حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية

المقالات

مستقبل السودان (2) : خيار النهضة أم الانهيار

· نُشر في الصحافة

إشارة: يبدو السودان وكأنه شئ أقرب إلى الوهم أو المتخيل أو اليوتوبيا أو هرم من الكلمات أو قصيدة حماسة أو إعجاب بالذات (من غيرنا..) أو عاطفة طفولية حزينة. ولكن يمكن القول بلا كبير مبالغة، أن السودان الذي في خاطرنا لم يوجد أبدا، واخشى الا يوجد في المستقبل. فنحن لا نعثر على السودان الذي يمثل حضارة واحدة شاملة وجامعة في التاريخ، ولا على دولة سودانية مركزية قوية قابضة على قلبه وأطرافه. وكذلك افتقد القومية المهيمنة، عدا متراكمات قبلية يطلق عليها خصومهم السياسيون بلا دقة مفاهيمية أو نظرية صفة المركز المسيطر أو المهمش! وقد مر السودان بالتجارب التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي ساعدت في تحويل كثير من الكيانات والتجمعات البشرية إلى تكوينات وتنظيمات أرقى سياسيا واجتماعيا.

ولكن السودان ظل بسبب عوامل ذاتية وموضوعية، راكدا أو مقاوما للتغيير، أو على الأقل بطئ الاستجابة. وقد نرجع ذلك إلى عدم الوحدة في الحضارة والدولة والقومية. ولكن يظل السؤال قائما من وجه آخر:- ولماذا لم يتوحد أصلا لكي ينجز الاستحقاقات الأخرى؟ ومن الملاحظ أن مثل هذه الأسئلة لم تشغل بال المؤرخين ثم السياسيين والاجتماعيين. فقد غلب التاريخ السردي للأحداث على تاريخ التحليل، والتاريخ السياسي على التاريخ الاجتماعي. وقد يكون هذا من أسباب عدم تعلم السودانيين من التاريخ، والذي ظل يعيد نفسه حتى بلغ بنا شكل المأساة التي نعيشها الآن. يرجع المؤرخون نهاية نبتة إلى عزلتها، خاصة بعد انقطاع علاقاتها مع مصر. إذ لم يعد ملوك كوش يتوقون إلى حكم مصر مجددا وانكفأوا داخل بلادهم، خاصة بعد أن انتقلت العاصمة من نبتة إلى مروي جنوبا في زمن اسبلتا (مري - كا - رع) خلال593-568 ق.م.

ويرى البعض أن العامل المناخي قد لعب دورا هاما في نقل العاصمة، إذ ربما حدث تغير في الأحوال الجوية. ونتج عن ذلك، قلة الامطار وصعوبة الحياة في الاخوار المحيطة بمنطقة نبتة مع زحف الصحراء على المساحات الخضراء المحدودة.(8) ومن ناحية أخرى، كانت نبتة قد اعتمدت على التجارة التي تنقلها من الجنوب وتستبدل بها بضائع من مصر. وعندما انفصلت من مصر لم تستطع أن تستمر اقتصاديا، خاصة وانها كانت ضعيفة في صناعاتها وفقيرة في مواردها الزراعية. لذلك، اتجهت أنظار حكام نبتة جنوبا، فوجدوا في المنطقة شرقي النيل وبين الشلالين الخامس والسادس، منطقة زراعية غنية :- ارض البطانة، وهي تحديدا مدينة البجراوية. وهي منطقة ذات امكانيات زراعية كبيرة، بالإضافة إلى كونها رعوية يمكن أن توفر لهم اعدادا معتبرة من الحيوانات. ولاحقا تم اكتشاف الحديد مع وجود الاخشاب أيضا، مما ساعد في تطور نسبي في صناعة الحديد.

