حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية

المقالات

ديمقراطية بلا ديمقراطيين

· نُشر في سودانايل

من المتوقع أن يشهد السودان أغرب انتخابات في تاريخه، في حالة قيامها في أبريل القادم.

وقد سبقني الإخوان:حيدر طه، وخالد التيجاني، قبل أيام، حول جدوي وجدية انتخابات في مثل الظروف الحالية. وقد كتبت قبل فترة قصيرة ورقة بعنوان:هل الانتخابات ضمانة للديمقراطية؟ومن عجائب الانتخابات الحالية أنها مزورة مقدما أي من مرحلة التسجيل بسبب الخروقات الكثيرة والمبتكرة التي تم رصدها في الأيام الاولي للتسجيل. فهي تقوم تحت إشراف حكومة غير منتخبة ديمقراطيا أو حكومة قومية أو إشراف دولي كما حدث في أول انتخابات تحت لجنة الهندي سكومار سنSukumar Sen)

وعضوية مصري وبريطاني وامريكي وسودانيين. وكل الانتخابات التي اعقبت الانتفاضات الشعبية في 1965 و1986 وكان في الحكم حكومات قومية. وفي انتخابات عام1958و1968 كانت الحكومة منتخبة ديموقراطيا وهي الي اختارت لجان الانتخابات. وهذه المرة سوف تجري الانتخابات تحت حكومة ليست لديها شرعية شعبية ولكن شرعية اتفاقية السلام الشامل المضمونة دوليا وليس بواسطة الشعب السوداني. لأنه لم يتم استفتاؤه ولا اشراك كل احزابه. ولكن الشعب السوداني أعطي الاتفاقية وليس حكومة الوحدة، تأييده ومساندته لحرصه علي السلام والتحول الديمقراطي وفقا لبنود وروح الاتفاقية.

يخطئ من يظن أن العملية الانتخابية هي أن يرمي المواطن ببطاقته الانتخابية في صندوق

الاقتراع. فهذه الخطوة الأخيرة والاسهل في الانتخابات. فالانتخابات تبدأمنذ اليوم لإعلان تاريخها. وهذه ما نطلق عليه اسم الحملة الانتخابية؟، وهي بدورها يجب الا تتأخر، وإن القوي تسخن دائما - بالطريقة السودانية - يوم وقفة العيد. وهذا ما يحدث تماما الآن، فحتي اللحظة لم تبدأ حملة انتخابية متواصلة ومكثفة ومثابرة. وبالتأكيد يصعب قيام الحملة الانتخابية مع احتمال وجود مضايقات أمنية معلنة أو ممكن خلقها. وهذه معادلة صعبة أن تقوم بحملة انتخابية ديمقراطية حقيقية مع وجود جهاز أمن وضع قانونه نظام شمولي قمعي حريص علي تأمين وجوده. وبالمناسبة لابد من جملة اعتراضية بخصوص "قانون الامن الوطني".هناك من يريد إدخال النقاش وبخبث شديد في ثنائية أو مع/ضد، وهؤلاء من صنف الصديق الجاهل أو المغرض. إذ لا يوجد في الدنيا مواطن مخلص لوطنه يدعو لكي يكون وطنه مكشوف امنيا. ولكن الخلاف حول كيف يمكن أن يكون جهاز الامن أسما علي مسمي؟أي جهاز أمن وطني أو قومي حقيقة وتوجه كل امكانياته لحماية الوطن أولا وأخيرا وليس حماية نظام. ولسؤ حظ الوطن وجهاز الامن أن تطوير الجهاز تم طوال تاريخ السودان تحت نظم دكتاتورية وظفت جهاز الامن واختزلته في أن يقوم بحماية النظام وأحيانا حتي حماية الرئيس فقط. لذلك يهمنا ونحن مقبلون علي انتخابات هامة ومصيرية، نحتاج الي جهاز أمن قومي وديمقراطي. وهل سوف يسأل البعض:هل يمكن أن يكون جهاز الامن ديمقراطيا؟بالتأكيد، حين يخضع الجهاز للدستور ولا يعطي سلطات استثنائية فوق الدستور، وأن يحمي - في الحالة الراهنة - التحول الديقراطي ويدافع عنه. لقد اسهبت في هذه النقطة، خشية أن تحدث انحيازات تخرج الجهاز عن قوميته وتجعله لاعبا مؤثرا في سير الانتخابات.

