حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية

المقالات

التجديد والمغايرة عند محمد محمد علي: في الذكري الأربعين

· نُشر في سودانايل

هناك بعض الشخصيات - رغم عظمتها وقد يكون بسبب عظمتها - يلازمها الاهمال والظلم والتجاهل المتعمد، من هذه الشخصيات الأستاذ محمد محمد علي (الشاعر كما اشتهر) ومن المفارقات أنه توفي يوم 28 سبتمبر 1970 في نفس يوم وفاة الرئيس المصري جمال عبدالناصر، وكأنه اختار يوم الهول يوم وداع. ومن المعيب أن يهمل كتاب عنوانه (رواد الفكر السوداني) اعداد:محجوب عمر باشري، تزيد صفحاته عن الاربعمائة، اسم الأستاذ محمد محمد علي. وما زال الصمت المتآمر أو الجاحد أو اللامبالي يواجه ذلك المبدع المتميز.

لم يكن الدافع الحقيقي الذي استوقفني في ذكرى الشاعر، مخالفة سلوك الجحود والاهمال. ولكن من أهم الأسباب التي تلح علينا وتطلب استعادة مواقف مثل ذلك الرجل هو انحسار الرموز القادرة على مواجهة الفكر التقليدي المحافظ الذي يستشري بصورة سرطانية قاتلة رغم كل لا عقلانيته وبؤسه. ومع هيمنة الفكر المحافظ والتقليدي وازدياد قدرته على ارهاب كل المجددين أو الخارجين عن حظيرته يصبح من الضروري تمجيد أي ومضة للتفكير العقلاني والعلمي في أي مجال من مجالات المعرفة. ليس في هذا أي مبالغة، فلقد فجعنا في السودان المتسامح بإعدام أحد المفكرين السودانيين لخلاف في الرأي. وهذا عار سيلازمنا لعقود قادمة، ويخرسنا دوما حين نتباهي بتسامح السودانيين. وكان في ذلك تدشين لعهد العصور المظلمة، الذي ما زال يخنق الفكر في بلادنا.

الأستاذ محمد محمد علي عقل ثاقب يفلق الشعر، ووجدان شفيف وحساسية مرهفة وذوق راق. ورغم شح كمية ما كتب، فهو كاتب مقل، الا أن خواطره وافكاره المتناثرة، التي نشرت، اضاءت وبعمق عدداً من الموضوعات الفكرية والأدبية الحيوية المرتبطة بالواقع وقضايا المجتمع الهامة. فقد كانت كتبه تجميعا لمقالاته التي نشرت في الصحف، عدا رسالته الجامعبة عن الشعر السياسي. ويرجع البعض قلة منتوجه الي نمط حياته وقلقه. ويرى البعض في الأستاذ مثالا للامنتمي تلك الحقبة. ولكن - في رأيّ - أن مثل هذا اللانتماء الظاهري في ذلك الوقت والظرف ليس عيباً، فقد يكون محاولة لتجاوز تناقضات الحياة والفكر. فقد كان الأستاذ بذكائه وتوقد ذهنه وثقافته وسلوكه، سابقاً لعصره ولذلك تنعدم إمكانية تكيفه مع المألوف والمقبول والنمطي فيبحث عن وسائل التعايش السلمي الحياتي دون الخضوع لعقلية القطيع أو الموت مع الجماعة - كما تقول الحكمة الشعبية. ومن الملاحظ أن العديد من مثقفي وأذكياء الجيل السابق قد لجأ إلى الفن (بالذات الشعر والأدب) أو الخمر في محاولة لخلق عالم ذهني/خيالي مواز وأكثر جمالاً واتساقاً من عالم واقعي ناقص وهنا مكمن الأزمة. فالأزمة هي فجوة بين الواقع والممكن. فكثيراً ما يكون الواقع متخلفاً وتعيساً ومحبطاً بينما تبدو امكانات الشخص أو الجماعة أكبر، ولكن بسبب عوامل ذاتية وموضوعية يغلب العجز في إطلاق القدرات الكامنة، وتتراجع الاستطاعة على أن يرفع الناس الواقع إلى مستوى الحلم والممكن. ومع ذلك على المرء أن يعيش ويكافح الدهر والناس. وهنا يحاول المتميزون أن يملأوا شقوق الإحباط والتأزم لكي تتماسك الحياة. لا نتحدث هنا عن المنسحب أو المنهزم، بل عن الذي يموت واقفاً وعينه إلى السماء، يقارع نقائض وتناقضات الواقع. وقد زاد من أزمة مثقفي جيل الأستاذ فردية المعارك اما بسبب عدم وجو التنظيمات والتجمعات والمؤسسة أو بسبب نفسية المبدع النافرة من الاحتواء والضبط وحشية تزمت وتحجر التنظيم أو المؤسسة. فقد اتكأ الأستاذ أو امثاله على نفسه فقط. وإن كان كتاب الأخ النور حمد:مهارب المبدعين، يحتاج الي وقفة في فرصة قادمة.

منهج علم اجتماع الأدب

ضمن هذه الظروف جاء الأستاذ محمد محمد علي، وهو في رأيي مشروع فيلسوف أو مفكر مجدد. ولكن ظروف تطور السودان كجزء من الأمة العربية- الإسلامية في تلك الفترة - وما زالت - تجعل من الصعب ارتياد آفاق فكر متجدد يتمرد على اليقينيات والوثوقيات. ولذلك كان الشعر ايضاً ملاذ الكثيرين من الذين حاولوا التعبير عن أفكار جديدة. ولكن الشعر قد يضيّع أو يضعف قيمة وقوة الأفكار لأنه محكوم بشروط الشعر في اختيار الكلمات والقوافي والأوزان وقد يكون تجويد ذلك على حساب الفكرة، والعكس أيضا فالشاعر المفكر أو الفيلسوف أقل شعرية. ومن ناحية أخرى، في الشعر حماية لأنه يبدع ويفهم كنتاج عام خيالي مما يقلل احتمال صدام محتواه من الأفكار مع الواقع. وقد كان الشعر والأدب عند جيل الأستاذ بالفعل (ذريعة للهروب من أجداب الحياة وفراغها ودمامتها) . والأهم أنه تقية للتعبير عن الأفكار الجديدة والخطرة. فقد كان النقد والاحتجاج بالأدب هو الخط غير المستقيم للوصول إلى نقد المجتمع، لأن رفض التقليد والجمود في الشعر هو معادل وفض هذه القيم في الحياة والمجتمع.

