يمكن اتخاذ الفنان محمود عبدالعزيز كرمز أو أيقونة للدلالة والإشارة لتجسيد وقائع الشمولية لنفسها في إنسان. فمحمود عبدالعزيز الذي كان عند محبيه قبل زمن قليل "ريحانة شباب السودان" ظهر قبل أيام في برنامج السر قدور الرمضاني وكأنه "طينة البؤس" الذي ذكرها الشاعر إدريس جماع. لقد تجمع كل قهر ورعب وذل وقمع وتشويه وحيونة العقدين السابقين، في إنسان واحد، لأن ممارسات النظام - بالصدفة؟ - وقعت عليه دفعة واحدة. فقد سمحت ظروف الخواء الروحي وغياب الفن الملتزم بالإنسان لبروز فن التسلية والفرح قصير العمر وطرب الحواس الذي يهرش الغرائز. وشجعه نظام الوعي الزائف لأنه يبعد الناس، وبالذات الشباب، عن الاحتجاج والمعارضة والسعي نحو الخير والتغيير. لذلك غض النظام الطرف عن أن يكون المثل الأعلي للشباب خارقا لكل تابوهات الشريعة فهو خير عون - حسب المرحلة - في إعادة صياغة الشباب الضائع في كل الأحوال وليس في الحالين فقط، كما تقول الأغنية المعروفة. فقد كان ظهور محمود عبدالعزيز يؤدي وظيفتين للنظام في عمليتي التسطيح والتزييف، واحدة بفنه والثانية بشخصه. وكان هدية من السماء للنظام الشمولي-الثيوقراطي. إذ يفترض في مثل هذا النظام صاحب الايديولوجية الجهادية والذكورية أن يبتعد عن أمثال محمود عبدالعزيز شكلا وفنا، ولكنه يخدم عملية التشويش، أكرر في تلك المرحلة. فقد كان النظام يريد تقسيم الشباب الي مجاهدين وضائعين، ولا مكان في هذه المعادلة لثقافة جادة وعقلانية يتسلح بها الشباب وهم في مرحلة التكوين.
من البداية لابد من التأكيد من أنه يصعب أن نتوقع أي صلة للشموليين بالثقافة والفن:
سياسة تحسس المسدس المعلومة، فما بالك إذا أضافوا الي شموليتهم التزمت الديني؟ يحاول بعض الإسلامويين إعطاء انطباع وقوفهم مع الفن، ولكن شروط الفنون والإبداع عموما هي الحرية والخيال غير المقيد والحوار والنقد. وهذه متطلبات تتناقض مع الأصولية مهما خفت درجتها وتلبست بادعاءات ليبرالية. قام مقدم برامج يدعي الانفتاح قبل فترة قصيرة بتغيير كلمات قصيدة شهيرة وجميلة لشاعر معروف متوفي لأنه ورد فيها ذكر للخمر والكأس والشفاه. وفجأة اختفي ادعاء الفن والثقافة، وغلبت روح الرقابة والكبت والقمع وعدم احترام الآخرين، وهذه صفات ثابتة فيهم تكاد تكون مثل بصمات أيديهم، مهما مثلوا وادعوا. ونتذكر جيدا محاكم التفتيش في مطلع تسعينيات القرن الماضي وبالذات عهد الطيب مصطفي. ولا يعود هذا السلوك الظلامي المتخلف الي السهو والنسيان، ولكن من صميم قناعاتهم. فالإسلامويون يعتقدون بأنهم يمتلكون وحدهم الحقيقة المطلقة، لذلك يمكنهم الحكم علي حقائق الآخرين. وهذه وثوقيات لا تستطيع التعامل مع الفنون ذات النسبية المطلقة. ويربط الإسلامويون بين الفن واللذة الحسية، وقد يكون بابا للغواية والإغراء. ومن هنا يتعرض للتحريم والأبلسة أو الشيطنة.
