حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية

المقالات

السودان بين الحكومة العريضة والحياة الضيقة

· نُشر في سودانايل

يتحدث النظام السوداني مع الأحزاب السياسية عن الحكومة ذات قاعدة عريضة ويناور ويماطل كالعادة، بينما الحياة اليومية تزداد ضيقا وبؤسا وعنتا لن تجدي معه عمليات التوسيع الحكومي، طالما لم تخاطب القضايا الحيوية الحقيقية. وتبدو الساحة السياسية السودانية أقرب الي الغرائبية السحرية منها الي الواقع والحياة الملموسة. وهذا الي شعور قوى الي أن ما هو موجود حكومة افتراضية رغم أنها تتحدث عن حكومة اليكترونية. وهي حين تتحدث عن الاقتصاد، والحريات، والديمقراطية، وتطور التعليم، والثقافة والفنون، والثورة الزراعية، وحتي إنجازات الرياضة؛ لا يدري هل تقصد السودان الذي يعيش فيه الشعب السوداني أم تتحدث عن بلد تحكمه في كوكب آخر؟ هذه معضلة حقيقية تجعل من الصعب فهم مشكلات السودان وبالتالي العمل علي حلها. إذ لابد من ارضية مشتركة يتفق فيها الناس علي وجود مشكلة أو أزمة، ثم يختلف حول الدرجة أي مدى اتساعها أو انتشارها أو عمقها. وقد تختلف الاطراف حول أسباب الأزمة ولكن ليس حول وجودها أصلا. وهذا لا يعني نسبية الحقيقة والواقع، ولكنه مثال ناصع الوضوح لكبف يمكن أن يحكم شعب بأكمله بالمغالطات وتزييف الوعى والواقع. ومازال الناس مندهشين للحوار الذي جري علي الهواء مباشرة حول الأزمة الاقتصادية بين الاستاذين ربيع عبد العاطي والطيب زين العابدين. وتتساءل أين يوجد هذا السودان الذي تحدث عنه ممثل الحكومة، وهم يعيشون فيه فعليا؟ وبالطبع يحتار الشعب :هل هذا ماتراه الحكومة حقيقة أم ماتتمناه؟وبين الأمنيات والواقع يضيع عمر الشعب السودان ويصادر النظام مستقبله بعد أن فرط في تاريخه وخرّب حاضره. ولابد من وقفة جادة بعيدا من السياسوي الفج الممارس والضجيج العاجز الذي يملأ الورق والمواقع الإسفيرية.

من البداية لابد من تفسير ظاهرة الحكومة الافتراضية والتوغل في المغالطات السافرة والجرئية، وكيف نمت وتطورت وصارت طبيعة ثابتة للنظام؟ يبدو أن مثل هذه النظم لا تعترف بأنها تحكم شعبا وعليها واجبات ومسوؤليات لابد من القيام بها. فالنظام الذي جاء عن طريق القوة والانقلاب علي سلطة شرعية سابقة، يسعي لتأكيد وهم أنه لم يفوضه الشعب ولايحتاج لتفويض شعبي وتكفيه الشرعية الثورية التي اوصلته للسلطة قفزا علي صناديق الانتخابات والبرلمان. وما الوقاحة التي خاطب بها العقيد التائه القذافي، شعبه؛ إلا الدليل الدامغ علي السلوك الشاذ لمثل هؤلاء الحكام. وهذا السلوك يهدف الي حرمان الشعب- بطريقة غير مباشرة - حق المحاسبة والمساءلة. وهم يحتقرون كل ما له صلة بشعبهم حين يتعلق الأمر بالسياسة والتفكير وتدبير أمور الحكم. ويظهرون عدم احترامهم لرأي الشعب فيهم، وفي سياساتهم. وأقرب مثال وأشده دلالة: الاحتجاج علي انتهاكات حقوق الإنسان. فحين يقوم الشعب ومجتمعه المدني، والذين يقع عليه عبء الانتهاكات من تعذيب وسجن واذلال؛ بكشف تلك الممارسات المخجلة، يتجاهل النظام اصواتهم ويتهمهم بالعمالة والخيانة. ولكن حين تأتي نفس الاتهامات من منظمات خارجية ودولية مثل منظمة العفو الدولية أو مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، ينزعج النظام ويشكل اللجان الوهمية للتحقيق. ونتابع كل عام السيرك الذي ينصبه النظام في جنيف في الأمم المتحدة، بهدف ابطال صدور أي قرار ضد سجل السودان في حقوق الإنسان. ومن العجيب أن النظام السوداني يهتم بصورته في الخارج وسبق له استئجار شركات علاقات عامة، ونشر إعلانات مدفوعة، لتجميل صورته في الولايات المتحدة الأمريكية واوربا الغربية. ولكن لا يهتم مطلقا بما يقوله السودانيون عن الفساد وانحرافات المسؤولين.

