حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية

المقالات

خسرنا الجنوب ولم نكسب العرب (3-3)

· نُشر في الراكوبة

من المعلوم، أن الإسلام لم يلغ الرق تماما، واكتفى بتجفيف منابعه من خلال العتق. كما أوصى بحسن المعاملة. ولم تتعب الحركة الإسلاموية السودانية نفسها، وتجتهد في إيجاد حلول للسودان. وذلك، لأن رواسب العبودية موجودة وحية تظهر عند الضرورة في منتهى قوتها. وهنا يخضع الإسلامويون والشيوعيون لقواعد الثقافة الشعبية التي استبقت العبودية في علاقاتها. فهناك، مقولة يرددها الشيوعيون كطرفة، ولكنها في حقيقتها موقف ونظرة: العبد عبد، والمرأة مرأة! فهذه ثوابت اجتماعية سودانية تتحدى كل تحليل طبقي أو حركة تاريخ أو دين مساواتي. وقد جاء الاجتهاد الوحيد عن الرق، من الأستاذ محمود محمد طه ولكنه لم يزد عن رفع شعار: - الرق ليس أصلا في الإسلام.

(كتاب: الرسالة الثانية من الإسلام. الطبعة السادسة، 1986، ص124). ولم يذهب بعيدا حين قال: «لم يكن من الممكن أن يبطل التشريع نظام الرق، بجرة قلم، تمشيا مع الأصل المطلوب في الدين، وإنما تقتضي حاجة الأفراد المسترقين، ثم حاجة المجتمع، الاجتماعية، والاقتصادية، بالإبقاء على هذا النظام، مع العمل المستمر على تطويره، حتى يخرج كل مسترق، من ربقة الرق، إلى باحة الحرية». (ص4-125). وفي النهاية، يكتفي بضرورة حسن المعاملة. ومن الظاهر، أن كل محاولات التجديد والاجتهاد، لم تصمد أمام ثقل الواقع السوداني، والاسلامي عموما، المتمسك بثقافة العبودية، سواءا في عقله الباطن، أو في علاقاته الاجتماعية الجادة والمؤثرة.

وحاول (عون الشريف) الاسلامي المستقل، تجاوز هذا المأزق بالحديث عن «قومية إسلامية» وليس ديناً اسلامياً فقط، والفكرة تقوم على عملية التذويب للعناصر أو تعايشها حسب إسلامها المشترك، إذ يقول:- «ومن هنا يصح الحديث عن القومية الإسلامية التي تحقق للمجموعة المحلية، التوحد في إطار مواصفاتها الجغرافية والثقافية والبشرية، فتكتسب الوحدة الوطنية في إطار إسلامها. ومعنى ذلك، أن الإسلام لا يلغي شخصيات الشعوب ولا يحارب موروثها الإنساني ومعطيات تاريخها وحضارتها، الا حين يصادم ذلك تعاليمه الأساسية في وحدانية الله ووحدة البشر وكرامة الإنسان». (مجلة الثقافة السودانية، أغسطس، 1995، ص36).

عبّر علي الحاج، وهو قيادي إسلامي بارز، ولكنه ينتمي إلى مجموعة لا تعول كثيرا على ادعاء العروبة الخالصة، عن البحث عن الحل في الجمع بين الانتماءوالتباين في علاقة جدلية، حين قال: «إذا ما قال أحد بأن السودان إسلامي أو عربي، نعتقد أن ذلك لا يمثل الوصف الصحيح لهويتنا في واقع الأمر، نحن أفارقة في السودان، ولكنّا لا نشبه الأفريقيين الآخرين، لسنا أفارقة في غرب أو شرق أفريقيا، نختلف عنهم ولكنّا أفريقيون. نعم يتحدث بعضنا العربية ولكن نختلف عن العرب. ونحن أيضا، بعضنا مسلمون، ولكنّا لا نشابه المسلمين الآخرين. وحتى إذا ما نظرنا إلى الدول العربية الأخرى أو الدول الإسلامية، نجد أن سلوك السودانيين يختلف، واعتقد أن ذلك ناتج من هوية تكونت عبر التاريخ».

(صراع الرؤى، مرجع سابق، 405) فهو، رغم أنه ملتزم ومنظم في حزب إسلامي، مسلم مختلف، وأيضا عربي مختلف، وأفريقي مختلف. وهنا يمكن أن نفهم، لماذا رفض الترابي الانضمام للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين؟ فقد تغلبت سودانيته، رغم حديثه المعلن عن الأمة الإسلامية، على إسلاميته. وكان يرى سيطرة مصرية على التنظيم. ومن ناحية أخرى، يمكن أن نفهم، لماذا حارب الاسلاموي النشط، الفوراوي، يحي بولاد، ثم خليل إبراهيم، النظام الاسلامي الذي شاركوا في قيامه؟ فالنظام الاسلامي، همّش الزغاوة والفور، ولم يغفر لهم تمسكهم بالاسلام والحركة الإسلاموية. فقد تغلبت العصبية القبلية وثقافة العبودية.

