هذا هو وضع الإنسان الشمالي المستعرب على مستوى الفكر والنظر، ولكن في منتصف سبعينيات القرن الماضي مع الفورة النفطية والأزمة الاقتصادية في السودان، تعرض السودانيون إلى تجربة هجرة واسعة للخليج والجزيرة العربية. وكان في هذه الهجرة، الاختبار الحقيقي لـ»أصالة»عروبتهم، من خلال الاحتكاك المباشر ببقية العرب. إذ اكتشف السودانيون المستعربون الشماليون، أنهم هناك في نفس موقع الجنوبي والنوباوي والغرباوي في سلم الترتيب العرقي، الذي يطبقونه داخل السودان. وأربكته، مثلا، صدمة أن صفة»عبد»التي يطلقها ببساطة في بلاده يمكن أن تطلق عليه بنفس السهولة في المهاجر. ورغم أن المغتربين العاديين لم يسجلوا انطباعتهم كتابة، ولكنهم قالوها وعاشوها.
ولكن فعل ذلك بعض المثقفين السودانيين. وأورد هنا، مثالا لمثقف، واكاديمي مرموق، سجل بعضا من تجربته، حيث يقول في استبيان منشور: «ذهبت إلى السعودية ورفضت كعربي من الوهلة الأولى. كان يقال لي دائما: أنت أفريقي، برغم تحدثك العربية. أعلن اسلامك واذهب إلى الجامع. ومازلت . . . أفريقيا». (مرجع سابق: صراع الرؤى، ص406) وفي نفس الاستبيان يقول أكاديمي آخر: «يدرك السودانيون أكثر واكثر بأنهم يختلفون عن العرب، خاصة من ذهب إلى الخليج من امثالنا. يعود السودانيون مدركين جدا بأنهم مختلفون. بالطبع يستفيدون من، ويرغبون في الانتماء للعرب، لأنه بدون ذلك ربما لا يسمح لهم بالاقامة، ولكن في داخلهم يشعرون بأنهم مختلفون (. . . .
) ويجدون، بأنهم مختلفون تماما عنهم، ليس فقط عرقيا بل ثقافيا واجتماعيا. ولدى عودتهم للسودان لا اعتقد بأنهم سوف يرغبون في الانتماء للعرب». (ص406). ووضح الجنوبي السوداني، سايمون الذي عمل أيضا في الخليج:»قضيت أربع سنوات في الخليج وتجولت فيه. نحن السودانيين في الخليج لا نعتبر عربا. فكيف يجوز لنا العودة للبلاد والتظاهر بأننا عرب؟ » وضمن العام الذي يشبه الخاص، احكي لابد أن احكي. إذ على المستوى الشخصي، ورغم اندماجي العروبي الصادق، فكرا وفعلا، مررت بتجارب تعيسة للغاية وعلى مستوى النخبة العربية. ففي عام 98/1999 تم اختياري كأمين عام للجمعية العربية لعلم الاجتماع، ونزل الأمر كالصاعقة على أصدقاء من دولة شقيقة جدا.
وهم أصدقاء حقيقيون ليّ ولكن لم يستطعوا بلع الفكرة، واضطررت للاستقالة في نفس العام، فاقدا الموقع والأصدقاء معا. ولديّ قائمة سوداء ببعض الدول العربية، ارفض زيارتها . فقد عملت في بعض جامعاتها لمدة أربعة أو خمسة شهور مع أن العقد لسنوات. باختصار، تجارب السودانيين في الدول العربية عموما محزنة، ولا تصدقوا المجاملات والابتسامات.
