حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية

المقالات

حوار مع المفكّر الدكتور حيدر إبراهيم

· نُشر في الحوار المتمدن

  • حوارات

حوار: ماجد القوني

كأنه خارج للتو في سبيل تغيير جذري لمجتمعات تتبدى هشاشتها للقادم من تخوم وفضاءات ما بعد الحداثة، يحمل أزاميل نقده في مواجهة جمود الوعي والأفكار.. يصفه بعض القروسطيين من خلال مؤلفاته، بأنه معول هدم لتابوهات شيدوها داخل الوعي العربي، بينما يراه مستنيرون أنه نقطة ضوء في ظلام واقع مازال يحكمه الأسياد والخارجون للتو من عصور التأريخ.. دراسته للفلسفة وعلم الاجتماع لم تجعل منه مجرد مطلع على ما يدور في الذهن الإنساني، بل سعى لنقد هذا العقل وتحريره.. حيث أن الفيلسوف ضمير أمته وقلبها النابض.. له بصمته الخاصة على جُدر الفلسفة وعلم الاجتماع.. لا يمكن أن يتوافر إلا حيث الديمقراطية والمناخات الملائمة لتطوّر الفكر الإنساني.

الأنظمة الدكتاتورية لا تلائم مشروعه الفكري المعرفي الذي بدأه في العام 1993م بتأسيس "مركز الدراسات السودانية" الذي تم إغلاقه مؤخراً بالخرطوم لضيق هامش الحريات.. ليمضي شمالا لقاهرة المعز.

د.حيدر إبراهيم علي.. دبلوم في التاريخ والتربية 1966 كلية التربية أم درمان، ليسانس في علم الاجتماع القاهرة 1970، دكتوراه فلسفة في العلوم الاجتماعية جامعة فرانكفورت 1978، منسق الدراسات والنشر المجلس القومي للثقافة العربية في الرباط 1990- 1993، مدير مركز الدراسات السودانية 1993 حتى الآن، ورئيس تحرير مجلة كتابات سودانية 1995 حتى الآن.

له العديد من المؤلفات، التغيير الاجتماعي والتنمية، مقدمة في علم الاجتماع، أزمة الإسلام السياسي الجبهة الإسلامية نموذجاً، لاهوت التحرير، الدين والثروة في العالم الثالث، الديمقراطية والمجتمع المدني في السودان، التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية، مواقف فكرية، المثقفون التكوين في السودان، المجتمع المدني والمجتمع التقليدي في السودان، العولمة، أزمة الأقليات في الوطن العربي (بالاشتراك مع د. ميلاد حنا)، التعليم وحقوق الإنسان، سقوط المشروع الحضاري.

حول عدد من القضايا كان حوارنا معه...

مركز الدراسات السودانية.. بين القاهرة والخرطوم.. هجرة البحث عن واقع ديمقراطي.. أم ماذا؟

تأسس المركز عام 1991 بين القاهرة والرباط، وقد كانت الهجرة إجبارية وضرورية. وفي 2001 افتتح المركز بالخرطوم، وكنت قد طرحت قبلها ما أسميته بـ "المساومة التاريخية" والتي طالبت فيها بعودة المعارضة للوطن بسبب لا جدوى العمل السياسي في الخارج. عدت بكثير من الآمال والطموحات، ولكن النيران الصديقة كانت سببا في الهجرة الثانية. فقد كنت أظن أن معركتي مع القوى الظلامية والنظام الفاشي، ولكن كان ظهري مكشوفا.. في مجتمع المثقفين السودانيين، واهمٌ من يظن في نفسه القدرة على الإنجاز والإبداع دون أن تسنده عصبية من حزب أو شلة.

فالاستقلالية والعصامية والثقة في القدرات الذاتية، جريمة لا يغتفرها المثقفون السودانيون أو جلهم، لمن يعلن اختلافه عن القطيع. لقد خذلني كثير من التقدميين، والتنويريين، و"الناشطين" (لشد ما أمقت هذه الكلمة).. فقد كان أغلبهم ينتظر سقوط وفشل تجربة مركز الدراسات السودانية. ويمكن الرجوع لكثير من الملاحق الثقافية لصحف وصحافيين "ديمقراطيين" كانت تقاطع أخبار المركز ولم تنشر طوال سنوات وجوده خبرا عن إصداراته ونشاطه. ويكفي أن شاعرا عتيقا وصف مجلة "كتابات سودانية" التي صدر منها 56 عددا بـ "النشرة التي يصدرها فلان الفلاني".