حصاد الهشيم

وأخيرا، بعد أن طلى الغراب نفسه باللون الأبيض، لم يعرف إلى أي سرب يذهب؟ هذا هو حال السودان، فقد فرّط في وحدته الوطنية، ولم ينجح في الانتماء إلى هوية مستعصية:عربية أو إسلامية. وفي السنوات الأخيرة، تعالت أصوات تقول: هل من الممكن أن نقول أننا سودانيون وكفى؟ أليس هذا تعريفا كاملا وشاملا أو جامعا مانعا، يحتوي على كل مكوناتنا، ولا يحتاج لانتساب عروبي و لا أفريقي؟ وكانت البداية في الثقافة والفن، حين صكّ أحمد الطيب زين العابدين ورفاقه، مفهوم :»السودانوية»، وهي نسخة ليست توفيقية لفكرة الغابة والصحراء. ولكنها واجهت حملة نقد، تقول بأننا نتنازل أو نخجل من هويتنا «العربية-الإسلامية» تملقا للجنوبيين.

مع أن فكرة»السودانوية» هي في الواقع، اجتهاد ثقافي لتعديل خطأ تاريخي وانحيازثقافي، سادا في الواقع السوداني. أما على المستوى السياسي، فقد جاء تأكيد الشك من الخارج، حين وقف العرب والمسلمون يتفرجون على السودان، خاصة وهو يغرق في مستنقع دارفور. فقد انحاز كثيرون إلى جانب النظام وفضلوا مبدأ: أنصر أخاك ظالما أو مظلوما. ولا يمكن أن ننسى الموقف البائس، للدكتور محمد سليم العوا، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حين زار دارفور قبل ثلاث سنوات. ثم عاد ليشرح، ماذا تعني كلمة غصب واغتصب في اللغة، لكي يقول في النهاية :إن الذي حدث في دارفور ليس هو الاغتصاب الذي نعرفه!

اما دليل الاهمال والتجاهل، فيظهر في الجانب العون الإنساني، إذ تدفقت المنظمات الإنسانية الأجنبية، إلى دارفور من بلاد «النصارى». بينما تكاد تغيب تماما، المنظمات الإسلامية والعربية، عدا استثناءات ضئيلة متفرقة. ويتكرر نفس الشئ في الجنوب، حيث يتهدد الموت جوعا حوالي 4 ملايين والنصف مليون مواطن، ولا يحرك الاشقاء الاغنياء ساكنا.

غاب العرب عن وساطات حل مشكلة الجنوب ثم دارفور. فقد كانت مصر هي الأجدر والأقدر على استضافة محادثات للسلام بدلا من كينيا. حيث كانت كل المعارضة تقيم في القاهرة، كما أن زيارات قرنق لا تنقطع لمصر. والنظام السوداني كان يلهث لتحسين علاقته مع مصر، لكي يغسل آثار محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك. ولكن مصر توقفت عند ورود عبارة تقرير المصير، وقرأتها الانفصال، وبالتالي نفضت يدها عن كل شئ، بدعوى أنها لا تريد أن تكون شاهدا أو راعيا لانفصال السودان. ولم تعد مصر تهتم كثيرا بالسودان الا في حالات اشتداد الازمات، وبالتالي يضعف الدور المصري المميز تدريجيا، ولكن بسرعة.

ويصف (صاغيّة) هذه التطورات:- « …فاذا انفصل جنوب السودان في وقت لاحق، فالمؤكد أنه سيجد ترتيبه الخاص في أفريقيا ومعها. أما في حالة استمرار الوحدة السودانية بشروط ديمقراطية وتعددية جديدة، فالواضح أن مصر لم تعد تملك الجاذب الآيديولوجي والاقتصادي الذي يبقي السودانيين في نطاقها على ما كانت الحال تقليديا. يعزز هذا التوقع ضعف الروابط التي تشد العالم العربي، من خلال مصر، إلى السودان». (حازم صاغيّة: وداع العروبة. بيروت، دار الساقي، 1999، ص168). وفي الأزمة الحالية، هناك دول عربية تتوسط، وفي نفس الوقت تقدم السلاح للمتقاتلين. ودولة أخرى، تتوسط من أجل البحث عن دور، وهي تستعرض نفسها أكثر من حرصها على إنقاذ السودان.