وقد أدرك الجنوبيون هذا المأزق العروبي الذي يعيشه الشماليون، لذلك يطالبونهم بالواقعية وعدم
التعالي، ومحاولة الهيمنة عليهم. ويقول الزعيم جون قرنق، في خطاب له في اجتماع بكوكادام في مارس 1986: «أن قضيتنا الرئيسية تتمثل في أن السودان ظل ومازال يبحث عن ذاته، وعن هويته الحقيقية. ولفشلهم في معرفة ذاتهم يلجأ السودانيون إلى العروبة، وبفشلهم في ذلك أيضا يلجأون إلى الإسلام كعامل جامع وموحّد. ويصاب الآخرون بالاحباط وخيبة الأمل لدى فشلهم في فهم أن يتحولوا إلى العرب. بينما اراد لهم الخالق غيرذلك، وعندها يلجأون إلى الانفصال. وداخل كل هذا يسود كثير من الغموض والتحريف لخدمة مصالح طائفية متباينة. ليس هناك وضوح قاطع في أمر هويتنا، نحتاج إلى التخلص من التشرذم والنظر بعمق داخل بلادنا. «
وهناك شبه اجماع بين الجنوبيين وبعض الشماليين، حول التحريف والتشويه الذي حدث للهوية التي تم تركيبها بحيث تكون هوية مهيمنة تعمل على فرض نفسها على بقية السودانيين من خلال آليات بعينها. فاللغة العربية تم تسييسها، فهناك جنوبيون يجيدون اللغة العربية ولكنهم يتجنبون التحدث بها لكي لا يتماهون مع «المضطهد العربي». وقد أورد (دينق) قصة زعيم الدينكا والقائد الروحي ماكوي بيلكوي، الذي زعم أن الاله قد أمر بعدم تعلمها، لأن تعلمها يجعل منه شخصا سيئا. (ص415) ومن المعروف أن معرفة اللغة العربية من شروط الالتحاق بأي عمل في أغلب الحالات. كما ارتبطت الهوية العربية بممارسة هيمنة سياسية واقتصادية يعاد انتاجها من خلال الوراثة أو التحالفات القبلية والعشائرية.
وفي هذه العملية يتم تثبيت أفضلية العرب من بين السودانيين، رغم أنهم في الحقيقة هجين نتيجة عمليات التزاوج والتلاقح بين المجموعات المحلية والهجرات العربية. ويجتهد الشماليون من أجل التبرؤ من أي أصول أفريقية أو زنجية.
كيف يمكن تفسير هذا الاصرار على الابتعاد عن الانتماء الأفريقي؟ يعود السبب إلى تاريخ مخجل سادت فيه تجارة الرقيق التي مارسها العرب وبقية الأجانب المغامرين في أفريقيا. وقد الغيت تجارة الرقيق-رسميا-في السودان، بعد الحرب العالمية الأولى عام1919 . وقد وقعت عمليات صيد الرقيق في السودان أكثر على المجموعات الزنجية وداكنة اللون وذات الشعر المجعد. كما اشتهرت بعض القبائل النيلية الوسطية المستعربة، بأنها كانت نشطة في هذه التجارة. وكانت القبائل الضعيفة عموما عرضة للقنص البشري، لذلك لجأت القبائل المستعربة بالذات إلى استخدام الشلوخ على الوجه أي الفصود والعلامات على الخدين، لتمييز كل قبيلة. وقد ساد الخوف وعدم الامان بين القبائل.
ولذلك ضخمت من البحث عن خصائص لتصنيف من هو «العبد» أو»الحر». واهتم السودانيون بهذا التصنيف كثيرا في تحديد علاقاتهم الاجتماعية وتراتبهم الاجتماعي ومكانتهم. ودرج الشماليون على تصنيف الجنوبيين، بلا تردد، في موقع»العبيد»مما يترتب عليه من تعال معلن أو مضمر. وهذا أيضا ليس من التاريخ، فالكلمة مستعملة عاديا ومما يدهشني أن الاجيال الشابة تستخدمها دون حرج كبير. وتقدم روايتيّ : (طائر الشوم) لفرانسيس دينق، و (الحنق) لشوقي بدري، وصفا حيا لهذه الوضعية. فمن الملاحظ أنه قد تم الغاء مؤسسة الرق قانونيا ورسميا ولكنها استمرت كثقافة حية يصعب انهاؤها بالقانون أو بالقوة. وغالبا ما يتخذ التزاوج بين المجموعات المختلفة، كمعيار جيد ودقيق لتحديد المكانة.
وظلت تثير اهتمامي منذ مدة، قضية عرضت على المحاكم في منتصف سبعينيات القرن الماضي أي قبل أربعة عقود. فقد حكمت المحكمة الابتدائية بالخرطوم، بعدم شرعية زواج شاب بفتاة، لأن في «دمه»بقايا رق أو عبودية. ويقال في العامية السودانية لمثل هذه الحالة «فيه عرق». وقد برر القاضي حكمه بعدم الكفاءة بين الطرفين. وفيما يلي، نموذج للغة المستخدمة في الحكم من قبل محامي أهل الفتاة: «…الاحرار الذين لم يجر الرق في أصلهم فهم أكفاء لبعضهم أن استووا في النسب، والموالي من جرى في أصلهم رق.