جذب انتباهي في كتابات الأستاذ محمد محمد علي عدد من الآراء المجددة منها على سبيل المثال: محاولات تأطير وتجذير الأدب داخل المجتمع فالابداع ليس منبعه وادي عبقر بل أودية وطرق الناس الحقيقيين). كما أثار اهتمامي تفكير الأستاذ العلمي والعقلاني في أغلب تحليلاته واصراره على رفض الأفكار التقليدية والمحافظة، كذلك علمانيته بالذات في تحديد الوظائف المختلفة والمتباينة للأدب والدين. وهذا رأي جرئ وشجاع قال في ذلك الوقت، ويخشي الكثيرون ترديده في الوقت الحاضر، الا من خلال الرموز وكثير من التبريرات والتأويل. فهو لم يخضع لقدرة التقليديين والمحافظين والسلفيين، على تدجين وتخويف أو احتواء المثقف السوداني لمنعه من اقتحام المجهول والجديد واجتياز المحرمات الفكرية. فقد كان المثقف - وحتى الآن - فارساً متردداً لا يستطيع الأقدام ولا يطيق الانهزام. فهو يبدأ المعارك ولكن يتنازل عن كل قضاياه مبكراً ، عند أول اختبار . فالشيخوخة الفكرية والعقلية السودانية تكتمل غالباً في مقتبل العمر ويتوب المثقف عن كل نزق وطيش الشباب ويهديه الله بعد عمر طويل أفناه في قضية جوهرية. ثم يتراجع ويتنازل ليسئ إلى نفسه وإلى قضيته وهي كثيراً ما تكون نبيلة وتستحق كل ما ندم عليه ولكن قليل من يحمل قضيته حتى النهاية. الأستاذ محمد محمد علي هو من القلة النادرة فقد ظل في خندقة حتى اليوم الأخير من حياته.

من الممكن اعتبار الأستاذ محمد محمد علي من المساهمين الحقيقيين في علم اجتماع المعرفة أو علم اجتماع الأدب بالتخصيص. قد لا يكون قد اطلع على نظريات في هذا الميدان العلمي ولكن ممارسة الكتابة بمنهج تلك النظريات يجعلنا - دون شطط وتعسف - ندرج الأستاذ ضمن هذه الميدان بالذات فيما يتعلق بالأدب السوداني. فهذا العلم يبحث عن الشروط أو الأسس الاجتماعية للمعرفة أي ليس الشروط والأسس الذهنية أو النفسية أو الفردية…الخ للمعرفة، والأدب ضمنهاً. فالعلم يهتم بالتطور الاقتصادي الاجتماعي لمجتمع ما وانعكاس ذلك على إنتاج المعرفة أي ارتباط الحياة الفكرية في فترة تاريخية معينة بالاوضاع والقوى الاجتماعية والسياسات القائمة (2). ولأن اهتمام الأستاذ ينصب على جانب من المعرفة أو الإبداع هو الأدب فالمطلوب هو التحقق من مدى تطابق كتابات الأستاذ مع المفهوم السائد لعلم اجتماع الأدب كميدان يتقاطع كثيراً مع علم اجتماع المعرفة. وسيكون المصدر الأساسي هو كتاب (الشعر السوداني في المعارك السياسية 1821-1824) وهي في الأصل رسالة ماجستير حازت على تقدير امتياز من جامعة القاهرة الأم.

من البداية يوحي عنوان الكتاب بمنهج وتوجه الأستاذ محمد محمد علي فقداختار اسم (الشعر السوداني في المعارك السياسية) وكان من الممكن أن يكون العنوان (الشعر السياسي في السودان) أو (الشعراء السياسيون في السودان) أو (شعراء السياسة) أو (الشعر الوطني) أو (شعراء الوطنية في السودان)… الخ. فالاختيار ليس صدفة فكل تلك تعطي معنى ما للثبات واللاحركة ولكن (المعارك) كلمة تنبض بالحركة والتناقض والصراع. لم يغب هذا عن ذهن الأستاذ إذ يقول: (المعارك جمع معركة والمعركة موضع القتال أو الخصام، وهي صيغة تصلح للزمان والحدث كما تصلح للمكان شأن المصدر الميمي، والمناسب هنا الحدث. فيكون المعنى الشعر السوداني في الاحداث السياسية وهذا المعنى ليس مجازياً لأ، المادة (ع ر ك) تشمل أنواع القتال باليد أو اللسان أو بالكيد والتدبير)(3). ويطبق نفس الطريقة على الجزء الثاني من العنوان حين يعرّف المقصود بالسياسة والسياسي بعد أن يذكر التعريف المتداول للشعر السياسي بأنه فن من القول يتصل بنظام الدولة الداخلي أو بنفوذها الخارجي ومكانتها بين الدول. يضيف إلى ذلك: (أرى من الخير أن نزيد في تعريف الشعر السياسي في وقتنا الحاضر فنقول (وحركات الشعوب ونزعات الشعراء) لأن العالم قد تغيرت صورته منذ أن بسطت الدول المستعمرة نفوذها على آسيا وأفريقيا بل وامريكا في يوم من الأيام ففقدت شعوب كثيرة دولها، واستكانت حيناً من الدهر، ثم هبت تصارع لنيل حريتها واستقلالها، فهذه الصورة لا تشبه ما يجري داخل الدولة من نزاع حزبي أو وفاق (…) وبعض الشعراء قد تطور وعيهم السياسي وانقسمت آفاقهم وارتبطوا بمذاهب واتجاهات جعلهم لا يقفون عند نطاق الدولة يدرون معه في الداخل والخارج، وبالاختصار فقد أصبحت لهم رسالة تتناول العالم كله بالغناء للسلام والاشتراكية ومحاربة الاستعمار في ثوبه القديم والجديد، وأن لم يكن بين ذويهم والأمم التي نزل بها هذا الشر صلة وارتباط)(4).

هذا التعريف في حد ذاته كاف لبيان الأسس الاجتماعية والتاريخية للأدب (الشعر هنا) فالكاتب يمسك بجلاء بالوظيفة السياسية للأدب ورسالة الأدب التي تتجاوز الفن من أجل الفن. لذلك لم يقل الكاتب أن اختياره للموضوع ثم لأسباب جمالية فنية بحتة، فهو أراد أن يدرس (الشعر السوداني الذي يتصل بالسياسة من قرب أو بعيد يؤثر فيها ويتأثر فيها) . (لاحظ الجملة الأخيرة علاقة جدلية أي تأثير وتأثر بين الشعر والسياسة) لأسباب عدة منها:

(1) تقليل بعض السودانيين بالذات في حالة الضعف السياسي الداخلي من شأن الطريقة التي حصلنا بها على الاستقلال لذلك يتباكون على الإنجليز. يرى في ذلك اهداراً للدماء الزكية التي اراقها السودانيون، ويقول: (فأردت أن أنفي هذا الزعم الباطل بدراسة يعانق فيها الشعر التاريخ الصحيح ويدعمه (نفس المصدر المذكور، ص3).

(2) وعي الكاتب للاشكال المختلفة للسياسة والتي هي فعل يومي ليس مجرد للانضواء للاحزاب والمناورات وعضوية الهيئات التمثيلية، فكثير من الباحثين الذين تناولوا هذا الموضوع لم يدركوا ابعاده فحصروه في الشعر السياسي المباشر، في حين أن الأمر ليس كذلك، فهناك اغراض كثيرة مظهرها اجتماعي ومخبرها سياسي). (س4).

(3) من رأي بعض الباحثين (يغمطوا شعراءنا الكبار حقهم ويجحد فضلهم ويحط من قيمة اشعارهم الفنية ويعزلهم عزلاً عن ظروف حياتهم وملابساتها، فاردت أن أرفع عنهم هذا الحيف وأن أدفع عنهم هذا الظلم) (ص4).