يضاف إلى ذلك توفر طرق المواصلات، فقد اتصلت بنبتة عبر صحراء بيوضة، ومع المناطق الشرقية، بالإضافة إلى مصر عبر صحراء العتمور. وفي نفس الوقت، توسعت حركتها جنوبا حتى وصلت اقصى جنوب منطقة الجزيرة، كما ثبت ذلك من خلال وجود بعض آثارهم.(9) كان من الطبيعي أن تؤدي كل هذه العوامل إلى اهمال واندثار واحدة من أهم الحضارات المؤثرة والتي امتدت إلى خارج حدود النوبة. ولكن سقوطها يمثل إحدى الانقطاعات الحضارية التي اتسم بها تاريخ السودان منذ القدم، مما انعكس على كل التطورات اللاحقة. ومن هنا تبدأ الفرضية التي انوي العمل عليها، وهي أن السودان، بمسمياته التاريخية والحديثة والمعاصرة، افتقد التراكم والاستمرارية والتواصل، وبقي تاريخه مجرد جزر زمنية منعزلة ولا رابط بينها.

وكل حضارة قامت في السودان انتهت بانتهاء دولتها، وانقطعت امتداداتها الثقافية عدا الآثار المادية من اهرامات وجبانات، والتي يتعامل معها السكان المحليون والذين يعيشون قربها بقدر كبير من الاغتراب. ولا يفتخر الناس بانتمائهم إلى تلك الحضارة، أن لم يكن العكس، بل ينظرون اليها ببعض الاحتقار. فعلى سبيل المثال، يطلق اسم « صنب» أو صنم، على مدينة مروي الحالية، وهي صفة أو تسمية لها دلالات سالبة في الثقافة الإسلامية. فقد جاء الإسلام لتكسير الأصنام بكل ما تحمل من معان وثنية وجاهلية. وقد بقيت بعض رواسب طقوسية فقط من الحضارات السودانية القديمة حتى الآن، ولكن حدث ذلك رغم أنف العقل الواعي. اختلف المؤرخون حول بدايات مملكة مروي، إذ يرجع البعض ذلك إلى القرن الثامن قبل الميلاد حيث كانت مقرا لمملكة كوش، ومع بداية القرن الثالث قبل الميلاد بدأت مروي تكتسب أهمية أكثر لتصبح مركزا رئيسيا قي البلاد بسبب دفن الحكام في مقابر ملكية بها والغاء عادة دفنهم في المقابر القريبة من نبتة.(10) ولكن أحد المؤرخين يقول:»يكاد المؤرخون يجمعون على أن نقل العاصمة من مدينة نبتة إلى مدينة مروي قد تم في زمن الملك اسبلتا (593-568 ق.م.)، بينما استمر تقليد تتويج الملوك في نبتة، كما استمرت نبتة تقوم بدورها كمركز ديني هام (....) واستمرت نبتة تقوم بدورها كمستقر لملوك مروي حتى زمن أركك-أماني 295-275 ق.م.

الذي انتقل بمقبرته ليدفن في مروي (البجراوية.»(11) وتزامنت فترة قيام مروي هذه مع تصاعد نفوذ البطالمة في المنطقة على حساب الإمبراطورية الفارسية. وقد تمكن الإسكندر الأكبر من فتح مصر في حوالي عام 2-331 ق.م. وطورت مروي علاقاتها مع الملوك البطالمة، الذين خلفوا الإسكندر في مصر، ووصلوا جنوب الشلال الأول حتى حوالي 80 ميلا. ولكن كان اهتمام الإغريق أكثر بالبحر الأبيض المتوسط والمناطق الساحلية. ومع تنامي سيطرة الرومان على مصر، بدأت مروي في التعامل مع السادة الجدد. وتقول المصادر إنه في 29 ق.م. وقع الوالي الروماني (كورينليوس جالوس) معاهدة مع رسل الملوك المرويين على أن تصبح كل النوبة السفلى تحت حماية الرومان، وفي نفس الوقت تبقي جزءا من مملكة مروي.(12) ومن الواضح أن هذه الاتفاقية قبلت تحت ضغط قوي، لذلك كان حكام مروي ينتظرون فرصة الانقلاب عليها.