ومن ناحية أخرى، لا تمثل المساعدات الاقتصادية وقروض الصناديق العربية الأفريقية شيئا يذكر فيما يخص السودان. وكأنني بالسودانيين يرددون مع المتنبي: شر البلاد بلاد لا صديق بها. وبالفعل، السودانيون يعيشون في وسط بلا أصدقاء صادقين، وقد بينت في موقع سابق، وضعيتهم على مستوى العلاقات والتفاعل. وحتى الآن لا يهتم العرب بمستقبل السودان، بينما في الغرب لاتنقطع المؤتمرات، وكتابة التقارير عن السودان، ولا تتوقف الوفود وارسال المبعوثين الرسميين، ومنظمات المجتمع المدني.

تراجعت الحركات والأحزاب القومية والعروبية بشكل واضح وسط الاجيال الشابة. ورغم أن هذا الانحسار عام في المنطقة، الا أن أوضاع الحركات في القطر السوداني، تشي باندثار كامل وقريب. ولم استغرب حين أصر حزب البعث العربي على إضافة صفة سوداني إلى اسمه، لأن عربي ليست كافية للتعبير عن خصوصيته. وقد عانى حزب البعث من عدد من الانقسامات، لهذا السبب - الديقراطية بالإضافة للموقف من الديمقراطية. وتتبلور داخل الحزب رؤية جديدة أكثر محلية وقطرية، إذ يقول أحد القياديين البارزين: - «. . . في الفكر القومي لا توجد قضية قومية وأخرى غير قومية، وإنما توجد معالجة قومية لقضايا واقع الاقطار العربية المختلفة. . الخ.

وعلى هذا، فإن كل القضايا هي من منظور القوميين (قومية) بالدرجة نفسها، وبالتالي لا تستمد الحركة القومية صفتها من كونها تعطي أفضلية للقومي على القطري». (عبدالعزيز حسين الصاوي، في كتاب: حزب البعث في السودان، تحرير محمد علي جادين، الخرطوم، مركز الدراسات السودانية، 2008، ص 8-169) ورغم استعداد القوميين للتضحية - حسب قوله -في قضايا تخص فلسطين أو العراق مثلا، الا أن هذا لا يتم على حساب فعاليتهم تجاه قضايا القطر الذي ينتمون اليه. ولكن القيمة الفعلية لهذا الاستعداد ترتفع» بنسبة ادراك القوميين لأهمية صياغة وتطبيق الخط القومي الصحيح في معالجة قضايا قطرهم، لأنهم حينها سيكونون على اصطحاب الرأي العام المثقف، وكذلك الوعي والحركة الشعبيين، . . في اتجاههم.

بدون ذلك ستتضاءل القيمة الفعلية لجهودهم فوق- القطرية أو العربية»(ص169).

دخل السودان، الآن، في عزلة بيّنة، أوتفكك في علاقاته على كافة المستويات: الرسمي، والشعبي، والحزبي، ومع محيطه الاقليمي والعالمي. ويضاف إلى ذلك، وجود دولة فاشلة فقدت سيطرتها على كامل ترابها الوطني. فقد سمح النظام بنشر قوات أجنبية، مهما كانت تسميتها، فهي غير سودانية. ومن الجدير بالذكر، أن عددها اضعاف الجيوش التي تم اجلاؤها عند خروج البريطانيين من السودان. وعلى مستوى السياسات واتخاذ القرار، صار المبعوث الأمريكي يمثل دور المندوب السامي. وأصبح أمرا عاديا أن تستدعي واشنطن الشريكين الحاكمين، إلى الولايات المتحدة، للتشاور عند بروز أي خلافات. ولم يعد النظام مهتما بتوفير الخدمات، وتلبية الحاجات الأساسية لمواطنيه،.

وذلك، لأن جلّ الاموال العامة تذهب للأمن والمفاوضات والعلاقات العامة. أما الأحزاب السياسة، فهي في حالة تشرذم وانقسامات لا تنتهي. فالاحزاب، تعيش ضعفا واضحا، وفقرا في الموارد يمنعها حتى من إصدار صحف خاصة بالحزب. كذلك، وقع المجتمع المدني في نفس العيوب التقليدية للعمل العام. فقد سادت في تكوينه وحركته، الشللية، والصفوية، والاسترزاق، ولم يمتد إلى الريف والهوامش. وهذا يعني غياب ارادة وطنية تمكن السودانيين من إيجاد حلول ذاتية ومبادرات داخلية. اما الفرد السوداني، فقد اخضع لعملية «حيونة» ممنهجة، تهدف للعودة به إلى مرحلة جمع أو تدبير الطعام. كما يحرم من كل وسائل الترفيه والسعادة وتقوية الروح.

وهكذا، أصبح السودان غير قادر، وعاجزا ذاتيا، وفي نفس الوقت لا يجد من يساعده من أصدقاء، هم أصحاب «الهويات»التي انحاز السودانيون اليها، وحاولوا أن يجدوا انفسهم فيها، بلا جدوى، عند الشدّة.

نُشر أولاً في صحيفة الصحافة.

شارك المقال

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

اقرأ أيضاً

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