حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية

المقالات

حقوق الإنسان .. منظور سوداني

· نُشر في الصحافة

يحتفل العالم هذه الأيام بمرور ستين عاماً على التوقيع على ميثاق حقوق الإنسان (10 ديسمبر 1948). وفي هذه المناسبة دار النقاش مجدداً حول وضعية حقوق الإنسان وما الذي تحقق؟ والنجاحات والاخفاقات التي تعرضت لها مبادئ حقوق الإنسان. ومن أهم النجاحات هي الانتشار الواسع للمفهوم رغم مصدره الغربي وتحول إلى اهتمام عالمي. فقد وقعت كل دول العالم على مواثيق وصكوك حقوق الإنسان، وحتى وأن تقاعست بعضها عن التطبيق والتنفيذ. إذ لم تعد هناك أية دولة تجرؤ على رفض هذه الحقوق، فقد تبدي بعض التحفظات تحت دعوى الخصوصية الثقافية كمهرب من الالتزام بحقوق الإنسان. فقد اكتسبت مفاهيم ومبادئ حقوق الإنسان بعداً عالمياً وانسانياً، ولا يقلل من هذه الحقيقة الحديث عن الكيل بمكيالين أو الازدواجية، إذ تظل المبادئ ثابتة بغض النظر عن مواقف الدول المختلفة منها وطرق تطبيقها. فكون الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً تتعامل مع (اسرائيل) بطريقة منحازة لا تراعي حقوق الإنسان، لا ينتقص من قيمة حقوق الإنسان بل يضر بمصداقية أمريكا فقط. وفي نفس الوقت ليست هناك مطابقة بين الإثنين، حتى ولو أدعت أمريكا أنها من سدنة قيم حقوق الإنسان المتقدمين للصفوف.

من الصعب اعتبار حقوق الإنسان جزءً أصيلاً وقديماً في الثقافة السياسية السودانية، ولا الحياة الاجتماعية. فالمفهوم نتاج الثورة الفرنسية وتطور البورجوازية الغربية وصعود الديمقراطية، لذلك كان من الصعب أن ينشأ المفهوم مبكراً في الثقافة والحياة السودانيتين. ورغم الحديث - بأثر رجعي - عن أن المسلمين قد سبقوا الغرب في تبني مبادئ حقوق الإنسان، فهذا دفاع ناقض وتبريري. فقد أشار الإسلام في القرآن إلى قيم تحض على احترام كرامة الإنسان وأكد على التكريم الالهي للإنسان. ولكن - للاسف - لم يمارس المسلمون حقوق الإنسان. وجاء التاريخ الاسلامي في تبادل السلطة واختلاف الرأي عكس ما دعا اليه الإسلام. وقدم المسلمون تاريخياً من الفظائع والاغتيالات والصلب وتعليق الرؤوس وتشويه الجثث ونبش القبور... الخ. وواقعياً، لم يكن للمسلمين فضل المبادرة أمام العالم والانسانية بتقديم ميثاق لحقوق الإنسان كما فعل الغرب. ولكن بقيت كثير من الدول الإسلامية من الأمم الاسوأ في سجل احترام حقوق الإنسان. ومن الطبيعي - أو المفترض - أن يكون السباقون في ميدان حقوق الإنسان هم الأحرص على تطبيقها ونشرها. والسودان بصفته دولة ذات أغلبية مسلمة وتوجه سياسي إسلامي، تقع ضمن هذا التصنيف: حديث عالي الصوت عن أسبقية حقوق الإنسان، وممارسة ضعيفة بالمقارنة مع كثير من دول العالم.