وفي اليوبيل الذهبي للاستقلال 2006 حين دعا المركز محمود درويش ومارسيل خليفة وطيب تيزيني وكريم مروة ونصير شمة وغيرهم، رفض الكثيرون شراء التذاكر الإكرامية وتعرض المركز لصعوبات مالية، كما اضطر لإغلاق مكتبة (آفاق جديدة) ولم يهب لنجدته أحد، رغم مرثية المكتبة التي نشرتها في الصحف. هذه المرة كانت الهجرة هروبًا من عالم النفاق، فقد خرجت حزينًا وساخطًا، ولكنني عرفت لماذا جاء الإسلامويون ولماذا استمروا حتى اليوم وسوف يستمرون طالما كانت هذه طريقة مقاومتهم.

ماهي ملابسات إغلاق المركز في الخرطوم؟

مع ضرورات تنفيذ السياسات القمعية والتضييق على العمل العام، هناك جانب شخصي في إغلاق المركز. ففي إحدي الاستدعاءات، قال لي عنصر أمني: "نحن سنعمل فيك زي ما عمل المصريون في سعد الدين إبراهيم". ولابد من القول أن النظام يخشى الكتابة والتنظيم، ويتحمل كل شيء عدا ذلك. لم اتوقف على المستوى الشخصي عن الكتابة والنشر بهدف فضح النظام. كما أن إصدارات المركز عملت على توثيق فشل المشروع الحضاري.

رفع النظام اتهامات خطيرة في أجهزة الإعلام عن التمويل الأجنبي وتهديد الأمن القومي. وهذه تهم ترقى للخيانة العظمى، ولو كان نظاما جادًا وغير هزلي، لذهب ببياناته للمحاكم حمايةً لأمن البلاد الوطني ولردع "العملاء" و"الجواسيس". وأكرر تحدي من يقول بهذه التهم أن يذهب بها إلى القضاء، بما فيهم (علي عثمان محمد طه) الذي وقف في قلب المجلس الوطني ملوحًا بملف، مدعيًا أن لديهم كتابا كاملا عن مخالفات المراكز.

بالمناسبة رغم أن إغلاق المركز حسب وزارة الثقافة كان لمدة عام انتهي بنهاية عام 2013 إلا أن الحاكم الفعلي تدخل ومنع الوزارة من تنفيذ قانونها وقرارها نفسه.

أشرت في إحدى مقالاتك أن النخبة السودانية يلاحقها قدر إغريقي بخواتمه المأساوية، ويضمر لها النهايات الدرامية. هل مازال هذا القدر يلعب دوره؟ انكفاء النخب المثقفة السودانية على ذواتهم، هل هو استسلام لهذا القدر؟

يكمن ذلك القدر الإغريقي الغاشم والأعمى الذي يلاحق النخبة السودانية في مقولة هيغل: مكر أو دهاء التاريخ، والتي تذكرني أحيانًا الآية الكريمة: "إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهّل الكافرين أمهلهم رويدا".. فقد توهمت النخبة السودانية بسبب صفويتها وامتيازاتها وتخلف مجتمعها، أنها قادرة على صناعة التاريخ والقدر إراديًا أي وفق تصوراتها هي حتى ولو خالفت ضرورات الواقع. وقادت الضرورة إلى تضخم الذات ورفعت فصائل النخبة شعارات أكبر كثيرًا من حجمها العددي، ومن تكوينها الفكري، ومن قدراتها القيادية. فقد قررت العمل على تغيير العالم وليس تطوير وطنها الصغير الفقير.

