حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية

المقالات

الصحوة الماركسيَّة (الحلقة الرابعة)

· نُشر في الصحافة

ماركس لم يزر السُّودان أبداً..!! رفضت وثيقة «إصلاح الخطأ» المسلك الذي يضر «بنقاء» الماركسية وقبول الجماهير معاً. وقد تصطدم مهمة إعادة التكوين معرفياً وسلوكياً للشيوعي بصعوبات محددة. فهذه العملية هي في الواقع- حسب الوثيقة- صراع ضد عقليات مختلفة وغريبة. وفي هذا الصراع يسعى الحزب إلى تحصين الشيوعي من الانحرافات ويحاول غرس ثقافة فرعية داخل الثقافة الكبرى وإعطاء فكر رافض لأنه جديد. ولكل ذلك شروط توردها الوثيقة: «ولا يمكن للمرء أن يكون شيوعياً إلا إذا اكتشف وتثبت من أنها خاطئة ثم عمل ثانياً على التخلص منها «يقصد العقليات المختلفة والغريبة». في الصراع لكي يقنع الإنسان بتلك النظرية، ولكي نغير من مسلكه الاجتماعي ونحوله من شخص غير شيوعي إلى عضو في الحزب الشيوعي، لا بد أن نشن حرباً ضد العقلية البرجوازية الصغيرة في المعرفة، ضد عقلية التخلف القبلي، ضد الآثار الضارة للثقافة الغربية.

وضد أفكار الجمود الفكري» «ص21-22». بالتأكيد سوف يتحمل الحزب الشيوعي عبئاً ضخماً في صراع مع كل هذه العقليات والتيارات والمواقف. وهذا يفسر أيضاً انشغال الحزب غير المنقطع مع عضويته قبل الآخرين، في صراع يجعل الحزب في حالة استعداد دائم للمعارك- الفكرية والسلوكية. كانت عقلية البرجوازية الصغيرة هي محور هذا الصراع. وتشير الوثيقة إلى العيب الاساسي في فكرها وسلوكها، حين تقول: «البرجوازية الصغيرة وخاصة في المدن تسلك سبيل الدراسة المعزولة، وتجنح إلى الفصل بين النظرية والعمل، ومرجعها النصوص دائماً لا الحياة ومتطلباتها. وتحاول بهذا أن تخضع الحياة للنصوص» «ص22» فقد كان- حسب الوثيقة- الاحتجاج بالنص، خلال نقاشات الانقسام عام 51- 1952م، هو دليل الثورية والقدرة على الإقناع.

ويعترف الشيوعيون بأنهم ظلوا يعانون من هذا الاتجاه، ويرجعون وجوده واستمراره إلى «حصر التثقيف في حدود محاضرات ملخصة من الكتب الماركسية ومنقولة عنها دائماً تماماً». فقد كانت هذه الوسيلة الأسرع والأسهل لتقديم هذا الفكر الصعب الذي يرتكز على أساس فلسفي طويل في مصدره الأول «أوروبا الغربية». ولكن صعب التخلص من هذا الوضع المعطّل، نقرأ في الوثيقة، «عندما يفهم التثقيف الماركسي بأنه هذه المحاضرات، وعندما يفهم أن برنامج الحزب ولائحته ليسا وثائق التعليم الماركسي، وعندما يفهم أن منجزات الماركسية اللينينية المطبقة على واقع البلاد خاصة في مجلتي «الشيوعي» و«الوعي» بأنهما ليسا مواد للتثقيف... فإن ذلك هو نفس اتجاه البرجوازية الصغيرة في المعرفة، في الثقافة، في القراءة والتعليم، والطلائع الثورية للجماهير وهي تنضم للحزب الشيوعي، تلحق بها اضراراً كبرى إذا تلقت التعليم بتلك الطريقة، ستنعزل عن الحياة وعن الجماهير التي حولها ولا تحاول أن تتعلم منها بقدر ما تحاول إخضاع تفكيرها لنصوص محفوظة لا حياة فيها» «ص22».