على المستوى المحلي والوطني لم يعرف السودان اهتماماً ذاتياً أي نابع من ظروفه وتاريخه بحقوق الإنسان، بل جاء الاهتمام انعكاساً للخارج وفي بعض الأحيان في شكل ضغوط خارجية، وبالتالي جاء متأخراً وسلبياً، ومن الملاحظ أن كل ثقافات العالم لديها قيم معينة تكتسب أولوية في سلم القيم والفضائل، وهي التي تحدد ما نسميه الشخصية القومية لشعب ما. وذلك لانها صفات نمطية تتكرر عند أغلب المواطنين لدرجة نستطيع فيها أن نخلص إلى أن كل افراد هذه المجموعة يمكن إطلاق هذه الصفات عليهم. وتوصل كثير من الكتاب والباحثين والرحالة إلى أن قيم الشجاعة والكرم هي الاغلب في الشخصية السودانية أو على الأقل بين الذين عرفوهم. وهذه قيم مجتمعات البداوة والرعي التي تفرضها ظروف ندرة الموارد المعيشية المتاحة وضرورات حماية الذات الممتدة أو ما يسمى الدفاع عن العرض والارض في لغة جديدة. وهذا مصدر ما يعرف بالعقل البدوي أو الرعوي، وهو الغالب في الشخصية السودانية ويتسم بأنه ذكوري وأبوي ورجولي. وقد تتحول الذكورية والرجولية والشجاعة في كثير من الأحيان إلى عنف واعتداء وعدوان. ولم يعرف السودان في ماضيه وحتى اليوم: الدولة المركزية القوية، وظلت القبلية والعشائرية تحكم العلاقات المتبادلة بين العناصر المكونة للسودان منذ السلطنة الزرقاء أو دولة الفونج أي من القرن السادس عشر. وكان الصراع والنزاعات هي الغالبة على العلاقات في أغلب الأحيان، أكثر من التعايش والتسامح، على الأقل بين القبائل الكبرى، ولم يتوقف هذا النزاع طوال دولة الفونج (1504-1821) مما سهل سقوطها على أيدي الاتراك. وعجز الحكم التركي (1821- 1885) عن السيطرة على القبائل وتقلب بين المركزية واللامركزية. وفي المهدية، كانت حقبة الخليفة عبدالله صراعاً دامياً مستمراً بين القبائل وهذا سهل ايضاً مهمة الغزو البريطاني.

يصعب على الشخصية السودانية ذات هذه الصفات: الذكورية والرجولية والتي تمجد القوة والشجاعة البدنية وليس المعنوية والأدبية، أن تتبنى بسهولة كثيراً من قيم حقوق الإنسان مثل التسامح والمساومة والتنازل وقبول الآخر. رغم أننا درجنا على إطلاق صفة التسامح على الشخصية السودانية متناسين كل تاريخ: أيام القبائل السودانية الملئ بالمعارك والتي خلدها الشعر الشعبي والذي يغني دائماً بالسيف المروي بالدماء والخيول المغرية وبالكتّال في الخلا ملاي سروجن دم. وفي التاريخ الحديث، جاءت الحرب الأهلية في الجنوب لكي ترضي غرائز الشجاعة والموت المجاني والبطولات المتناسلة من موسى ود جلي ويوسف سنينات. وكانت الحرب طويلة ودامية وبدون أرقام أو احصاء لعدد القتلى، وكل ذلك غطاه شعارات الوحدة الوطنية وبقاء السودان موحداً. ولم تكن حرب الجنوب هي العنف الوحيد الذي عرفه السودان بعد الحكم الذاتي مباشرة: فقد كانت حوادث أول مارس 1954 وعنبر جودة ومقاطعة حزب الشعب الديمقراطي للانتخابات واستخدام العنف في خشم القربة حتى دخول قبائل غرب السودان في الصراع المسلح والذي بلغ ذروته في أزمة دارفور المتصاعدة.

على صعيد حرية التعبير والتنظيم، لم يقدم السودان نموذجاً جيداً يدل على التزامه بحقوق الإنسان، وهناك حدثان في فترات الديمقراطية وليس النظم العسكرية تدلان على ضعف الالتزام بهذين الحقين هما: حل الحزب الشيوعي السوداني 1968 ومحاكمة الردة الأولى على الأستاذ محمود محمد طه والتي اكملها النميري والترابي والمكاشفي بإعدام الأستاذ محمود في عام 1985، اما النظم الشمولية فقد أطلقت العدوانية المستترة في الشخصية السودانية. فقد صعد نظام عبود الحرب في الجنوب وتسربت خطط لابادة الجنوبيين أو على الأقل شائعات تقول بأن بعض قادة النظام يتبنون فكرة (حرق الجنوب) كما عرف نظام عبود حادثة التعذيب الأولى ضد سياسي (حادثة حسنين في الأبيض). اما نظام النميري فقد بدأ بالحسم الثورة وانتهى بمحاكمة الردة والنظام العام، مروراً بقصف الأنصار في الجزيرة أبا ثم القتل الجماعي للقيادات الشيوعية 1971 واعدامات عناصر الجبهة الوطنية المعارضة عام 1976 وما بعدها.