فقد جذبتها شعارات الاشتراكية و"يا عمال العالم اتحدوا"، أو عودة الإسلام والمشروع الحضاري ولا تبديل لشرع الله، أو الرسالة الثانية للإسلام، لأن الأولى غير صالحة لإنسانية القرن العشرين، أو أمة عربية ذات رسالة خالدة، أو وحدة-حرية- اشتراكية. لقد ترفعت النخب السودانية -التقليدية والحديثة- عن قضايا الوطن الصغيرة في نظرها، لذلك لم تهتم بحملات محو الأمية في الريف، ولا محاربة الملاريا والبلهارسيا، ولا مكافحة العطش وتحسين وسائل الزراعة والإنتاج في الريف والبوادي. ولكن مشكلة النخب السودانية الأساسية كانت في العقلية وطريقة التفكير، فهي تصر حتى اليوم على: بناء سوداني جديد بعقل قديم.

فقد استمر مضمون علاقاتها الاجتماعية قبليًا وعشائريًا. فالمثقف السوداني لا يقبل النقد ولا ينقد ذاته، ويقيم علاقاته على الاستلطاف وعدم الاستلطاف. وتحولت علاقاته الحزبية إلى علاقات "أنصر أخاك مهما كان موقفه". ولكن أخطر ما في سلوك النخب وثقافتها، هو تحويل الانتماء الفكري إلى ولاء أبوي بطريقة جديدة. فقد تم تحويل زعماء سياسيين إلي آباء مقدسين معصومين ولا يجوز المس بأفكارهم بأي نقد أو شك. لا أتحدث هنا عن نخب الفصائل التقليدية فقد سلّمت أمرها كاملًا للأسياد، ولكن يهمني ما يُسمي بالأحزاب العقائدية وتلك الفكرية. فقد ظل التعلق بالأب مستمرا رغم أن (عبد الخالق محجوب) أعدم عام 1971، كما أن (محمود محمد طه) أعدم 1985. وكان من واجب تكريم الأب تطوير أفكاره وتجديدها المستمر لتواكب المستجدات العديدة.

أما النخبة الإسلاموية فقد كان قدرهم الإغريقي أعمق تراجيدية وأقرب لمأساة (أوديب) نفسها. فقد تكفل مجموعة العشرة بقتل الأب (حسن الترابي) ولم تعرف كيف تدفنه نهائيا، وظل شبحه طائفًا على عقولهم كلهم: حكام وخوارج. فقد خلّف نظاما سياسيًا إسلاميًا لا يستطيعون العمل على تغييره ولا تأييده، فهو منسوب للإسلام في النهاية. ويستحيل أن يشارك إسلاموي في إسقاط نظام يدعي تطبيق الشريعة. ويمتد هذا الاستنتاج ليشمل حتى (الصادق المهدي). كما أن مشكلة الإسلامويين أنهم حاولوا اجتثاث تجربة التحديث التي بدأت منذ دخول الاستعمار، رغم أنهم نتاج هذه السيرورة من خلال تلقي التعليم الحديث والاحتكاك بالغرب.. فقد تعلمنوا وتغربنوا لاشعوريًا.

هذه هي وضعية النخبة السودانية المأساوية والتي توجت بفصل الجنوب وأن يرتحل أبناؤها وبناتها للالتحاق بداعش رغم "حداثة" الأهل.

من خلال مقالاتك أشرت إلى أن النخبة تحققت وحدتها مع قيام مؤتمر الخريجين عام 1938م. ما الذي يمنع تحقيق هذه الوحدة الآن؟

يمنعها الخوف وتجنب المغامرة الفكرية والإصرار على حضن الأب. كذلك استمرار علاقات القبلية في أشكال حداثية يحرمها من الموضوعية والتجديد. وهي مصابة بنرجسية وطاووسية عالية. كما أن القضية الوطنية تكون فوق الايديولوجيات، وقد كان الأزهري حذرًا حين قال: "تحرير لا تعمير"، لأن الاتفاق حول التحرير سهل.