فمن جرى في أصله رق ليس كفئا لمن جرى في أصله الثاني رق وأصله الأول حر، اذن الموالي أنفسهم ليسوا أكفاء لبعضهم بعضا ناهيك أن يكونوا أكفاء للأحرار، وموكلته تطالب بالزواج لمن جرى في أصله الأول رق وهو مولى من أهالي نوري مركز مروي، وهي من أصل حر أما وأبا، فاذن ليس كفئا لها، والشريعة تأبى هذا الزواج» (قرار النقض نمرة 41/1973 الصادر يوم السبت 24 شعبان 1393 الموافق22/9/1973). هل نصدق أن هذا نقاش في محكمة سودانية في نهاية القرن العشرين؟ وفي بلد يمكن أن يكون موحدا وديمقراطيا؟
المكون المفترض الثاني للهوية: الإسلام
شغل الاهتمام بالهوية الجميع بعد خروج المستعمر، خاصة وقد رفع آباء الاستقلال شعار: تحرير لا تعمير. ويقع ضمن التحرير أو التحرر، التخلص من القوانين التي وضعها المستعمر. ولذلك، كان من أهم مظاهر تأكيد الهوية، وضع دستور إسلامي يكمل الوجه العربي لهويتنا. فهناك تلازم بين الإسلام والعروبة، ويصعب على السودانيين العاديين ادراك وجود عربي غير مسلم أو مسيحي عربي، حتى الأقليات المسيحية السودانية، هم جنوبيون، أو نوبة، أو اقباط والذين يطلق عليهم اسم :النقادة .وليس من المعتاد وصفهم بالعرب مثل السعوديين أو حتى الشوام الذين يتفردون في التصنيف السوداني.
بادرت مجموعة صغيرة من المتعلمين المتأثرين -بطريقة أو أخرى- بتنظيم الإخوان المسلمين المصريين، بربط الاستقلال منذ الوهلة الأولى بـ»معركة»الدستور الاسلامي، فقد تزامنت تماما ودون أي فارق زمني حملة الدعوة للدستور الاسلامي مع الاعلان الرسمي للاستقلال. ففي10-11/12/1955 وجه الإخوان المسلمون و»جماعة التبشير الاسلامي والاصلاح» الدعوة إلى الهيئات الإسلامية في السودان، لاجتماع للنظر»في أمر الدستور حتى يجئ متفقا مع ارادة الشعب السوداني المسلم ومستندا إلى كتاب الله وسنة رسوله (ص)». وقد استجاب إلى هذه الدعوة العاطفية والتي لعبت على اوتار العواطف الدينية، اعدادا كبيرة من أعضاء الأحزاب السياسسية والجمعيات الخيرية والطوعية والأندية والجماعات الثقافية.
وتكونت جبهة الدستور الاسلامي، وبينت أهدافها كما وردت في المذكرة التي صاغها الشيخ حسن مدثر، قاضي قضاة السودان في 18/11/1956، كما يلي: -» أن القوانين التي سنها المستعمرون - وهم ليسوا بمسلمين- أباحت ضروبا من المعاصي التي حرمّها الإسلام، وقد فرضوها بما لهم من سلطان وقتئذٍ وهي قوانين لا ترعى عقيدة الأمة وتقاليدها، ولئن اكره الناس على الاذعان لها في الماضي، فليس ثمة ما يسوغ قبولها بعد زوال الحكم الأجنبي ويتعين على أهل السودان - وسوادهم الأعظم يدين بالاسلام- أن يضعوا دستورا اسلاميا وأن يتخذوا القوانين التي تحمي عقيدتهم وتقاليدهم العربية الاصيلة».
وأصبحت هذه المذكرة هي»مانيفستو»الأحزاب الطائفية المهيمنة والحركة الإسلاموية منذ الاستقلال وحتى اليوم. وقد حملت في احشائها كل بذور الشقاق والنزاعات التي ابتلي بها الوطن. فهي قد حددت «الهوية» في العروبة الاصيلة والاسلام الذي يدين به سواد السودانيين الأعظم. وهنا مقتل هذه الآيديولوجية: فأين موقع من هم خارج هذا «السواد الأعظم»من المواطنين مهما كان عددهم ووزنهم السكاني؟ ومن هنا كانت بداية التهميش والاقصاء التي عانت منها قطاعات كبيرة من الشعب السوداني. فقد أبعد أهل المذكرة حق المواطنة، وحلت محله العقيدة الدينية والتقاليد «العربية الاصيلة».
