هناك بعض الشخصيات رغم عظمتها وقد يكون بسبب عظمتها ــ يلازمها الاهمال والظلم والتجاهل المتعمد، من هذه الشخصيات الأستاذ محمد محمد علي «الشاعر كما اشتهر» ومن المفارقات أنه توفي يوم 28 سبتمبر 1970 في نفس يوم وفاة الرئيس المصري جمال عبدالناصر، وكأنه اختار يوم الهول يوم وداع. ومن المعيب أن يهمل كتاب عنوانه «رواد الفكر السوداني» إعداد: محجوب عمر باشري، تزيد صفحاته عن الاربعمائة، اسم الأستاذ محمد محمد علي. ومازال الصمت المتآمر أو الجاحد أو اللا مبالي يواجه ذلك المبدع المتميز.
لم يكن الدافع الحقيقي الذي استوقفني في ذكرى الشاعر، مخالفة سلوك الجحود والاهمال. ولكن من أهم الأسباب التي تلح علينا وتطلب استعادة مواقف مثل ذلك الرجل هو انحسار الرموز القادرة على مواجهة الفكر التقليدي المحافظ الذي يستشري بصورة سرطانية قاتلة رغم كل لا عقلانيته وبؤسه. ومع هيمنة الفكر المحافظ والتقليدي وازدياد قدرته على ارهاب كل المجددين أو الخارجين عن حظيرته، يصبح من الضروري تمجيد أية ومضة للتفكير العقلاني والعلمي في أي مجال من مجالات المعرفة. وليس في هذا أية مبالغة، فلقد فجعنا في السودان المتسامح بإعدام أحد المفكرين السودانيين لخلاف في الرأي. وهذا عار سيلازمنا لعقود قادمة، ويخرسنا دوما حين نتباهى بتسامح السودانيين.
وكان في ذلك تدشين لعهد العصور المظلمة الذي مازال يخنق الفكر في بلادنا.
الأستاذ محمد محمد علي عقل ثاقب يفلق الشعر، ووجدان شفيف وحساسية مرهفة وذوق راق. ورغم شح كمية ما كتب، فهو كاتب مقل، الا أن خواطره وافكاره المتناثرة، التي نشرت، اضاءت وبعمق عدداً من الموضوعات الفكرية والأدبية الحيوية المرتبطة بالواقع وقضايا المجتمع المهمة. فقد كانت كتبه تجميعا لمقالاته التي نشرت في الصحف، عدا رسالته الجامعية عن الشعر السياسي. ويرجع البعض قلة منتوجه إلى نمط حياته وقلقه. ويرى البعض في الأستاذ مثالا للا منتمي تلك الحقبة. ولكن ــ في رأيّ ــ أن مثل هذا اللاإنتماء الظاهري في ذلك الوقت والظرف ليس عيباً، فقد يكون محاولة لتجاوز تناقضات الحياة والفكر. فقد كان الأستاذ بذكائه وتوقد ذهنه وثقافته وسلوكه، سابقاً لعصره.
ولذلك تنعدم إمكانية تكيفه مع المألوف والمقبول والنمطي فيبحث عن وسائل التعايش السلمي الحياتي دون الخضوع لعقلية القطيع أو الموت مع الجماعة ــ كما تقول الحكمة الشعبية. ومن الملاحظ أن العديد من مثقفي وأذكياء الجيل السابق قد لجأ إلى الفن «بالذات الشعر والأدب» أو الخمر في محاولة لخلق عالم ذهني/خيالي موازٍ وأكثر جمالاً واتساقاً من عالم واقعي ناقص، وهنا مكمن الأزمة. فالأزمة هي فجوة بين الواقع والممكن. فكثيراً ما يكون الواقع متخلفاً وتعيساً ومحبطاً بينما تبدو امكانات الشخص أو الجماعة أكبر، ولكن بسبب عوامل ذاتية وموضوعية يغلب العجز في إطلاق القدرات الكامنة، وتتراجع الاستطاعة على أن يرفع الناس الواقع إلى مستوى الحلم والممكن.
