? وصية عمرو بن كلثوم لبنيه: (وإذا حُدثم فَعَواَ، وإذا حَدثتهم فأوجزوا، فإن مع الإكثار يكون الاهذار «أهذر أي هذي»). ? (إننا كثيراً ما لا نفهم الأشياء التي يدور حولها الحديث. وإنما نصغي فقط لما يقال في الحديث إنه كذلك!). (هايدغر). مقدمات أولية:- ? حاول علماء الاجتماع والسياسة في أحيان كثيرة استعارة المصطلحات من العلوم الصعبة محاولة نفي تهمة أنها معارف غير علمية. وهذا توجه قديم يعود إلى ظهور الداروينية الاجتماعية في القرن التاسع عشر التي شكلت كثيراً من نظريات علم الاجتماع بالذات. ولذلك لم أحس بغرابة حين لاحظت الواقع السياسي السوداني الراهن ولاحظت كثيراً من ملامح مرض الزهايمر تنطبق على الأفكار والمواقف السياسية المتداولة والمتحركة في الساحة السياسية، فهي تتسم بالنسيان والتناسي المقصود حتى يصبح نسياناً، والافكار المفككة وغير المترابطة لذلك فهي متكررة ودائرية الحركة تعيد نفسها ويتم اجترارها أحياناً في كلمات ومصطلحات جديدة ولكن تبقى نفس الفكرة.
ومن الخطأ اعتبار ما يحدث ضمن الخرف المبكر، ولكنه بحكم قانون الزمن وقد يكون جزئياً بحكم تعطيل العقل عن الاشتغال، ومن أسباب عدم تقدم وتطور الفكر والممارسة السياسيين، هذا الجمود الناتج عن النسيان والتناسي والتفكير المفكك. ? مع غياب الذاكرة يغيب التاريخ أو قد يصبح التاريخ تكراراً مستمراً فالبدايات تصبح النهايات والنهايات تعود بدايات. وهذا واضح في (اتفاق التراضي الوطني) فهو في مضمونه مكوّنات مؤتمر القوى الجديدة 1967 السياسية، ولم يذهب بعيداً، فالإثنان تقارب إسلامي بين حزب الأمة والحركة الإسلامية بمسمياتها المختلفة. وكان الهدف قبل أربعين عاماً هو مواجهة الخطر الأحمر، أو كما قال السيد الصادق المهدي «إقامة منبر موحّد للقوى السياسية الجديدة في الشمال والجنوب على أساس تجديدي غير شيوعي»، والآن يخترع المهدي الخطر الأسود أو الحركة الشعبية لتحرير السودان بسبب برنامجها العلماني والأفريقاني الذي يهدد العروبة والإسلام.
ولذلك بدأ (أتفاق التراضي الوطني) بموضوع الثوابت الدينية، وأعطاها أولوية وكأن الإسلام مهدد في السودان بينما يعلن شريكا التراضي الوطني عن أسلمة المجتمع السوداني وانتشار الشعائر الإسلامية بصورة واسعة. ? من أشكال التفكير المفكك والأفكار غير المترابطة أو المتسقة، الخلط بين الدولة المجتمعية ودولة الايديولوجيا، فقد قدم نص اتفاق (التراضي الوطني) نسخة لدولة الايديولوجيا الدينية لأن الاتفاق غلبت عليه الثوابت الدينية -كما أسلفنا- وظهرت كموجهات للثوابت الوطنية. ورغم كل محاولات التوفيق بين الدولة الوطنية والايديولوجيا الدينية، ظلت الغلبة للثوابت الدينية. فهناك مطالبة 3:1: التزام قعطيات الشريعة، ثم 1:3 الوحدة الطوعية، ويأتي ذلك بعد تكريس الدولة الدينية في جزء من الوطن والدولة المدنية في جزء آخر.
