجون، وشاء القدر أن أكون من ضمن هؤلاء، وزيارة السجون والمعتقلات كانت آنذاك فيها مخاطرة كبيرة وخشية من بطش مخاليق الإنقاذ وجهابذتهم، ومع ذلك كان دكتور حيدر إبراهيم يزورني باستمرار في سجن كوبر، حاملا المجلات والكتب والجرائدوالفواكه، وكروسات سجائر البنسون لصديقه خالد الكد، الذي غالبا ما يكون يوم زيارته لا يصادف يوم زيارتي، فأسلمه هدية دكتور حيدر بعد أن آخذ منه وعدا بأن يمنح من يأتي له بعلبة سجائر نصفها، وبعد أن آخذ منه نصف كروسة السجائر أعيد له جزء كبير من هذا النصف، واخبره فيما بعد بان هذه السجائر هي هدية له من دكتور حيدر إبراهيم، فيرغي ويزبد، ولقد ذكرت ذلك بصورة وافيه في كتابي (هي رحلة أخرى أو سجن كوبر وإخوانه).

بعد خروجي من سجن كوبر كنت أحكي بعد الوقائع والأحداث، فكان دكتور حيدر يحثني ويلاحقني على الكتابة عن تلك الوقائع والاحداث بصورة مستمرة، لا هذا بل يحث كل من حوله بتدوين أي فكرة أو حدث أو خبر، كان محاربا لفكرة المشافهة التي تغيب الكثير مما يجب تدوينه، وفعلا إلى ان كتبت مسودة الكتاب ورأى الكتاب النور بعد حزمة من السنين، ولقد سعدت غاية السعادة عندما أهداه الاخ بكري جابر النسخة التى أهديتها لبكري، ليرى دكتور حيدر إبراهيم نتاج بعض جهده معي، ومن الصدف الحزينة أنني كنت أناقش الكتاب بنادي الجالية السودانية بمسقط، وذكرت بأن هذا الكتاب هو نتاج حث دكتور حيدر إبراهيم لي لكتابته، كان ذلك في نفس الليلة التى كان فيها دكتور حيدر إبراهيم في رحلته الأخيرة بالمستشفى.

وعند زياراتي القليلة للقاهرة، كانت هنالك ثلاثة معالم وقبل ثابتة، هي دكتور حيدر إبراهيم في المعادي، والحسين والسيدة زينب. ومن ثم يأتي غيرها.

5. شذرات من أبولو:

كانت لأبولو طريقة خاصة في التعبير عن الحزن في حالة فقده لأحد الأعزاء، فلقد كان يعبر عن حزنه بالصوم عن الطعام والشراب، وحقيقة لم يصادفني سوداني يعبر بهذه الطريقة عن حزنه.

كان بسيطا وصادقا وغير متكلف، شاهدت وسمعت عدد من الأشخاص يسأله عن وظيفته ومهنته فكان يرد بكل أريحية بأنه (مدرس) بينما هنالك العشرات من أبناء جلدتنا ممن يحمل اسم (دكتور) يتأفف ويستهجن هكذا سؤال ناهيك عن تقعره وتفلسفه في الإفصاح عن مهنته وأنه يحمل الدكتوراة في كذا وكذا، بينما لم يتنزل ما يدعيه من علم لأرضنا.

كان أبولو ضد الزج بالقبلية والجهوية في العملية السياسية ببلادنا، ومع ذلك كان لديه إلمام ومعرفة واسعة بعادات وتقاليد معظم قبائل ومجموعات السودان وموروثهم الشعبي. كنت أحكي لدكتور حيدر بعض المواقف التى مررت بها، فكان يمازحني، بما يشبه المطاعنة، فيقول لي إنتو البطاحين طلبتوا من الله طلب واحد، هو أن يخلقكم وقلتوا ليهو بنعيش رقبتنا برانا)، ولقد أوردت جزء من تعليقات دكتور حيدر في كتابي "أبودليق جدل المكان والمسافة والزمان).

دكتور حيدر هو من أطلق عبارة (قبيلة المحامين)، فقد كان من ضمن أهداف مشروعه التنويري أن تحل النقابة أو الفئة المهنية محل القبيلة.

كان أبولو حاملا للمسك ومحجا لكل فئات المجتمع من سياسيين وأدباء وشعراء وعلماء وصحفيين ومهنين بالإضافة للفقراء والمساكين والبسطاء، لقد شاهدت العشرات منهم يحلقون حوله.

ومن بين العشرات الذين كانوا في حضرة أبولو، ولا أنساهم الشاعر العظيم جيلي عبد الرحمن، فلقد تابعت حديثه وشعره بشغف، فقد كان متواضعا وبسيطا وعالما بحق وحقيقة، حكى رحلته وقبلها رحلة والده الى مصر وعمله بقصور الملك فاروق.

والرجل الآخر هو الرائع والموسوعي الكيني، العظيم بروفسور على المزروعي الذي ساهم في إعداد الموسوعة الممتازة التي أصدرتها اليونسكو تحت عنوان "تاريخ إفريقيا". كما أنتج في عام ١٩٨٦م سلسلة أفلام وثائقية لصالح التلفزيون البريطاني بعنوان ((الأفارقة: الإرث الثلاثي)) وقد أطلق البروفيسور المزروعي فكرة (أفرابيا) وهي عبارة عن تجمع حضاري يؤكد عمق الروابط التأريخية والثقافية والحضارية بين العرب والأفارقة على ضفتي البحر الأحمر وبحر العرب، كما ألف أكثر من ثلاثين كتاباً.

نعم حلق (أبولو) عاليا بعيدا عن فضائنا، ولكن تبقى مدرسته، مدرسة التنوير والتحرير، راسخة ومغروسة في الأرض.

إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا (أبولو) لمحزونون.

وعزاؤنا ان يسير شباب بلادنا على دربك لإكمال مشروع التنوير والتحرير، بتعاضد بكري جابر ومظفر وانديرا ورفاقهم.

Share this page

Help us document Hayder's work, writings and photos

Do you have a tribute, an article by or about him, or photos and recordings of him? Send them to us and we'll review them before publishing.

Or email us directly athayder@ssc-sudan.org

What would you like to add?