حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية

في رثاء حيدر

من ( نقاع الذاكرة )

جعفر عبد المطلب ·

من ( نقاع الذاكرة ) تحت الطبع

الكبسولة الأولي :

لو لم يكن دكتور حيدر إبراهيم علي في سباق مع العمر لما قدم للمعرفة ما قدم !

تظل كتابتي عن الصديق دكتور حيدر مهما تحريت فيها الموضوعية والحياد ، إلا انها ستكون مشوبة، بما بيننا من المودة والمحبة القديمة المتجددة ، في نظر البعض ، ولكن مسؤولية التوثيق ،و مثلها شهادة اهل الفضل ،تكون ضرورية في مثل هذه المواقف، حتي لايغمط الاصدقاء حق اصدقائهم المقربين من الكتابة عنهم ! قبل سنوات خلت ارسل لي الصديق حيدر من مكان إقامته في القاهرة وانا في مرفأ غربتي السابق في أبوظبي، بطاقة معايدة جاءت متاخرة فكتب فيها يقول " معذرة يا صديقي تاتيك هذه المرة بطاقة المعايدة متاخرة بسبب سباقي المحموم مع العمر " إستوقفتني هذه العبارة بما فيها من صدق التعبير ،والدلالة والرمزية ! تذكرت علاقتي بدكتور حيدر ، منذ ان كان أستاذا بارزا لعلم الإجتماع في "جامعة العين" وانا في عاصمة ذات الإمارة، وهو ما انفك يكتب مقالات راتبات في شتى ضروب المعرفة والتنوير في الصحف الظبيانية ،اذكر منها صحيفة الخليج وغيرها . كان ذلك قبل عودته للسودان نهائيا والتفرغ لمركز الدراسات السودانية . كنت دائما ما اقول لو إتجه دكتور حيدر، لما إتجه اليه زملاؤه ومجاييله الي العمل الخاص اي " البنزنس" ، وفيهم من اقام شركة او مزرعة او متجرا او أسطولا صغيرا للنقل العام او ورشة او مكتبا هندسيا متخصصا او عيادة او مستشفى، وكلها اعمال مشروعة، ترضي طموحاتهم وتطلعاتهم خارج سجن الوظيفة العامة وعبوديتها ! نجد دكتور حيدر قد إتجه إتجاها مختلفا بل ومغايرا، لاعمال لا تستهدف الربح وتحسين الحالة المادية ،بقدر ما تشبع نهمه للمعرفة وشغفه بالتنوير ! عندما اقام مركزا للدراسات السودانية ،ولعله كان الاول من نوعه في تاريخ المعرفة المطبوعة في السودان، غاية ما كان يبتغيه كان نشر المعرفة وتوسيع دائرة الإستنارة ، وإعلاء شان العقل في مواجهة ثقافة الخرافة والتدجيل والتلقين والإستكانة لرذيلة روح القطيع السائدة في السودان ! نجح دكتور حيدر في رسالته نجاحا باهرا ،رغم شح الإمكانات، بل إنعدامها ، وملاحقة سلطات النظام الشمولي، اعداء المعرفة المستنيرة دعاة الظلامية ، ملاحقة بلغت حدا ان صادروا نصيبه المشروع من إرثه في جغرافية السودن القارية ، عندما صادروا المتاع الوحيد الذي كان يملكه وهو عبارة عن قطعة ارض يتيمة ! وباتوا يغلقون المركز المرة تلو الاخرى ،كما تعلمون ، ما أضطراه ان يترك الوطن مهاجرا في ارض الله الواسعة، كصاحب رسالة في المعرفة والتنوير ، فظفرت به القاهرة ، التي اقام فيها ،واقام منصة جديدة لمركز الدراسات السودانية الذي لعب دورا عظيما في تعريف المصريين وغير المصريين المقيمين في القاهرة بما يقوم به المركز في نشر الفكر والثقافة السودانية الرصينة من بوابة اكاديمية ذات مصداقية مشهود لها وسمعة طيبة نالت إحترام الجميع .كما انه قدم حيدر كمثقف سوداني له وزنه في المحيط العربي والافريقي ، حتي اصبح له صوتا مسموعا في المنتديات المهمة في القاهرة وفي غيرها من العواصم العربية . بالمناسبة انا هنا في هذه " الكبسولة المضغوطة " لا اتعرض لكاتبات دكتور حيدر العديدة وما انا بناقد ولا شبه لي ! ،ولا لمؤلفاته المتنوعة والمختلفة التى لايسع المجال لحصرها هنا ، كما اني لا اتناول الجانب الإنساني او الإجتماعي في شخصية حيدر ، وهي جوانب اراها انا اكثر ثراء وعمقا من الجوانب الفكرية والمعرفية في شخصية دكتور حيدر . لو تسمح لى هذه " الكبسولة " بإشارة وحيدة ، فحسبي ان أشير الي سيرته الذاتية المميزة تحت عنوان "أزمنة الريح والقلق والحرية " عندما اهداني نسخة منها مشكورا، كتبت اقول له " لقد وفرت على ابناء جيلنا جميعا ياصديقي مشقة ان بكتب كل منهم على حدة " سيرته الذاتية" لانك انبت عنا جميعا في ذلك ، ولو قدر لكائن من كان من ابناء جيلنا ان يكتب، لما كتب بهذه الدرجة المذهلة من الصدق مع النفس والشجاعة التي لاياتيها الباطل من خلفها او بين يديها " قرات ضمن قراءاتي المتواضعة الكثير من السير الذاتية لسودانيين واجانب، لم تبدا بالايام لدكتور طه حسين، ولا انتهت باوراق العمر لدكتور لويس عوض ،ومن السودانيين الشيخ بابكر بدري، والاستاذ محمد خير البدوي في قطار عمره ، ودكتور منصور خالد في شذراته ، وإبراهيم منعم منصور في مذكراته ، وكل ما كتبه الكاتب النابه الراحل دكتور عبد القادر الرفاعي من سير ذاتية في غاية المتعة والبهاء ،عن علي المك والجيلي عبد الرحمن وغيرهم ، والقائمة تطول . . لقد وجدت ان سيرة دكتور حيدر الذاتية ، من بين كل ما قرات في أدب السير الذاتية ، هي الامتع والأجمل ، ربما لانها تعبر عني تعبيرا صادقا وعن ابناء جيلنا برمتهم ! اعيد نشر هذا المقال اليوم ، وقلبي مقطع ومفطور لرحيل دكتور حيدر اليوم ، رحيلا يرخي بسدوله على الوطن برمته ، وهو موعد الاجل الذي لايتقدم ولا يتاخر . اللهم تغمده بواسع الرحمة وإربط على قلوب المكلومين في فقده ، وما اكثرهم ؛ اهل بيته واهلنا في ا"لقرير " واصدقائه وطلابه وقرائه

جعفر عبد المطلب

شارك الصفحة

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