يتسم النظام الشمولي - عادة بقدرة على التسرع في إصدار القرارات، وهذا وضع طبيعي لأنه لا يشغل نفسه بالتشاور والمناقشة والحوار ويعتمد حسب فهمه على الحسم والحزم وعدم اضاعة الوقت. وعندما تختمر فكرة ما في عقل المسؤولين فهم يسرعون الي تنفيذها دون نقاش، وحتى عندما تشكل اللجان فهي غير ذات فائدة لانها ديكورية ومظهرية ومن بعض مصادر كسب العيش المستحدثة وقد تعنى للكثيرين (الظرف) في نهاية الاجتماعات. ومن عيوب اللجان أنها تضم غالباً أصحاب الآراء المتشابهة أو المتطابقة وبالتالي ينعدم الحوار الحقيقي والوصول إلى جديد مختلف عما هو سائد أو مرتقب في شكل القديم. ويصبح احتمال صدور القرارات كبيراً، ونفس الجهة التي تسرعت في إصدار القرار تتباطأ في التراجع حين تكتشف خطأه.
ينطبق هذا الوضع على العملية التعليمية خلال العقدين الماضيين بلا مبالغة أو اجحاف. فقد تعرضت المناهج التعليمية والادارة لكثير من النقد، ورغم الوعود بالمراجعة لم تتم تغييرات جادة. وهذا امر عادي، ويتعقد الوضع أكثر حين يكون النظام يعمل على فرض ايديولوجية. ويرى الإسلامويون - سواء في السلطة أو خارجها - التعليم أداة هيمنة حاسمة في الصراع ضد القوى المخالفة لهم. فقد لعب الإسلامويون بمهارة في ميدان التعليم وسيطروا على مواقع عديدة قبل أن يفكروا في الجيش. علماً بأن السيطرة على التعليم قد تنتج انقلابيين محتملين تتم تعبئتهم وتجنيدهم للحركة في المدارس الثانوية.
أعاد الإسلامويون تشكيل سياسات التعليم العام والعالي على اسس ايديولوجية تخدم الاغراض الحزبية والدعائية، وهذا يتجلى في التأسيس لعشرات الجامعات، لكي يظهر ذلك في الاحصاءات فقط. فهذه الجامعات ساهمت فقط في زيادة العاطلين من ناحية وعدم المؤهلين من جهة أخرى. فالنظام ممثلاً في وزارة التعليم العالي ينشر احصاءات عن اعداد المقبولين أو الخريجين، ولكن لا يعطي أي أرقام عن استيعاب هؤلاء في سوق العمل ولا عن مساهمات الخريجين في التنمية أو في تطوير الخدمة المدنية أو في تطور العلوم والتكنولوجيا والزراعة والصناعة مثلاً. ولأن هذه المناطق أي التعليم من المحرمات/ المقدسات أي التي لا يسمح بالمساس بها، فقد انطلقت مدفعية الهجوم على وزير التعليم الجديد حين لمح فقط بأنه يريد مراجعة وضعية التعليم العالي. وهذا من حقه ومن واجبه بل من واجب أي سوداني حريص على مستقبل التعليم العالي، لأن ذلك ببساطة مستقبل أبنائه وبناته. وأخشى أن يؤثر هذا الابتزاز على جهود وزارة التعليم العالي في فتح ملف وضعية التعليم العالي، وبالفعل يلاحظ المرء تراجعاً في حماسة الوزير والوزارة.
رغم وضوح مشكلات الجامعات الجديدة إلا أن نقد ومعالجة قصور التجربة تغمره الشعارات الايديولوجية، مثل ثورة التعليم العالي بالإضافة لتنفيذ مخطط الإسلامويين القديم: السيطرة على العقل السوداني من خلال التعليم والاعلام. يضاف إلى ذلك، أن تخريج اعداد هائلة من انصاف المتعلمين يساعد في عملية التجهيل أو العلم الناقص التي يريدها نظام يعادي العلم والمعرفة والعقلانية. فالنظام يريد كتلاً بشرية غير قادرة على النقد والرفض والتساؤل والشك. ويمكن للنظام أن يحشد كل هذه الكتل مثيراً عواطفها وغرائزها، وأن تقوم بتأييده بلا تحفظ وبتعصب قد يصل درجة العنف والعدوان. فهذا مخطط يرمي إلى إنتاج خريج يسلك سلوك الأمي.
