ماركس لم يزر السودان أبداً! حاولت وثيقة (إصلاح الخطأ) معالجة مشكلات تكوين العضوية وحمايتها من النزاعات الخاطئة والغربية التي يتحدث عنها الحزب باستمرار. وترى الوثيقة منذ البداية وجود عيوب في توصيل النظرية الماركسية (أي تدريسها) في (مستوى الطلائع التي ترغب في الانضمام للحزب أو تنضم اليه) «ص26»، فمن الملاحظ أن المرشحين ينجذبون إلى الحزب عدة مثل الدفاع عن قضايا مئوية أو الإعجاب بالنضال السياسي أو التأثر بالفكر الماركسي ثقافياً أو منجزات المعسكر الاشتركي. وتتطلب فترة الترشح الارتقاء بوعي المرشحين إلى مستويات أعلى من الثورية. وتلاحظ الوثيقة: (أن عشرات بل مئات من المرشحين يفتر حماسهم في تلك الفترة ويبتعدون عن الحزب لا لتقاعس منهم بل لعجز الحزب الشيوعي عن اتقان العمل في هذه الفترة وعن سوء تقدير أهميتها.
ولكن من ناحية أخرى هناك عيوب خاصة بالعناصر الجديدة التي تنضم للحزب والتي تحتفظ بالكثير من نظراتها الخاطئة المنبعثة من أصولها الطبقية ومن حياتها اليومية ومن مصادر ثقافتها). «ص27». والدراسة الشيوعية خلال الفترة الوجيزة لا يكفي -كما تقول الوثيقة- أن تخلق من المناضل شيوعياً ناضجاً، لأن التكوين الشيوعي يتم داخل الحزب وخلال صراع طويل ضد كافة الايديولوجيات الغربية، ومن خلال النضال العملي، وفي تجارب العمل اليومي، ويتطلب هذا الصراع الصبور من أجل تخليص الأعضاء من تأثيرات الأفكار غير العمالية. يمكن فهم ظاهرة تساقط عضوية الحزب الشيوعي، حسب هذا الفهم، فالعيوب تلازمهم، ولكن فترة الترشح لا تقوم بواجبها كاملاً.
وتقول الوثيقة: «... أو كأنما الحركة الجماهيرية يمكن أن تنقل الوعي الشيوعي للمناضلين تلقائياً، وإذا كان الناس وهم يلجون أبواب الحزب، تتطهر اذيالهم فجأة وتكتمل ثوريتهم، فما القيمة لوجود حزبنا وما دوره في الحياة؟) «ص28». ويفترض أن يعيد الحزب إعادة تنشئة العضو بقيم جديدة. كما أن عملية التعلم المستمر من داخل وخارج الحزب ضرورة لتكوين العضو يضاف إلى ذلك السلوك الشخصي في بلد كالسودان واحترام معتقدات الناس وثقافاتهم مهما بدت متخلّفة. ورغم هذه الغايات النبيلة التي سعى اليها الحزب الشيوعي، إلا أن الحزب الشيوعي السوداني في الواقع والممارسة كان مختلفاً. وهناك فرق بين ما يجب أن يكون وما كان فعلاً. فهناك عيب تكويني في الحزب الشيوعي يكمن في تبنيه للحزب اللينيني الشيوعي، أو ما يسميه ستألين أسلوب اللينينية في العمل والنشاط التنظيمي.
ويرى لهذا الأسلوب خاصتين هما: 1- الاندفاع الثوري الروسي. 2- الروح العملية الأميركية. ويصف الاندفاع الثوري الروسي بأنه (ترياق ضد الجمود والرتابة وروح المحافظة، وركود الفكر، والخضوع العبودي لتقاليد الاجداد. ولكن هذا الاندفاع قد يصبح ثورية فارغة احسب كلمات ستالين: داء تكلف الابتكار الثوري وهوس البرامج الثوري هذا داء ينشأ من الإيمان الأعمى بقدرة المرسوم أن يدبر كل شيط ويبدل كل شيء. (أسس.. ص154). وينعت لينين هذا بصفة الغرور الشيوعي، ويقول: «أن الغرور الشيوعي هو صفة رجل عضو في الحزب الشيوعي، إلا أنه لم يطرد منه بعد. يتصور أن بوسعه أداء جميع مهماته عن طريق المراسم الشيوعية) «المصدر السابق، ص154». يطالب لينين، الإقلال من الثرثرة السياسية والعبارات الطنانة، والإكثار من العمل البسيط اليومي، والأكثر من الانتباه لأبسط الوقائع التي هي، مع ذلك، حيوية للبناء الشيوعي).