يدخل الكثير من الباحثين في مأزق (الحياد العلمي) حين يتناولون قضاياهم الاجتماعية ببرود وخواء. والسؤال هل يتعارض الحياد العلمي مع الالتزام والفهم الجديد المنتمي؟ الأستاذ محمد محمد علي واضح وقاطع وحازم كطريقته دوماً:

(تحريت في الدراسة بقدر المستطاع أن أكون موضوعياً، أعطي كل ذي حق حقه وأن خالف مذهبه مذهبي، ولكني لم استطع بحال من الأحوال أن أتوانى في كشف القناع عن وجه الاستعمار البريطاني، لا لكراهية للاستعمار وحدها، ولا لما ألحقه بنا من أذى وعنت وارهاق، بل لجلاء الحقيقة التي تعامي عنها بعض السياسيين وبعض المؤرخين وشرذمة ضئيلة من الشعراء، فنسبوا للاستعمار البريطاني في بلادنا فضلاً يستحق عليه الثناء!!) (ص5) ويضيف الباحث بعض التوضيح الذي يربط بدقة بين العلمية والالتزام: (ولم يمنعني حبي وتقديري لرجال كبار تغيرت مواقفهم تغيراً جوهرياً أو تغيراً ما فيما بعد أن أسجل مواقفهم في هذه الفترة، ولم يمنعني تمسكي بالحيدة أن اهتز بمواقف الابطال من أمثال محمد أحمد المهدي وعلي عبداللطيف وعبيد حاج الأمين وعبدالفضيل الماظ ورفاقه، كنت على مذاهبهم أو على غيره). (ص5).

يرى الباحث أن الشعر الأثير عند أهل السودان هو الشعر المتصل بالسياسة (وكانوا إلى عهد قريب لا يستمعون إلى غيره من ألوان الشعر الا بشئ من التسامح وسعة الصدر، لأنهم يريدون منه أن يستجث عزائمهم، ويسجل أمجادهم، ويباهي بشهدائهم، ويتغنى بتاريخهم، ويلعن أعداءهم، ويدمغ الخونة بميسم لا يمحوه الدهر) (ص11-12) فالشعر عند السودانيين يجد قيمته وانتشاره والقبول حين يرتبط بالناس وهمومهم.

أما المحور الأساسي في كتابات الأستاذ الذي يؤكد الأسس الاجتماعية للأدب فهو التناول التاريخي واعتبار التاريخ هو الأرضيةالتي يرتكز عليها الأدب. لذلك احتل التاريخ جزءً كبيراً وهاماً من كتاب (الشعر السوداني في المعارك السياسية) وما يلفت النظر ليس فقط حجم التاريخ في الكتاب ولكن طريقة التفسير والفهم للتاريخ إذ يصحح كثيراً من التحليلات الخاطئة. بدأ الباحث بمدخل تاريخي شامل يمتد مما أسماه التجمع العربي في السودان أي دخول العرب السودان ثم يصف الباحث تحت عنوان (ملامح من سنار) البناء الاجتماعي-الاقتصادي للمجتمع السناري ويتطرق لمصادر الرزق (أي الإنتاج) الرعي والزراعة والتجارة وثروة سنار والفقر والمجاعات والحروب ونفوذ المشائخ. ثم كيف اضعف ذلك قدرة الناس على العمل المثمر وبالذات الثقافة في هذا الموضع؟ (ص29) ويتوقف الباحث عند انتشار الخرافات والتفكير العلمي وغلبة التصوف ويقول: (في هذا الجو الغريب أصبح المنطق لا قيمة له فمرد كل شئ إلى الغيب، وهؤلاء الأولياء هم مفاتيح الغيب، بل هم الذين يصنعون مصائر الناس في حضراتهم) (ص33) ويناقش آراء الدكتور محمد عوض حول انتشار الصوفية ويأخذ عليه أنه لم يفسر أسباب غلبة التصوف في السودان بل فسر أسباب انتشار الطرق الصوفية (ص35 وما بعدها). وهذا اختلاف واضح في الطريقة والنتيجة الأول يفسر كيف؟ ولكن المهم لماذا انتشرت الصوفية؟ الأول وصفي والثاني تحليلي.

رغم أن استاذنا ليس مؤرخاَ، ولكنه يمتلك فهماً متقدماً للتاريخ. فالتاريخ ليس مجرد تراكم أحداث أو وصف شخصيات وحروب وغزوات ونزاعات بل التاريخ هوالحركة الجماعية للناس في الزمان. ومن هذا المنظور يتخذه اطاراً لفهم الثقافة والافكار من خلال وعي النسبية بمعنى أن الفكر أو الإبداع يجب أن يفهم ضمن ظروفه ولا يحكم عليه بمعايير حقب تاريخية أخرى - فلكل فكر أو ثقافة سياق تاريخي - اجتماعي محدد. نجد التأكيد على النسبية التاريخية - الاجتماعية في مواضع كثيرة من كتابات الباحث وهذا موقف عميق مقارنة بالفهم اللاتاريخي (ahistorical) للأفكار الذي يراها مطلقة خارجة عن الزمان والمكان ويظن أصحاب هذا النهج أن نتائجهم وأدوات تحليلهم صالحة مطلقاً لكل زمان ومكان ولا تخضع لتقلبات الزمن وتغيرات الحياة. وهذه بعض الأمثلة من كتابات الأستاذ محمد محمد علي التي تصر على نسبية الوقائع. ففي تعرضه لحروب المهدية لم يدن هذه الحروب، إذ يقول ً: (فالمهدية لا تخضع لافكار عصرنا، فهي لا تهادن الا من اعتنق الإسلام وانخرط في سلكها، وبهذا الفهم وحده نستطيع أن نفسر أسباب هذه الحرب وأعراض الخليفة عن طلب الصلح والتعاون الذي تقدم به إمبراطور الحبشة واحراق الكنائس الذي كتب به حمدان إلى الخليفة وكأنه عمل جليل) (المصدر السابق، ص217). وهو هنا يعتمد على النسبية مرتين. أولاً: اختلاف العصر، ثانياً: محاكمة المهدية حسب منطقها الداخلي في النظر للأمور.

أما النسبية الاجتماعية فيعبر عنها في رده على الدكتور محمد النويهي في مقالة بعنوان (حول الفضيلة في البداوة والحضارة) فقد توصل الدكتور النويهي في معرض دفاعه عن الاخلاق في المجتمع المتحضر إلى أن للمدينة فضائل لا توجد لدى البدو، وأنه ليست هناك صلة بين حياة أهل البادية والتمسك بالفضيلة الجنسية وكاد يقول بوجود فوضى جنسية عند كثير من العشائر البدائية. ورغم تقدير الأستاذ محمد محمد علي لهدف النبيل للمقالة وهو الرد على المتشككين في قيم المدينة الخلقية الا أنه انتقد طريقة الوصول إلى هذا الاستنتاج، إذ يقول: (والخطأ في هذا البرهان أن الدكتور أراد أن يجعل من نظام العلاقات الجنسية عند الأمم المتحضرة مقياساً للفضيلة، غاضاً النظر عن النظم الاجتماعية الأخرى التي عرفها العالم في أطوارها المختلفة، والتي ما تزال لها رواسب في القبائل البدائية. فلم يستطع التطور أن يقضي عليها، لأن ظروف هذه القبائل قد نأت بها عن التيارات الحضارية الكبرى، فاحتفظت بطائفة كبيرة من تقاليدها ونظمها القديمة. والدكتور يعلم أن نظم العلاقة بين الرجل والمرأة قد أخذت اشكالاً متعددة في المجتمعات الإنسانية، وما نظامنا الخاص الا واحد من عشرات النظم) (5) هذا نص يفسده الشرح أو التعليق.

