يدور الجدل بلا توقف حول وضعية ومستقبل المجتمع المدني في السودان، ويعود ذلك في رأيي الي سببين، الأول حداثة المفهوم معني وممارسة، والثاني غربة المفهوم فهو نتاج الثورة البورجوازية والمجتمع الغربي الصناعي - الرأسمالي. ورغم محاولات التقليديين والحداثيين في السودان إيجاد أسس قديمة ومحلية للمفهوم، الا أنها تبقي تعسفية. إذ يحاول التقليديون والمحافظون، وعلي رأسهم الإسلامويون تأصيل المفهوم من خلال نسب الطرق الصوفية ومؤسسات الأوقاف وروابط الحرفيين الي المجتمع المدني. وبالتالي يقفزون الي القول بأن المجتمعات الإسلامية عرفت المفهوم قبل الغرب. أما الحداثيون وبالذات اليساريون، فهم يدرجون النقابات والتنظيمات الطوعية التي نشأت خلال صعود الحركة الوطنية وفي خضم مقاومة الاستعمار البريطاني، ضمن منظمات المجتمع المدني. ولكنها تختلف في أهدافها وتكوينها، والاهم من ذلك أنها اتسمت بقدر كبير من التحزب بحيث بدت في كثير من الأحيان وكأنها ملحقة باحزاب بعينها. ولذلك. يمكن القول بأن منظمات المجتمع المدني بشكلها واهدافها المعاصرة هي حديثة تماما، ونستطيع أن نؤرخ لها ببداية تسعينيات القرن الماضي. وفي السودان، تكاثرت المنظمات التي تعمل في مجال حقوق الإنسان وعودة الديمقراطية، ومناهضة التعذيب، والدفاع عن النساء وتأكيد حقوق المرأة، وابراز التنوع الثقافي في السودان، والدعوة للتنمية الشاملة والعادلة مع رفض التهميش بكل أشكاله. وكأنني أردت القول بأن المنظمة التي تستحق تسمية المجتمع المدني لابد أن تعمل في هذه المجالات، والا علينا أن نجتهد في البحث لها عن تسمية مناسبة لمضمونها ودورها.
تزامنت موجة المجتمع المدني الأخيرة في السودان، مع سقوط المعسكر الاشتراكي في طبعته السوفيتية - البيروقراطية مما أدي الي سقوط عالم القطبين وبالتحديد بانهيار حائط برلين برمزيته كفاصل بين ايديولوجتين ومعسكرين متناقضي المصالح. ازدهر المجتمع المدني السوداني في عالم يشهد ظاهرتين تاريخيتين: عولمة متسارعة وكاسحة، وقطب وحيد بلا منافس تمثله الولايات المتحدة الأمريكية وبعض من أوربا الغربية الغنية. ولم يقتصر الوضع الجديد علي التفوق العسكري والاقتصادي بل اعلن القطب المهيمن تفوقه الفكري باعتباره صاحب الايديولوجية الأخيرة وهي الليبرالية واقتصاد السوق الحر. ونعي منظرو الغرب التاريخ وانه قد أتي الي نهاية لا تبدل ولا ترد. ومن هنا لم يكن غريبا أن تحتل بعض القيم والمبادئ والنظريات والمؤسسات الآتية من الغرب وضعا ذي طابع عالمي أو انساني عام. وكان هذا هو التحدي الأول الذي واجه المجتمع المدني السوداني:كيف يمكن له أن يعيش ويتعايش ضمن حقيقة العالمية دون أن يفقد استقلاليته وخصوصيته؟وهذا هو السؤال الهام الذي كان يمكن أن تشكل الإجابة عليه الأساس النظري المتين الذي يمكن أن يقوم عليه المجتمع المدني. وفي نفس الوقت، كان يمكن أن يزوده بادوات رد علي أي هجوم ينعته بالاغتراب الكامل من قبل المهذبين أو تهمة العمالة من قبل الوقحين. ولكن رواد ومنتسبي المجتمع المدني عموما قصروا في هذا الجانب مما جعلهم باستمرار في جانب الدفاع الضعيف وبالذات في سعيهم لتبرير علاقتهم مع الآخر - الأجنبي. فقد غلب النشطاء والحركيون علي المنظرين والمفكرين في مجال المجتمع المدني السوداني، بل تكاد الفئة الأخيرة أن تغيب تماما. وقد ابرزت هذه الملاحظة في احدي المقالات السابقة، وانبرى لي الصديق عبدالرحيم بلال بالرد مفندا ومعددا الكتب التي اصدرها كوادر المجتمع المدني السوداني .وكان قد اساء فهمي تماما، فقد أورد كتابا عن قضايا من اهتمام المجتمع المدني، حول:المرأة، والديمقراطية وحقوق الإنسان، والتنمية، ودارفور، والانتخابات، وأطفال الشوارع ....الخ. ولكنني كنت أقصد كتابة المجتمع المدني نفسه أي تعريفه وتاريخه العام والخاص، ونظرياته وآفاقه وامكاناته واتجاهاته، وعلائقه، وموقعه وموضعه في السياسة والاقتصاد والفلسفة والاجتماع. هذا ما ينقص حركة المجتمع المدني أن تبلور ثقافة أو حتي ايديولوجية المجتمع المدني في مفاهيم ونظريات ورؤية للعالم. وكما سار القول بأنه لا حركة ثورية دون نظرية ثورية، نقول لا مجتمع مدني دون نظرية مجتمع مدني.