(نفس المصدر السابق). وكان لينين يرى أن الروح الأميركية هي، على العكس، ترياق ضد أحلام الفارغين الثورية (أو المانيلوفية مانيلوف أحد أشخاص قصة غوغول «الأرواح الميتة» يوصف بالغباوة واحلام الفارغين) والابتكارات الخيالية، وهو يمدح هذه الروح بأنها: «القوة، التي لا تكبح لا تفرّق العقبات، ولا تعترف بها، هي القوة التي، بثباتها الحاذق، تكتسح العقبات من كل أنواع وكل درجة ولا تحجم عن السير إلى النهاية التي تبدأها، مهما كانت ضئيلة الشأن، إنها القوة التي بدونها لا يمكن تصور عمل بنائي جدي: (أسس.. ص155) ولكنه يستدرك بأن الروح الأميركية عرضة لأن تتحوّل إلى ضرب من الروح التجاري الضيق الحالي من المبدأ أن لم نقترن بالاندفاع الثوري الروسي.
ويعني أن يكون الشخص نشيطاً ومهماً ولكن بلا آفاق ثورية، ويؤكد ستالين: «أن الاندفاع الثوري الروسي، مقترناً بالروح العملية الأميركية، ذلك هو جوهر اللينينية في عمل الحزب والدولة. إن هذا الاقتران فقط هو الذي يعطينا النموذج الكامل للمناضل اللينيني في العمل) «ص156». افتقد الحزب الشيوعي القدرة على الجمع بين الصفتين اللازمتين للحزب والعضو الجيدين، فهو يواجه الانتماءات القبلية المختلفة عن الاندفاع الثوري الروسي وتبقيع في الواقع القبلي الانشطاري للسودان. ويرون عبدالخالق سيرة نشأة حركة مزارعي الجزيرة وكان بعض قادتها من قبيلة الحلاويين وأبلوا في النضال (فبدأ بعض الرفاق من تلك القبيلة يطلقون تعممات عن ثورية قبائلهم وعن تخاذل القبائل الأخرى من «المقاطيع» و«الململمين».
وقد حاولت العناصر المعادية لحركة المزارعين إحداث انقسام فيها على أسس قبلية (...) إن الكثير من الرفاق يتخذون موقف اللامبالاة من هذه النظريات» (صلاح ص25) وسبب اللامبالاة أنهم ما زالوا جزءاً من الانتماء القبلي ومن الغريب أن بعض الشيوعيين يستخدم كلمة «عبد» أو «عب» ببساطة حين يصنف سكان بعض مناطق السودان. وفي مناقرة مع أحد الرفاق الشيوعيين أبديت غضبي على أن يقدم شيوعي مثل هذا التصنيف، فأجاب مازحاً: (العب عب والمرة مرة!) ناسفاً فكرة المساواة داخل بين جميع السودانيين وبين المرأة والرجل. كان الحزب الشيوعي يجاهد في إن ينتج حزباً غير متخلفين في مجتمع وثقافة متخلفتين. ولذلك حين كان يحلل الصراع داخل الحزب بأنه انعكاس لصراع طبقي، لم يكن دقيقاً.
