اختتمت الجزء الأول من هذا المقال بالقول إن الإنقاذ رغم وجود خريجين ومتعلمين من جامعات ومعاهد حديثة على رأسها، ولكنهم ظلوا تقليديين ومحافظين، فالحداثة لا تعني تلقي التعليم الحديث فقط، بل تمتد إلى العقلية والسلوك الحديثين، لأن حشو وحفظ المعلومات حتى ولو كانت في الطب والهندسة والفيزياء الدقيقة، واعادتها كما هي في الامتحانات لا تغير في شخصية المرء. وهذا ما حدث للانقاذ حين استولت على السلطة صبيحة 30 يونيو 1989م، فقد كانت أول حركة إسلامية سنية في الشرق العربي تواجه التحدي الذي شغل الاسلاميين والاسلامويين والمسلمين: كيف يمكن بناء دولة إسلامية وحديثة في نفس الوقت؟ دولة تختلف مكانياً وزمانياً عن أول كيان إسلامي، فهي ليست دولة مجتمع صغير، مجتمع مدينة المدينة، وفي القرن السابع زمانياً، فكيف واجه الإسلامويون السودانيون تحدي بناء أو تطوير دولة وطنية حديثة في إطار فكري وفلسفي إسلامي؟
خاصة أنهم اعتبروا حكومات ما بعد الاستقلال لم تكن قادرة وكفوءة في تغيير الدولة القائمة، وكان المقصود اولاً جهاز الدولة وبالذات الخدمة المدنية والادارية، حيث قام الإسلامويون لأسباب ايديولوجية وسياسية صرفة ليست لها صلة بتحديث وتطوير جهاز الدولة، بتصفية عمياء وحاقدة أبعدت معارضيها وخصومها وحتى الذين لم تستلطفهم، فقد قام الإسلامويون بحرمان السودانيين من مشروع قيام دولة وطنية أو قومية «nation-state» لتحل محلها دولة الحزب الواحد «one-party state» التي أدت بقصد أو بلا وعي إلى تقسيم الوطن إلى وطنين، احدهما للاسلامويين وآخر لبقية السودانيين، إذ لم يصبح السوداني قادراً على التمتع بحقه في العمل والثروة الوطنية أن لم تكن له صلة بالجبهة الإسلامية القومية.
واقتدت الإنقاذ بالدولة الإسلامية في عهود تدهورها، إذ لم تعد الدولة الإسلامية بعد الخلفاء الراشدين تنسب إلى الإسلام، بل إلى الأسر والمجموعات الأثنية الغالبة مثل دولة الأمويين والعباسيين والمماليك والسلاجقة والبويهيين والفاطميين والاغالبة والحمدانيين والاخشديين حتى العثمانيين، وأدرج السودانيون الدولة الجديدة ضمن هذه السلسلة وحرموها من صفة الدينية كونها إسلامية أو الصفة القومية أي سودانيتها، واطلق عليها غالبية السودانيين دولة «أو حكومة» الجبهجية ولدى الأكثر حداً ورفضاً: دولة الكيزان. وكان سبب ذلك التصنيف بسيطاً، إذ لم يشعر الكثيرون بالانتماء إلى الدولة التي تحكمهم، فقد تعمدت ابعادهم واشعارهم بانهم مواطنون من الدرجة الثانية، فمن الخطأ الحديث عن التهميش على أسس اثنية وجهوية، فقد كان التهميش الحزبي والسياسي والايديولوجي أشد مرارة وقسوة، إذ حرم كثيراً من المواطنين- علانية- من حقهم في الانتماء لهذا الوطن الكبير.
وكان المظهر الآخر لفوات الحداثة في التجربة الإسلاموية السودانية، هو القدرة على تطبيق شعار الأصالة والمعاصرة أو التراث والمعاصرة، أو العلم والايمان، وبعد كثير من التناقضات والتجاذبات وجدت الدولة الإسلاموية نفسها إلى جانب التراث والعودة إلى الماضي، أنها عاجزة عن التكيف مع العلم والعالم الحديثين، بينما هي تحمل عقلية قديمة ومحافظة تخاف الجديد والمجهول، وتتعامل مع ما هو علمي وواقعي بكثير من القدرية والغيبية الذي يكتسي بالاهمال واللا مبالاة، ويمكن اعتبار حوادث الطيران المتتالية دليلاً ساطعاً على الاستخفاف بارواح البشر، لأن العقول التي تدير هذه المؤسسات لم تلحق بالقرن الحادي والعشرين، ومن يراها كيف تتصرف وتتعامل في مكاتبها وكيف تدير شؤون هذه المؤسسات، يتأكد له السقوط اليومي للعلمية والعقلانية والحداثة في أجهزة الدولة، وليس غريباً أن تتساط الطائرات، ولكن الكوارث تأخرت كثيراً ولعبت الصدفة دورها في تقليل الخسائر.