تقود مسألة نقاش الجهاز الي ما يسمي اجواء الانتخابات، وهي مزاج واتجاهات وسلوك ذات

توجه ديمقراطي كامل مشغول بتفاصيل الانتخابات بدون معوقات ايّا كان شكلها أو مصدرها. فهل نعيش الآن اجواء انتخابات تنتشر فيها المتطلبات المذكورة؟تتردد الشكوي من غياب هذه الأجواء وترجع الأحزاب ذلك الي ممارسات المؤتمر الوطني. وتعود الأحزاب المعارضة الي ممارسة هوايتها في الاستجداء والتوسل. فهي تريد من أن يغير هذه الاوضاع؟وكيف تتغير هذه الاوضاع؟التغيير جزء من معركة الديمقراطية والتي تتطلب النضال والتضحية والبذل الصادق. وللأسف المعارضة مازالت تعيد إنتاج خيباتها وسلبياتها وفشلها، ولم تتعلم شيئا. فهي تري في توقيع المواثيق والمذكرات وعقد المؤتمرات المغلقة، وتنسي أو تتجاهل وتتناسي تماما وجود ما يسمي:الجماهير، الشارع، القواعد، الاتباع. وبالمناسب الا تخشي أن يختفي هذا "الكائن العنقاء"عندما تستدعيه اللانتخابات، ويغيب آنذاك انتقاما أو كسلا لأن طول الجرح يغري بالتناسي. وقد استبطنت المعارضة وهم أن المؤتمر الوطني قادر علي كل شئ ولا يقهر. وهناك الكثيرون لم يسجلوا للانتخابات باعتبار أن المؤتمر الوطني سيفوز بالتأكيد ليس لأنه صاحب الأغلبية ولكن لقدرته علي التزوير. وتنسي المعارضة أنهاهي التي تشجع المؤتمر الوطني علي التزوير والاستئساد عموما بسبب تقصيرها في القيام بدورها وواجبها الوطني والشعبي. وهناك أمثلة عديدة لعجزها عن فرض أهم مبادئ اتفاقية السلام الشامل: التحول الديقراطي. فماذا فعلت المعارضة لكي تجعل هذا المطلب حقيقة.

هناك عدد من المجالات تحتاج لخطوات عملية تهدف في النهاية الي اضعاف الهيمنة الشمولية

وتمهيد الطريق الي التحول الديمقراطي. وهي:- الغاء القوانين المقيدة للحريات، الاستخدام القومي لاجهزة الإعلام، الفصل بين الدولة والحزب لمنع استغلال امكانات الدولة في العمل الحزبي، وقف اختطاف الحزب للنقابات والاتحادات المهنية والطلابية، واغراق المجتمع المدني بمنظمات حكومية، وقف الامتيازات الاقتصادية والمالية بسبب الانتماء الحزبي، ردع وملاحقة الفساد، وقف تدهور التعليم. كل هذه معارك كان يمكن للمعارضة أن تخوضها خاصة وهي قد دخلت البرلمان، واظن أن هذا هو مبرر دخولها الذي ساقته لنا حين سألنا عن جدوي المشاركة الهزيلة. يضاف الي ذلك وجود وزراء تقلدوا مناصبهم باسم التجمع الوطني المعارض!ورغم الرقابة القبلية شهدلت الصحافة انفراجا نسبيا لم تستغله المعارضة لطرح قضاياها وحصار المؤ تمر الوطني. ولم تستخدم المنابر المفتوحة الندوات والاحتفالات الجماهيرية والنشاط الفكري للمجتمع المدني والأكاديمي. وموضوع مثل الفساد كان يمكن أن يكون معركة فعالة انتخابيا، وتقدم لهم الحكومة نفسها البينات والأدلة من خلال تقارير المراجع العام وتقارير مجالس الولايات والتحقيقات الصحفية. ولم تفكر الأحزاب تشكيل لجنة من محاميها الكثر تكون مهمتها ملاحقة المفسدين قضائيا وبالتالي وضع المؤتمر الوطني في حالة دفاع مستمر عن النفس. وفي هذا تشتيت لجهد الحزب الذي لا يقهر، ولكن المؤتمر الوطني فرح بمعارضته ولذلك هو فعّال لم يريديكتسب قوته من ضعف خصومه ومعارضيه. وأهم خدمة تقدمها المعارضة للمؤتمر الوطني هي أنها تسد الطريق أمام أي أشكال جديدة لمواجهة باعتبار أن مثل هذا العمل شق للصف الوطني ومن السهل اعتباره مؤامرة ونسبه للمؤتمر الوطني القادر علي فعل المستحيل. وهذه الأيام يعبث المؤتمر الوطني بالتسجيل كما يريد، والمعارضة وجدت مخزونا للقصص المسلية عن التسجيل، وتكتفي بالحكايات الغرائبية لممارسات. ولم تستطع حتي الآن وقف المخالفات والانتهاكات، وسيجعل المؤتمر من هذا التزوير أمرا واقعيا في النهاية ويستخدم هذا السجلات في انتخابات زوّرت مبكرا. ومن مظاهر العجز، انتخابات اتحاد طلاب جامعة الخرطوم والتي اكتسحها الإسلامويون باغلبية 5 الآف صوتا رغم أن عدد الطلاب24الف طالبا. وبالتأكيد أن الخمسة الآف هي كل المؤيدين والمتعاطفين مع الإسلامويين. فهم حريصون علي مشاركة أي صوت مؤيد، بينما ركن الآخرون الي حقيقة أنهم اغلبية بالقوة وليس بالفعل - كما يقول الفلاسفة.