تتسم علاقات مثل هذه النظم بشعوبها بقدر كبير من الانفصام المرضي أو علاقة حب/كراهية حسب المضمون الفرويدي. فهي تحتاج هذه الشعوب لكي تؤيدها وتسير لها المواكب والمظاهرات؛ وفي نفس الوقت لا تريدها أن تشارك في اتخاذ القرارات. وفي أحيان كثيرة يصف النظام السوداني المعارضين له بالمتمردين وقطاع الطرق والمرتزقة والشماسة. وقبل فترة وصف مستشار الرئيس للشؤون الخارجية، السودانيين في الخارج بالمتسولين. وقبل أسابيع، طلب والي الخرطوم، من غير القادرين علي تحمل اعباء الحياة في العاصمة، أن يعودوا ال قراهم ومناطقهم الريفية. وقد جاء هذا الحديث والدعوة في سياق مناقشات تدهور الخدمات ونوعية الحياة في العاصمة القومية. وهذا حل أقرب لتصورات مالتوس عن الزيادة وأقرب لتعامل هتلر مع اليهود والغجر في المانيا. ومن البدهيات أن جماعة سياسية حين تسعي الي السلطة والحكم تكون لها رؤى وبرامج لتحسين أوضاع المواطنين المادية والروحية. ولكن النظام السوداني يبدو أنه أراد السلطة من أجل السلطة في حد ذاتها، مثل نظرية الفن للفن. وفي هذه الحالة، تصبح السلطة والحكم هدف مطلق ومجرد غير مشروط بغايات معينة كالتنمية أو التقدم مثلا. خاصة حين تطمئن وتستريح ولا تشعر بخطر حقيقي علي وجودها. وهذه ليست تهمة مرسلة مجانا، ولكن لدينا دليل لا يرد، في تعامل النظام السوداني مع الأزمة الاقتصادية الراهنة. وهي أزمة اضحت مستعصية بسبب التجاهل المتعمد. وهذه الأزمة الخانقة طالت حتي الطبقات الوسطى العليا.

يؤكد النقاش الرسمي لللأزمة حقيقة الاستخفاف بعقل الشعب السوداني وقد تجسد ذلك الاستخفاف في الأفكار المطروحة، وبعض الممارسات. أولا، ظهر نفس الخبراء الذين قالوا بعدم تأثير انفصال الجنوب علي الاقتصاد السوداني، لكي يعددوا اضرار تلك الخطوة، وجميل أن يحل علم ما محل السياسة والايديولوجيا. ويطرح تفسير اقتصادي-ديني اخلاقي، يرجع الأزمة الي تبرج الفنانات السودانيات، والي الأغاني الهابطة، والي ابتعاد الناس عموما عن صحيح الدين. وفي الممارسات، قادت الحكومة مسرحية مقاطعة اللحوم، تحت شعار:الغالي متروك. وهو شعار خاطئ ومقلوب، لأن الدول الجادة تقوم برفع مستوي حياة مواطنيها ودخولهم، ليصبح شعارهم: الغالي مطلوب لأن قوتهم الشرائية ارتفعت ويبحثون عن السلع الجيدة الغالية. وفي هذه الأثناء تدهور سعر الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، فانطلقت حملة ضد تجار العملة. وتزامن مع ذلك القبض علي “لصوص” سرقوا ما يفوق ال200مليون جنيه، جلها من العملات الأجنبية من رئيس القطاع السياسي في حزب المؤتمر الوطني. واهتم الناس بالقبض علي السارقين، ولم يسأل أي شخص عن أسباب تجول هذه المبالغ خارج النظام المصرفي؟ الإجابة تساعد في الوصول الي تجار العملة الحقيقيين ومصدر الأزمة الاقتصادية.

أما المخطط الكبير والخطير للالهاء والاستخفاف فقد كان طرح مشروع الحكومة ذات القاعدة العريضة في هذا الوقت. وقد كان الهدف شغل قوى المعارضة والأحزاب السياسية بالمشاركة وتوزيع المقاعد الوزارية، والأهم من ذلك التسبب في الانقسامات الداخلية. ورغم خروج مظاهرات محدودة وعفوية، إلا أن النظام نجح في تعطيل القوى المؤثرة.

شارك المقال

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

اقرأ أيضاً

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