ومن بدهيات فهم المجتمع المدني، الانطلاق من وجود مجتمع مدني عالمي يتشكل بسرعة، والمجتمع المدني المحلي في أي مكان هو جزء لا يتجزأ من هذا الكيان الإنساني العام. فهناك قضايا لم تعد محلية، ولذلك لم يعد الطغاة «احرارا» في قمع مواطنيهم باعتبار ذلك من صميم السيادة الوطنية!ولا يمكن للدكتاتوريين أن يستفردوا بشعوبهم لدرجة الافناء .وهذه احدي مزايا العولمة - رغم الجوانب السلبية الاخري:لا وجود للعزلة واخفاء الحقائق. هذه أممية وتضامنية وأخوة جديدة بلا حدود، يجتمع الناس فيها حول قضايا عامة وانسانية تماما، لا يجدي فيها الاختباء وراء خصوصية زائفة يراد بها باطل. فقضايا مثل حرية التعبير، والحق في الحياة الكريمة، وحق العمل والتعليم، وكرامة المرأة كمخلوق بشري، وغيرها من الحقوق الأساسية. هذه كلها أمور لا تخضع للنسبية والخصوصية، وعلي الأقل علينا أن نتفق علي المبادئ ونختلف حول آليات التطبيق. وهذا يعني بالضرورة وجود منظمات وافراد علي مستوي العالم يشتركون في موقف واحد، ويساندون بعضهم:معنويا وماديا. إذ يمكن أن تصدر بيانات للمطالبة باطلاق سراح معتقلين من منظمات تبعد جغرافيا الآف الاميال، ولكنها قريبة أكثر من بعض المواطنين الذين لا يهتمون بمثل هذه الحقوق. وقد يكون الدعم ماديا، وهنا يأتي موضوع التمويل الأجنبي الذي أصبح اداة ابتزاز وتشويه لدور منظمات المجتمع المدني المحلية. وهذه قضية يقف عندها الناشطون حائرين أو خائفين، ويبين العجز عن الرد الضعف الفكري في فهم ما ينشطون فيه. إذ تقع عملية التمويل الأجنبي في إطار التعاون والتضامن والاهم من ذلك وجود أجندة مشتركة تحظي باهتمام الطرفين أو الاطراف. وهذا شرط لصحة التعاون الا يفرض أي طرف أجندته علي الجانب الآخر. وهذا ما ينفي علي التمويل كونه مشروطا، ويجب أن يفهم التعاون باعتباره شراكة تقوم علي الندية، ولا توجد يد عليا وأخري سفلي. وبالتأكيد الحديث عن العمالة في هذه الحالة يعتبر من قبيل القذف والمهاترة، فهذه منظمات لا تتعامل في اسرار عسكرية أو أمنية أو مالية واقتصادية. وبالمناسبة «العدو» لا تصله هذه المعلومات من منظمات المجتمع المدني!
كان من الطبيعي أن تتجنب منظمات المجتمع المدني السودانية والاقليمية عموما اللجوء الي التمويل الأجنبي، لو وجدت في البلاد رأسمالية وطنية حقيقية وليست طفيلية وغير مرتبطة بخيوط سرية مع السلطة، وذات أريحية وشعور انسانوي كما هو الحال في الغرب»الكافر». وقد حاولت أن أختبر وطنية وانسانوية هذه الفئة، عندما أحيا مركز الدراسات السودانية اليوبيل الذهبي للاستقلال، ودعا لذلك الفنانين نصير شمّة ومارسيل خليفة والشاعر محمود درويش وغيرهم. وجدت خطابات تتحدث عن دور رجال المال في إيطاليا مثل عائلة مديتشي ودورهم في النهضة الأوربية ...الخ. ولكن كنت أقف كاليتيم علي مأدبة اللئيم، ولا يغفر لي سني ولا المهمة التي أنوي القيام بها، أن أحظى بمقابلة أي منهم وهم في عمر طلابك ولكنه السلم الاجتماعي السوداني اللعين الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء بغير حساب. ومما افجعني أن أحدهم سيدفع ثلاثة ملايين دولار لقدم أحد اللاعبين الافارقة. ومن الواضح غياب تلك البورجوازية رفيعة الخلق وعالية الوطنية من أمثال البغدادي وعبد المنعم»ذلك المحسن حياه الغمام» وحتي الأجانب مثل كونتوميخالوس الذي يتبرع للمساجد وفي المولد النبوي. أما الدعم الاقليمي وبالذات العربي-الاسلامي، ورغم غني بعض الدول، الا أنها ليست مهتمة بالمجتمع المدني وما يترتب عليه من توجهات ديمقراطية وحقوقية تصيبها بالحساسية والقلق. كما أن مساعداتها دائما مشروطة بلا إخفاء، وهي ترتبط بالتبشير الديني أو الايديولوجي. فهذه الجهات حين تفتح مدرسة للبنات في الصومال أو جزر القمر تشترط حجاب الفتيات مثلا.
يواجه المجتمع المدني السوداني خطر الاغراق بالمنظمات الحكومية وغير الحكومية!وهي الآن أكثر من المنظمات غير الحكومية حقيقة. وهذه المنظمات تنافس منظمات المجتمع المدني الاصلية في الحصول علي» المال « الآتي من المنظمات الأجنبية!وهذه ظاهرة محلية تماما تظهر خلل فهم المجتمع المدني وتفرغه من أهم أسسه أي الإعلاء من قيمة العمل التطوعي وتدريب المواطنين علي المشاركة.
هذا مفتتح لنقاش المجتمع المدني السوداني في فترة حرجة يتعرض فيها لكثير من الضغوط والعوائق والمضايقات، ولا مخرج الا باعادة النظر في فهم وممارسات المجتمع المدني. واخشى علي المجتمع المدني من أهله قبل اعدائه، وذلك لأن بعض الناشطين لم يتشبعوا بقيم المجتمع المدني وينقلون الادواء التي قعدت بتنظيمات أخري الي مجال جديد وحديث يحتاج الي عقل وسلوك مختلفين.
ليصلك جديد الموقع
نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

