حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية

المقالات

السودان 2008م .. . من حصاد الهشيم إلى المجهول

· نُشر في الصحافة

دأب بنو البشر العاقلون نهاية كل عام على محاسبة النفس ورصد النجاحات والاخفاقات ورسم شكل المستقبل والأمنيات والطموحات، واستخلاص العبر، ويحدث نفس الشئ بالنسبة للشعوب والاوطان: ماذا فعلنا وانجزنا خلال العام الماضي واين وصلنا في سجل ارتقاء الأمم وماذا اعددنا للمستقبل؟ وحين وقفت مستدبراً أحداث عام 2008م في السودن، لم أرَ غير حصاد الهشيم وقبض الريح ـ كما يقال وحين استشرفت المستقبل لم أجد غير ظلام المجهول. ويكاد يكون هذا الشعور وهذه الحقيقة يتكرران كل عام:

حتام نحن نساري النجم في الظلم

وما سراه على خف ولا قدم

وكان عام 2008م هو الاسوأ في تاريخ السودان المعاصر لأنه قام بالتمهيد للمجهول القادم. وكانت أحداث العام مجرد دوران فارغ لم يتقدم كثيراً رغم الضجيج والجلبة والحركة والجعجعة .وتموج كتل البشر وتسافر الوفود إلى الخارج والداخل ويتسارع القادمون إلى السودان، وتمتلئ الطائرات والردهات والشوارع تمور بالبشر وتتشابه الأمم المتحدة وميدان جاكسون واب جنزير سابقاً. هذا هو سجل عام 2008م دون تفاؤل أو تشاؤم أو تشاؤل. فهذه هي الحقيقة لمن يرى بعينه وقلبه بلا غشاوات الغرض والمصلحة الآيديولوجيا:

1 ـ في السياسة داخلياً وخارجياً

شغلنا موضوع المحكمة الجنائية الدولية وصادر كل جهود وطاقات البلاد لوقف هذا الخطر، ولكن يبدو أن القرار مؤكد الصدور خلال الأيام القادمة وقد يكون ضد هذه الجهود، وتبقى ضرورة التعامل مع القرار حين صدوره بالوسائل القانونية والدبلوماسية الهادئة والمقبولة في المحافل الدولية. اما على مستوى السياسي الداخلي، فلابد من التعامل مع القرار قومياً، خاصة وأن الحديث الدائر يقول بصراحة: إن السودان مستهدف، ولا يقول إن النظام أو الرئيس البشير مستهدفان. وطالما أن الاستهداف ضد السودان، تبقي المسؤولية فرض عين على كل سوداني بغض النظر عن الانتماءات والولاءات الآيديولوجية أو الحزبية أو الجهوية. لذلك لا بديل عن الحل القومي الذي يقوم به الجميع: مبادرة، تظيما، دعوة، حشداً، حواراً ونقاشا وقرارات. وهذا يعني أن تقوم من البداية لجان قومية ومقبولة للجميع بكل العمل. وهناك محاولات قد تكون حسنة النية ولكنها لم تكن شاملة، ولابد من إكمال مثل هذه النواقص والسلبيات بحيث لا تكون أي قوى سياسية أو شخصيات وطنية خارج هذا الكيان الا إذا ابوا لأسباب غير موضوعية ولمجرد الخلاف.

يلاحظ المتابع للكتابات التي توصف المشهد السوداني الراهن أنها تكاد تجمع حول قرب الكارثة أو الطوفان واننا جميعا كسودانيين في خطر أو في مركب واحد، ويخطئ من يظن أنه حينذاك قادر على السباحة وانقاذ نفسه. ولكن مازال أغلب الكتاب ـ للاسف ـ لا يجمع حول الحل القومي، شكله ومضمونه وأهدافه، ومن البداية، لابد أن ندرك أن الحل القومي للازمة لا يهدف إلى إنقاذ رئيس أو نظام أو اتفاق، ولكن غايته إنقاذ الوطن وتجنيبه السقوط الوشيك، وهذا يعني البعد عن المناورات والمماطلة والمهاترات، وهذا يقتضي الصدق والبعد عن الدعاية، فحين نقول: الوطن في خطر نقصد ونعني فعلاً أنه في خطر وليس لمجرد التخويف وآثار ذعر المواطنين لمساندة النظام. وطالما هو في خطر حقيقي لابد من اتخاذ الخطوات الواقعية والواعية والعملية لمواجهة هذا الخطر على المستوى القومي بلا تخاذل أو ابتزاز أو عزل.