? ظلت إشكالية السياسة التقليدية المحافظة اللاديمقراطية مقابل السياسة الحديثة الديمقراطية هي مصدر الصراع في السودان منذ الاستقلال. فالصراع ليس بين الدين واللادينية أو العروبة والزنوجة بل بين الحداثة والتقليدية أو التقدم والمحافظة. ولكن السياسة السودانية توقّفت عند صراع حزبي عقيم تسبب في أكثر من انقلاب وأهمل التنمية وأضاع أكثر من نصف قرن بعد الاستقلال. فقد فشل السياسيون السودانيون في تحقيق هدف السياسة، وهي جعل الفرد مسيساً واجتماعياً نشيطاً. فهي نظام سلوك وتربية للأفراد وليس نظام قطيع يسمى قيادة أو زعامة أو رعاية. يعرّف (ايستون) الأهداف الرئيسية للنظام السياسي في تحقيق وظيفتين أساسيتين، أولهما: توزيع القيم في المجتمع، وثانيهما: دفع أكثرية أفراد المجتمع لقبول هذا التوزيع بصورة إلزامية وعلى أقل تقدير، خلال فترة طويلة.
وهذا ما يميّز النظام السياسي عن النظم الاجتماعية الأخرى. وإذا لم يكن النظام السياسي قادراً على تحقيق هاتين الوظيفتين بنجاح فهنا يظهر التوتر وحتى الأزمة التي يمكنها في نهاية المطاف أن تؤدي ألى انهيار النظام. وفي السودان، نجد سياسة ونظاماً سياسياً ومبادرات ومواثيق بلا جماهير. ويقدِّم (لينين) فهماً عميقاً حيث يقول: «الاشتغال بالسياسة يعني معالجة الظواهر لا من وجهة النظر الشخصية بل الجماعية الجماهيرية»، وفي السودان يتخذ الإمام أو الزعيم أو القائد القرارات المصيرية، وقد تأتي الجماهير بعد ذلك مؤيدة وقد لا تأتي. وهذا لا يعني شيئاً، فنحن من مخترعي فكرة القائد الملهم والإمام المعصوم، صراحة أو ضمنياً. ? استهلكت فكرة الدولة الإسلامية في السودان جل طاقة العمل السياسي، وقفلت الخيارات أمام قيام دولة ديمقراطية حديثة في وطن متعدد الديانات والثقافات.
وهذا الموضوع شغل الناس طويلاً بلا جدوى وهناك من يصر على إعادة اختراع العجلة ومن جرّب المجرب حلت عليه الندامة. ولا أدري هل يملك دعاة الدولة الإسلامية نموذجاً لهذه الدولة غير الذي عرفناه بعد قوانين سبتمبر 1983؟ وكان المهدي بالذات في حالة حرج أمام قوانين سبتمبر والتي تحمّس لها الإسلامويون وحموها بإثارة العواطف بعد الانتفاضة وسقوط النميري. ولكن المهدي لم يتمكّن من إلغائها حين وصل السلطة رغم أنه هو الذي قال عنها -قبل الانتخابات- إنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به. وكالعادة لم يستطع المواجهة، حين كان في السلطة، يقول «استفتيت عدداً من العلماء في العام 1987 وهم الأساتذة والمشائخ: محمد علي شلبي، ومحمد كامل عبدالعزيز، وخورشيد أحمد، ومحمد سليمان ومحمد تقي عثمان وغيرهم درسوا قوانين جعفر النميري وقالوا إنها معيبة من حيث جوهرها وصياغتها وتطبيقها.
(ماذا تبقى!)». (مجلة الشروق، 9-15/7/1992م. ? هل سيظل السودان أسيراً لدولة إسلامية هي أقرب إلى اليوتوبيا أو الطوبى الإسلامية في بلد يعاني من مشاكل حقيقية ملموسة؟ ويؤكد المؤرخون أن الدولة ممثلة في الخلافة الراشدة التي يبشر بها، هي مجرد مثل أعلى وتخيل الذي لم يستطع المسلمون إعادة النموذج منذ نهاية حقبة الخلفاء الراشدين. ويذهب الكاتب المغربي عبدالله العروي إلى أبعد من ذلك حين يقول عن الدولة الإسلامية: «إن هذه العبارة متناقضة في ذاتها، إذا أخرجناها من عالم المعقولات إلى عالم المحسوسات. تشير الدولة إلى مستوى ويشير الإسلام إلى مستوى آخر. تستقيم العبارة دولة- إسلامية في ظروف غير طبيعية. يصبح الإنسان غير الإنسان وحيث تتغيّر القواعد العامة للسلوك البشري، فتتحوّل الدولة إلى لا دولة ويذوب هدفها المحدود في الغاية العظمى للأمة جمعاء.