رغم أن الاحتمال كبير أن الكاتب لم يقرأ دوركايم والنظريات الاجتماعية الا أنه يستعمل أهم مبدأ يقوم عليه علم الاجتماع وهو أن الظاهرة الاجتماعية لا تفسر الا بظاهرة اجتماعية مثلها أو من الواقع نفسه. وفي نفس النقاش السابق يقول الأستاذ: (والتعليل الصحيح لهذه الظاهرة في رأيي يجب أن يلتمس في طبيعة الحياة التي يحياها هؤلاء القوم في البادية والقرى) (المصدر السابق، ص35) أو في موضع آخر: (ليس معنى هذا أننا نقرهم على سلوكهم ونرضى عن نظمهم الاجتماعية التي تخالف الدين الذي نعتقده، والعرف الأخلاقي الذي ندين به، ولكن معناه أن المنهج العلمي يحتم علينا أن نبحث عن الدوافع التي دفعتهم إلى هذا السلوك المخالف لتقاليدنا ونظمنا. يجب أن نسأل انفسنا قبل أن نحكم، هذا السؤال: ما الدافع لهؤلاء القوم أهو الانحلال الخلقي وضعف الوازع النفسي أم هو الخضوع لنظام اجتماعي مخصوص، لم يكن للفرد أو الجماعة مناص مناتباعه) (المصدر السابق، ص33). يظهر السؤال طريقتين للاجابة اما التفسير الاخلاقي والنفسي للظاهرة أو التفسير الاجتماعي للظاهرة. ولا يترك الأستاذ الإجابة مفتوحة ولكن يؤكد التفسير الاجتماعي قائلاً: (أن الفضيلة عند الشعوب التي تسودها نظم اجتماعية خاصة، يجب أن تلتمس في مدن خضوعها لنظمها وتقاليدنا، حتى لا نخرج بنتائج ترضي البحث العلمي) (ص34) و (اما الحكم على هذه الشعوب بمقاييس مستمدة من نظم أخرى، فإنه يهدر القيم النفسية للفضيلة، ويحصرها في رسوم واشكال قد لا يكون لهؤلاء القوم علم بها، أو أن تأثرهم بنظم القرية أقوى) (ص34).

مع أن كتابة التاريخ ليست مقصده المباشر الا أنه عرض التاريخ بعقل نقدي متفتح. من الأمثلة تحليله للحقبة التركية في السودان فقد بين أهدافه من إعادة النظر في الحكم التركي وأول هدف هو توضيح الدور الحقيقي لمصر أو بالأصح الشعب المصري الذي لم يكن راضياً عن حكامه من الاتراك المتمصرين أو الباشوات الاقطاعيين السائرين خلف سياسة الاستعمار (6) وأن السودانيين يعلمون أن الشعب المصري لا دخل له في هذا فهو مثلهم مضطهد. والنقطة الثانية الهامة ففي تأكيد الدور الاستعماري للحكم التركي العثماني بغض النظر عن العقيدة الواحدة. ففي الوقت الحاضر تحاول بعض التيارات لأسباب سياسية بحتة نفي صفة الاستعمار والاحتلال عن تركيا العثمانية لانها دولة مسلمة ويعتبرون احتلال السودان وكأنه ترتيب داخلي لشئون الخلافة الإسلامية. هذا تحليل متهافت تحكمه مصالح سياسية آنية وبعيدة عن العلمية ويخلو من الشعور الوطني. فكيف نفسر ثورة المهدي المصلح الاسلامي والوطني ضد الظلم التركي ومحاربة الاتراك؟ ثم كيف تدعو تركيا ممثلة في محمد علي باشا لفتح بلاد هي أصلاً مسلمة وتفرض عليها تلك الضرائب الباهظة وبأساليب وحشية تهين كرامة الإنسان مهما كان دينه؟ ثم كيف نفسر وجود الإداريين المسيحيين أمثال غردون وسلاطين وحسي وبيكر وغيرهم على رأس إدارة السودان خلال الحكم التركي؟ ويدمغ الأستاذ محمد محمد علي الحكم التركي بقوله أن (المهدي رفض الحضارة التركية رفضاً باتاً ودعا إلى القضاء على مظاهرها) (المصدر السابق، ص123) وهذا ينفي وجود أساس عقدي مشترك.

من المواقف الفكرية المتقدمة في فهم التاريخ محاولة تجاوز المغالطات التي تروج لها ايضاً بعض الجماعات السياسية تحت غطاء فكري وديني وهي خلق تعارض بين القومية العربية والاسلامية. ويقدم تحليلاً دقيقاً رغم اختزاله لنشأة وتطور القومية ويبدأ بنقطة حاسمة: (فليس من الصدق في شئ القول بأن الإسلام لم يجد العرب شيئاً مذكوراً، وأنه هو الذي خلق القومية العربية خلقاً وأنشأها انشاءً، مما درج عليه بعض المؤرخين الذين يظنون أن عظمة الإسلام لا تظهر الا بانتقاص العرب وتحقير شأنهم. بل الفهم السليم لطبيعة الثورات وأسباب الانقلابات تحت علينا أن نقول: إن الإسلام لم ينتخب العرب لحمل رسالته لو لم تتوفر فيهم صفات وخصائص تجعلهم أهلاً لهذا الانتخاب) (كتاب محاولات في النقد، ص38) ويحاول أن يجد الأسباب التاريخية لقيام شبهة التناقض بين القومية العربية والاسلام فيقول: (ولو لم يحيى بني أمية في دولتهم العصبية القبلية، ويوقظوا العنصرية التي حاربها الإسلام، لتجنيب القومية العربية كثيراً من العثرات وسارت قدماً متعاونة مع القوميات الأخرى. لكنهم بعثوا بتعصبهم الأعمى للعرب واضطهادهم للشعوب المسلمة من غير العرب من كانوا يسمون بالموالي، بعثوا عنصرية هذه الشعوب. (المصدر السابق، ص39) ويمجد الكاتب انتصار القومية العربية على عسف الاتراك وعلى الاستعمار الأوروبي، وهنا يحاول الاستعمار تصديع وحدة العرب ويستعمل كل الطرق للنيل من العرب. ويضع الكاتب أصابعه على ملاحظة ما زالت شغلنا إذ يقول: (وبلغ السخف ببعضهم حداً جعلهم يهرفون بشئ يسمونه القومية الإسلامية!، كأن الإسلام يعارض القومية العربية أو غيرها من القوميات!. كل ذلك إمعاناً منهم في تضليل العرب وخاصة من ينادون بمذهب إسلامي خاص. ولكن القومية العربية أصلب عوداً وأكثر وعياً وأشد تمسكاً مما يظنون فقدعرف العرب من خلال خبرتهم الطويلة وتجاربهم، نوايا الاستعمار وأهدافه، فأصبحوا يرونها وراء كل حركة من حركاتهم) (المصدر السابق، ص40).

