حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية

المقالات

السودان .. أيُّ مستقبل؟ (الحلقة الأخيرة)

· نُشر في الصحافة

يفترض في الحلقة الأخيرة أن تعطي إجابة مباشرة أو توحي بإجابة على سؤال المقالات. واستطيع القول بلا تردد، بأن السودان لو أصر على أن ينهج المسار الذي اختطه الآن وأن يمشي عليه: فلا مستقبل للسودان. وأعني بذلك منهج إعارة إنتاج الأزمات بأشكال جديدة أو تبدو وكأنها جديدة. كما أن الطرح الخاطئ للمشكلات والقضايا العظمى يعطي حتماً حلولاً خاطئة. بالإضافة لتحديد سلم الأولويات ومعرفة ما هو جوهري وأساسي خلافاً لما هو ثانوي وهامشي. فالكل -تقريباً- مشغول بمن يحكم السودان وحول مَنْ يجب أن يلتف السودانيون؟ وفي نفس الوقت يتجادل الجميع حول كيف يحكموا مجتمعاً وبشراً، ولكن كل ذلك غائب ويبقى الحل في تحديد من يحكم وليس كيف يحكم ومن الذين يحكمهم؟

ولو افترضنا -جدلاً- أن هناك دولة قادرة على الحكم بسيفها ومالها، ولكن يقابلها مجتمع يتآكل ويتفسّخ وينهار تدريجياً وإنسان سوداني ضاع الكثير من قيمه واخلاقياته (المميزة). يبدو المشهد وكأننا أمام دولة افتراضية، وذلك لأن خطابها مختلف عن انجازاتها وأفعالها، هي دولة منفصلة عن مجتمعها وبالتالي لا يجد البحث عن رئيس أو حكومة قومية لا تضع في اعتبارها أن تعود الدولة إلى مجتمعها. وهذا يتم من خلال الوحدة الوطنية الحقيقية وتحقيق التنمية وهذا يتضمن محاربة الفساد، الاهتمام بإعادة بناء الإنسان السوداني والذي خضع لاذلال وتهميش مما أفقده الثقة في نفسه وفي قدراته. وهذه هي الخسارة الكبرى أن يفقد المواطنون رابطة المواطنة والوطن بسبب ابعادهم عن حقوقهم المشروعة.

وهذه عملية صعبة ومعقدة: التحام الدولة بالمجتمع، وهذا للأسف لا يتم من خلال الخطب والندوات والمناورات السياسية، ولا من خلال الاستراتيجيات الوهمية. فالمطلوب رؤية تصحبها برامج تطبيقية علاجية وطويلة المدى. وبعد هذا قد يأتي النقاش حول من يحكم؟ لأنه سيعرف أو يفترض أن يعرف أن اختياره تم من أجل اهداف قومية محددة وليست حزبية فقط. تواجه أي حاكم قادم مشكلة وجود سودان موحد ضمن حدوده الدولية المعروفة. لذلك ستكون الأولوية للوحدة الوطنية وسيواجه احتمالا كبيرا أن ينفصل الجنوب عام 2011، وحتى فترة قريبة كانت كفتا انفصال/وحدة متعادلتين، اما الآن وبسبب العجز الشمالي الرسمي عن جعل الوحدة جاذبة، من خلال الاهمال ثم تشجيع الأصوات الداعية لفصل الشمال عن الجنوب قبل أن ينفصل الجنوب عن الشمال.

فمن العبث الحديث عن جاذبية الوحدة، فمن النفاق البين أن يعلن النظام بلسان أنه مع الوحدة ويفسح المجال واسعاً لنشر أفكار الانفصال والعنصرية. باختصار، علينا الا نعول على استفتاء ينحاز إلى الوحدة، لو سارت السياسات والأجواء بهذه الطريقة التي نعيشها الآن. وهذه قضية يجب عدم التعامل معها بهذه العشوائية أو ادعاء حرية الرأي، فهذا رأي مدمِّر وخبيث، كما أن حرية الرأي ليست مكفولة لهذه الدرجة التي تتسع لهذا التخريب. أنها قضية وجود وطن وليست مجرد مناوشات سياسية تتلاعب بها صحف إثارة. تبتعد دارفور عن الوحدة والمركز مع مرور كل يوم بلا تقدم حقيقي لحل الأزمة. فهناك موت يومي ونزوح وهروب واقتتال وفي هذا تعميق مستمر لابتعاد دارفور عن بقية الوطن.