أما في الظروف العادية فتبقى الدولة في نطاق الحيوانية غايتها الغلبة والقهر والاستئثار بالخيرات فلا يمكن أن تتحوّل تلقائياً إلى أداة تتوخى تحقيق مكارم الأخلاق». (مفهوم الدولة: الدار البيضاء، 2006، ص120). ويقول الشيخ حسن الترابي قولاً شبيهاً بهذا حين يعبّر عن أن هدف الحركة الإسلامية هو المجتمع وليس الدولة، وهو هنا يلتقي مع الماركسية في فكرة تحطيم الدولة وذوبانها في المجتمع. أما السيد الصادق المهدي فيقدّم دولة مدنية غربية تماماً ويضع عليها ملصق (label) إسلامية، وكفى الله المؤمنين القتال. فهو يعرف الدولة في الإسلام، «فالدولة الإسلامية سلطانها مستمد من الأمة لأن الإسلام يعتبر الحرية فطرة الله الإنسان عليها» وفي موضوع آخر «إن الدولة الإسلامية دولة مدنية تستخدم كل الإنجازات البشرية، لكن المهم أن جوهرها يكون دائماً..
الحكم لمن يحوز ثقة الأمة بالطريقة السلمى وتستبعد أي محاولة عنيفة للاستيلاء على السلطة مهما كانت المبررات» (كتاب الدولة في الإسلام، الناشر دائرة الإعلام الخارجي، حزب الأمة (ب.ت) ص3/4) فالمهدي لا يصف الدولة الإسلامية حقيقة، ولكن يصف الدولة التي فرط في الحفاظ على سلطتها قبل حوالى عشرين عاماً أو الدولة التي يتمناها مستقبلاً وأن يكون على رأسها، فالدولة في الإسلام ليست مدنية بأي حال من الأحوال، فعلى رأسها خليفة رسول الله. وهي تستمد سلطتها من الله وليس من الشعب أو الأمة، وهنا خلاف الإسلامويين حول الديمقراطية. فقد يصدر الشعب ممثلاً في برلمانه قرارات تعارض شرع الله! لذلك المصدر هو القرآن الكريم والسنة المطهرة وليس الشعب أو الأمة.
? أخيراً، يحلل العقل الزهايمري السياسي السوداني الواقع، وهو حديث ومتغيّر بلغة قديمة وفولكلورية تأكيداً للأصالة. ولذلك يلجأ إلى الأمثال والشعر عوضاً عن المفاهيم والمصطلحات والتعابير المعبرة. وتصبح اللغة حجاجاً عوضاً عن أن تعبر وتفصح وتكشف وتحاور وتمنطق. وتتكرر في أحاديث السياسيين وكتاباتهم حتى الضجر والملل، عبارات مثل: أحمد وحاج أحمد، نمشطها بقملها، الإنقاذ كنتوش مديدة، تمومة جرتق، كيف يستقيم الظل والعود أعوج، كل إناء بما فيه ينضح، نصحت قومي بمنعطف اللواء فلم يستجيبوا نصحي إلا عشية الغد، إذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل، يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ... إلخ. ومن المعلوم أن الفكر الجديد تحمله لغة جديدة ولكن الزهايمر الوطني يثبت أصحابه في مراحل سابقة يركنون إليها ويحنون لها ويرتاحون فيها.
هذه دعوة في هذا الوضع المأزوم كي ننقد السياسة السودانية ونمسكها من جذورها العميقة لنكشف عن حقيقتها، وهذا مدخل للإجابة على سؤال: التراضي الوطني لماذا؟ وما هو موقع التراضي الوطني في مجال الزهايمر الوطني؟ هذه محاولة لفهم مختلف لفهم ظواهر سياسية تستحق التوقف والبحث ومنها ظاهرة السيد الصادق المهدي أولاً لأسباب عديدة.. (نواصل)
ليصلك جديد الموقع
نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