تجديد النقد

كان من المفترض أن يكون العنوان المتواضع لكتابه "محاولات فى النقد" هو "تجديد النقد" فالكتاب فى الواقع يحتوى على الكثير من الأفكار التجديدية التى كانت تحتاج إلى كثير من المتابعة والنقاش. ويقول المؤلف فى المقدمة بطريقته الساخرة المحببة أنه لم ينشر تلك المقالات لتدر عليه كسباً مالياً، لا زهداً في الكسب ولكن لعلمه بأن صناعة الكتب لا تعود على اصحابها بعائدة في هذا البلد! ولم ينشرها لأن بعض الأصدقاء ألح عليه في نشرها كما يقول المؤلفون! ولا لأنه يعتقد أنها ستعلم القارئ مالم يعلم. ويقول: (وإنما عنيت بنشرها لأني رأيتها تتضمن افكاراً وخواطر لم تنل ما كنت أرجوه لها من المناقشة والتمحيص، وظننت أن في نشرها في كتاب يلبث في يد القارئ وفي إعادة مناقشتها المتأنية فائدتين: فائدة للحركة الأدبية في محيطنا الأدبي وخاصة حركة النقد. وفائدة أخرى تعود على أنا بتصحيح أفكاري وتنقية معتقداتي الأدبية من شوائب الخطأ) (المقدمة، ص3) ولكن للأسف لم يلق الكتاب ما يستحقه ولفه النسيان والاهمال لأن صاحبه وتحرقه كلمة الحق.

نلاحظ من البداية ثقة الكاتب في نفسه وموهبته فلم ترهبه الاسماء الكبيرة والالقاب فهو يقارع طه حسين والنويهي وعبدالمجيد عابدين ومحمد إبراهيم الشوش وعبده بدوي وينقد شعر شوقي والتجاني يوسف بشير رغم الإجماع والتعصب. المحك الوحيد لدى الأستاذ هو الصدق والحقيقة والإبداع، وما عدا ذلك فكل الذي فوق التراب تراب. فالباحث في الأساس ضد النقد التقليدي والشكلي فهو يقول بصراحة أنه لا يقبل النقد الفقهي للأدب: (وقارئ الشعر اليوم يأمل أن يجد في نقد ناقد مثل الدكتور طه حسين شيئاً غير هذا النقد الفقهي المبالغ فيه، يرجو أن يحدثه عن الجو العام الذي يشغل حواسه ويفعم نفسهم من الأفكار والمشاعر والصور حين قراءته للديوان أو فراغه منه. يريد القارئ اليوم أن يعلم فلسفة الشاعر، أن كان لهذا الشاعر المثقف فلسفة معينة، يريد جواباً عن اسئلة كثيرة جداً: هل كشف الشاعر من أسرار الحياة ما يزيدنا بصراً بها والفة؟ هل هذا الديوان يقوي عزيمة قارئه ويحثه على المضي في الحياة مبتهجاً آملاً أو أنه يفت في عضده ويوهن من عزمه ويبذر في نفسه بذور اليأس والقنوط؟ (محاولات في النقد، ص14-15) آراء الأستاذ هنا هي امتداد لمساهمته في علم اجتماع الأدب، فهو يهتم بمضمون الشعر واضعاً نصب أعينه الملتقى كجزء من عملية الخلق والتذوق في الأدب. ويرفض النقد الفقهي لاهتمامه بالقشور وأعراضه عن اللباب والجوهر مثل التركيز على الكلمات الغريبة والحوشية والجزالة. ويرى أن النقد الفقهي لا يضيف شيئاً للمتلقي لأنه يعيد اجترار الحديث عن مصطلحات بلاغية ميتة يمكن لأي تلميذ أن يجدها في الكتب المدرسية.

ورغم أن الأستاذ يعول كثيراً على مضمون الشعر وفلسفة الشاعر والقيم التي يبثها الشعر، فالمضمون الجيد لا يغني عن فنية وجمالية الشكل. ويقول في هذا الصدد عن قصيدة للشاعر إدريس جماع: (وقصيدته التي صوّر فيها مواقف من التاريخ الاسلامي، ولكنه لم ينهج فيها النهج الوعظي كما كان يفعل أكثر الشعراء، فقد جنح إلى التصوير، وقد يخصه الاسترسال في التصوير وكراهيته للظلم والتجني عن غرضه في بعض الاحيا، وينسيه أنه في موقف الممجد وهو موقف يقتضي انتقاء الصور المشرقة وتجنب ذكر مواطن الضعف (المصدر السابق، ص25).

كأني بالأستاذ يشارك في تساؤلات الفلاسفة والنقاد عقب الحرب العالمية الثانية ومنهم سارتر: ماهو الأدب؟ ولمن نكتب؟ وفي نقاش ممتع مع الأستاذ عبدالرحيم الأمين يختلف معه تماماً في أن الأدب شئ ذاتي شخصي يكمل حياة صاحبه ويعمقها. ويضع الأستاذ ما يشبه الخطوط الأساسية لنظرية الأدب، إذ يقول: (فأنا اعتبر الأدب نشاطاً اجتماعياً لا نشاطاً فردياً، شأنه في ذلك شأن جميع الفنون الجميلة). ومعلوم أن هدف الفنون جميعها ايقاظ الشعور بالجمال وتهذيب الإنسانية، وبذلك - مع مراعاة العوامل الأخرى - ترقى الأمم وتطور الذوق، وتحبب الناس في الحياة الكريمة الجميلة وتجعلها هدفاً تسعى اليه المجتمعات. ولو لم يكون هذا هو الهدف الرئيسي للفنون، لأصبحت شيئاً تافهاً، لا يصلح الا لازجاء أوقات الفراغ، واللعب غير المثمر. وقد لا يقصد الناس هذا الغرض قصداً، ولكنه مع ذلك يكون غاية للفن الأصيل. لأن طبيعة الفن المنبعث من أعماق المجتمع تجعله معبراً عن آلامه، ومترجماً عن أشواقه، وممجداً لمثله العليا التي يسعى اليها، ويتحرق شوقاً للوصول اليها. (نفس المصدر، ص65).

يرفض المؤلف النظرة الصفوية المتعالية للجمهور وأن الفن للخاصة والصفوة أو أصحاب الذوق القادرين على فهم وتذوق الفن. وفي معرض رده على الأستاذ عبدالرحيم الأمين الذي يقول عن الأدب الحق بأنه نتاج ممتاز لفئة قليلة ممتازة من المجتمع وتستهلكه فئة قليلة من الهواة، يرفض الكاتب باستنكار مثل هذا التقسيم ويرد قائلاً: (فأنا اعتقد أنه من الممكن الارتفاع بذوق الجمهور، ومن الممكن تربية القراء تربية فنية ممتازة ليتذوقوا حسب ميولهم واستعدادهم الأدب الممتاز، الذي يريد الأستاذ أن يحتكره لمن يسميهم الهواة.) (نفس المصدر، ص64). ويعلن ثقته في قدرة الناس العاديين على التعلم والاكتساب وبالتالي التطور والتقدم ويرفض هذه الطبقية العقلية والفنية ويرى أنها مسألة امكانات وتكافؤ فرص في الوصول إلى تلك الفنون وليست صفة فطرية الدنية لا تتغير. يقول الأستاذ: (ثم أن مسألة تذوق الأدب الجيد مسألة نسبية، تختلف مستوياتها بين الأدباء اختلافاً شاسعاً. فليس من الحق في شئ أن نقول إن هؤلاء الهواة المستهلكين يفهمون المعري مثلاً ويتذوقونه بنسبة واحدة. ومن هنا نشأت الخصومات الأدبية، وثار الجدل حول تفضيل مذهب من المذاهب، أو أديب من الأدباء. ومعنى هذا أن الناس من غير الهواة، قد يكون لهم نصيب من فهم الأدب الجيد، ومن الجائز أن ينمو هذا النصيب ويزداد بالعناية والتعهد، بحكم أنهم بشر وأنهم قابلون للتربية) (المصدر السابق، ص65).