من ناحية أخري يتسائل المرء:من اين جاءت هذه الصحوة الديمقراطية بديلا للصحوة الإسلامية

وطالت الجميع حتي نافع علي نافع؟وهذه احدي مسرحيات الإسلامويين، وهم الذين انقلبوا علي نظام ديمقراطي كان لهم فيه51 نائبا. وهم الذين ظلوا يعتبرون الديمقراطية وحقوق الإنسان"حصان طروادة"لاختراق المجتمعات الإسلامية ولاضعاف مشروعهم الحضاري بالذات. ولذلك حققوا اسوأ سجل لحقوق الإنسان في العالم لفترات طويلة مما استوجب وجود مراقب من الأمم المتحدة في السودان. وفجأة يتحول الإسلامويون من ثقافة بيوت الأشباح والطيارة طارت الي الحديث عن الديمقراطية وكمان النزيهه!وهذا التغيير سببه ثقة مطلقة بالقدرة علي كسب الانتخابات بكل الوسائل الشرعية وغير الشرعية وبالذات الأخيرة. فقد استدعوا كل خبراتهم طوال عشرين عاما في انتخابات المحامين والاطباء والصحفيين والطلاب وحتي في مؤتمراتهم الدورية. ويظل السؤال قائما:هل يؤمن الإسلامويون صدقا بالديقراطية بالآخر المختلف؟بالتأكيد لا، فهم يضيقون ذرعا حين تجتمع أحزاب معارضة في جوبا ويهاجمونهم بافحش الكلام وهذا ما يميز اعلامهم. فالمؤتمر الوطني يعتقد أن أي حكومة يجب أن تكون بلا معارضة. وكل معارضة خيانة وكل خيانة لهم للنار. وليس في اخلاقهم قبول الآخر ولكي لا ننسي، علينا أن نتذكر ايمهم الاولي.

إن الفترة القادمة للديمقراطية ليست في حاجة الي صاحب اغلبية عددية فقط، ولكنها

في حاجة الي برامج جديدة تقوم باصلاح تخريب العقدين الماضيين. الفائز بالانتخابات القادمة عليه النهوض بهذا الوطن الذي يحتل قاع التخلف. والمؤتمر الوطني ليس مؤهلا لاحداث التغيير بعد أن خبرناه عشرين عاما. فالإسلامويون ليسوا دعاة ديمقراطية، ولكنهم يغيرون وسائلهم في التمكين، وهذه المرة تقتضي الظروف استغلال صندوق الانتخابات عوضا عن الدبابة.

وفي النهاية، لابد من ملاحظة تؤكد غياب الديمقراطيين الحقيقيين في العملية الديمقراطية

الراهنة. فمن الواضح أن العناصر ذات الماضي الشمولي هي التي تقود عملية الانتخابات. ويظهر هذا جليا في تكوين اللجنة الوطنية للانتخابات، إذ لم يعرف عن رئيسها واعضائها أي تعامل مع نظم ديمقراطية منتخبة. فقد كوّن أغلبهم خبراتهم عن الانتخاب من انتخابات الاتحاد الاشتراكي أي انتخابات الحزب الواحد. لذلك تعوزهم الخبرة والموقف أيضا في كيفية ادارة انتخابات تعددية يشترك فيها أكثر من حزب. ولان السودانيين مجاملون لم يتطرقوا لهذه الحقيقة الهامة. فأن لا اشكك في كفاءة السادة الفنية البحتة، ولكنني لست متأكدا من انحيازاتهم والتزاماتهم الديمقراطية. وسؤال آخر:هل يمتلكون السلطة المعنوية لوقف تجاوزات الم}تمر الوطني باستخدامه سلطاته المادية المختلفة؟

هذه الانتخابات المصيرية يبدو أنها تأتي في اسوأ فترة الانحطاط السياسي في السودان،

ولكن الكارثة الكبري هي أن كل الارهاصات تدل أن هذه الانتخابات لن تقوم في أبريل. وكل هذا المولد هو مجرد عرض ردئ لا يعبر عن المواقف الحقيقية. فالمؤتمر بتعنته ومواقفه الشمولية، يريد دفع المعارضة الي إعلان المقاطعة. وهنا يقول للعالم :الا ترون لقد عملنا من أجل الانتخابات وهاهي المعارضة تنسف كل شئ!ونحن موعودون بفوضي في أبريل القادم ستكون بروفة للفوضى الشاملة المؤجلة.

شارك المقال

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

اقرأ أيضاً

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