على عاتق من تقع مسؤولية أن يعود السودان إلى طريق التطوّر، النخب السياسية أم الثقافية؟ وهل ما زلت عند رأيك بأن الإنتلجنسيا السودانية سجنت نفسها في المهاترات والتنابز؟

في الدول النامية وبسبب عدم وجود تمايز اجتماعي واضح، يصعب الفصل بين الاثنين، حيث تتداخل الأدوار. نعم، الإنتلجنسيا عاطلة وغير مشغولة بالكتابة والحوار والقراءة، لذلك تنشغل بالأمور الشخصية والمعارك الذاتية وليست الفكرية. أنظر لعدد الكتب المنشورة كل عام. شح في المجلات الجادة. عدد الروائيين المتميزين. شعراء يعيدون نشر قصائد مضى عليها أكثر من 30 عاما ثم يكتبون نثرًا عاديًا باعتباره "قصيدة". ثقافة الونسة وضل الضحى تملأ القنوات. أين المسرح السوداني؟ هذا الفقر المدقع في الإبداع يرمي بالإنتلجنسيا في الفراغ.

بعض الكُتاب يرون أنك تتعالى على واقعك وتبدو كمن لا يعجبه شيء؟

هذا هو التسطيح والشخصنة عينها. أي كاتب أو مثقف حقيقي يعمل على تغيير الواقع الموجود ثم يستمر في تغيير الواقع الجديد الذي غيره نفسه، وهكذا إلى ما لانهاية، عليه أن يجري خلف مستقبل لا يثبت. ولذلك كان شعار المركز: "كن واقعيًا وأطلب المستحيل". ويذكر البعض هذا الموقف بلغة أخرى، يسميها "جلد الذات"، واعتقد أن الذات التي قبلت حكم الإنقاذ لربع قرن تستحق الجلد يوميًا.

أين د. حيدر إبراهيم من اليسار العريض؟

الساحة الفكرية والسياسة السودانية هلامية ومتناقضة ومن الممكن أن تجد شخصًا يساريًا حسب التصنيف الحزبي وغارقًا في اليمينية في سلوكه الاجتماعي من خلال موقفه من المرأة مثلًا. وقد تجد يمينيًا في حزب الأمة مثلا وتقدميًا في نظرته للمرأة. تقسيم اليسار واليمين من رواسب طريقة الجلوس في الجمعية الوطنية الفرنسية بعد الثورة، ولكن فقد دلالته حتى في فرنسا. فقد كان (أندريه مالرو) يمينيًا ولكنه كان أكثر وزراء الثقافة في تاريخ فرنسا تقدمًا. وفي السودان كان صالح محمود إسماعيل وحسن بابكر في حزب الأزهري ولكنهم كانوا أكثر تقدمية من الشيوعي أحمد سليمان. وكان محمد أحمد المحجوب في حزب الأمة - جناح الإمام، ولكنه كان من أكثر السودانيين ليبرالية وتقدما في الحياة الاجتماعية.

في الوقت الراهن أفضل مصطلحات مثل مستقبلي وماضوي على يسار ويمين.

هل يمكن لهذه النخبة المنكسرة نفسيًا والمنهزمة سياسيًا وفكريًا - كما أشرت - أن تتحمل عبء التغيير والقيام بإخراج الوطن من قاعه؟

هذه دورة تاريخية خلدونية لابد أن تكتمل بسقوط كيان وأمة كان أسمها السودان. أينَ الأكاسِرَةُ الجَبابِرَةُ الأُلى؟ وأين الإسكندر الأعظم؟ وكيف سقطت الإمبراطورية الرومانية؟ وكيف انهار الاتحاد السوفيتي العظيم؟ لقد تراكمت شروط الانهيار للدولة والمجتمع وسوف يغرق بنا هذا المركب جميعًا.

نظرية المؤامرة في مواجهة الغرب.. إلى متى تمثل مخرجاً للأنظمة العربية من مساءلات شعوبها؟

قدم الإجابة المفكر الجزائري (مالك بن نبي) قبل نصف قرن: "ليست المشكلة في الاستعمار ولكن القابلية للاستعمار".

إغلاق عدداً من المراكز الثقافية والفكرية، آخرها إغلاق اتحاد الكتاب، هل يمكن تصنيف ذلك في إطار صراع السلطة والمثقف أم أن للأمر أبعاد أخرى؟

مصطلح الصراع بين المثقف والسلطة غير دقيق. إذ لا توجد سلطة حتى بالفهم الدكتاتوري. هذا نظام اسميته (الأمنوقراطية) حيث يحكم جهاز الأمن مباشرة وليس كمعاون للحكومة. وبالتالي تغيب أو تتداخل السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية، وفي الحالة السودانية الصراع بين الأمن والكل.