وحين تقول تقارير وزارة الداخلية بوجود 1.38 مليون نازح في 65 معسكراً فأين هو المجتمع الدارفوري الذي يريد أن يحكمه أي قائد فذ؟ لذلك قبل أي حديث عن خارطة طريق وتوصيات كنانة أين المجتمع الدارفوري؟ سيصعب رتق أي نسيج اجتماعي ضمن هذه الظروف التي نراها ويعيشها الدارفوريون. فالحكومة كوَّنت نخبتها المستفيدة من الأزمة، والمقاتلون أيضاً في الجانب الآخر خلقت نخبتها التي تملأ شاشات التلفزيون وتتمنى في سرها عدم توقف الحرب. وهناك أثرياء حرب يكسبون من الحديث والتجمع والحشد بدعوى البحث عن حلول لمشكلة دارفور. وقد صرفت في هذا الأمر اموال طائلة كان من الممكن أن تسهم في مشروعات تنمية بالاقليم أو في تعويضات المتضررين.

فمن الواضح أن دارفور تحتاج لجهود ومصداقية أكثر، خاصة حين يصرح الأمين العام للأمم المتحدة كي مون، بأن ظروف نجاح حفظ السلام بدارفور غائبة. وبغض النظر عن المسؤول هل الحكومة أم المجتمع الدولي، فالوقت ينفد سريعاً. وعدم الإحساس بالوقت هو ما عقد الأمور في دارفور، وغالباً ما ننسى أزمة دارفور ثم يتحرك العالم أو المحكمة الجنائية، فنستيقظ ونعرف أن لدينا مشكلة اسمها دارفور، ثم نغفو ثانية، وقد نستيقظ في إحدى المرات القادمة ولا نجد دارفور ولا أزمتها. كان المؤمل أن يكون النظام الفيدرالي، والذي تعتبره الإنقاذ من أهم انجازاتها، وسيلة لتقسيم السلطة والثروة في كل أنحاء البلاد. ولكن سوء تطبيق الفكرة وتخلف الأداء جعل من النظام الفيدرالي أداة لعودة مظفرة للقبلية والعشائرية، وأخذت الإدارة الأهلية شكلاً جديداً يبدو حديثاً لأن مسميات المؤسسات كذلك، أي برلمان أو مجلس تشريعي اقليمي، وحكومة الولاية...

الخ، ولكننا في الحقيقة نحتاج إلى مجالس صلح القبائل، وهي بالمناسبة نهايات أو خواتيم اقتتال دام بين قبيلتين. وهي تكرر كثيراً لأن الصلح يفتقد الأسس القوية الثابتة. ويساعد النظام بدوره في تعميق القبلية كما يظهر في البيانات الرسمية، حيث صارت هناك خانة للقبيلة في الأرانيك الحكومية (بالمناسبة حتى الحزب الشيوعي وزع استبياناً توجد به خانة للقبيلة!). عاد السودان صورة مهمشة تفتقد مقومات التماسك والوحدة والتكامل مع غياب تام للاحساس بالقومية والوطن الواحد. وعادت الانشطارية والانشقاقية بقوة مع تفاقم مشكلات الفقر وغياب الخدمات الأساسية واللجوء إلى الحلول الفردية -القبلية مقابل الوطنية- القومية. وقد ضعف شعور الانتماء القومي كثيراً، حتى خلال المؤتمر الذي سمي أهل السودان غاب هذا الشعور.

فكان من السخرية أن يختلف المشاركون حول تقسيم (مناصب) رئاسة ومقرري اللجان، فمن المفترض -نظرياً- أن يكون أي عضو وهو من أهل السودان يمثل وجهة نظره كمشارك وأن يتحوّل الجميع إلى شخصية معنوية يمثلها أي فرد من الحاضرين. ولكن قوة الاشطارية ممثلة في الكسب الحزبي تغلّبت على الشعارات. وهذا مثال على أعلى مستوى لصعوبة الوفاق والاتفاق بين السودانيين، لذلك تبقى قضية الوحدة الوطنية والانتماء القومي هي القضية. يعتبر الاقتصاد من أهم عناصر التماسك الوطني من خلال الإنتاج المشترك والتوزيع العام المتساوي على كل المواطنين. ولكننا نعيش اقتصادين، الأول: افتراضي يظهر في أرقام الحكومة وبيانات وتصريحات المسؤولين. والثاني: واقعي يمشي على الأرض ويأكل في الأسواق.

وهناك فجوة شاسعة، إذ نجد حكومة تتحدّث عن النفرة الزراعية وتضيع أموالها هباءً بدون مساءلة ومحاسبة ثم تحولها إلى الثورة الخضراء بلا مقدمات. وعلى الضفة الأخرى يقبع المعسرون من المزارعين داخل السجون. ومن هم خارج السجون يشكون من غياب الدعم الحكومي وتأخر المدخلات، ويبدو أنهم من ينتظر كي يلحقوا برفاقهم في الحبس. اما القطاع الصناعي، فكل الحديث عن ملايين الدولارات في الاستثمار، لم يظهر أثره في تأهيل الصناعة السودانية. ولا يتوقف رجال الأعمال من الشكوى من الجبايات والتي جعلتهم في صراع دائم مع السلطات مركزية وإقليمية. قبل الأزمة المالية العالمية، كان للسودان فضل سبق العالم في الدخول في أزمة مالية عميقة تم التعامل معها اعلامياً وليس اقتصادياً.