خاصة وقد أخذ على عوض عبدالرازق تحويل علاقات الأعضاء إلى شللية قرابية، فهذه ليست ظاهرة مرتبطة بل هي ظاهرة تعكس مستوى التطوّر الاجتماعي في علاقات السودانيين ورغم جهود الحزب الشيوعي في عملية التثقيف إلا أنه لم يكن من الممكن القفز على التاريخ مرة واحدة. ويقدّم الحزب الشيوعي انجازاته في هذا المجال: (تم دعم مكتب التعليم الحزبي ووضع كورس التعليم الحزبي المقرر موضوع التنفيذ وأسست مدرسة حزبية في مركز الحزب لتخريج معلمين للمناطق المختلفة، تمكنت من تخريج أكثر من خمسمائة معلم إلى جانب تقديم دراسات متخصصة لعدد كبير من الكوادر النقابية والقيادات النسوية والخطابية. كذلك فتحت مدارس مماثلة في عدد من المناطق لذات الغرض.
كما حدثت طوافات كوادر متخصصة في مختلف أنشطة الحزب ومجالات المعرفة الأخرى، على المناطق. وعقدت سمنارات متخصصة في المركز وعدد من المناطق عالجت قضايا الاقتصاد والاصلاح الزراعي والعمل التنيظيمي... الخ. وانتظم إلى حدٍّ كبير صدور المجلة الداخلية (الشيوعي بصوت مجلة المنظم؟ لعكس وتعميم تجارب الفروع والمناطق) «المدخل لتجديد لائحة الحزب، أبريل 1998». لم تثمر هذه الجهود لعلة مميتة في تكوين التنظيم وهي صفة «الجمود» التي قتلتها الكتابات بحثاً، ولكن لم ينقطع الحديث عن تأثيرها على تطور ونمو الحزب. ويبدو أنها تكاد تتحول من علة عارضة ألى خلل بنيوي يصعب التخلص منه دون تغييرات جذرية لم يقدم عليها الحزب لأنها قد تطال ما يمكن اعتباره ثوابت مثل اسم الحزب والبرنامج واللائحة.
ويصف البعض الفترة الممتدة في المؤتمر الرابع 1967 حتى الآن، بأنها فترة جمود تمثلت في أن «الحزب الذي تعوزه الكوادر القيادية الموهوبة والمدربة، لن يستطيع إثراء النظرية، ولا تطوير برامجه، ويمتلئ خطه السياسي بالاخطاء ويفيض، وتبقى قضايا تنظيم الجماهير وقيادتها مجرد حلم. فأداء الكادر وابداعه القيادي، ونشاطه هو العامل الأول والحاسم والضروري الذي من خلاله يتحدد تأثير الحزب وسط الجماهير: (مخطوطة باسم معتز عضو لجنة مركزية: الحزب الشيوعي المفقود، الجزء الأول 1998، ص7) ويرصد العضو العديد من السلبيات ويرى أن مسائل وأحداث على غاية الأهمية والخطورة لم تأخذ حظها من البحث والمتابعة، مثل قضية الكادر سابقة الذكر التي ظلت مؤجلة على الدوام منذ عام 1967 وترتبط بها اساليب ومناهج العمل القيادي، وتشير إلى قضية خطيرة وهي عدم مناقشة التسرب والنزيف المستمر للعضوية من 78،71،70،69،68،62،1947 و1991 وما بعدها، وذلك بسبب الاستقالة، الفصل، الهجرة، اللجوء (ص13) ويمسك بجوهر الأزمة وهو فقدان المبادرة، إذ يكتب (أن كل الكادر والعضوية أصبح يفزع من المبادرة وتحولوا إلى متلقين).
«ص23». وبالتالي فقد الحزب النفوذ والاحترام وسط الجماهير على أساس أن أي تنظيم «يقاس وزنه بمدى تأثيره ونفوذه ومدى اهتمام الجماهير بما يطرح وقبولها له، ولا يقاس بعدد العضوية وتركيبته الطبقية. الشيوعيون في كل المناطق الصناعية لم تتجاوز عضويتهم الخمسين، واكبر الفروع أربعة عشر زميلاً منتظماً بين أكثر من 12 ألف عامل) «ص63». فالجماهير تعني النفوذ وسط الجماهير. مركز الدراسات السودانية
ليصلك جديد الموقع
نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