متى يتم التقارب بين المثقف والسلطة السياسية؟

في السؤال كثير من التجاوزات لأنه يستحيل إطلاق صفة مثقف على شخص يقف مع هذا النظام مهما كانت قدراته على الكتابة والتأليف أو الفصاحة. لأن المثقف هو موقف منحاز للإنسان والإنسانية، ومن هنا يستحيل أن يقبل شخص التعذيب والاعتقال التعسفي والتشريد وإلغاء الحريات ثم نطلق عليه صفة مثقف لأن لغته جميلة مثلًا. قل عنه كاتب جيد أو شاعر مجيد أو ناظم أو سارد أو محلل، ولكن ليس بأي حال من الأحوال مثقف.

إذا من أين تأتي الأنظمة الدكتاتورية بمثقفيها؟

جاءت السلطة بمادحين وحارقي بخور يبيعون أنفسهم لمن يدفع. وتصور أن بعضهم قال نفس كلامه للنميري. النظام الحالي لم يقف لجانبه مثقفون حقيقيون لذلك قام بتصعيد وحشد عدد من عديمي الموهبة في المؤسسات الإعلامية والثقافية. ألبسهم البدل الكاملة والكرافتات، وأركبهم السيارات الفارهة، وأسكنهم المنازل الفخمة. ملأ بهم الصحف والقنوات الفضائية، ليقوموا بتزييف الوعى ونشر الأكاذيب. جاءوا برؤساء تحرير صحف تخرجوا من خلاوى أطلق عليها تسمية (جامعة).. كما أنهم نشأوا في فترة دكتاتورية النميري: "أبوكم مين؟" ومن كان أبوه نميري فحدث ولا حرج. ثم تدربوا على الإسفاف والمهاترة والانحطاط، إلى أزقة صحف "ألوان" و "الراية"، وتخرجوا في زمن الإنقاذ. هذه عينة من الذين تسميهم "مثقفي السلطة".

وهم بلا تجاوز أو ظلم، أقرب لفتوات "الأنادي"، فقد أغلق نظام الإنقاذ الأنادي ومنعها وفتح صفحات الجرائد. تعرضت شخصيا لتجربة اعتداء من قبل هؤلاء: إذ أعلن رئيس تحرير صحيفة كبرى لقرائه أنه سينشر فضائح تخص شخصي، ولكن لم يفعل ولم يعتذر لقرائه ولا للشخص الذي أساء له. أنهم لا يتحلون بأي نوع من الشجاعة الأخلاقية. اتصلت بمحامين لمقاضاته، فنصحوا بعدم إضاعة الوقت لأنه "مسنود".

إلى أي جهة يجب أن ينحاز المثقف والمبدع السوداني، تلك التي يشكلها عبر إبداعه، أم إلى جهة الأنظمة؟

المثقف الحقيقي لا يحتاج للارتباط بأي سلطة مهما كانت: سياسية أو دينية أو غيرها، لأنه في حد ذاته سلطة معنوية أقوي من كل هذه السلطات، لو كان ملتزمًا وصادقًا. فالحكام يجب أن يذهبوا للمثقف وليس العكس. فالمثقف -كما عرفه سارتر- هو الضمير الشقي لشعبه. فالمثقف يجب أن يكون أمام أي سلطة لتهتدي بأفكاره، وليس خلفها يبرر لها ما تفعل.

كيف يبدو غيابنا عن فضاءات الحداثة وما بعدها؟

نحن حسب الزمن الحضاري وليس الفلكي، بالضبط في عام 1504م حين التقي عمارة دونقس بعبدالله جماع، وقررا التحالف وتكوين سلطنة الفونج أو السلطنة الزرقاء.

المبدع السوداني مازال يخشى النقد بسبب عدم النضج، والنرجسية وعدم الرغبة في التطور والتجديد.