وادخلت الحركة الإسلاموية كل العمل السياسي السوداني في نفق مظلم وحصرت كل الاهتمام في قضية الدستور الاسلامي: ما بين مؤيد ومعارض ومحايد وتوفيقي. وحتى الحزب الشيوعي لم يكن استثناءا في هذا المأزق، لذلك كان على القيادي الشيوعي الرشيد نايل المحامي أن يدبج كراسة بعنوان: الدستور الاسلامي. ولم يجد البرلمان المنتخب الوقت لكي يناقش حفر الآبار في مناطق العطش في غرب السودان، ولا الأمراض الاستوائية المستوطنة في الجنوب، ولا المجاعات الموسمية في الشرق. ورغم أن الإسلامويين لم يكونوا أغلبية في البرلمان ولكن مثلوا قوة ضغط بطرحهم للموضوع الذي يخاطب العاطفة الجماهيرية ويلبي شوق النخبة الباحثة عن ذاتها.
وكانت الأحزاب الطائفية التقليدية قد تبنت فكرة الدستور الاسلامي بعد أن أجبرتها حملة الدعوة للدستور على ذلك. بل لقد اعطتها مسودة برنامج، وهي التي دخلت السياسة معتمدة على الولاء والطاعة. ومن الواضح أن النخبة السودانية لم تحسن اختيار اولويات سودان ما بعد الاستقلال. كما أن السودان حديث الاستقلال، قد سلك طريقا خاطئا. فهو لم يتجه نحو التنمية والوحدة الوطنية، بل غرق في جدل إسلامية الدولة والدستور الاسلامي. وهذه قضية غير شعبية في حقيقتها، أي لا يفهم فيها المواطن العادي كثيرا، ولكن تزييف الوعي يفعل فعله. ولا يراد له أن يفهم، إذ يكفي حشد الجماهير لمواكب ترفع شعار: تطبيق شرع الله.
ومن أهم وأخطر تطورات الإسلام السوداني المتميز بغلبة الطابع الصوفي المتسامح، تسرب التعصب والعنف الذي يميز الإسلام السياسي ممثلا في الإخوان المسلمين، إلى الحياة السياسية السودانية. ويعود ذلك إلى صراع جماعات الإسلام السياسي المحموم حول السلطة السياسية، واستخدام كل الأساليب للوصول اليها سلميا أو الاستيلاء عليها بالقوة. وعرف السودان حديث الاستقلال، الانقسامية والتشرذم والانشقاق، خلافا للوحدة الوطنية التي عرفها خلال مقاومة الاستعمار. ومن مظاهر التعصب التي فاقمت الصراع، قرار حل الحزب الشيوعي السوداني، وطرد نوابه الاحد عشر من البرلمان عام1965، بعد أن هندس الإخوان المسلمون حادثة طالب معهد المعلمين تحت دعوى الإساءة لنساء النبي.
ورغم عدم دستورية القرار وعدم منطقيته ديمقراطيا. لأن نوابا يطردون من البرلمان، نوابا مثلهم لم ينتخبوهم لكي يسحبوا الثقة منهم. وتربص الحزب الشيوعي بالبرلمان والأحزاب، حتى أطاح بالجميع في انقلاب25 مايو/آيار1969 . ومن ناحية أخرى، كان الإخوان المسلمون خلف ملاحقة الأستاذ محمود محمد طه بتهمة الرّدة منذ عام1968، ومنذ ذلك الوقت، بدأت الحملة من محاكم تفتيش نصبها بعض أساتذة الجامعة الإسلامية ورجال الانتهاء، حتى اكتملت بإقناع الرئيس جعفر النميري بإعدام الأستاذ محمود في18 كانون الثاني/يناير1985، ويعد الحدثان: حل الحزب الشيوعي السوداني واعدام الأستاذ محمود محمد طه، من أخطر حلقات التآمر على الديمقراطية والوحدة الوطنية في السودان.
وللمفارقة تعتبر الحركة الإسلاموية السودانية، هذين الحدثين أهم إنجازين في تاريخ الحركة. باعتبار أن الأول أزال أكبر عقبة سياسية وشعبية في طريق مشروع الدستور الاسلامي. أما الثاني، فقد خلصهم من العقبة الفكرية، فقد كان الأستاذ محمود ناقدا عميقا وقادرا على فضح المشروع من داخل الفكر الاسلامي نفسه.