ومع ذلك على المرء أن يعيش ويكافح الدهر والناس. وهنا يحاول المتميزون أن يملأوا شقوق الإحباط والتأزم لكي تتماسك الحياة. لا نتحدث هنا عن المنسحب أو المنهزم، بل عن الذي يموت واقفاً وعينه إلى السماء، يقارع نقائض وتناقضات الواقع. وقد زاد من أزمة مثقفي جيل الأستاذ فردية المعارك اما بسبب عدم وجود التنظيمات والتجمعات والمؤسسة أو بسبب نفسية المبدع النافرة من الاحتواء والضبط وحشية تزمت وتحجر التنظيم أو المؤسسة. فقد اتكأ الأستاذ أو امثاله على نفسه فقط. وإن كان كتاب الأخ النور حمد:مهارب المبدعين، يحتاج إلى وقفة في فرصة قادمة.
منهج علم اجتماع الأدب
ضمن هذه الظروف جاء الأستاذ محمد محمد علي، وهو في رأيي مشروع فيلسوف أو مفكر مجدد. ولكن ظروف تطور السودان كجزء من الأمة العربية- الإسلامية في تلك الفترة - وما زالت - تجعل من الصعب ارتياد آفاق فكر متجدد يتمرد على اليقينيات والوثوقيات. ولذلك كان الشعر ايضاً ملاذ الكثيرين من الذين حاولوا التعبير عن أفكار جديدة. ولكن الشعر قد يضيّع أو يضعف قيمة وقوة الأفكار لأنه محكوم بشروط الشعر في اختيار الكلمات والقوافي والأوزان وقد يكون تجويد ذلك على حساب الفكرة، والعكس أيضا فالشاعر المفكر أو الفيلسوف أقل شعرية. ومن ناحية أخرى، في الشعر حماية لأنه يبدع ويفهم كنتاج عام خيالي مما يقلل احتمال صدام محتواه من الأفكار مع الواقع.
وقد كان الشعر والأدب عند جيل الأستاذ بالفعل «ذريعة للهروب من أجداب الحياة وفراغها ودمامتها»1. والأهم أنه تقية للتعبير عن الأفكار الجديدة والخطرة. فقد كان النقد والاحتجاج بالأدب هو الخط غير المستقيم للوصول إلى نقد المجتمع، لأن رفض التقليد والجمود في الشعر هو معادل وفض هذه القيم في الحياة والمجتمع.
جذب انتباهي في كتابات الأستاذ محمد محمد علي عدد من الآراء المجددة منها على سبيل المثال: محاولات تأطير وتجذير الأدب داخل المجتمع فالابداع ليس منبعه وادي عبقر بل أودية وطرق الناس الحقيقيين». كما أثار اهتمامي تفكير الأستاذ العلمي والعقلاني في أغلب تحليلاته واصراره على رفض الأفكار التقليدية والمحافظة، كذلك علمانيته بالذات في تحديد الوظائف المختلفة والمتباينة للأدب والدين. وهذا رأي جرئ وشجاع قال في ذلك الوقت، ويخشى الكثيرون ترديده في الوقت الحاضر، الا من خلال الرموز وكثير من التبريرات والتأويل. فهو لم يخضع لقدرة التقليديين والمحافظين والسلفيين، على تدجين وتخويف أو احتواء المثقف السوداني لمنعه من اقتحام المجهول والجديد واجتياز المحرمات الفكرية.
فقد كان المثقف - وحتى الآن - فارساً متردداً لا يستطيع الأقدام ولا يطيق الانهزام. فهو يبدأ المعارك ولكن يتنازل عن كل قضاياه مبكراً ، عند أول اختبار . فالشيخوخة الفكرية والعقلية السودانية تكتمل غالباً في مقتبل العمر ويتوب المثقف عن كل نزق وطيش الشباب ويهديه الله بعد عمر طويل أفناه في قضية جوهرية. ثم يتراجع ويتنازل ليسئ إلى نفسه وإلى قضيته وهي كثيراً ما تكون نبيلة وتستحق كل ما ندم عليه ولكن قليل من يحمل قضيته حتى النهاية. الأستاذ محمد محمد علي هو من القلة النادرة فقد ظل في خندقه حتى اليوم الأخير من حياته.
من الممكن اعتبار الأستاذ محمد محمد علي من المساهمين الحقيقيين في علم اجتماع المعرفة أو علم اجتماع الأدب بالتخصيص. قد لا يكون قد اطلع على نظريات في هذا الميدان العلمي ولكن ممارسة الكتابة بمنهج تلك النظريات يجعلنا - دون شطط وتعسف - ندرج الأستاذ ضمن هذا الميدان بالذات فيما يتعلق بالأدب السوداني. فهذا العلم يبحث عن الشروط أو الأسس الاجتماعية للمعرفة أي ليس الشروط والأسس الذهنية أو النفسية أو الفردية…الخ للمعرفة، والأدب ضمنهاً. فالعلم يهتم بالتطور الاقتصادي الاجتماعي لمجتمع ما وانعكاس ذلك على إنتاج المعرفة أي ارتباط الحياة الفكرية في فترة تاريخية معينة بالاوضاع والقوى الاجتماعية والسياسات القائمة«2».