ولكن لأن الايديولوجية الإسلاموية توظف كل شيء من أجل السلطة، وتعلم أن الشعب السوداني طروب ليس بمعني ابن خلدون السلبي فيما يخص الزنج وخفتهم، ولكن يحب النغم والغناء، لذلك تنازلت - نسبيا - عن مطاردة الفن وحاولت احتضانه ومن هنا أزمة المسكين محمود عبد العزيز.
يأتي (حودة) ضمن ثقافة التدين الاستهلاكي المعولم، ومن أهم مكوناته وعناصره:
-
موضة المديح بالجيتار، والفرق المادحة ذات الأزياء اللامعة والمزركشة. ومن بدع الإنقاذ أن بعض الفرق الإسلامية تحرم المديح. فأضافت له الموسيقي، وبعد تمرير ذلك تكونت فرق باليونيفورم، ثم أصبحت الفرق مختلطة.
-
بعث ما يسمونها أغاني الحماسة لافتتاح الليالي السياسية والتي لم نعلم حتي الآن هل هي سنة أم مندوبة إذ لم يتبرع من يقوم بتأصيلها؟ ولكنها عودة الي جاهلية سودانية تمجد السيف الترع بالدم والقاطع للرقاب، والمقتولون - بالمناسبة - مسلمون ولكنهم من قبيلة أخرى. ولابد لنا أن نحمد لعلي عثمان محمد طه وغازي صلاح الدين وعوض الجاز ومصطفي عثمان إسماعيل، عدم مشاركتهم في الظاهرة الجديدة إعلاميا علي الأقل. هذه عملية يسميها بعض الاجتماعيين مثل الجابري وأركون (التتريث) أي تحويل الواقع وبالتالي إضفاء معان وتفسيرات قديمة (تراثية) علي واقع جديد تماما.
-
التغني أو قل المديح للموبيليا وأدوات الطبخ والفلل والسيارات وزيوت الطعام ووسائل التنظيف وكل مفردات الاستهلاك. إعلان الدولة الإسلامية هو إعلان الوله والعشق لكل منتوجات الحضارة الغربية المادية الكافرة مع رفض العقل والروح التي صنعتها وهنا مكمن جوهر التأزم. وقبل أيام كتب أحد منظري الإنقاذ عن التسليع والتشيؤ للوحدة، ولكن لا يجرؤ علي الكتابة عن تشيؤ الإنسان السوداني الذي يغني للأثاث.
-
كل هذا في ثقافة الإنقاذ يهدف الي تعميق حالة التشويش والتي يقوم بها الإعلام والتعليم، ويقصد بها رؤية الواقع معكوسا أو بيع الوهم بحيث يظن الفرد أن أفكاره هو عن الواقع هي عين وحقيقة الواقع.
-
يعادي وجدان الإنقاذيون الجمال والحق ويصاحب الزيف والفساد. علي سبيل المثال، يتم إنشاء وزارة ثقافة تصرف عليها الملايين وتخلو عاصمتها من تمثال واحد ولا قاليري واحدة للفنون ولا دار أوبرا وشكرا لمسرح طلعت فريد القومي. ومن ناحية أخري تم عرض مسرحية طريق الإنقاذ الغربي واستمرت حتي تركت مستورة. ثم مسرحية "مواسير الفاشر" ولا أحد يدري هل انتهي العرض؟ هذه هي روائع ثقافة الإنقاذ.
-
يوازي الثقافة الرسمية، ثقافة أخري "محجبة" تخفي نفسها ولكنها مكملة. وكان يمكن أن تطالها الدولة لو أرادت وهي التي يرصد أمنها دبيب النمل كما تقول. انتشار أغاني هابطة للبنات، بيوت الزار، علاج الشعوذة، فنانون ذكور بأسماء بنات، التنزيل، الإجهاض وأطفال المايقوما، السحر الأسود وكل الألوان. وهنا لا اتحدث عن تطور الجريمة بل عن ظواهر ثقافية لم تعد شاذة.