يظل الشعور والحس بالزمن بطيئاً ومتكاسلاً، فالآن يتسرب الوقت من بين اصابعنا ونحن نمد حبل الصبر كما نقول رغم اهترائه وسوف ينقطع في اى لحظة، فقد تمر الشهور وليس الأيام على صدور توصيات وقرارات تصدرها تجمعات تبدأ متحمسة في البداية وتتاح لها كل الإمكانيات المادية واللوجستية، وهي لا تنفذ شيئاً(وكثيراً ما نتشكك في قول الرسميين عن الالتفاف القومي مع الحكومة في موضوع المحكمة الجنائية، إذ أتوقع كثيراً من الشامتين الذين يحضرون هذه اللقاءات ويقولون شيئاً وقلوبهم على شئ آخر،.

شهد السودان اختلافا واسعا بين القوى السياسية حول أغلب القضايا وهذا دليل على البعد عما هو قومي وأن المصالح مازالت تحكم الرؤى. فهناك قضايا يفترض أن تكون بديهية ولا تحتاج إلى اجتهادات لولا القدرة على التهرب والتأجيل، إذ لم أتوقع أن يكون هناك خلاف حول موضوع التحول الديمقراطي. فالديمقراطي بين وغير الديمقراطي بين وليس بينهما أي متشابهات، واول الطريق الحريات: حرية التعبير، التنظيم، الحركة، الرأى. وكانت معركة الحريات الصحفية غير مبررة عملية التحول الديمقراطي جزء اصيل من اتفاقية السلام الشامل والدستور، وبالتالي لا يمكن الاختلاف حولها لأن ذلك خرق للاتفاقية والدستور معاً. وتقع المسؤولية الأولى في حماية الدستور والاتفاقية على عاتق الشريكين: الحركة الشعبية لتحرير السودان وحزب المؤتمر الوطني، وذلك ببساطة لأن السلطة في يديهما ويتوقع منهما المواطنون حماية الدستور والاتفاق الذي أعطاهما هذه السلطة. إن موقف المؤتمرالوطني في عدم الحماس للتحول الديمقراطي مفهوم، ولكن كيف تبرر الحركة الشعبية هذا التواطؤ أو على الأقل التساهل والتجاهل. وباختصار لم يكن حصاد السودان في ميدان التحول الديمقراطي وافراً، والمرحلة القادمة، لو اردنا الالتفاف القومي لابد من الجدية والصدق في إكمال عملية التحول الديمقراطي. لأن ذلك يعني مناقشة القضايا بوضوح ودون خشية من عواقب، ومع غياب الديمقراطية يطغي النفاق والحذر على المواقف.

رغم الحديث عن الانتخابات والتبشير بالاكتساح، ولكننا لم ندخل بعد في اجواء الانتخابات كما أن إجراءات الانتخابات لم تكتمل، فأغلب الأحزاب في حالة تنظيمية رثة تمزقها الانقسامات الواضحة (مثل الاتحادي الديمقراطي) والخلافات الكامنة «مثل الحزب الشيوعي والذي لم يعقد مؤتمره المؤجل منذ أكثر من اربعين عاماً، ووعد أن يتم ذلك مع نهاية عام 8002م وقد بقى من العام 84 ساعة فقط ولم نسمع عن المؤتمر» والخلافات الصامتة «حزب الأمة الذي لا يعلن الكثيرون صراحة آراءهم في طريقة ادارة الحزب». ورغم الحماس الظاهري لعقد الانتخابات الا أن الجميع يتمنون التأجيل «والبعض يتمنى الالغاء». وفشل عام 8002م في إكمال الاستعداد للانتخابات ويعني ترك لغم خطير مؤجل للعام القادم.

وسوف يثير حتى الأكثر اهمالاً في الاستعداد للانتخابات المشكلات ويظهرون انفسهم وكأنهم حرموا من احراز الأغلبية. وستكون عملية تأجيل الانتخابات قضية يهدر فيها الكثير من الجهد والوقت رغم وجود المشكلات الحقيقية: دارفور مثلاً واكمال استحقاقات نيفاشا.

2- في الاقتصاد:

مثلت الأزمة الاقتصادية العالمية منقذاً لميزانية العام القادم فقد كانت مليئة بالثقوب وتعرضت لكثير من النقد وتوقع البعض أن تسقط الميزانية في الربع الأول من العام وأن يعد وضعها من جديد. والآن سيكون سبب الفشل هو الأزمة العالمية رغم أننا كنا سباقين للعالم في ازمتنا. فنحن وقعنا في مشكلات قديمة مثل ارتفاع الصرف البذخي الحكومي كما بينّ تقرير المراجع العام الأخير، والمشروعات الدعائية غير المدروسة: وتغيب عن الاقتصاد السوداني مسائل المتابعة والمحاسبة والتقويم. فكثيراً ما تضع ميزانية عام معين مشروعات ضخمة ومع نهاية العام تظهر مشروعات أخرى جديدة، دون أن نعرف ماذا حدث للمشروعات السابقة: هل اكتملت؟ هل فشلت؟ هل الغيت أم تم تجديدها؟ وهكذا تراوح التنمية في مكانها. وتتحدث لنا الحكومة عن الاستثمارات وكأنها هي التنمية الحقيقية. فهل برج الفاتح أم دريم لاند هي التنمية بينما طريق الإنقاذ الغربي- سيء الذكر- ما زال من الوعود المتكررة؟