يكاد يكون تردي مستوى الجامعات الجديدة من البديهيات ولكن الأسباب غير المنطقية وغير العلمية هي التي كرست هذا الواقع التعيس. فمن المعروف، أن هناك شروطاً وبنية اساسية تقتضيها أي جامعة جديدة، وهي: هيئة تدريس مؤهلة وقادرة على التدريس والتأليف والبحث العلمي، مكتبة أو مكتبات لكل كلية غنية بالمراجع والكتب المتخصصة والعامة، المعامل والمختبرات والمزارع التجريبية واماكن التدريب المهني، المباني المناسبة والحرم الجامعي للنشاطات غير العنفية ويشتمل على ملاعب ومسارح وقاعات للفنون.. الخ. ومن الواضح أن أغلب الجامعات التي افتتحت لم يتوفر لها الحد الأدنى من هذه الشروط ومتطلبات البني الأساسية. وبعد أكثر من عقد ونصف على قيام هذه الجامعات، صار وضعها المزري وكأنه هو الأمر الواقع. وتكونت حول كل جامعة مجموعة مصالح وامتيازات مادية ومعنوية تدافع عن جامعتها بغض النظر عن وضعيتها. ويمكن أن يكون أي نقد هو محاولة تخريب وتدمير لهذه الجامعة والتي (تخرج على يديها مئات الطلاب في مختلف التخصصات) وليس المطلوب - بالتأكيد - الغاء هذه الجامعات بل العمل بجدية على تطويرها، وأن يكون هذا هدف وهم هيئة التدريس والادارة. وإن تعمل اتحادات الطلاب على تطوير جامعاتها عوضاً عن تنافس الأحزاب على الانتخابات. وليس المهم فوز الإسلامويين أو الديمقراطيين، ولكن ماذا يفعل الطلاب والاتحادات من أجل الارتقاء بجامعاتهم وتطوير الأداء والمخرجات العلمية.
أما الأمر الثاني والذي حفزني للكتابة عن مستقبل التعليم بالإضافة لأزمة التعليم العالي، فهو عودة الحديث عن دور الخلاوى في العملية التعليمية الحديثة. وقد يعتبر البعض هذا الموضوع حساساً أو هكذا جعله الإسلامويون من خلال توظيفهم الذي لا ينقطع لاغراض ليس للدين صلة بها. فعلى من ينتقد عودة الخلاوى أن يتحمل ابتزازهم واتهامهم الجاهز بأنه ضد (إقامة الدين). مع أن الخلوة مؤسسة بشرية توصل إليها مسلمون في فترة تاريخية كانت هي الوسيلة الوحيدة (والحديثة) آنذاك للتعليم وكانت تلبي احتياجات تلك الفترة. فالخلوة ليست فرضاً دينياً ولا حتى من السنة النبوية. ولا هي من أصول الدين أو الإسلام بل هي وسيلة من وسائل المسلمين القدامى، فهي بالتالي ليست من أدوات التأصيل الديني. وفي هذه الحالة قد تكون (دور الحكمة) أكثر اصالة من الخلاوى، لانها اهتمت بالترجمة والعلوم وساهمت في انفتاح المسلمين على الآخر. فكنت سأكون من أوائل المؤيدين لو استوحى أحد دعاة عودة الخلاوى، فكرة (دار الحكمة) وبالمناسبة في تونس مؤسسة ثقافية تحمل هذا الاسم.
رفض عودة الخلاوى في مجال التعليم، ليس له صلة بالدين، فهي مؤسسات اجتماعية متعددة الوظائف، لم تعرفها مجتمعات فجر الإسلام الأول، ويكاد فهم ربطها بالتعليم الحديث يقتصر على السودان الانقاذي فقط. فقد كان هناك المسجد كمعهد للتعليم، والعبادة، الفتوى والقضاء. ويرى بعض الباحثين أنه (شابه في وظيفته التعليمية مدارس الكنيسة والاديرة عند المسيحيين وكان الرهبان ورجال الدين هم المعلمون والوعاظ في العصور الوسطى). وتقول مصادر التربية في السودان، أن مساجد غلام بن عايد هي الأولى في السودان، حيث فصل مسجد العلم (المسيد) عن مسجد الصلاة خوفاً من الاهمال والتلف من قبل الصبيان. وكان بعض المساجد يدرس القرآن فقط وبعضها يدرس العلم (الفقه) وقد يدرس الاثنين، ومن مساجد القرآن المبكرة مسجد نوري في عهد سعد الكرسني. (عبد العزيز عبد المجيد، التربية في السودان، القاهرة، 1949، الجزء الأول، ص89-92). فهذه ليست خلوة ولكن هذا ما يدعو إليه الإسلامويون في عملية عودة الخلوة. وفي نفس المصدر السابق، يعرف الكاتب معنى الخلوة بأنه مرتبط (بالمعنى الصوفي واللغوي). في اللغة تفيد الانفراد والوحدة. وقد اطلق الصوفية الخلوة على محادثة السر مع الحق حيث لا أحد ولا ملك، وعلى المكان الذي تحصل فيه المحادثة والمناجاة. وهذا المعنى هو الشائع، فللرجل الصالح أو الولي خلوة ينفرد فيها بنفسه لتعبداته وافكاره ومناجاة ربه وينقطع فيها عن الخلق ولذات الحياة، تشبهاً بالنبي (صلى الله عليه وسلم) «حينما كان يخلو بنفسه للتعبد في غار حراء». (ص79).