هذه بعض ملامح الثقافة السائدة التي انتجت "المصلوب" محمود عبدالعزيز والذي لعب عددا من الأدوار فهو السيوبر ستار لفترة طويلة. ثم فجأة يتم تداول صورته من الفاشر مجلودا متكئا علي حائط مبكي ولم تكن أول مرة. وهكذا يترك في داخل النجم جرحا نرجسيا غائرا. ذلك الشاب النجم الذي يتلقي صيحات وقبلات المعجبين والمعجبات يعود ذليلا مهانا منكسرا وخاسئا من احتفالية الجلد العلني. ثم نراه نفسه في احتفالية أخري، للدعاية لمرشح الرئاسة المشير البشير وللمؤتمر الوطني. وللمفارقة كان أيضا قد وقف الي جانب ياسر عرمان مساندا للحركة الشعبية. ولكم أن تتصوروا أن كل هذا يحدث لشاب غض عديم التجربة والحنكة والمهارة. فهو محاط بالكثيرين، ولكنه في نفس الوقت لا يجد من يتعاطف معه. وهذه ظاهرة في المجتمع الشمولي، إذ تعمل الدولة علي خلق كتل جماهيرية أو حشود ولكنها تفتقد التعاطف والعمل المشترك المستمر والحميم. لأن هذه هي السياسة التي يخشاها ويمنعها النظام الشمولي. فهو يريد اعدادا كبيرة من البشر تلتقي في ميدان عام وتهتف بتشنج لفترة ثم ينصرفوا علي عدم اللقاء بصورة منتظمة. وهو قد ساهم كمفعول به في تثبيت ثقافة الشمولية هذه من خلال حفلات تضم الآلاف ثم ينصرفون حتي حفل آخر. وتسمي (حنة أرندت) في كتابها: أسس التوتاليتارية، بيروت، 1993، هذه الظاهرة: التقفّر وهي خلاف الوحدة. فالإنسان المقفّر يجد نفسه محاطا باناس آخرين يستحيل أن يجري معهم أي اتصال، أو يكون عرضة لعدائيتهم. ففي هذه الحالة يكون الإنسان مع كثير من الناس ولكن يظل - داخليا - بمفرده! إذ لا يوجد مشروع مشترك بين هذه الكتل البشرية التي تلتقي في دار الرياضة والمقابر ونادي الضباط وحمد النيل والسوق المركزي وجامع سيدة السنهوري وحتي في المواكب المصنوعة. وتكتب آرندت عن النظام الشمولي: "لا يسعه أن يكون قائما، بالتأكيد، دون أن يدمّر الحياة العامة، أي دون أن يدمر طاقات الناس السياسية، عازلا إياهم علي هذا المنوال."(ص271) ولا تكتفي الشمولية بهذه العزلة، بل تسعي الي القضاء علي الحياة الخاصة أيضا. إذ تقوم الشمولية علي التقفّر "أي علي اختبار عدم الانتماء الأقصي الي العالم، وهي أشد اختبارات الإنسان يأسا وجذرية."
أراحتني حالة "محمود عبدالعزيز" كثيرا من البحث عن نموذج واقعي وملموس للإنسان المهدور. وهذا عنوان دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، نشرت في كتاب للدكتور مصطفي حجازي (بيروت 2005). وهو مشهور بيننا بكتابه: التخلف الاجتماعي - سيكولوجية الإنسان المقهور. في هذا الكتاب الأخير، يربط بين القهر والهدر ولكن يري الهدر هو الذي يقضي علي كل إنسانية الإنسان ويضرب مشروع وجوده كي يصبح كيانا ذا قيمة، يكتب: "الهدر علي هذا المستوي هو نقيض بناء التمكين والاقتدار وصناعة المصير. ومن ذلك يتضح كيف أن الهدر يستوعب القهر، بحيث أنه لا يصبح ممكنا (أي القهر) الا بعد هدر قيمة الإنسان واستباحة حرمته وكيانه في عملية الإخضاع والاتباع. كذلك فإن القهر حين يحدث في علاقة الاستبداد أو أي علاقة تسلط بالإرغام، فإنه يترسخ ويعيد إنتاج الهدر ذاته".(ص16). ويحصر (حجازي) آليات الهدر في الاستبداد والطغيان والسيطرة والتحكم والاعتقال والتعذيب بالإضافة لدور العصبيات بأشكالها المختلفة. ثم يستعرض الكاتب أشكال وأنواع الهدر وهي: هدر الفكر، الشباب المهدور، الهدر الوجودي في الحياة اليومية.
