حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية

المقالات

الانتخابات البيعة والوفاق

· نُشر في البيان

يظل الوضع السياسي السوداني شديد الغموض ويفتح المجال لكل الاحتمالات بسبب غياب رؤية واضحة لدى الاطراف, هذا ما يبدو على السطح. والاحداث في حالة سيولة كاملة تجعل تتبع الاحداث والوصول إلى نتائج معتمدة على التطور الطبيعي للامور, قضية صعبة. فهناك مسارات سياسية وخطابات سياسية متناقضة في ظاهرها. ولكن تتداولها الاطراف السياسية. فإذا سألنا ما المتوقع خلال الشهور الستة المقبلة؟ فقد وصلت الأزمة السياسية السودانية قمتها بعد قرارات 6 مايو وقبل ذلك بعد تجميد حزب الأمة لعضويته في التجمع, ورغم هذا التأزم عجز الطرفان ـ النظام والمعارضة ـ عن تقديم مشروع حل للخروج السريع من أزمتهما الخاصة ومن أزمة الوطن العامة. فقد انشغل النظام في حسم الصراع مع خصومه داخل المؤتمر الوطني, بينما انشغلت المعارضة بترتيب اوضاعها بعد خروج حزب الأمة وإغلاق الباب أمام عودته وتراجعه عن مواقفه كما يظهر في تصريحات السيد محمد عثمان الميرغني وجون قرنق الأخيرة في القاهرة.

وهكذا تتجلى الأزمة في فراغ سياسي يبدو أنه سوف يملأ من خارج هذه القوى السياسية. وفي الوقت نفسه نلاحظ تناقض الاحتمالات والخطوات المعلنة من كل جانب ويبدو كل طرف وكأنه يتكلم لغة مختلفة تماما عن الآخر. ولا ندري هل هذه هي الطريقة السودانية في ممارسة السياسة أي عدم التعبير أو الافصاح مطلقا عن الاهداف والنوايا, أو حتى الاعلان عن عكس ما نريد. والمتتبع لأحداث الأيام الأخيرة سوف يلاحظ بلا شك هذا النوع من السلوك السياسي الغريب. يقرر حزب الأمة العودة إلى الداخل لممارسة نشاطه في السودان, وهذا يعني أن يحييه النظام بتحية أحسن. فقد اعطى حزب الأمة بعودته هذه مصداقية للنظام في اتجاه رغبته في الوفاق والحل السلمي الشامل, رغم أن النظام لم يقم بالخطوات العملية المطلوبة الخاصة بتهيئة الأجواء للعمل السياسي التعددي من خلال رفع القوانين الاستثنائية وتجميد أو إلغاء الدستور الحالي, كذلك قانون الأحزاب.

وكأن حزب الأمة تحاجج بأن تهيئة الأجواء تدخل ضمن التفاوض نفسه وليس قبله أو شرطا له ـ حسب قول مبارك الفاضل المهدي ـ في مناسبات عدة. ويبدو أن مثل هذا القول كان القصد منه التسريع في التفاهم مع النظام وتجاوز أي عقبات ولكن حزب الأمة فور عودته فوجىء بالاعلان عن الانتخابات الرئاسية المبكرة في أكتوبر المقبل. فهل يعني هذا أن النظام يريد أن يستبعد الوفاق أو الحل السلمي الشامل من خلال تكريس أمر واقع يصعب تجاوزه مستقبلا وأن يبدأ الآخر من تلك النهاية؟ أم هل يحتوي الاتفاق على مبدأ استمرارية الفريق البشير كرئيس للمرحلة المقبلة وأن يكون مسئولا عن الفترة الانتقالية؟ أم هل يعني القبول بالبشير كرئيس رمزي مستقبلا ويكون تفكيك النظام قد تم بطريقة ناعمة وبلا توترات ونزاع؟

فالحديث عن الانتخابات الرئاسية في هذا الوقت بالذات يحتاج لتوضيح ووضوح لأن كل طرف قد يوظف هذه العملية حسب لعبة الصراع وفق رؤيته. إذا يعتقد البعض بأن الانتخابات الرئاسية مجرد موضوع مناورة يريد الفريق البشير بيعه مقابل تنازلات أخرى قد تكون المحاسبة مثلا. ففي هذه الحالة قد تشترط أحزاب التجمع إلغاء الانتخابات ويقبل النظام على شرط إسقاط أية مطالبة بمحاكمة المتسببين في الانقلاب عام 1989 مثلا أو عدم ملاحقة من قاموا بالتعذيب أو اتهموا في قضايا فساد. قد يكون هذا مجرد سيناريو ولكن بالمنطق العادي لا يمكن فهم توقيت إعلان الانتخابات عقب عودة حزب الأمة مباشرة. الأمر العجيب فعلا في التطورات الأخيرة, هو العودة إلى موضوع البيعة, والمتابع لزيارات الفريق البشير الميدانية لبعض المدن والمناطق السودانية, يلاحظ الاصرار على المبايعة عقب كل زيارة.