أما الشكل الذي عرفه السودان، فقد ورد أن عبد الرحمن بن جابر جاء بنظام الخلاوى من مصر (نمط الزوايا). والمسجد والخلوة كانت عنده شيئا واحدا، إذ في نفس المكان يتعبد في الخلوة ويدرس طلابه. وصار للخلوة عدة وظائف، فلماذا لا يعيد أصحاب الفكرة الخلوة بكل وظائفها؟ فهي مكان للضيافة، ففي ذلك الوقت: البداوة والترحل، كان العابرون وابناء السبيل يفضلون اللجوء إلى بيت الله (الخلوة) طلباً للراحة والغذاء بدلاً عن طرق بيوت الناس. بالإضافة إلى ذلك، هي مكان للتعليم والتعبد. ولذلك يقال بأن محمد بن عدلان الشايقي لما قدم إلى تنقاسي (اوقد بها نار القرآن ونار الكرم ونار علم العقول). وقد أثارت هذه المؤسسة إعجاب الرحالة بيركهاردت (Burckhardt) وقدم لها وصفاً توثيقياً جيداً (ص70-71 و267)، ووادنجتون (Waddington) (ص249) وأخيراً ترمنقهام (Trimingham) (ص119-120).
ومن الملاحظ، أن الحكم الاستعماري لم يحارب الخلاوى بل حاول أن يجعلها مكملة لنظام الإدارة الأهلية بقصد بسط سلطته في الارياف. فقد جاء في تقارير المفتشين: (يجب أن تبقى الخلوة كما هي كشكل مبسط للمدرسة ولا تغير ما امكن، في القرى المحلية وبين القبائل. وإن تكيف بطريقة تمكن من تزويد الأطفال المحليين بحاجات المعرفة اللادينية الأولية والقراءة والكتابة وبعض من الحساب. وذلك، لأنه بالنسبة لأغلبية سكان الريف والقبائل لا يتعدى مستقبلهم العمل في الزراعة والرعي، وعلى الخلوة أن تزودهم بما يساعدهم في هذين المجالين. لذلك ليس بالضرورة أن ترسل الخلاوى بالضرورة أبناء تلك الجماعات إلى الكتاتيب ولا يجب أن تكون مثل الكتاب وأن تظل متميزة. فهي قد صمت لكي تسد متطلبات مختلفة ومنفصلة). (تقرير) (Khalwa, Director of Education, Mr. Corbyn, Khartoum 27.6.1927).
لم تحاول الإدارة البريطانية اجبار السودانيين على دخول المدارس الجديدة، بل لجأت للاغراء. ورغم الحماسة الوطنية (ما بخش مدرسة المبشر) فهي لم تكن مدرسة دينية بل مؤسسة عملية من صلب ادارة استعمارية علمانية. وقد كانت المعركة من جانب السودانيين ولم يبادلهم البريطانيون الصراع. بل لجأوا للنفس الطويل. ويورد محمد عمر بشير حدثاً طريفاً في هذه المعركة.. (ففي عام 1918 اعترض أبناء أحد البيوتات الدينية الكبرى، كما اعترض فكي الخلوة، على إنشاء مدرسة أولية بمقرات بالقرب من أبي حمد. وأطلق أهالي مقرات على المدرسة الجديدة التي شيدت بالقرب منها في سنقراب (كنيسة سنقراب) (تطور التعليم في السودان، الطبعة الثانية، /1983ص 83) وفي البداية كانت المدارس الحكومية تشكو من نقص كبير في التلاميذ وكانت الفصول تكمل بابناء الموظفين المصريين العاملين في السودان.