قد تكون الفكرة السابقة مدخلاً جيداً لعرض موقف الأستاذ محمد محمد علي من العامية. فاللغة عنده أداة وليست مطلوبة في ذاتها لأن للغة وظيفة تعبيرية واتصالية. وهو - كما اسلفنا - نقيض للشكلانية وتزمت وحذلقة بعض الأدباء في التعامل مع اللغة. لا يتوانى الأستاذ في ادراج العامية والشعر الشعبي ضمن اهتماماته وعمله النقدي بينما يركز باحث آخر تعرض لموضوع مماثل على ابعاد أي كلمة عامية عن محراب الشعر (قارن مع كتاب د. صلاح الدين المليك: شعراء الوطنية في السودان، الخرطوم، 1975، على سبيل المثال ص: 242 و255 و260 و276). ويقول في مقدمة كتابه (الشعر السوداني): (وكنت في أثناء هذه الدراسة أملأ الفجوات التي يفتحها صمت الشعر الفصيح بشئ من الشعر الشعبي. لأنني كنت حريصاً على أن أرصد كفاح الشعب السوداني، ونضاله المرير في سبيل حريته وكرامته، ودفع الظلم والظالمين، فلو اكتفيت بالفصيح وحده لاختفت جوانب كثيرة من هذا النضال، ولاظلمت آفاق من التاريخ) (ص5). هذا هو المهم عند باحث همه الأدب الملتزم واجتماعية الأدب، وقد كتب قصيدته (ابن السراري) في جو الأحاجي الشعبية والاسطورية، فالاستاذ يتشنج في تعامله مع العامية وأدب الشعب لأنه محدد ملتزم.

وقد تقود هذه النقطة بدورها إلى قضية أساسية في كتابات الأستاذ محمد محمد علي وهي (قومية الأدب السوداني) أو (القومية في الأدب السوداني) واحتلت هذه المسألة حيزاً كبيراً من كتاب (محاولات في النقد) ومن كتابات الأستاذ في الصحف اليومية وفي مساجلاته مع الدكتور محمد النويهي. وهذا الاهتمام بدهي ومفهوم لباحث تقوم منهجية عمله على اجتماعية الأدب، فسبب اثارة هذه القضية هو نسبية الأفكار. فهو يرى أن وجود أدب قومي أو محلي ضرورة حتمية في أي مجتمع لأن (العوامل المختلفة لابد أن تختلف نتائجها مهما يكن بينها من تشابه في الظاهرة، ومهما تكن قوة الظروف التي تعمل للتقارب وإزالة الفروق) (ص51-52).

ويرد الأستاذ على رأي يقول بعدم وجود أدب سوداني محلي يختلف عن المادة العربية التقليدية التي تنتج في أغلب البلاد العربية والاسلامية. ويعتقد الباحث أن قبول مثل هذا الرأي يستوجب تجاهل كل الحقائق التي اثبتتها الدراسات الاجتماعية والنفسية والأدبية: (والا فكيف نستطيع أن نفهم أن شعوباً مختلفة في طبيعة بلادها، وتجاربها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأن كانت تتواشج بعض التواشج، وتربطها عوامل تاريخية، يكون تكوينها النفسي واحداً، وتبعاً لذلك يكون أدبها متحداً في الموضوع والفكرة والعاطفة والخيال، ولا يكون لاختلاف الظروف مظهر الا في السمات الشكلية!) (ص52). ويؤكد الباحث بهذا النفي خصوصية أدب كل مجتمع مع احتمال وجود العام والمشترك إذ يقول في موضوع آخر: (أنه بالرغم من اتفاق الآداب العربية في بناء القصيدة، وفي طريقة التناول، وطريقة التصوير في الغالب، تختلف اختلافات جوهرية، في الباعث والموضوع ونوع الشعور ومادة التصوير، إلى غير ذلك مما يتصل بالتكوين النفسي للمنشئ، والتكوين النفسي والاجتماعية لقومه) (نفس المصدر، ص56).

يمكن القول أن هذه القضية استراتيجية في فكر الأستاذ محمد محمد علي لذلك كان حاداً في هجومه على النويهي الذي قلل من أهمية القومية في الأدب السوداني. ويرى الأستاذ أن النويهي يفتقد المنهج والدراية بالأدب السوداني وبعد نقاش طويل يختم الأستاذ حواره مع النويهي بقوله: (ونحن أن كنا نحزن لشئ، ونأسى على شئ، فهو هنا الجهد الشاق والضنى والرهق الذي يعانيه الدكتور في مقالاته الطويلة، وهي ليست في شئ. ليس لها موضوع ثابت، وليس لها منهج سليم، انما هي مجرد عناء ورهق. وكنا نود أن لو صرف الدكتور هذا الجهد الشاق فيما يفيد ويمتع، كأن يقرأ الأدب السوداني ما دام متعلقاً به قراءة شاملة دقيقة، تمكنه من تفهم معانيه وأغراضه، ثم يأخذ في دراسته على منهج سليم وطريقة مستقيمة، فيأخذ الشعراء مثلاً شاعراً شاعراً يتقصى آثارهم وظروف حياتهم (…) كل ذلك بعد أن يفهم البيئة السودانية فهماً جيداً فيعاشر سواد الناس ويقف على تقاليدهم وعاداتهم وأخلاقهم ونوع معيشتهم ومعتقداتهم وأذواقهم ويعرف ما يعتزون به من الماضي والحاضر) (ص180).

ونلاحظ تركيز الأستاذ على أن المنهج السليم الدقيق سيوصل بلا شك إلى الاعتراف بقومية الأدب السوداني لأنه سيضع في الاعتبار الظروف الخاصة والمتميزة للمجتمع. ويقول: (أن مهمة الناقد ليس الكشف عن الحقيقة وحدها، وما يريد أن يتعلمه منه القراء ليست الحقيقة النهائية وحدها، فطريقة البحث قد تكون أهم من النتيجة التي يوصلنا اليها البحث. والناقد الحصيف هو الذي يملك طريقة علمية، يستطيع أن يستعملها في الأدب، ويستطيع أن يستعملها في السياسة والاجتماع، وفي فهم الناس، ونقد الأخبار والاشاعات) (ص182). ويفيد نقاش الأستاذ السابق من زاوية أخرى في ضرورة إدخال الطرق العلمية في الأدب مثله ومثل المعارف الأخرى وعدم الاقتصار على الحدس أو الإلهام أو الذوق في تحليل الأدب.