واكتفى كبار المسؤولين في البنك المركزي بالتهديد بنشر أسماء من نهبوا أموال البنوك الخاصة في عمليات نصب محكمة. وأخشى أن يكون هدف هذه الضجة كلها، ليس العمل على استرداد المال العام المستباح، ولكنها مجرّد ابتزاز وتخويف لعناصر معينة في السوق، وجعلها ترعى بقيدها. وهذا الارتباك المالي لحقت به الأزمة المالية العالمية. ولكن هناك من يؤكد لنا أن السودان لن يتأثر بهذه الأزمة، أو من يذهب بعيداً بأن اقتصادنا (الإسلامي) سيكون هو الحل أو البديل بعد سقوط الاشتراكية واحتضار الرأسمالية، وبالتأكيد سوف ننتبه للكارثة عشية الغد، ولن تكون لدينا أي حلول. تواكب عملية الانهيار القومي والتفسخ الوطني، خطة منهجية لتطبيع الفساد في الحياة العامة السودانية، أي أن يكون الفساد سلوكاً طبيعياً لا يثير الاستغراب ثم الادانة.

، في نفس الوقت يخفض الحديث عن أسباب وجذور الفساد ونكتفي بنتائجه. وهذه هي الخطة الحكومية وقد نجحت حتى الآن، فقد رفضت الحكومة تماماً فتح هذا الملف ورمت الكرة -كما يقولون- في مرمى المواطنين المحتجين وتطالبهم بتقديم البينات. والحزب الحاكم -المؤتمر الوطني- فصيح ويتكلم في كل شيء عدا الفساد. ويتميز اعضاؤه بجرأة عجيبة حين يهاجمون فساد وعمالة خصومهم، وبالذات في الفترة الأخيرة في الحملة ضد بعض الصحافيين ومنظمات المجتمع المدني. وتساءلت بطريقة بلدية، ما الذي يستحق الهجوم والفضح: أين (يأكل) علماني أموال منظمة نصرانية كافرة أم أن يسرق مسلم ملتزم أموال يتامى مسلمين ويحرمهم من التعليم والعلاج؟ أخيراً الفساد هو الفساد ولكن يجب ألا يكيل الإسلامويون بمكيالين، وهذا قولهم في الحديث عن الغرب.

ويجب أن تكون هناك حملة قومية ضد الفساد كجزء من قومية أهل السودان من أجل الوحدة الوطنية وبقاء السودان موحداً. تبقى مسألة مهمة وهي قومية الخدمة المدنية. وهذه خطوة لإزالة دولة الحزب الواحد الترياق للقومية والوحدة الوطنية. وحين يصبح جهاز الدولة احتكاراً لحزب واحد فهذا بداية التشقق والتمزق في الدولة وفي الوطن. وهذه مسألة مهملة في اللقاءات الكبرى ولا يقترب منها. فالنظام الحريف حين يجمع أهل السودان يقول لهم ضمنياً: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة! أي هناك دارفور والمحكمة الجنائية الدولية والاستهداف العالمي للسودان. وهذا وضع في نظره لا يحتمل القضايا الجانبية، وكنت قد ختمت المقال السابق بالدعوة لحكومة انتقالية قومية، وهذا لا يعني وزراء ووزراء دولة وولاة ومحافظون فقط، بل يعني أن يدير أهل السودان جهاز الدولة وليس أهل الحزب الحاكم.

هذا وطن لم يتبق منه الكثير متماسكاً وموحداً كي يتوقع ويتطلع إلى غدٍ أفضل. وبشكله الكسيح هذا لا يمتلك مستقبلاً ولا يستطيع النهوض والنهضة. فهو أقرب إلى قارب مثقوب يمتلئ تدريجياً بالماء ونحن داخله -حكومة ومعارضين ومحايدين- ننتظر أن تعمه المياه ونغرق معاً. والجميع يمثل الحرص على إنقاذه، لذلك قضيتنا ليست استمرار البشير أو عودة الصادق المهدي (الرئيس الشرعي المنتخب- كما كان يوقع قبل فترة قصيرة) ولا المحكمة الدولية ولا فساد الأمم المتحدة ولا تأييد الاتحاد النسائي الأفريقي، علينا ألا نستسلم للغرق الجماعي ثم تأتي كل هذه المسائل لاحقاً. فالمطلوب أن يسلم الوطن المتصدّع المنهار ثم تحل تلك التفاصيل ضمن حلٍّ لقضية الوطن وهنا ستكون الحلول صحيحة ومستدامة.

شارك المقال

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

اقرأ أيضاً

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