وهنا تبرز تناقضات مركبة وأسئلة عديدة. نبدأها بسؤال بدهي هو هل يفترض أن تكون البيعة بديلا عن الانتخابات لأنها أقوى دينيا وأكثر تأصيلا لأسس الحكم؟ كما أن الانتخابات تعبير عن ارادة الشعب أو الأمة, بينما لا بيعة ـ كما يظهر في نصوصها ـ عهد لتطبيق شرع الله أو إقامة الدين كله كما يرددون. وماذا يفعل البشير بانتخابات الرئاسة لو تمت مبايعته؟ أم, هل المبايعة مجرد تمهيد للانتخابات وهل يصح هذا دينيا؟ وماذا لو خالفت الانتخابات ما جاءت به البيعة؟ ولا أدري ما الحكمة في هذا التداخل الذي يثير كثيرا من الغموض على اصعدة أخرى مثل علاقة الدين بالدولة ثم علاقة الدين بالديمقراطية, دون أن يتعب الاسلاميون انفسهم بالاجتهاد في مثل هذه القضايا الشائكة.

ويكتفون بممارسات يصعب تبريرها دينيا ولا سياسيا. أريد هنا التوقف عند علاقة المثقفين بالسلطة وبالذات السلطة الانقلابية التي يقودها عسكريون يستخدمون مثقفين لتبرير وشرعنة سلطتهم. فالشيخ حسن الترابي كان أول من أدخل مفهوم البيعة في السياسة السودانية حين اراد الاستفادة من النميري في مشروعه الاسلامي. وللمرة الثانية تستخدم البيعة ضد مخترعها نفسه, فالبشير يستطيع من خلال البيعة أن يتجاوز المؤتمر الوطني والأمانات المنتخبة وبالفعل لاحظت أنه بعد كل مبايعة يعقد اجتماع في المدينة ويتقرر بعده انتخاب أمين جديد بديلا لأمين سابق يحسب من جماعة الترابي. وهكذا يؤكد درس البيعة غفلة المثقفين الذين يريدون استغلال العسكريين, وينجح الأخيرون في تحويل السلاح إلى من كانوا ينوون استخدامه ضدهم.

ولم تنفع اجتهادات الترابي في تفسير لمن تكون البيعة. ورغم الحديث عن الانتخابات ومناظر البيعة, يدور جدل حول الوفاق والحل السلمي الشامل. وقبل يومين ارسل الفريق البشير رسالة إلى السيد محمد عثمان الميرغني رئيس التجمع الوطني الديمقراطي, اعتبرت إيجابية خاصة وهي المرة الأولى التي خاطب فيها التجمع الوطني وبالتالي فهي تشكل بداية اعتراف بالآخر المعارض. كذلك أشارت الرسالة إلى ضرورة عقد لقاء يؤمه الجميع وقد يفسر هذا بأنه المؤتمر الجامع مع اختلاف طفيف في اللغة. وتظهر هذه الرسالة تطورا آخر على صعيد مختلف تماما ويتعارض مع استعدادات الانتخابات والبيعة معا. فماذا يريد البشير حقيقة؟ لا يمكن تفسير كل هذه الخطوات والاعمال خارج سياق الصراع الحالي بين جناحي البشير والترابي, فمن الواضح أن البشير يريد أن يستقوي على الترابي بالتقارب مع المعارضة والوصول معها إلى اتفاق على حساب الترابي.

ولكن ما هي حدود التنازلات وهل سيطول ما يسمى بثوابت المشروع الحضاري, لذلك ليس هناك أي داع لإعلان وفاة المشروع رسميا ويمكن بصمت تجاوز كل ثوابت المشروع دون الاعلان عن التخلي عنها. ويقول البعض أن معسكر البشير الآن أصبح هو نفسه جناحين الأول بقيادة علي عثمان محمد طه وسوف يصر على التشدد والاستمرار في المشروع بطريقة جديدة. والثاني يقوده غازي صلاح الدين وهو مع الوفاق لحسابات مع حزب الأمة, كما أنه يعتقد أن الحركة الإسلامية يمكن أن تخرج سليمة من هذا الصراع وأن تلعب دورا في المرحلة المقبلة. تظل هذه التناقضات: الانتخابات, بيعة, وفاق تحكم الواقع السياسي السوداني حتى يتغير ميزان القوى السياسية تماما لصالح ضرورة الخروج نهائيا من الأزمة.

كما أن الظروف الاقليمية سوف ترجح خلال فترة قصيرة الخيار الأمثل, ومن هنا التحدي الذي يواجه المبادرات بأن تكون فعالة وسريعة وألا تسبقها الاحداث خاصة السلبية والتي قد تقود إلى مستويات خطرة من العنف والتفتت.

شارك المقال

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

اقرأ أيضاً

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