ولأن اهتمام الأستاذ ينصب على جانب من المعرفة أو الإبداع هو الأدب فالمطلوب هو التحقق من مدى تطابق كتابات الأستاذ مع المفهوم السائد لعلم اجتماع الأدب كميدان يتقاطع كثيراً مع علم اجتماع المعرفة. وسيكون المصدر الأساسي هو كتاب «الشعر السوداني في المعارك السياسية 1821-1824» وهي في الأصل رسالة ماجستير حازت على تقدير امتياز من جامعة القاهرة الأم.
من البداية يوحي عنوان الكتاب بمنهج وتوجه الأستاذ محمد محمد علي فقداختار اسم «الشعر السوداني في المعارك السياسية» وكان من الممكن أن يكون العنوان «الشعر السياسي في السودان» أو «الشعراء السياسيون في السودان» أو «شعراء السياسة» أو «الشعر الوطني» أو «شعراء الوطنية في السودان»… الخ. فالاختيار ليس صدفة فكل تلك تعطي معنى ما للثبات واللاحركة ولكن «المعارك» كلمة تنبض بالحركة والتناقض والصراع. لم يغب هذا عن ذهن الأستاذ إذ يقول: «المعارك جمع معركة والمعركة موضع القتال أو الخصام، وهي صيغة تصلح للزمان والحدث كما تصلح للمكان شأن المصدر الميمي، والمناسب هنا الحدث.
فيكون المعنى الشعر السوداني في الاحداث السياسية وهذا المعنى ليس مجازياً لأن، المادة «ع ر ك» تشمل أنواع القتال باليد أو اللسان أو بالكيد والتدبير»«3». ويطبق نفس الطريقة على الجزء الثاني من العنوان حين يعرّف المقصود بالسياسة والسياسي بعد أن يذكر التعريف المتداول للشعر السياسي بأنه فن من القول يتصل بنظام الدولة الداخلي أو بنفوذها الخارجي ومكانتها بين الدول.
يضيف إلى ذلك: «أرى من الخير أن نزيد في تعريف الشعر السياسي في وقتنا الحاضر فنقول «وحركات الشعوب ونزعات الشعراء» لأن العالم قد تغيرت صورته منذ أن بسطت الدول المستعمرة نفوذها على آسيا وأفريقيا بل وامريكا في يوم من الأيام ففقدت شعوب كثيرة دولها، واستكانت حيناً من الدهر، ثم هبت تصارع لنيل حريتها واستقلالها، فهذه الصورة لا تشبه ما يجري داخل الدولة من نزاع حزبي أو وفاق «…» وبعض الشعراء قد تطور وعيهم السياسي وانقسمت آفاقهم وارتبطوا بمذاهب واتجاهات جعلهم لا يقفون عند نطاق الدولة يدرون معه في الداخل والخارج، وبالاختصار فقد أصبحت لهم رسالة تتناول العالم كله بالغناء للسلام والاشتراكية ومحاربة الاستعمار في ثوبه القديم والجديد، وأن لم يكن بين ذويهم والأمم التي نزل بها هذا الشر صلة وارتباط»«4».
هذا التعريف في حد ذاته كاف لبيان الأسس الاجتماعية والتاريخية للأدب «الشعر هنا» فالكاتب يمسك بجلاء بالوظيفة السياسية للأدب ورسالة الأدب التي تتجاوز الفن من أجل الفن. لذلك لم يقل الكاتب أن اختياره للموضوع تم لأسباب جمالية فنية بحتة، فهو أراد أن يدرس «الشعر السوداني الذي يتصل بالسياسة من قرب أو بعيد يؤثر فيها ويتأثر فيها»2. «لاحظ الجملة الأخيرة علاقة جدلية أي تأثير وتأثر بين الشعر والسياسة» لأسباب عدة منها:
«1» تقليل بعض السودانيين بالذات في حالة الضعف السياسي الداخلي من شأن الطريقة التي حصلنا بها على الاستقلال لذلك يتباكون على الإنجليز. يرى في ذلك اهداراً للدماء الزكية التي اراقها السودانيون، ويقول: «فأردت أن أنفي هذا الزعم الباطل بدراسة يعانق فيها الشعر التاريخ الصحيح ويدعمه « نفس المصدر المذكور، ص3».