لم يكن حديث الأستاذ محمد محمد علي عن المنهج السليم مجرد دعوة، ولكنه موقف وممارسة ونجد أحسن تطبيق له في دراسته عن الشاعر التجاني يوسف بشير. كما يظهر تفرد الأستاذ في هذه الدراسة إذ رغم الإعجاب والهالة التي تحيط بالتجاني لم يتوان في أن ينقد الشاعر في شجاعة وموضوعية غير متأثر بالآراء السابقة السائدة، متسلحاً فقط بمنهج علمي. ولا يدافع الباحث عن الغموض في شعر التجاني ولا يخشى من أن يتهم بعدم القدرة على فهم ذلك الشعر. فهو لا يرى في غموض شعر التجاني دليلاً على عمق وتشعب الأفكار ولا على حسن الصنعة وتوليد اللغة وخلق الصور وأن (للغموض أسباباً لا تمت إلى العبقرية بصلة). ويعتقد أن التجاني قد صدق في قوله:

هو فني إذا اكتهلت وما زال في ريق الحداثة فني

ويعلق الأستاذ على ذلك قائلاً: (لكنني اعتقد أن فنه سيكون غير فنه إذا اكتهل. ستتغير نظرته للاشياء والآراء وستتغير نظرة الناس اليه، فتحمله على مراجعة فنه، لأنه سيطرح عن نفسه غرور الحداثة واستعلاءها، ويتحلى بتواضع الكهل وقدرته على الابانة والافصاح عما يدور برأسه من خواطر، وما يخالج نفسه من شعور) (كتاب محاولات في النقد، ص71).

ويعرض الباحث الكثير من النماذج لغموض شعر التجاني ويتوقف عد ايراد المعميات - كما يقول - لأن القارئ يستطيع أن يعثر على الكثير، ولكن المهم هو التأكيد على عدم وجود صلة بين العبقرية والغموض كما (أنه ليس علينا أن نتخيل أن وراء هذا الابهام معان واسراراً لم نرزق القدرة على فهمها وتذوقها) (المصدر السابق، ص78) وأخيراً يرجع الباحث غموض شعر التجاني إلى سببين رئيسيين: أولهما أن أداته في الأداء لم تنضج فهي ما زالت في ريق الحداثة الفنية. والثاني يمت بصلة إلى السبب الأول، هو أن التجاني كثيراً ما يهجم على موضوعات لم تعش في نفسه ولم يكن لها صدى في حياته) (المصدر السابق، ص84).

لا يسمح المجال بالاسهاب في تعداد أفكار الأستاذ فذاك أمر أكبر من تحقيقه في صحيفة يومية، لهذا السبب نذكر في عجالة بعض مواقفه المتفردة راجين الاسهاب فيها لاحقا، وأن يجد القارئ الكريم أيضا فرصة لمتابعتها في مظانها من أجل فهم أفضل لهذا المبدع العظيم. فهو يقول عن نفسه: (أنني من اشد الناس مقتاً للتقليد والمقلدين) (ص189) لذلك افرد مثالين للنظر في قواعد اللغة تحت عنوان: (هذا النحو لا حاجة لنا به) و (هذه البلاغة لا حاجة لنا بها). وهو يرى أن كتب النحو المطبوعة والمخطوطة تسد حاجة مدينة كبيرة من الوقود شهوراً (ص97) ومع ذلك لم تخدم تطور اللغة والفن في شئ لأنه لم يعد ينظر اليها كوسيلة إلى غاية. كما أن البلاغة قد وضعت في قوالب ومصطلحات تضبط بالرسوم والحدود (ص103) ولم تعد تحمل الا قيمتها التاريخية. وكل هذا ليس فناً لأن الفن في حقيقته مغامرة تحطم القوالب. وتهزأ بالمألوف. ولو فقدت الفنون عنصر المغامرة واستكانت لارادة عباد القواعد لجمدت سفي صوتها الأولى، ولاصبح تاريخ الآداب ضرباً من التكرار الممل، وبلا لجمود الإحساس الإنساني وتحجره (ص107) ويذكر في موقع آخر (… والجمال أرحب افقاً واكثر حرية من هذا الأفق المحدود والمضطر، الضيق الذي تحاول البلاغة أن تحصره فيه. الجمال تمرد ورثوه والقواعد استكانة وهمود، والجمال تحليق والقواعد اسفاف (ص108) ويبرز اتساق الباحث فكرياً فتظهر النسبية مرة أخرى عند الحديث عن البلاغة فهي يرى أن لكل عصر بلاغته (ص109) بل يذهب أبعد من ذلك ويقول: (أن لكل شاعر فحل وكاتب أصيل بلاغته الخاصة المستمدة من طبعه وخروفه وهذا معنى قولهم - الأسلوب هو الرجل - والاسلوب في حقيقته مجموعة من الخواص النفسية تنعكس على الجمل والتراكيب) (ص110).

ومن مواقفه الشجاعة التي ينتصر فيها للفن والشعر مهما كانت العواقب، هذه المداخلة. ففي تعليق علي كتاب محمد النويهي عن "أبي نواس"يقول:-"اراد الدكتور أن يفهمنا أن دعوى أبي نواس شرف الخمر وكرامتها تبدو غريبة عند معظم المسلمين، لأن الإسلام حرم الخمر ووصفها بأنها رجس من عمل الشيطان. وأنا لا أرى ذلك، فالخمر بالرغم من تحريم الإسلام لها ظلت في نظر المسلمين أرقي من سائر الأشربة، ويكفى دليلا عليذلك قول حسان بن ثابت يوم فتح مكة:

إذا ما الاشربات ذكرن يوما فهن لخالص الراح الفداء

والقرآن الكريم نفسه أشاد بخمر الجنة اشادة لم تظفر بها انهار العسل المصفي واللبن. فالمسلمون يعرفون أنها متميزة عن سائر الاشربات، وأن كانت محرمة لأسباب توجب تحريمها في الدنيا."(ص9)

الأدب والدين

كانت معارك الأستاذ لا تتوقف ويحارب في العديد من الجبهات لأنه لا يتجنب التحديات .وهو جاهز لأي معترك، ليس بسبب العدوانية ولكنه باحث عن الحقيقة. ولهذا تطرق الأستاذ إلى هذا الموضوع الشائك والحساس في حوار مع الأستاذ محمود محمد طه. وليس هذا هو أول نقاش مع الأستاذ محمود إذ سبق أن وجه له مقالة بعنوان (تكرموا بانزال الفلسفة من السماء إلى الأرض) وجاء الرد: (أو ما علمت أن الأرض قد التحقت باسباب السماء) (كتاب: رسائل ومقالات. الخرطوم 1973، ص4-9). لم يواصل الاستاذان نقاش هذا الموضوع لأنه يبدو أن الانطلاقة كانت من خطين متوازيين وهذا ما عبر عنه الأستاذ محمود محمد طه: (… عنوان بارع يدل من الوهلة، على ما ينتظر القارئ من نظرة عملية وواقعية… ولست أريد أن اطيل وقوفي هنا ولكني لا أحب أن ازايل مقامي هذا قبل أن اؤكد لك أن الأرض في تفكيري قد التحقت باسباب السماء.. فلست أرى ارضاً ولا سماء، وإنما وحدة اتسقت فيها العوالم من الدراري إلى الذراري، ـ في غير تفاوت نوع) (ص4).

