حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية

المقالات

الدين وحرية التعبير

· نُشر في الصحافة

عقد مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بالتعاون مع الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان والشبكة الاورو - متوسطية لحقوق الإنسان، وبضيافة مركز الدراسات والبحوث الدولية الفرنسي، ورشة عمل بباريس تحت عنوان

«الدين وحرية التعبير في العالم العربي»، يوم21/11/2008م، وتأتى الورشة ضمن الاحتفال بمرور 60 عاما على الاعلان العالمي لحقوق الإنسان. وانعقاد الورشة خارج العالم العربي، في حد ذاته، يحمل دلالة ضمنية لمدى اتساع مساحة الحريات في العالم العربي. وقد شارك في الورشة عدد من ذوي المواقف الفكرية المتباينة مع تمثيل مميز للتيارات الدينية الإسلامية، وعلى رأسهم الشيخ علي صدر البيانوني، المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين السورية، والأستاذ صلاح الدين الجورشي القيادي السابق في حزب النهضة الإسلامي التونسي. وكان الشيخ راشد الغنوشي من بين المدعوين، ولكن لم يحصل علي تأشيرة دخول لفرنسا بسبب وجود اسمه في قائمة الانتربول إثر شكوى من الحكومة التونسية. وأضفي هذا التنوع والتباين الواضح حيوية وسخونة علي النقاش.

وكان السؤال المحوري المثير للجدل هو:هل الإسلام بطبيعته كدين يقف عقبة في سبيل حرية التعبير أم أن الفهم السائد والتطبيق التاريخي والراهن اعطي انطباعا خاطئا بأن الإسلام يقيد حرية التعبير؟وجاء الرأي النافي تماما لهذه الفرضية بشقيها الأول والثاني من الشيخ البيانوني والذي وجدها فرصة لاستعراض الموقف الجديد للإخوان المسلمين السوريين حسب وثيقة: - «المشروع السياسي لسورية المستقبل»، والصادرة عام2004م، وهي تحمل رؤية جديدة تجاوزت المواقف الاخوانية التقليدية والمحافظة. وجاء رده مرتكزا علي الباب الخاص بالمرتكزات، وفيه جزء عن الإنسان والحرية يقول: - «جعل الإسلام الحرية أساسا من أهم الأسس التي بني عليها تشريعاته - فالحرية شرط التكليف في الدنيا - وقد صانها صيانة لم ترق اليها التشريعات البشرية، بما أوجبه من عدل يشمل الناس جميعا، ومن شمول يستغرق كل جوانب الحياة ومن توازن بين الفرد والمجتمع. لقد ضمن الإسلام حرية الفكر والعقيدة ونهى عن القول بمجرد الظن، أو العمل بمجرد التقليد والعادة، ومنع الاكراه في الدين، وأمر بالقسط في المعاملة، قال تعالى:«لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي».ومن هنا كانت الحرية قيمة من أهم القيم في المجتمع الإسلامي، ونحن نعتبرها الثمرة الاولي للتوحيد، باعتبار أن التعبد لله من أي عبودية لأي إنسان مهما علا مقامه. وكان لابد أن نختلف حين قلت له معقبا، بأن مشكلتنا ليست في الذي يقوله الإسلام ولكن في الذي يفعله ويمارسه بعض المسلمين خاصة حين يصلون الي السلطة. ففي هذه اللحظة التي تردد فيها هذا الكلام الرائع، هناك نظام حكم إسلامي يشاركك المرجعية يضيق بالصحفيين والصحفيات بسبب آرائهم وكتاباتهم. وانتم لو وصلتم للسلطة سوف تمارسون ما ترفضونه الآن. وانفعل الشيخ الوقور وصاح: - هذا الأستاذ يرجم بالغيب!وأجبته بانني لا أرجم بالغيب ولكن تجارب ملموسة فى السودان وحماس في قطاع غزة.