ويذهب بي التفكير إلى ضرورة تخلي الدولة الحاضرة عن كل المجالات التي تحتاج إلى العلمية والعقلانية والنظام والدقة والذوق، مثل الطيران، البنوك، الخدمات الفندقية والسياحية والترفيهية، فقد رأينا ما حدث في حقل حديث وعالمي: الطيران. ومن يرى كيف تعمل أكثر البنوك، يتحسر على السوق العربي في أيام مجده، فقد كان أكثر تطوراً من أغلب البنوك الحالية. ولأن الخدمات في الغالب قطاع خاص، فقد وجدوا الحل في العمالة الأجنبية، ولكن ما هي صلة الدولة بكل هذا؟ عملت الدولة على نشر الجلافة والجهامة والتكبر على حساب تواضع الاستعداد للتعلم. وهي تظن خطأً أن هذا يعني الجدية والصرامة والنظام، وأن المرونة واللطف والتهذيب هي تخنث وميوعة لا تليق بالقوي الأمين حسب نظرتها للامور، وهكذا لم تندمج الدولة الإسلاموية في الحداثة ولم تحافظ على أصالتها، ففشلت في ادارة أصغر الأمور.
وهناك مستوى واضح للفشل في الإدارة وتدبير الأمور وقضاء حاجات المواطنين دون رهق واذلال. ولا أقصد هنا المعنى الكبير للدولة الفاشلة على مستوى الابقاء على الوطن موحداً وحماية حدوده ومنع التدخل الأجنبي وتحقيق التنمية العادلة، فالمتعامل اليومي مع من يديرون جهاز الدولة، يحس بالفوضى وغياب الكفاءة وعقلانية البيروقراطية بالمعنى الإيجابي، أي ترشيد القدرات البشرية لتؤدي مهامها ووظائفها بعقلانية. في محاولة الإنقاذ أسلمة الدولة، ضحت بالحداثة وفشلت في الأسلمة، لانها لم تدرك المتغيرات التاريخية والبيئة الدولية الحضارية والسياسية التي يريدون أن يزرعوا فيها دولتهم الإسلامية. ومن شروط الدولة الحديثة، أن تحقق تعليماً حديثاً وتكنولوجيا متطورة واقتصادا متطورا وتلبية للحاجات الأساسية المادية والروحية، وهي دولة ديمقراطية ومدنية، والاجابة على سؤال فلسفة وجدوى التعليم: إلى أي مدى يساهم التعليم الحالي في عملية التنمية والتطور الاقتصادي؟
فمن المؤكد أن حاجات السودان للزراعيين والبياطرة والمهندسين في كل التخصصات والاطباء وخريجي التمريض والمعلمين في التخصصات العلمية والمحاسبين والتشكيليين والموسيقيين والمسرحيين، فالسؤال ما هي نسبة الخريجين لاحتياجات البلد في التخصصات السابقة؟ ولكن الأزمة المخيفة هي عدم استيعاب مئات من خريجي التخصصات المرغوبة بسبب سياسات التشغيل، لعدم وجود ميزانيات، ثم انحياز الدولة الحزبي في التعيين. وبالنسبة للميزانيات كنت أتمنى الحصول على أرقام دقيقة للصرف على الدستوريين أو شاغلي المناصب الحكومية التنفيذية والمستشارين.. الخ. وكم تبلغ نسبتها على المستوى القومي والاقليمي؟ وتقود فكرة الاهتمام بالكم على حساب الكيف، إلى مجال الاهتمام بالمظهر والشكل والقشور، حين تحاول الإنقاذ التفاخر بانجازاتها، فكثيراً ما يردد الإسلامويون أن المجتمع السوداني قد تأسلم والدليل- حسب قولهم- المساجد المليئة بالمصلين وانتشار الحجاب أو الزي الاسلامي عموماً.
ويفترض في هذه الحالة تلازم الأسلمة مع مكارم الاخلاق، فهناك علاقة عكسية بين الأسلمة وانتشار الجريمة والانحلال الاخلاقي، لذلك يصعب عليَّ أن فهم أسلمة المجتمع مع ارتفاع نسبة اختلاس المال العام وارتفاع نسبة الايدز ونسبة الأطفال مجهولي الآباء وكميات الحشيش المقبوضة، هذا غير جرائم السرقات الصغيرة والغش والاعتداء. فكثير من الغثيان يعلمني أن ربط الرأس وسيلة للحفاظ على الوظيفة أو النجاح في المعاينة أو حتى الحصول على عريس، ويعلم كثير من الشباب أن اللحية والزبيبة جواز مرور لعالم النجاح والاستقرار، وأصبح التظاهر بالدين أو ارتداء اقنعة التدين هو السائد وليس التدين الحقيقي، وكأن الإسلامويين لم يقرأوا «لن ينال الله لحومها ولا دماها ولكن يناله التقوى منكم» «سورة الحج:37» وقبل أيام قرأت هذا المثال الطريف والمحزن في نفس الوقت، ففي مقابلة مع الفنانة حنان بلوبلو، بانها لم تعد بذات ألق وبريق نجومية الثمانينيات؟
فأجابت: «يعود ذلك لعدة أسباب، منها المضايقات التي تواجهني من بعض الجهات، فقد فشلت أخيراً في تسجيل عدد من الأعمال للتلفزيون «القومي» التي تم مسحها، رغم اني سجلت لاذاعة الكوثر خمس مدائح!» «الصحافة 21/6/2008م» فهي أدركت طريقة فهم الإسلامويين لأسلمة حنان بلوبلو أو محمود عبد العزيز، فخمس مدائح لاذاعة الكوثر تدخلها في زمرة المسلمين ويرضى عنها وتفتح لها أبواب التلفزيون القومي!
ليصلك جديد الموقع
نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