يوضح الأستاذ محمد محمد علي في موضوعه عن (الأدب والدين) أنه لا يريد أن يعقد مقارنة بين الأدب والدين للوصول إلى أيهما أكثر فائدة؟ لأن مثل هذا العمل لا يخدم أي غرض (فللدين رسالته وللأدب رسالته، والمجتمع الإنساني محتاج إلى كلتا الرسالتين، وليست احداهما بمغنية عن الأخرى فتيلاً) (محاولات في النقد، ص115). ومن الجانب الآخر يلخص رأي الأستاذ محمود محمد طه الذي يقول بأن الأدب وسيلة ناقصة ومعيبة للبحث عن الحقيقة والحقيقة هي معرفة ذات الله. لذلك، فالأدب لا يستحق أن نشتغل به وننفق حياتنا في تحصيله وتنميته، والاجدر أن نشتغل بالدين).

يرى الكاتب أن هذا الرأي غريب وشاذ ولكنه وجد منذ القدم إذ حقر بعض الفلاسفة الأدب. ولكن الأستاذ وضع محكاً لتقدير النشاط الإنساني لا يخضع لرغبات المجتمع واهواء الناس المتباينة، فالهدف لكل نشاط انساني هو معرفة ذات الله. ويقول الشاعر:-" وموطن الخطأ في هذا الرأي، أنه من يفرض على الأدب غاية ليست غايته، ويحصره في نطاق لا يستوعب حقيقته، ثم يرسله مع الدين في مضمار واحد يستبقان إلى تلك الغاية. وعلي هذا فسيكون الأدب من غير شك وسيلة مقصرة معيبة، لأنه لا يغني هنا غناء الدين." (المصدر السابق، ص116). ويلجأ الكاتب إلى وسيلة منطقية في تقييم رأي الأستاذ محمود، فكما يقول أنه إذا اردت معرفة صحة رأي من الآراء فافرض تعميمه. لذلك يطلب منا أن نتصور أن الناس جميعاً استجابوا إلى دعوته فأعرضوا عن العلم والآداب والفنون، وعكفوا على انفسهم يتأملون تأملات صوفية ليصلوا إلى معرفة ذات الله! ولذلك يرى الباحث أنه ليس هناك ما يبرر حصر أهداف الأدب في غرض واحد، يلم به الأدب في بعض الأحيان كما نرى في أدب المتصوفة، ثم يعرج عن التعريف الذي أورده الأستاذ محمود للأدب (فاما الأدب فهو التعبير عن التجارب الشخصية في أسلوب رشيق) ويرد الباحث بأنه تعريف مقبول ولكنه لا يؤيد فكرة الأستاذ بل ينقضها نقضاً لأنه من الجائز أن يكون الالحاد وتمجيد الاوثان من هذه التجارب الشخصية، ومع ذلك فهي تجارب مقبولة في الأدب الذي عبرت بصورة تلبي شروط الأدب الجيد لأنها تبصرنا بحقائق اجتماعية ونفسية وتطير بنا إلى قمم شاهقة من الجمال! وهذا يعني أن طبيعة الأدب مختلفة عن طبيعة الدين حتى في نظر الأستاذ محمود (حسب تعريفه (ص116).

يستعمل الأستاذ محمد محمد علي منهجه في التفكير ببراعة وذكاء، ويحترم نسبية الحقيقة تماماً، إذ يقول: (والأستاذ يعلم أن الدراسة القيمة المنتجة، هي أن ندرس الشئ ونحكم عليه في حدود طبيعته، اما أن نفرض عليه طبيعة شئ آخر، ثم نأخذ في المفاضلة بينهما فأمر لا خير فيه. وللاستاذ أن يشتغل بالدين وأن ينصرف عن الأدب. ولغيره أن يعجب بالأدب ويعكف عليه، فالمسألة مسألة ميل واستعداد قبل أن تكون مسألة رأي وفلسفة. فليس كل من أراد الأدب استجاب له، وسلس له قياده، وليس كل من زاول دراسة الدين وتفهمه، وصل إلى هذه الغايات التي يريد الأستاذ الفاضل أن يمنحها حياته ويدعو اليها الناس) (ص116-117) وبسبب هذا التخصص أو القدرات فالباحث يرى أن تاريخ الأدب يثبت أن المتصوفة والشعراء الدينيين عاشوا عالة على الشعراء. ويطلب منا أن نرجع إلى ما قاله كبار المتصوفة في العشق والهيام والوحد والغناء والاتحاد… الخ. فلن نعثر على أي جديد أضافوه إلى ما قاله أبو نواس واضرابه ومجنون ليلى وأمثاله. وحتى في شعر الزهد والندم ومخافة الله ووصف غرور الدنيا نجد أن شعراء المجون كانوا أخصب الهاماً من شعراء المتصوفة (ص117) ويرى الباحث أخيراً أن مثل هذه الدعوة تخلو من السماحة أو التسامح الديني في التعامل مع الأدب لأن النبي الكريم كان يهتز لشعر نصفه غزل ويثيب عليه - لذلك فتلك دعوة للانصراف عن النشاط البشري المثمر إلى التأملات الصوفية المريضة. (ص120-121).

يخلص الكاتب إلى القول بأن الأدب والدين حاجة من حاجات المجتمع ولكل منهما طبيعته وأغراضه. ويبدو أن هذه الاتجاهات - التي تدمج كل النشاط الفني في نشاط واحد - قد ظهرت في الفكر الاسلامي منذ فترة طويلة، يقول أدونيس عن الشعر وينسحب على الأدب عامة: (.. الأمر الثالث هو نشوء نظرتين في فهم الشعر وكتابته: نظرة تستند إلى الإسلام كرؤيا وكممارسة، ونظرة تستند إلى الشعر ذاته، من حيث أنه تجربة متميزة أو فعالية إنسانية تتصل بأخص خصائصه الإنسانية. واستندت النظرة الأولى إلى التقليد، اما الثانية فاستندت إلى الإبداع) (7).

يعتبر نقاش الاستاذين محمود محمد طه ومحمد محمد علي، من أرقي الحوارات السودانية. ولكن تم غمره، افهم أن يقوم بذلك السلفيون ولكن ماذا دهي الاخوة الجمهريون وهم المجادلون المحاورون؟هناك اشكالية وصلت الجمهوريين الحساسية تجاه النقد. كما دأب بعض الجمهوريين بتحديد قيمة "المثقف" بمقدار قبوله أو رفضه لافكار الأستاذ محمود. ارجو أن تكون الذكرى الأربعين فرصة لتجديد ذلك الحوار وفي الأمر تكريم للرجلين العظيمين.

المراجع:-

. محمد المكي إبراهيم: الفكر السوداني أصوله وتطوره، ص69.

2 . كارل مانهايم - الايديولوجيا واليوتوبيا، ترجمة عبدالجليل الطاهر 1968، ص390 وما بعدها.

3- محمد محمد علي:الشعر السوداني في المعارك السياسية،1821-1924.القاهرة، مكتبة الكليات الازهرية،1969، ص7.

4.نفس المصدر السابق، ص3.

5.محمد محمد علي:محاولات في النقد. الخرطوم، دار البلد للطباعة والنشر،1998، ص32.

6.الشعر السوداني …مصدر سابق، ص67.

  1. (أدونيس: الثابت والمتجول، ج3، صدمة الحداثة، بيروت، دار العودة، 1979، ص236

سبق نشر اجزاء من هذا الموضوع.

شارك المقال

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

اقرأ أيضاً

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