أما الرأي الآخر الذي أجاب علي السؤال السابق، فقد جاء من الشاعر المصري حلمي سالم، والذي يتعرض لملاحقة قضائية بسبب قصيدته:» شرفة ليلي مراد» بتهمة الإساءة الي الدين. ويقول في ورقته:» ليس من شك في أن السجال بين ازدراء الاديان من جهة وبين حرية التعبير من جهة ثانية، هو مشكلة قديمة لا حادثة«بالتعبيرات الفقهية»، ثم راح يزول حضورها الضاغط بتقدم الحضارات والثقافات والاطوار الاجتماعية والفكرية للمجتمعات:فيتضاءل ثقلها في المجتمعات التي قطعت في التقدم شوطا كبيرا، ويظل ثقلها رازحا في المجتمعات التي ما تزال تعيش في اطوارها المتأخرة. المجتمعات الأوربية مثال علي الحالة الاولي، والمجتمعات العربية مثال علي الحالة الثانية».ويلاحظ وجود مشكلة رئيسية منذ بدء النهضة العربية الحديثة، قبل قرنين، تتمثل في ازدواج مرجعية هذه النهضة، بين المرجعية المدنية والمرجعية الدينية. ويقدم مقارنة ذكية عن النشأة الاولي، إذ يقول بأن الدين والفن كلاهما تجربة مجازية. فكل من المعرفة الدينية والفنية تلبي حاجة الإنسان للترميز، ولم يكن بينهما تناقض. ويرجع أزمة الحرية الي ما أسماه «ميراث المقايضة»:مقايضة العدل بالحرية، أو مقايضة تحرير الوطن بحرية المواطن. ولم يترب هذا الوعي علي ادراك أن هذه الغايات الثلاث:العدل، تحرير الوطن، حرية المواطن، هي حزمة واحدة لا تصلح الواحدة فيها بدون الأخريين. ويصل الي القول الي أننا نعيش في دولة دينية في أشكال مدنية

وهذا ما يجعل نصنا المقدس نصين، أحدهما يسير في طريق الاستنارة، والآخر يسير في طريق ظلامي.

كان السؤال الثاني الهام والمثير للجدل حول حدود الحرية، خاصة وأن البعض يتعلل بأن الحرية غير مطلقة لكي يقيد الحرية مطلقا. وتساءل بهي الدين حسن:أين تنتهي الحريات الأكاديمية وأين تبدأ قدسية الدين؟هل هي مجال مفتوح للبحث بغض النظر عن الخطأ والصواب؟وهل توجيه ملاحظات أو انتقادات لدين معين يعني بالضرورة الإساءة للدين أم هما أمران مختلفان؟وهنا يدخل موضوع الخصوصية، إذ بمقتضي الاعلان العالمي الحريات تري الا دين خارج التناول النقدي. وهناك من يعتبر الاديان نفسها هي في الأصل نقد لاديان سابقة لها.

وأشارت الورشة الي موضوم الرسوم الدنماركية والتي أثارت ضجة واحتجاجات في العالم الإسلامي. ويري البعض أنها ليست شكلا من أشكال صدام الحضارات، فهي لم تكن مشكلة أوربية - إسلامية. والا ماذا نسمي الهجوم علي أعمال نجيب محفوظ والاعتداء عليه؟المشكلة أكبر وأعم. وطالب أحد الباحثين الفرنسيين بضرورة التأكيد علي الحرية أولا ثم البحث عن حدودها. ثم التأكيد بدقة علي ما هو ازدراء وما هو حرية. وهنا طرح الجورشي رأيا اشكاليا حين تساءل كيف نميز بين الاستفزاز المجاني والنقد أو الإبداع؟فهو يقبل بالبحث العلمي في الاديان ولا يمانع في الانتقال بين الاديان، ويؤكد علي الإبداع ويرفض الاستفزاز المجاني لأن الأخير ليست له مبررات علمية واضحة. وهو لا يخدم الحريات بل يخدم الرجعيين الباحثين عن مبررات للهجوم وانتقاص الحريات.