بين لفظتي (العتاب) و(الجحود).. العلاقة بين مركز الدراسات السودانية واتحاد الكتاب السودانيين.. إلى أي خصام مضت؟

كانت حادثة مؤسفة أن تقوم مجموعة تدعي الديمقراطية والتقدمية باستغلال نقابة أو اتحاد لتصفية خلافات شخصية وأن تقوم بابتزاز وتخويف شباب ليسوا طرفًا في الخلاف لتمرير بيان باسم اتحاد الكتاب. ولكن الآن علي رأس الاتحاد مثقف جاد ومحترم وموضوعي، جدير بالاحترام هو د.أحمد الصافي. فقد انتهي الخصام مع الاتحاد بذهاب من أرادوا الفتنة والاستفزاز.

يرى هربرت ماركيوز أن البروليتاريا فقدت ثوريتها بعد اندماجها في النظام الرأسمالي. من سيتولى مهمة التغيير في دول العالم الثالث؟

يعتبر ماركوزة الأب الروحي لليسار الجديد عقب ثورة الشباب في عام 1968، وكان يرى أن البروليتاريا قد فسدت بسبب اندماجها في المجتمع الاستهلاكي- الرأسمالي، وبالتالي لن تثور عليه بل صارت مستفيدة من ثماره. ومثلت أفكار ماركوزة بعض ملامح حقبة ما بعد الحداثة، فقد شكك في نتائج عصر التنوير واعتبر أن العقلانية والتكنولوجيا قد قادت للـ "إنسان ذو البعد الواحد". فقد عوّل كثيرا على الطلاب باعتبارهم طبقة أو فئة "نقية" يمكن أن تقوم بالثورة ولكنها لا تملك قوى الإنتاج. وبالمناسبة شهدت تلك الفترة ظهور الجماعات اليسارية الإرهابية، مثل جماعة بادر-ماينهوف في المانيا، والجيش الأحمر في اليابان، والطريق المضئ، والعمل المباشر، والألوية الحمراء. ولكنها أندثرت من نهاية سبعينيات القرن الماضي.

وتخلت أوروبا أو الغرب، عن أفكار الثورة، متحدثة عن "الطريق الثالث". صار أعلى سقف هو التوجه الاشتراكي-الديمقراطي أو النموذج الإسكندنافي أو تدخل الدولة في الرعاية الاجتماعية. وفكريا، ساد فكر النهايات: نهاية التاريخ، وموت الإنسان أو الإله، ونهاية الايديولوجيات.

قلت أن التنوير مهمة المثقفين في زيادة الوعي من خلال إنتاج الأفكار ونقدها دون إدعاء زعامة سياسية.. هل يعني عدم إيمانك بالمثقف المنتمي؟

أؤمن بلا حدود بالمثقف المنتمي والملتزم جانب شعبه ووطنه وفكره.. المثقف مطالب بإنتاج الأفكار ونقدها وليس بتهييج الجماهير وحشدها كما يفعل الزعيم السياسي الذي يحركها بحنجرته وصوته وليس بأفكاره. فالعمل السياسي عندنا ديماغوغي بامتياز ولا يحتاج للعقل كثيرا بل ميدانه العواطف والمشاعر الخام.. قصدت ألا يجاري المثقف السياسيين في أسلوبهم وطريقة عملهم، وهذا لا يعني العيش -كما يقال- في أبراج عاجية. ولكن التعامل مع الجماهير باحترام وصدق والعمل على محو أميتها الأبجدية والفكرية والسياسية.

كيف تجد تطور موقف وخطاب تيار ما يعرف بـ "الإسلام السياسي".. التطور في فكر وخطاب التيار الإسلامي والمشروع السياسي، وإلى مراجعة وتطوير رؤية الإسلاميين للعديد من القضايا الملحة؟

ظل كسب الإسلامويين الفكري ضعيفًا وضحلًا، واكتفوا ب"التشعلق" على أفكار الأب، واعتبروا التفكير والكتابة فرض كفاية إذ قام به البعض سقط عن الباقين. فقد بقي تيار الإسلام السياسي مشغولا بالأمور التنظيمية والحزبية فقط.. فهم لم يصدروا مجلة فكرية خاصة بهم غير مجلة "المنار" النسائية.