تمثل وضعية المرأة خللاً في الإيمان بحقوق الإنسان في السودان فقد تمتعت المرأة السودانية ببعض الحقوق السياسية والاقتصادية مثل حق التصويت والترشيح وتقلد مناصب ما زالت محرمة في كثير من الدول العربية والاسلامية مثل القضاء والشرطة والدبلوماسية. كما انجزت حق الأجر المتساوي لنفس العمل. ولكن ما زالت قوانين الأحوال الشخصية ناقصة وغير مواكبة للتطور الاجتماعي للمرأة. وتعاني الاناث من حرمان الحق في الجسد بدءً من الختان والذي يعتبر جسد المرأة ملكاً للجماعة والتقاليد والاعراف. يضاف إلى ذلك مخاطر الاغتصاب والتحرش الجنسي والزواج المبكر. كذلك الفهم الخاطئ لرخصة تعدد الزوجات، رغم أن الدين اشترط بوضوح قاطع العدل وهو صعب. ولكن الاستثناء أصبح هو القاعدة حسب تفسير الطبقة الطفيلية الجديدة الباحثة عن الملذات وعلى رأسها الحسية. ومن المفارقة أن يزداد التعدد في السودان في بداية القرن الحادي والعشرين ولم يكن الأمر كذلك قبل نصف قرن.

أما مجال حقوق الطفل يعاني من القصور، خاصة مع ظاهرة أطفال الحرب الأهلية والذين يفتقدون ابسط الحقوق مثل التعليم والسكن والعلاج والمياه النقية والطعام. ويفتقد الأطفال عموماً في السودان حق التعليم المجاني والالزامى على الأقل حتى الابتدائية. كذلك ما زال العقاب البدني يمارس في المدارس والخلاوي، وهذا اعتداء على أجساد ونفوس الصغار، فهذا العقاب مهين خاصة الصفع على الوجه والجلد أمام الآخرين. كما أن التعليم العالي الخاص يقلص من الفرص المتساوية التي تقرها مبادئ حقوق الإنسان، وأخيراً، الحق في العمل بعد التخرج بلا انحيازات للانتماءات الآيديولوجية أو أسرية.

يبقى موقف السودانيين من الأقليات غير العربية، إذ ما زالت رواسب فترة تجارة الرق باقية لدى البعض في الثقافة السودانية رغم انتهاء العبودية في العلاقات الاجتماعية - الاقتصادية. فالكثير من السودانيين يتداول كلمة (عبد) أو (فيه عرق) بعفوية وكأنها وقائع رغم كل الامتزاج الذي حدث تاريخياً في اعراق السودانيين. والغريب هو أن هذه المصطلحات تسربت إلى الاجيال الشابة ويفترض فيها الحداثة. هذا الموقف يمثل مقتلاً في وقوفنا إلى جانب حقوق الإنسان، وهناك من يعمل في منظمات مجتمع مدني داعية للمساواة ويستخدم ايضاً هذه المصطلحات.

تحتاج ثقافة حقوق الإنسان في السودان إلى قدر كبير من الاهتمام الرسمي والشعبي. وعلى رأس المطالب لتحقيق ذلك أن تجد مكانها في النظام التعليمي ضمن المناهج وفي مقررات خاصة بالمواطنة والحقوق والانتماء القومي والإنساني. ثم يأتي دور أجهزة الإعلام بكل اشكالها وأن تبادر الحكومة بابراز ذلك في التلفزيون والإذاعة، كما أن الإعلام الجماهيري مطالب بالتعامل مع قيم حقوق الإنسان بصورة مباشرة وغير مباشرة. ويتعاظم دور منظمات المجتمع المدني وهي مطالبة بعدم الاقتصار على دور المدافعة (advocacy) بل التثقيف والفكر والإبداع.

شارك المقال

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

اقرأ أيضاً

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