اهتمت الورشة برصد أنماط الاعتداء علي حرية التعبير في العالم العربي، وقدم الأستاذ عصام محمد حسن، رئيس تحرير مجلة»سواسية» ورقة بهذا العنوان. استهلها بالقول:»يشكل العالم العربي منطقة استثنائية تبدو عصية علي موجات التغيير والتحولات الديمقراطية، التي عرفتها مناطق أخري من العالم عبر عدة عقود مضت. ومن ثم فقد ظلت ادوات ووسائط التعبير المختلفة هدفا لضغوط هائلة لا يحد منها كثيرا ثورة المعلومات والطفرة الهائلة في تكنولوجيا الاتصالات». وبسبب تآكل الشرعية السياسية للنظم العربية، لم يكن غريبا أن تقوم بتوظيف الدين والاستعانة بالمؤسسة الدينية. وفي هذا السياق دعا شيخ الازهر - وهي المؤسسة المعروفة باعتدالها النسبي - الي جلد الصحفيين. وفي حين تبنى رئيس مجلس القضاء الأعلي السعودي الدعوة الي اعدام المسؤولين عن الوسائط الاعلامية، التي تبث برامج خليعة. ومن أشكال الانتهاكات:- استمرار القوانين التي تعاقب قضايا النشر والرأي، واتساع دائرة التجريم، والتوسع في قوانين الطوارئ ومكافحة الارهاب بقصد النيل من حرية التعبير وحرمان ممارسيها من العديد من الضمانات القانونية والاجرائية. ويضاف الي ذلك، تشديد الرقابة المسبقة علي الصحف والضغط علي تداول المعلومات، فضلا عن التوسع الهائل في حجب أو تدمير المواقع الالكترونية. علاوة علي ذلك تحكم من قبل الدولة في مؤسسات الطباعة، وفي ادارة مؤسسات الاعلان. وأخيرا استمرار احتكار الدولة في مجمل البلدان العربية للمجال السمعي والمرئي الأرضي والفضائي، وتحكمها في تراخيص البث.

ومن ناحية أخري تم رصد حالات مصادرة أعمال أدبية وفنية، بحجة ازدراء الاديان، منها علي سبيل المثال: - في مصر، مصادرة رواية :وليمة لاعشاب البحر للكاتب السوري حيدر حيدر، ومصادرة كتاب:النبي لجبران خليل جبران، وكتاب:الخبز الحافي لمحمد شكري. ومصادرة مسرحية»الاله يقدم استقالته من اجتماع القمة»لنوال السعداوي، وطالب البعض بسحب جنسيتها منها. ومصادرة كتاب»أبي آدم»للكاتب الإسلامي عبد الصبور شاهين، وهو الكاتب الإسلامي صاحب التقرير الذي حوكم بسببه نصر حامد ابوزيد قبل ذلك بثلاث سنوات!ومصادرة كتاب» الوصايا في عشق النساء»للشاعر أحمد الشهاوي. ومنع الموديل من كلية الفنون الجميلة، وتحطيم تماثيل متحف حسن حشمت. وفي الاردن، تمت مصادرة ديوان»شجري أعلى» للشاعر موسى حوامدة. ومحاكمة الشاعر إسلام سمحان، بسبب ديوانه»برشاقة ظل»..وفي الكويت، محاكمة الكاتبتين ليلى العثمان وعالية شعيب. وفي البحرين، الهجوم علي النص الغنائي»مجنون ليلي»لقاسم حداد وموسيقي مارسيل خليفة.

لم تخرج الورشة بتوصيات محددة، فالسؤال لمن توجه التوصيات؟ولكن برزت توجهات عامة للندوة، مثل القول بالحاجة الي ميثاق ملزم تضعه كل الاطراف يتضمن: -

1 - إطلاق حرية التعبير وإطلاق حرية الإعلام.

2 - التضامن عند المساس بحرية الصحافة حتي ولو ارتكبت خطأ.

3 - رفض تجريم الرأي المخالف مهما كان وعدم اللجوء للمحاكم.

وهناك مطالبة أخري تقول بأن تراقب المؤسسة الدينية ما هو ديني فقط. وقال الشاعر حلمي سالم في النهاية:»الدين مقدس. والحرية، كذلك، مقدسة. والمساحة المشتركة بينهما هي السجال الفكري الناضج المحترم، الخالي من السب والقذف. وكلنا يعرف أن»المجادلة بالتي هي أحسن»مبدأ إسلامي أساسي.

شارك المقال

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

اقرأ أيضاً

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