«2» وعي الكاتب للاشكال المختلفة للسياسة والتي هي فعل يومي ليس مجرد للانضواء للاحزاب والمناورات وعضوية الهيئات التمثيلية، فكثير من الباحثين الذين تناولوا هذا الموضوع لم يدركوا ابعاده فحصروه في الشعر السياسي المباشر، في حين أن الأمر ليس كذلك، فهناك اغراض كثيرة مظهرها اجتماعي ومخبرها سياسي». «س4».
«3» من رأي بعض الباحثين «يغمطوا شعراءنا الكبار حقهم ويجحد فضلهم ويحط من قيمة اشعارهم الفنية ويعزلهم عزلاً عن ظروف حياتهم وملابساتها، فاردت أن أرفع عنهم هذا الحيف وأن أدفع عنهم هذا الظلم» «ص4».
يدخل الكثير من الباحثين في مأزق «الحياد العلمي» حين يتناولون قضاياهم الاجتماعية ببرود وخواء. والسؤال هل يتعارض الحياد العلمي مع الالتزام والفهم الجديد المنتمي؟ الأستاذ محمد محمد علي واضح وقاطع وحازم كطريقته دوماً:
«تحريت في الدراسة بقدر المستطاع أن أكون موضوعياً، أعطي كل ذي حق حقه وأن خالف مذهبه مذهبي، ولكني لم استطع بحال من الأحوال أن أتوانى في كشف القناع عن وجه الاستعمار البريطاني، لا لكراهية للاستعمار وحدها، ولا لما ألحقه بنا من أذى وعنت وارهاق، بل لجلاء الحقيقة التي تعامى عنها بعض السياسيين وبعض المؤرخين وشرذمة ضئيلة من الشعراء، فنسبوا للاستعمار البريطاني في بلادنا فضلاً يستحق عليه الثناء! !
» «ص5» ويضيف الباحث بعض التوضيح الذي يربط بدقة بين العلمية والالتزام: «ولم يمنعني حبي وتقديري لرجال كبار تغيرت مواقفهم تغيراً جوهرياً أو تغيراً ما فيما بعد أن أسجل مواقفهم في هذه الفترة، ولم يمنعني تمسكي بالحيدة أن اهتز بمواقف الابطال من أمثال محمد أحمد المهدي وعلي عبداللطيف وعبيد حاج الأمين وعبدالفضيل الماظ ورفاقه، كنت على مذاهبهم أو على غيره». «ص5».
يرى الباحث أن الشعر الأثير عند أهل السودان هو الشعر المتصل بالسياسة «وكانوا إلى عهد قريب لا يستمعون إلى غيره من ألوان الشعر الا بشئ من التسامح وسعة الصدر، لأنهم يريدون منه أن يستجث عزائمهم، ويسجل أمجادهم، ويباهي بشهدائهم، ويتغنى بتاريخهم، ويلعن أعداءهم، ويدمغ الخونة بميسم لا يمحوه الدهر» «ص11-12» فالشعر عند السودانيين يجد قيمته وانتشاره والقبول حين يرتبط بالناس وهمومهم.
أما المحور الأساسي في كتابات الأستاذ الذي يؤكد الأسس الاجتماعية للأدب فهو التناول التاريخي واعتبار التاريخ هو الأرضيةالتي يرتكز عليها الأدب. لذلك احتل التاريخ جزءً كبيراً وهاماً من كتاب «الشعر السوداني في المعارك السياسية» وما يلفت النظر ليس فقط حجم التاريخ في الكتاب ولكن طريقة التفسير والفهم للتاريخ إذ يصحح كثيراً من التحليلات الخاطئة. بدأ الباحث بمدخل تاريخي شامل يمتد مما أسماه التجمع العربي في السودان أي دخول العرب السودان ثم يصف الباحث تحت عنوان «ملامح من سنار» البناء الاجتماعي-الاقتصادي للمجتمع السناري ويتطرق لمصادر الرزق «أي الإنتاج» الرعي والزراعة والتجارة وثروة سنار والفقر والمجاعات والحروب ونفوذ المشائخ.