ورغم استخدام الحزب الشيوعي السوداني لمفهوم البرجوازية الصغيرة بكثافة وفي تحليلات كثيرة وفي «الشتم» الثوري ايضاً، الا أن المصطلح ظل ملتبساً ومثيراً للجدل، ولم يحاول الشيوعيون اجلاء هذا المفهوم بطريقة علمية ثم سودنته أي تطبيقه على واقع سوداني محدد تاريخياً. ويقول سمير أمين- عن حق- وهو يعرف المفهوم: «أنا اعتقد أنه عندما نستخدم مصطلح البرجوازية الصغيرة فإن ذلك يشير دائماً إلى ضعف التحليل، لأنها تعني فعلاً كل شيء ولا شيء» «26:1994م» فالتحليل التقليدي الماركسي يقسم المجتمع الرأسمالي إلى طبقتين: البرجوازية والبروليتاريا، وأن البرجوازية الصغيرة هي فئات وسطى بين الاثنين. ويعيد نمط الإنتاج الرأسمالي انتاجها باستمرار باشكال جديدة وهي مترددة بين القطبين.

ولكن في مجتمعات العالم الثالث- ومنها السودان- فالبرجوازية ضعيفة كذلك البروليتاريا، والنتيجة وجود «طبقات» أو «فئات» بعضها هامشي. وبالتالي لا تتسق البرجوازية الصغيرة في العالم الثالث مع التحليل الماركسي التقليدي العام. ففي مصر مثلاً كون المشروع البرجوازي الوطني الممثل في الناصرية البرجوازية الصغيرة من خلال التعليم والتصنيع والتحديث، وتوسعت القاعدة التي استوعبت الأموال الخارجية في المدارس والجامعات.. الخ «أمين، ص27» أسهبت قليلاً في تعريف مصطلح البرجوازية الصغيرة، لأنني لاحظت أن الحزب الشيوعي يهتم باستخدام المفاهيم والمصطلحات أكثر من تعميق معناها ودلالاتها. وهذا ما قاد إلى ما يشكو منه الحزب الشيوعي، اختلاط السياسي بالفكري والنظري.

فالوثيقة ترى البرنامج واللائحة أدوات للتعليم الماركسي. وهذا صحيح على مستوى تطبيق الماركسية على الواقع. ولكن لا بد من التمكن من الجوانب النظرية والفكرية للماركسية أولاً. وهذا وضع معقد لأن الحزب الشيوعي يخشى العزلة والانعزال ويضحي بجدل العلاقة بين النظرية والواقع «أو التطبيق». فنحن نجيء إلى الواقع مسلحين بالنظرية لفهمه وتغييرها، ثم نعود من الواقع إلى النظرية لكي نجددها ونؤكد جدليتها، أي ارتباطها بالواقع. وتمتلئ صفحات وثيقة «إصلاح الخطأ» بالعيوب التي نقلتها البرجوازية الصغيرة إلى صفوف الحزب الشيوعي وطالت الكوادر، مما سيتسبب في كوارث كثيرة لبناء وجماهيرية الحزب. فالانفصام بين عمليتي التعليم أو التثقيف والتعلم، أدى إلى خصال مدمرة، تقول الوثيقة: «إن بعض كادرنا من العمال بين المزارعين عانى أضرار ذلك الاتجاه، ففقدوا شعبيتهم التي رشحتهم لعضوية الحزب الشيوعي، وأصبحوا ثرثارين أكثر منهم عاملين، أصبحوا وعاظاً وفلاسفة أكثر منهم مناضلين يستجيبون للحياة ويلحظون كل جديد فيها» «ص22».

ألا يمكن أن يكون الفيلسوف مناضلاً؟ ومن عيوب البرجوازية الصغيرة- حسب الوثيقة- جنوحها إلى التباهي بالمعرفة، وكأن للمعرفة حدوداً، أو كأن هناك مفكرين خلقوا لذلك الغرض ومنفذين لا قدرة لهم على التفكير «ص23». ومن مظاهر الاتجاه البرجوازي الصغير في تعليم الماركسية- حسب الوثيقة- «توخي كل ما هو سهل وتحاشي وعورة التفكير ومقابلة النظرية بالواقع، ومن ثم الهجوم على التعميم» «ص24». ورغم بعض الغموض في هذه العبارة، ولكن يؤخذ على القياديين عدم قراءة تقارير ودراسات الأعضاء، بعمق وجدية، ومع ذلك يخرجون بنظريات عامة. فالمطلوب الدراسة الواقعية الملموسة، حيث يمكن اكتشاف حالات خاصة يمكن مراعاتها دون الخروج عن التعميم الذي هو أساس أية نظرية.