ومن الواضح أن الاقتصاد السوداني تائه فهو لا رأسمالي ولا إسلامي ولا اشتراكي، وقد تكفي صفة سوداني بمعناها الدارج أي «سبهلل» أو محل ما تمسي ترسى. وهذا يعني عدم الحاجة إلى التخطيط والمنهجية لانها «وجع دماغ».

فالاقتصاد يعيش رزق اليوم باليوم ويتغير طوال العام والقرارات لا تتوقف ولا توجد خطط طويلة المدى لأن مثل هذه الخطط تحتاج لمعلومات واحصائيات دقيقة. والعام القادم سيتحمل الاقتصاد السوداني ازمته الخاصة مع الازمة العالمية رغم أن بعض جهابذة الاقتصاد قالوا باننا لن نتأثر بالازمة، لاننا لابسين حجاب قوي «قاصع»!

3- الثقافة والإبداع:

كان عام 8002م استمراراً لكي ينعم السودان بثلاثة اتحادات للكتاب لأنه وطن تعددي. وهذه مشكلة تؤرقني كثيراً مع السياسة والاقتصاد. ففي مصر التي يبلغ كتابها اضعافاً مضاعفة مقارنة بالكتاب السودانيين لديها اتحاد واحد وقبلوا برئاسة محمد سلماوي رغم اختلافاتهم الآيديولوجية والسياسية وفيهم الاخواني والناصري والشيوعي والوفدي، ولكنهم يدركون مهمة العمل النقابي، فهم سوف يتنافسون حول إنتاج الكتب وقرض الشعر وتجويده وانتاج الروايات وتطوير النقد وليس حول رئاسة الجمهورية. ولكن العقل القبلي والعشائري والانشقاقية القومية التي تميزنا تأبى الا أن تطال الإبداع. وينسحب هذا الوضع على تكوينات الفنانين التشكيليين المتعددة وكذلك على المسرحيين فعوضاً عن تكوين فرق مسرحية تتنافس على الإبداع، تكونت فرق شبه كروية للهجوم والدفاع بين صفوفهم.

كانت النتيجة في ميدان الثقافة هي حصاد هشيم وبدلاً من تدفق الاصدارات والمعارض والعروض، تمتليء صفحات الجرائد «باللغلغة» وفرش الملايات كما يقول الاخوة المصريون. لا نريد مبادرة قومية في السياسة فقط بل اعتقد أن المبدعين في اشد الحاجة لمثل هذه المبادرة ويكفي هذا الشعب ما يفعله به السياسيون. فعلى المبدعين أن يرطبوا قلوب الناس المتعبة والمرهقة باعباء معيشية ومستقبل غامض بواسطة الفنون والإبداع فقط.

4- في الرياضة:

هذا هو مجال العبقرية السودانية بامتياز، فقد شهدت بالصدفة ضربات جزاء ترجيحية في مباراة القمة وتمت اضاعة ست ضربات متتالية من الفريقين وهذا بالتأكيد لا يحدث هذا الا في السودان. وقبل أيام قليلة هزم بطل السودان بسبعة أهداف، وظهرت العبقرية الكروية السودانية مجدداً فقد سجلت أربعة أهداف في اقل من عشرين دقيقة! وما يصرف على الرياضة في السودان يفوق ما يصرف على التعليم والصحة من قبل القطاع الخاص. ويا ليت لجنة حكماء تقضي بالغاء كرة القدم في السودان وتحويل اموالها لاجلاس التلاميذ في مدارس الكدرو وهمشكوريب وكأس وبور. وإن يعدل معمار استادات الهلال والمريخ وتحول إلى دور المسرح أو أوبرا وقاعات عرض للفنون التشكيلية وعدد من دور السينما والغناء، فهذا أجدى.

الحيز المتاح للكتابة ضيق، وإخفاقات السودان يمكن أن ينفذ البحر لو كان مداداً لكتابتها ورصدها. ولكن الذي نتمناه في عام 9002م هو اللطف ولا غير.

شارك المقال

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

اقرأ أيضاً

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