ورغم الإمكانيات المادية الهائلة توقفت مراكز ودور نشر ومجلات، حاولت خلق حركة فكرية إسلامية في حجم أو مماثل للتضخم التنظيمي والحزبي. فقد نشأت الحركة الإسلامية عالة على الفكر القادم من الخارج ثم اقتنعت باجتهادات شيخ حسن- كما يفضلون. كانت بداية البحث عن بناء حركة فكرية قد تبلورت في تأسيس "جماعة الفكر والثقافة الإسلامية" في مارس 1981. وجاء في أسباب التأسيس: "فقد كانت أقوى البواعث المحركة لتكوينها وإنشائها هذا الإحساس العميق الذي استشعره ومازال يستشعره الكثيرون منا كل يوم ببؤس الحياة الفكرية والثقافية عامة وركودها في بلادنا". أصدرت مجلة الفكر الإسلامي والتي لم تستمر طويلا. لم يزد نشاط الجماعة عن المؤتمر الأول في نوفمبر 1982 والذي نشرت وقائعه في كتاب: "الإسلام في السودان". وعجزت الحركة الإسلامية السودانية عن تأسيس تيار فكري متميز قبل وبعد استيلائها على السلطة. وتهاوت كل مؤسساتها الفكرية قصيرة العمر: معهد البحوث والدراسات الاجتماعية، والمركز القومي للإنتاج الإعلامي، وتوقفت سلسلة رسائل التجديد الحضاري والبعث الحضاري.

ولم تستمر هيئة الأعمال الفكرية منذ أن تركها (المحبوب عبدالسلام)، ولا نسمع عن إصدارات مركز الدراسات الاستراتيجية منذ أن غادره (بهاء الدين حنفي). ومات بيت الثقافة بقيادة (عادل الباز) وتوقفت صحف (محمد محجوب هارون) التي استنزفت العملات الصعبة في الخارج. وكان المستفيد الوحيد من الهوجة الإعلامية، التونسي (محمد الحامدي الهاشمي) الذي اغتني من أموال الشعب السوداني لدرجة الترشح لرئاسة الجمهورية وتملك قناة (المستقلة). وتوقفت مجلة (التأصيل) التي كانت تصدرها إدارة التأصيل بوزارة التعليم العالي، ومجلة (أبحاث الإيمان) عن المركز العالمي لأبحاث الإيمان، و(البرلمان) مجلة فكرية ثقافية دورية تصدر عن المجلس الوطني، ومجلة (دراسات إفريقية) ومجلة (أفكار جديدة).

ويوجد الآن (مركز التنوير المعرفي) وإصدارات وزارة ثقافة ولاية الخرطوم. ولكن مشكلة الإسلامويين أنهم يتوهمون قيام ثقافة مع غياب الحرية وإقصاء الآخرين وعدم السماح لهم بالتعبير في الوسائل التي ينفق عليها الشعب السوداني.

لم اقتنع بمراجعات الإسلامويين خاصة تفسير مواقفهم في الأيام الأولى التي عرفت بيوت الأشباح والتعذيب والتشريد. لم يوضح لنا: الطيب زين العابدين، وعبد الوهاب الأفندي، والتيجاني عبدالقادر، وخالد التيجاني، والمحبوب عبدالسلام، وخضر هارون وغيرهم من المراجعين كيف كان موقفهم وشعورهم؟ هذا جانب هام حول جديتهم في خيار الديمقراطية وحقوق الإنسان.

يتحدث إسلاميون في النظام الحاكم عن فشل مشروع الدولة الإسلامية.. هل هذا يعني فشل نظرية الدولة الدينية.. أم التجربة؟

فشل الاثنين معًا، فالتاريخ الإسلامي لم يعرف ما يسمى بالدولة ولكن عرف الخلافة الإسلامية. ووجود مفهومين مستقلين يعني بالضرورة اختلافهما وتمايزهما في الفلسفة والمؤسسات. وقد أخذت الخلافة أسم الأسر التي حكمت من أمويين وعباسيين وأيوبيين وإخشيديين وبويهيين ومماليك.. الخ. وكانت كلها ضمن الملك العضوض ولم تترك أي تراث لنظرية سياسية إسلامية.. مشروع الدولة الإسلامية مجرد يوتوبيا، أي توجد في اللامكان تحولت بعد التطبيق إلى (ديستوبيا) أو مشروع الكارثة واليأس.

