بقلوب يعتصرها الحزن والأسى، ننعى اليوم رحيل المفكر وعالم الاجتماع والكاتب السوداني الدكتور حيدر إبراهيم علي، الذي غادر دنيانا في القاهرة بعد صراع مع المرض، تاركاً وراءه إرثاً فكرياً وثقافياً يتجاوز غياب صاحبه، ويظل حاضراً في الأسئلة التي شغلت حياته وفي القضايا التي ناضل من أجلها بالقلم والفكر.
رحل حيدر إبراهيم، لكن الفكر لا يرحل.
فقد كان حيدر واحداً من أبرز رواد الاستنارة في الفكر السوداني المعاصر، ومن الأصوات التي اختارت أن تجعل من العقل والنقد والمعرفة أدوات لمقاومة الخرافة والدجل والتجهيل، وأن تضع قضايا الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني والتنوير في قلب النقاش حول مستقبل السودان.
ولم يكن مشروعه الفكري مجرد كتابات متفرقة أو مقالات عابرة؛ فقد أسس في القاهرة، في تسعينيات القرن الماضي، مركز الدراسات السودانية، الذي أصبح على مدى سنوات منبراً مهماً للكتاب والباحثين والمفكرين السودانيين، ومساحة لنشر الكتب والدراسات والمجلات التي تناولت قضايا السودان السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية. وقد أسهم المركز في نشر أعمال كثيرة لحيدر إبراهيم نفسه ولغيره من الباحثين، وأصدر سلسلة من الكتب والدوريات، من بينها مجلة كتابات سودانية ومن خلال هذا المشروع، لم يكن حيدر يكتب عن السودان من الخارج فحسب، وإنما كان يحاول أن يقرأ السودان بعين نقدية، وأن يضع أمام السودانيين مرآة يرون فيها أزمات مجتمعهم ودولتهم وثقافتهم، بعيداً عن التقديس والمجاملة والخوف.
كان نقده للإسلام السياسي أحد أكثر محاور مشروعه الفكري حضوراً. وفي كتبه، ومنها «أزمة الإسلام السياسي – الجبهة الإسلامية نموذجاً»، و*«سقوط المشروع الحضاري»، و«مراجعات الإسلاميين السودانيين: كسب الدنيا وخسارة الدين»، و«السودان: الحكم الإسلامي وتحديات الدولة الحديثة»*، تناول العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة والسلطة، وانتقد توظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية وسلطوية دنيوية.
وكان حيدر، كما وصفهم في كتاباته، يتحدث عن «الإسلامويين» بوصفهم تيارًا سياسيًا يستخدم الخطاب الديني في مشروع للسلطة، وواجه هذا المشروع بالنقد الفكري الصريح، لا بالكراهية للدين، وإنما بالدفاع عن الدين من الاستخدام السياسي الذي يحوله إلى أداة للهيمنة والإقصاء. ولذلك ظل موضوع الفصل بين قداسة الدين وصراع البشر على السلطة حاضرًا بقوة في مشروعه.
وفي المقابل، لم يكن مشروع حيدر مجرد نقد للإسلام السياسي؛ فقد انشغل بقضايا التنوير والتحرير، الديمقراطية، المجتمع المدني، حقوق الإنسان، المرأة، الثقافة، الهوية، العلمانية، وعلم اجتماع الدين. ومن كتبه في هذه المجالات: «الديمقراطية والمجتمع المدني في السودان»، «التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية»، «المثقفون: التكوين في السودان»، «التعليم وحقوق الإنسان»، «سوسيولوجية الفتوى»، و«العلمانية – قضايا أساسية ولعل أهمية حيدر إبراهيم لا تكمن فقط في عدد الكتب التي كتبها، وإنما في نوع الأسئلة التي تركها وراءه.
كان يسأل:
كيف يمكن أن نبني دولة حديثة في مجتمع متعدد الأديان والثقافات؟ كيف يمكن للدين أن يبقى مصدراً للقيم دون أن يتحول إلى أداة للسلطة؟ كيف نواجه الخرافة والدجل بالتفكير النقدي والمعرفة؟ كيف ننتقل من مجتمع الطاعة إلى مجتمع المواطنة؟ وكيف يصبح المثقف فاعلاً في مجتمعه لا مجرد شاهد على أزماته؟ هذه الأسئلة لم تمت برحيل صاحبها، بل ربما أصبحت أكثر إلحاحاً في سودان اليوم.
من حلفاية الملوك التي فقدت أحد أبنائها، إلى السودان الذي فقد أحد أصواته الفكرية المميزة، يرحل حيدر إبراهيم علي جسداً، لكن مشروعه الفكري يبقى مفتوحاً أمام الأجيال القادمة.
لقد كان من جيل آمن بأن السودان لا يخرج من أزماته بالسلاح وحده، ولا بالشعارات، وإنما يحتاج أيضاً إلى ثورة في الوعي؛ ثورة تحرر العقل من الخوف، وتواجه الخرافة بالمعرفة، والاستبداد بالنقد، والتعصب بالتعدد، والوصاية بالمواطنة.
ولهذا فإن أفضل وفاء لحيدر إبراهيم ليس أن نرثيه فقط، وإنما أن نقرأه، ونناقشه، ونختلف معه، ونواصل الأسئلة التي طرحها. فالمفكر الحقيقي لا يُقاس بما يتركه من حزن عند رحيله، وإنما بما يتركه من أسئلة بعد رحيله.
رحم الله الدكتور حيدر إبراهيم علي،
ورحم معه ذلك الجهد الطويل في سبيل العقل والاستنارة والحرية.
رحيل المفكر لا يعني رحيل الفكر.
فالجسد يغيب، أما الفكرة التي وجدت طريقها إلى عقول الناس، فتظل حية.
إنا لله وإنا إليه راجعون.