ثم كيف اضعف ذلك قدرة الناس على العمل المثمر وبالذات الثقافة في هذا الموضع؟ «ص29» ويتوقف الباحث عند انتشار الخرافات والتفكير العلمي وغلبة التصوف ويقول: «في هذا الجو الغريب أصبح المنطق لا قيمة له فمرد كل شئ إلى الغيب، وهؤلاء الأولياء هم مفاتيح الغيب، بل هم الذين يصنعون مصائر الناس في حضراتهم» «ص33» ويناقش آراء الدكتور محمد عوض حول انتشار الصوفية ويأخذ عليه أنه لم يفسر أسباب غلبة التصوف في السودان بل فسر أسباب انتشار الطرق الصوفية «ص35 وما بعدها». وهذا اختلاف واضح في الطريقة والنتيجة الأول يفسر كيف؟ ولكن المهم لماذا انتشرت الصوفية؟ الأول وصفي والثاني تحليلي.
رغم أن استاذنا ليس مؤرخاَ، ولكنه يمتلك فهماً متقدماً للتاريخ. فالتاريخ ليس مجرد تراكم أحداث أو وصف شخصيات وحروب وغزوات ونزاعات بل التاريخ هوالحركة الجماعية للناس في الزمان. ومن هذا المنظور يتخذه اطاراً لفهم الثقافة والافكار من خلال وعي النسبية بمعنى أن الفكر أو الإبداع يجب أن يفهم ضمن ظروفه ولا يحكم عليه بمعايير حقب تاريخية أخرى - فلكل فكر أو ثقافة سياق تاريخي - اجتماعي محدد.
نجد التأكيد على النسبية التاريخية - الاجتماعية في مواضع كثيرة من كتابات الباحث وهذا موقف عميق مقارنة بالفهم اللاتاريخي «ahistorical) للأفكار الذي يراها مطلقة خارجة عن الزمان والمكان ويظن أصحاب هذا النهج أن نتائجهم وأدوات تحليلهم صالحة مطلقاً لكل زمان ومكان ولا تخضع لتقلبات الزمن وتغيرات الحياة. وهذه بعض الأمثلة من كتابات الأستاذ محمد محمد علي التي تصر على نسبية الوقائع.
ففي تعرضه لحروب المهدية لم يدن هذه الحروب، إذ يقول: «فالمهدية لا تخضع لافكار عصرنا، فهي لا تهادن الا من اعتنق الإسلام وانخرط في سلكها، وبهذا الفهم وحده نستطيع أن نفسر أسباب هذه الحرب واعراض الخليفة عن طلب الصلح والتعاون الذي تقدم به إمبراطور الحبشة واحراق الكنائس الذي كتب به حمدان إلى الخليفة وكأنه عمل جليل» «المصدر السابق، ص217». وهو هنا يعتمد على النسبية مرتين. أولاً: اختلاف العصر، ثانياً: محاكمة المهدية حسب منطقها الداخلي في النظر للأمور.
أما النسبية الاجتماعية فيعبر عنها في رده على الدكتور محمد النويهي في مقالة بعنوان «حول الفضيلة في البداوة والحضارة» فقد توصل الدكتور النويهي في معرض دفاعه عن الاخلاق في المجتمع المتحضر إلى أن للمدينة فضائل لا توجد لدى البدو، وأنه ليست هناك صلة بين حياة أهل البادية والتمسك بالفضيلة الجنسية وكاد يقول بوجود فوضى جنسية عند كثير من العشائر البدائية.
ورغم تقدير الأستاذ محمد محمد علي للهدف النبيل للمقالة وهو الرد على المتشككين في قيم المدينة الخلقية الا أنه انتقد طريقة الوصول إلى هذا الاستنتاج، إذ يقول: «والخطأ في هذا البرهان أن الدكتور أراد أن يجعل من نظام العلاقات الجنسية عند الأمم المتحضرة مقياساً للفضيلة، غاضاً النظر عن النظم الاجتماعية الأخرى التي عرفها العالم في أطوارها المختلفة، والتي ما تزال لها رواسب في القبائل البدائية. فلم يستطع التطور أن يقضي عليها، لأن ظروف هذه القبائل قد نأت بها عن التيارات الحضارية الكبرى، فاحتفظت بطائفة كبيرة من تقاليدها ونظمها القديمة.
والدكتور يعلم أن نظم العلاقة بين الرجل والمرأة قد أخذت اشكالاً متعددة في المجتمعات الإنسانية، وما نظامنا الخاص الا واحد من عشرات النظم» «5» هذا نص يفسده الشرح أو التعليق.
نُشر أولاً في صحيفة الصحافة.
ليصلك جديد الموقع
نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