كانت تجربة بخت الرضا نقلة متقدمة، هي امتداد وتجاوز لدور الخلوة. فهي اتجهت نحو الريف وبالتالي حاولت التطور التدريجي للاجيال الجددة. ولكنها حاولت تجاوز الخلوة من خلال المنهج والطريقة وحاول بعض رواد بخت الرضا شرح فلسفة المكان والطريقة/ المنهج، نقرأ في نقاش مع المعارضين و المتشككين لهذه الخطوة:
(وهناك كثيرون ممن لم يتهمونا بالرجعية لا يزالون يظنون أن السبب الوحيدة لهذا النقل الا يربى الأولاد في جو يتعرضون فيه (لمغريات) حياة المدينة، في حين أن غرضنا ينزع على الدوام إلى الانشاء والطموح ويمكن تخليصه في أن نحاول بقدر ما تستطيعه مؤسسة تعليمية، أن نرى عما إذا كان في الامكان أن نرى الحياة القروية أكثر تمدينا وأن نرى القروي حين يتصل بالمدينة يحتفظ بما لديه من الاستقلال واحترام النفس).. (خطاب بخت الرضا الثامن نوفمبر 1938 - عن مجلة دراسات تربوية، العدد الثاني، السنة الأولى، أغسطس 2000).
اما الجانب الخاص بالتغيير في مضمون وشكل التربية، فيقول الخطاب، أن الغرض كان:
(.. إن نغير من نوع التربية ونخطو بها خطوة من شأنها أن تعمل على تنمية الخلق العظيم، على غير طريقة الوداعة المستكينة - ولن نكون مبالغين إذا قلنا أن الطالب الكامل في نظر كثيرين هو الذي يطرق برأسه إلى الأرض في حضرة استاذه والذي نقرأ في تقريره هذه العبارة: (إنه ولد طيب، لم يرتكب خطأ).
ويضيف في كلمات تختصر فلسفة التعليم الجديد المنشود:
(ومثل هذا الولد الذي لا يعمل إلا على ضوء الأوامر والتقاليد القديمة والذي لا يفكر في شيء بنفسه انما يصلح لكي تستمر احواله وظروفه على نحو ما كانت عليه في الماضي تماما، ولكنه سيكون قليل الفائدة في مقابلة المشكلات التي ستواجه السودان.
وأنك لترى أن المخترعات الحديثة المعقدة، واتجاه الناس للعمل في هيئات معقدة أيضا... والتغيير المستمر في هذا العالم الحديث) (نفس المصدر السابق).
السؤال: هل دمج الخلوة في التعليم الحديث سوف يساهم في الوصول إلى تعليم مستقبلي؟ وهناك دعوة لتعليم يكوّن العقل النقدي المتسائل بينما الخلوة هي تعليم الحفظ والتلقين والبعض يدعو إلى التعليم المتمركز حول المشكلات، مثل: حماية البيئة، واستثمار الموارد، النمو السكاني، الحرب والعدوان، العدالة الاجتماعية، المشاركة السياسية والاقتصادية والثقافية. والفرد يتعلم من هذا النوع من التعليم، كيفية وضع الأسئلة من أجل اتخاذ القرارات وبناء الافعال الشخصية. فهل سوف تساعد الخلوة في ذلك..؟!
التعليم الحديث قوامه الإبداع والتقدم. ويفضل البعض مفهوم التعلم لأنه مستمر ويعني تعظيم القدرات والخبرات في التعامل مع الإنسان الآخر والموارد والتكنولوجيا والنظم والمعلومات. فهل ستقوم عودة الخلاوي بذلك؟ قد يقول البعض بأن هدف الخلاوي روحي واخلاقي، ولكن ذلك لا يأتى بالحفظ والتلقين، خاصة وأن الطلاب والتلاميذ ينسون كل ما حفظوه مع نهاية الامتحان مباشرة..! ولكن غرس القيم ورعاية الاخلاق يأتي من تقديم القدوة والمثال والمجتمع النظيف والفرد النموذج.
أختم بالتذكير بمأثورات جبران خليل جبران من كتابه: النبي، حيث يقول:
إن أبناءكم ما هم بأبنائكم، فقد ولدهم حنين الحياة إلى ذاتها،
فبكم خرجوا إلى الحياة، وليس منكم، وإن عاشوا في كنفكم فما هم ملككم.
قد تمنحونهم حبكم، ولكن دون أفكاركم، فلهم أفكارهم
وقد تنوون اجسادهم لا أرواحهم، فأرواحهم تسكن دار الغد.
في وسعكم أن تجتهدوا لتكونوا مثلهم، ولكن لا تحاولوا أن تجعلوهم مثلكم فالحياة لا تعود القهقري، ولا هي تتمهل عند الأمس..
ليصلك جديد الموقع
نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