وبعد أربع سنوات من هذه المؤامرة الكبرى الأخيرة، كان الطريق قد تمهد لاستيلاء الإسلامويين على السلطة بالقوة عن طريق الانقلاب، معلنين رسميا شهادة وفاة لمشروع قيام سودان ديمقراطي، موحد، ومتعدد الثقافات، يسع للجميع: مسلمون وغير مسلمين. وأعلن الإسلامويون عما أسموه: المشروع الحضاري الاسلامي، والذي تم تدشينه أو تعميده بالدم: إعلان الجهاد ضد الجنوبيين المتمردين. وفتح الإسلامويون أبواب الجنان لـ»شهدائهم» في الجنوب، حيث كان يقام عرس الشهيد ويبرم الشيخ حسن الترابي شخصيا عقود قران الشهداء مع بنات الحور في الجنة! ولكن الجهاد أوصلهم إلى نيفاشا وليس إلى الجنة، حيث عقدت اتفاقية السلام الشامل، تحت ضغوط خارجية، أقوى من الإرادة الوطنية السودانية .
وتعامل الإسلامويون مع الاتفاقية باعتبارها محاولة خبيثة لتفكيك النظام سلميا. ولذلك، تعاملوا ضد روح الاتفاقية: تحقيق السلام . وحاولوا الاستفادة من الفترة الانتقالية لتحقيق المزيد من المكاسب الحزبية أو حسب لغتهم: التمكين . ودخل الشريك الأكبر -حزب المؤتمر الوطني، مصفي ووريث الحركة الإسلاموية، في مسلسل المناورات والتآمر والتسويف، لتعطيل نفس الاتفاق الذي وقعه أمام العالم. وهكذا أوصلنا نقض العهود ومحاولة توظيف الاتفاقية من أجل مزيد من التمكين، إلى حافة الهاوية أوالوضع الخطرالذي يعيشه السودان الآن.
وباختصار، يتحمل الإسلامويون وحلفاؤهم من دعاة الدستور الاسلامي وكل سدنة المشروع الحضاري الاسلامي - بما في ذلك المنقسمون عنهم -المسؤولية التاريخية والأخلاقية، لانفصال الجنوب القادم. فقد فرضوا على السودان منذ الاستقلال الدخول في نفق مظلم ليبحثوا عن قطة سوداء. وهكذا أضاعوا علينا أكثر من نصف قرن من عمر الاستقلال، شاغلين الناس بقضية هامشية: الدستور الاسلامي. لأن هذه القضية، لا تصيب الهدف المركزي والمصيري للاستقلال: التنمية الشاملة، المستقلة، والعادلة، والمحققة للوحدة والتنوع في وطن واحد.
كشف حكم الإسلامويين عجزهم عن إيجاد حل سلمي لمشكلة التنوع الاثني في السودان. ولكن الفشل-الفضيحة، كان في سفورتفرقتهم العنصرية من خلال العودة للقبلية واثننة الصراع السياسي، وظهر ذلك جليا في أزمة دارفور. حين سلكوا طريق ثقافة العامة في التمييز بين «أولاد العرب» والزرقة، تقرأ العبيد. في البداية، ظهرت، داخل الحركة الإسلامية، صعوبة التزاوج بين «العرب» واولاد الغرب مثلا، رغم كسبهم الديني والحزبي. وقد تدخلت القيادة في حالات كثيرة، لفرض زيجات «مختلطة». هذا وقد واجه المسلمون -تاريخيا- معضلة القدرةعلى مساواة المسلمين غير العرب. رغم أن الإسلام كنص وموعظة اخلاقية، كان واضحا: لافضل لعربي على عجمي الا بالتقوى. ولكن الواقع والممارسة، خالفت تعاليم الإسلام .
ففي حديث رواه ابن عساكر: «جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سليمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي. فقال: اما هذا الحي من قريش فإنه لايستغرب أن يناصروا هذا الرجل (يعني النبي)، وأم هؤلاء فماذا يفعلون؟ (يعني العجم). فسمع ذلك معاذ بن جبل فأخذ بتلابيب قيس، ثم جاء يخبر رسول الله (ص). فأمر رسول الله أن ينادي للصلاة جامعة، ولما اجتمع الناس وقف خطيبا، فقال: «أيها الناس أن أباكم واحد وأن ربكم واحد وليست العربية لأحد منكم بأب ولا أم، انما هي اللسان. «وفي رواية: انما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي. «
نُشر أولاً في صحيفة الصحافة.
ليصلك جديد الموقع
نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