المجتمع المدني السوداني هل ينجح في ملء الفراغات التي خلفها غياب السلطة والمعارضة؟

تحول المجتمع المدني لأنه سوداني، إلي ثالثة الأثافي المكملة للحكومة والمعارضة، فالنخبة السودانية لديها قدرة رهيبة في تحويل الوعود والآمال الي كوارث: كلما أنبت الزمان قناة ركّب السوداني في القناة سنانا. فقد تحولت كثير من منظمات المجتمع المدني إلى وكالات إعاشة لبعض المتعطلين ومصدر للترفيه والرحلات للخارج دون تقديم أوراق أو مساهمات فكرية للفسحة والمظهرية فقط. أين هذه المنظمات ورئيس كونفدرالية منظمات المجتمع المدني (أمين مكي مدني) معتقل منذ 6 ديسمبر الماضي؟

احتماء السودانيون بنار الغربة من رمضاء الاغتراب الداخلي.. هل يقلل من احتمالات تغيير مرتقب؟

لم يلاحظ السودانيون أنهم أعادوا تجربة اليهودي التائه والخروج الكبير (exodus) بعد عام 1989 وعليهم ألا ينزعجوا لو انقطعت صلة أبنائهم وبالذات بناتهم بالوطن وصاروا غربيين، جيلنا المهاجر عليه ألا يتباكى بدموع النساء على وطن لم يبنيه -خارج الأناشيد والأغاني- بطريقة تضمن مستقبل الأجيال القادمة. فقد فرّط ومازال يفرط في استرداد الوطن الذي قال أنه يحلم به يوماتي. فقد تركه مستباحا للتتار والظلاميين لربع قرن كامل، وظل يتلذذ بحلم إسقاط النظام في المواقع الإسفيرية وتكوين الجبهات والائتلافات وإطلاق النداءات التي ما قتلت ذبابة. أكرر لو استمرت الأحوال بهذا المنوال، فما علينا إلا التفكير في طريقة دفن الوطن بطريقة لائقة فقط.

سعى محمد عابد الجابري من خلال مشروعه الفكري، لتجديد العقل العربي من داخل تراثه.. في رأيك هل مازال الفكر العربي يحمل في داخله بذرة التجديد من داخله؟

لا يسمح المجال بمناقشة موضوع العقل والعقلية، ولكن لقد أخطأ (الجابري) حين اعتبر أن مشكلة المسلمين في رؤوسهم فقط ولم يعط بطونهم بعض الاهتمام. فهم يعيشون في مجتمع راكد لأكثر من 14 قرنا لم تتغير خلالها وسائل الإنتاج ولم نشترك في صنع التكنولوجيا التي نستهلكها وبالتالي لم نساهم في إنتاج العلوم.

اختلاف التراث عن الحضارة المعاصرة في النوع والكيف وليس اختلاف درجة وكم. وكأنك تتوقع أن تتطور الشجرة إلى الإنسان. وبسبب تمسك (الجابري) بالتراث أنكر دور العلمنة مع أنه هو نفسه نتاجها المباشر. وبسبب التركيز على الخصوصية، أهمل العام والإنساني في أوضاع كثيرة. لقد بدأ (الجابري) ناقدًا وثائرا وانتهي توفيقيًا خائبا بمعنى ضمور مشروعه ولم يجد الانتشار رغم أنه كان مكثرًا في الكتابة.

كيف يمكن أن تصف الأزمة التي يعيشها المستبدون العرب؟

من الذي قال لك أن المستبدين العرب يعيشون أزمة؟ فهم يحكمون عقوداً من الزمن وليس سنين. وهل عبّر (بشار الأسد) عن الشعور بأزمة؟ طالما حيدوا وهمّشوا شعوبهم، فهم في راحة.

شارك المقال

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

اقرأ أيضاً

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