يمثل الفصل السادس المعنون: الشباب المهدور: هدر الوعي والطاقات والانتماء، تحليلا مطابقا تماما مع واقع حال الشباب السوداني وكما يجسده (محمود عبدالعزيز) خاصة في ملكوته الحالي، باعتبار الاستبداد أعلي مراحل الهدر. ويركز الكاتب علي الشباب باعتبارهم الأكثر تعرضا للهدر في المجالات الثلاثة. باعتبار "أن محاولات أنظمة الاستبداد والعصبيات والأصوليات الحجر علي العقول، يرمي في الأساس الي وعي الشباب تحديدا، وصولا الي الغائه". (ص201). وبعد الوعي يأتي هدر الطاقات خصوصا الكفاءات العلمية. فالشباب يعاني من العطالة، ويستخدم الشباب المغاربي مصطلحا أكثر تعبيرا وهو: التعطيل باعتبار أنهم ليسوا عاطلين بإرادتهم. والهدر الثالث هو حرمان الشباب من المشاركة الفعالة في تقرير مصيرهم ومصير اوطانهم. وهذا مما يعني غياب الانتماء وتهميش الشباب. وهنا يكتب (حجازي) بدقة: "يحرم الشباب من أن تكون له قضية عامة تملأ حياته، وتكون فرصته للتضحية والبذل والعطاء (.....) يسلب من الشباب حقه في امتلاك الدور في قضايا الوطن سواء من خلال "التطفيل" (البقاء في مواقع الطفولة غير المسؤولة)، أو من خلال الإلهاء بمختلف ألوان التسلية والإثارة، كي تكال له من ثم التهم بالميوعة وعدم الجدية، وقلة تحمل المسؤولية". (ص202) وهذا مكمن أزمة الشباب.
يستعرض (حجازي) أبرز حالات هدر الطاقات والكفاءات بين الشباب، وهي:-
-
تركز أنظمة الاستبداد والعصبيات علي الولاء والتبعية وليس علي الأداء والانتاجية. وما يهم السلطات في أنظمة الهدر هو الحفاظ علي تأزيل تسلطها والحفاظ علي امتيازاتها. وبالتالي لا تضع استراتيجيات منتجة وبناءة تحتاج للكفاءات المنتجة.
-
الإعلاء من العصبية، وفي السودان عصبية التنظيم الحزبي وجاءت - مع ظهور النفط - العصبية القبلية.
-
يتوفر التعليم "الجيد" للطبقات الاجتماعية الغنية والقادرة. بينما يتسرب أبناء الفقراء من المراحل الأولية.
قصدت فقط لفت الانتباه لهذا الكتاب الهام والذي يكاد في هذا الجزء يكون قد بني علي تحليل ظاهرة (محمود عبدالعزيز). ولن تغيب عن ذاكرتي صورته في تلك الحلقة من (برنامج أغاني وأغاني) وقد رمي برأسه بعيدا خلفه وكأنه ليس ملكه. وهو يحاول الغناء وكأن الكلمات تخرج من أصابع قدمه وتشخص وتبهت أعينه ويرمي بها في مجهول مثل جحيم دانتي. وكأنه قد فدي الشباب بأن يقدم نفسه قربانا لمجتمع يخلط بين الاستهلاك والشعوذة والتدين البدوي، ولدولة تنازلت عن كل خدماتها واكتفت بإمساك الحراسات والنيابات وكرباج النظام العام. أنه ضحية الخواء الروحي رغم صوت الدين العالي الذي ينافسه في التلفزيون و"العداد". إن (محمود عبد العزيز) لا يحتاج لعلاج أو مصحة، ولكن من يحتاج للمصحة هو مجتمعنا ودولتنا، وفي هذه الحالة يشفي هو وغيره كثر في الظل.
ليصلك جديد الموقع
نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

