في رثاء حيدر · د. محمد شومان
د. حيدر إبراهيم على وداعًا.. مفكر سودانى حارب الأيديولوجية الإخوانية وفضح أكاذيبها
رحل عن عالمنا صديقى الدكتور حيدر إبراهيم على، أستاذ علم الاجتماع السودانى المرموق، والمفكر والباحث الذى ترك وراءه رصيداً علمياً وفكرياً كبيراً، اتسم بالرصانة والتميز والشجاعة والإبداع. وبرحيله خسر السودان واحداً من أبرز علمائه ومثقفيه، وخسر العالم العربى صوتاً فكرياً تنويرياً، ظل لعقود منشغلاً بأسئلته الكبرى، ومدافعاً عن حق الإنسان العربى فى الحرية والعدالة والتقدم.
كان حيدر إنساناً نبيلاً وجاداً ومغامراً بالمعنى الإيجابى للكلمة؛ مغامراً فى أفكاره، وفى اختياراته، وفى قدرته على خوض المساحات الصعبة التى يتردد كثيرون فى الاقتراب منها. وكان فى ذلك أقرب إلى المتصوفين، مخلصاً لأفكاره وعمله البحثى المتواصل، وكان - رحمة الله عليه - خلوقاً وزاهداً فى متاع الدنيا، ولم تكن صداقتى به مجرد علاقة بين اثنين من المهتمين بالفكر والثقافة، فقد كان بمثابة أخ وأستاذ جمعتنى به سنوات من الحوار والعمل والاهتمام المشترك بقضايا السودان ومصر والعالم العربى.
كانت مصر حاضرة فى حياة حيدر ومشروعه بصورة استثنائية. أحب مصر وأقام فيها سنوات طويلة، وتعلم أبناؤه فى مدارسها، ولم ينظر إليها بوصفها مجرد محطة فى مسيرته، وإنما باعتبارها بلداً قريباً منه ومن وجدانه. وفى غرفة وصالة صغيرة بشارع شامبليون فى القاهرة أسس حيدر عام 1992 مركز الدراسات السودانية، الذى كان لى شرف المشاركة فى هذا التأسيس، وبفضل الجهود الجبارة لحيدر أصبح المركز واحداً من أهم المشروعات الثقافية والفكرية السودانية خارج السودان، ثم امتد نشاطه إلى الخرطوم، حيث اتسعت أعماله وكأنه وزارة ثقافة شعبية مستقلة، لا تحدها البيروقراطية ولا تحكمها الحسابات الضيقة. وشملت أنشطة المركز الفنون كافة، علاوة على التوثيق وحفظ التراث. وكان معيار حيدر الأساسى هو قيمة العمل ومضمونه وإبداعه، وليس شهرة صاحبه أو موقعه.
كان إنشاء المركز مغامرة ثقافية حقيقية نجح حيدر من خلاله فى تحويل كثير من المعرفة السودانية من دائرة الرواية والشفاهة إلى مجال البحث العلمى والتوثيق والنشر. حيث أصدر المركز عشرات الأعداد من مجلة (كتابات سودانية)، ونشر مئات الكتب، وأصدر التقارير الاستراتيجية السودانية، واحتضن ندوات ومشروعات بحثية وفكرية فى مختلف مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية والفنون.
ولد حيدر إبراهيم على عام 1943، وحصل على الدكتوراة فى فلسفة العلوم الاجتماعية من جامعة فرانكفورت عام 1978. وعمل أستاذاً وباحثاً فى ألمانيا وليبيا والإمارات والسودان، وتولى عددًا من المواقع العلمية والثقافية، من بينها: إدارة مركز الدراسات السودانية، ورئاسة تحرير مجلة (كتابات سودانية)، والأمانة العامة للجمعية العربية لعلم الاجتماع.
لكن قيمة حيدر الحقيقية لا تُختزل فى المناصب أو السيرة الأكاديمية، وإنما فى مشروعه الفكرى المتواصل. فقد ناقش فى أكثر من ثلاثين كتاباً، وبعمق وشجاعة، قضايا الإسلام السياسى فى السودان، وسوسيولوجيا الفتوى وآليات إنتاجها، وأوضاع النخبة السودانية، وعلاقة الدين بالمجتمع والسياسة. كما انشغل بقضايا تجديد الفكر العربى، والتنوير والتحرير، ولاهوت التحرر، ومستقبل علم الاجتماع فى العالم العربى.
وكان من أهم ما ميز كتاباته أنه لم يتعامل مع الظواهر الاجتماعية والسياسية باعتبارها مجرد موضوعات أكاديمية، بل كان يحاول دائماً فهم جذورها التاريخية والاجتماعية والثقافية. ولذلك جاءت كتاباته نقدية، ومشاغبة أحياناً، لكنها فى كل الأحوال كانت صادرة عن باحث يؤمن بأن وظيفة المثقف ليست ترديد الأفكار السائدة، وإنما مساءلتها واختبارها.
ومن هنا كان نقده لأفكار جماعة الإخوان الإرهابية جزءاً من مشروع أوسع للدفاع عن العقل والتنوير والدولة المدنية والحرية، وليس مجرد موقف سياسى عابر. وكان يرى أن تجديد الفكر الدينى لا ينفصل عن تجديد المجتمع، وأن مواجهة التطرف تتطلب الارتقاء بالتعليم وإعادة بناء المجال الثقافى والمعرفى الذى يسمح بنشر الوعى النقدى.
سيبقى حيدر إبراهيم حاضراً فى السودان من خلال كتبه وأبحاثه، وفى العالم العربى من خلال أفكاره، وفى مصر من خلال علاقاته وصداقاته. أما بالنسبة لى، فسيبقى حيدر قبل كل ذلك الصديق والأخ الذى عرفته إنساناً نبيلاً، محباً للحياة، ومخلصاً للفكر، ومؤمناً بأن الثقافة يمكن أن تصنع جسوراً بين الشعوب حتى فى أصعب الظروف.