وتواصل الوثيقة تعداد السلبيات وتنتقل إلى جوانب اجتماعية وثقافية أخرى، فتتحدث عن الاتجاهات الناجمة عن التخلف القبلي وخاصة في القرى «وأهم مظاهرها التعصب للقديم دون نقده، والاعراض عن المعرفة الجديدة وعدم الثقة فيها» «ص25»، فهناك اقسام من الذين ينضمون إلى الحزب الشيوعي ويظلون في نفس الوقت متمسكين بنظريات عتيقة. ويساعدهم بعض المثقفين الشيوعيين الذين يعتقدون أن الارتباط بالشعب معناه التسامح مع تلك الأفكار العتيقة وتشجيعها. وفي نفس الوقت، النضال ضد عقلية الثقافة الغربية الحديثة في دور العلم المختلفة، في شكل المسالك الفكرية الضارة. فالثقافة الغربية- حسب الوثيقة- كانت في عنفوانها تعبر عن الرأسمالية الناهضة، وكانت ذات طابع حي، ولكنها اليوم تعبر عن أزمة طبقتها بالحيرة والقلق.

ومن هنا يعبر كتابها عن التحلل وعدم التقيد والالتزام بموقف المجتمع. ورغم أن المجتمع السوداني لا يعاني من مثل هذه الوضعية، ولكن لانتقال الثقافة تأثيره، ويطل الطلاب على العالم من نافذة الغرب أكثر من أية نافذة أخرى بسبب منع الأفكار المخالفة. «ص25-26»، ونجد مع هذا الاغتراب الفكري اغتراباً تاريخياً، فهناك مثقفون متأثرون بالنظرية العربية القديمة في العلم: النصوص، الاستشهاد، والحواشي والهوامش. ويتعرض لهذا الاتجاه الدارسون للغة العربية والعلوم الإسلامية أكثر من غيرهم. «ص26». ويتميز عبد الخالق محجوب بالدقة والذكاء اللمَّاح، ولكن الايديولوجيا غيَّبت عنه الفروق داخل كل من الحضارة الغربية والحضارة العربية القديمة، فقد تعامل مع الغرب باعتباره فكرا واحدا ومطابقا للرأسمالية، وتعامل مع الوصف الجغرافي باعتباره تصيفاً فكرياً وطبقياً معمداً.

كما أن الحضارة العربية القديمة ليست كلها رجعية وسلفية محافظة، فهناك ابن رشد والمعتزلة والقرامطة وابن خلدون وأبو حيان التوحيدي، وقد وقع في فخ التحليل الايديولوجي الذي يصنف كل شيء جوهرياً، أي غير قابل للتعدد والتغيير. وينظر الحزب الشيوعي السوداني إلى نفسه باعتباره حزبا جديدا ومختلفا، ونقرأ في البرنامج: «إن تنظيم الحزب الشيوعي يختلف عن تنظيم الأحزاب الأخرى، وهذا نابع من أنه ليس طليعة لجماهيره العاملة وفصيلتها المتقدمة فحسب، وإنما من كونه أرقى فصائلها تنظيماً» «ص». ونتيجة لذلك «يضع الحزب الشيوعي شروطاً عالية لعضويته، فيقصرها على خيرة أبناء الشعب وأشدهم إخلاصاً لقضية الثورة، وأكثرهم استعداداً للتنظيم، وأقدرهم على التضحية ونكران الذات»، ويهتم الحزب الشيوعي بالتنظيم القوي أو ما يسميه «تكريب» التنظيم، أي خلوه من الترهل والتسيب.

«نواصل».

شارك المقال

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

اقرأ أيضاً

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