ومع ضعف الحكم الروماني في الشرق الأدنى، تمكن المرويون من اجلاء الرومان. ففي عام24 ق.م. تمكنت حملة بقيادة الملك ترتقاس وزوجته أماني - ريناس (والتي لقبتها المصادر الكلاسيكية بالكنداكة وهي تعني الملكة الحاكمة أو الملكة الام)، من التقدم حتى بلدة دكة بمنطقة النوبة السفلى المصرية. واستطاعوا لاحقا التقدم شمالا وهزموا الحامية الرومانية التي كانت ترابط في منطقة الشلال الأول.(13) تهتم هذه الدراسة بموضوع الاستقرار والاستمرارية، لذلك نلاحظ أن (مروي) ذات الامكانات الهائلة لصناعة الحضارة وبناء الدولة لم تستقر طويلا. فقد تواصلت حروبها مع الرومان، ولم يدم انتصارالمرويين طويلا، فقد قام الوالي الروماني جايوس بترونيوس بهزيمتهم، واستولى على نبتة. وتقول المصادر:-»...

وبالتدريج تلاشي النفوذ المروي عن بلاد النوبة وهجرت مدن وقرى مروية كثيرة ولم يعثر الا على اعداد قليلة من المقابر المروية.»(14) ويقول (امري) بعد الهزيمة الثانية للمرويين :- «... الا أن سلطتهم تلاشت بالتدريج. وأقفرت المدن والمستعمرات التي لم تخرب أثناء المعركة وأصبحت مناطق كثيرة غير آهلة بالسكان. ففي مراكز مهمة للحضارة المروية مثل (كارانوج) لم يتبق الا ما يرجع إلى الجزء الأول من القرن الأول.»(15) ويتحدث كثير من المؤرخين والآثاريين عن عدم وجود ما يشير إلى وجود سكن دائم في بلاد النوبة في تلك الحقبة. ولكن مروي عاشت عزلة مميتة عن العالم الخارجي، وبقيت هدفا لهجمات من نوبة الجنوب الغربي، والبجة من الشرق.

وفي هذا الأثناء قامت مملكة اكسوم الحبشية، وقام الملك (عيزانا) بحملة حاسمة على مروي في عام325 م. وشهدت البلاد فترة من الغموض والتدهور، وهذا ما حدا بالمؤرخين أن يطلقوا عليه:» عصر المجموعة المجهولة» (حسب الآثاري رايزنر) أو»حضارة بالانة وقسطل «(حسب ايمري). فقد انتهزت الشعوب البدوية الضاربة في الصحاري المجاورة لحوض النيل، فرصة ضعف مملكة مروي، فاتجهوا نحو وادي النيل واستقروا هناك. وهي تقع زمنيا في الفترة ما بين عصر النوبة الرومانية ودخول المسيحية بلاد النوبة. اما من الناحية العنصرية، فيرى البعض انتماءهم إلى خليط من العناصر قريبة الشبه من المرويين مع غلبة العنصر الزنجي لديهم. ويسمي البعض هذه المجموعة العرقية ب» البلميين».

(16) كما ورد اسم»النوباتيين» في الكتابات الرومانية. ووقعت النوبة في حالة من الفوضى والاضطراب وانقسمت إلى كيانات عديدة متنافرة. كانت هذه فترة بروز الديانة المسيحية والتي تعرضت للاضطهاد والملاحقة من قبل الاباطرة الرومان في مصر. وهذا هو سبب انتشارها المبكر بين المصريين، فقد كانت أقرب إلى النزعة الوطنية منها إلى التدين. وأخيرا اعلن الامبراطور ثيودوسيوس المسيحية كديانة رسمية في 380 م، وبعد 8 أعوام أصدر مرسوما يقضي بتحريم الديانات الوثنية في جميع أنحاء الإمبراطورية. وقد أمر بإغلاق المعابد في مصر والنوبة بما في ذلك معبد فيلة الهام، وهذا القرار اثار حفيظة البليميين والنوباطيين، وتسبب في وحدتهم للدفاع عن دينهم، فقاموا بمهاجمة اديرة المسيحيين في واحة الخارجة.(17) وبعد أن صارت المسيحية الدين الرسمي للدولة، فكر حكام روما في التعامل مع مشكلة النوبة التي مثلت عقبة أمام انتشار المسيحية جنوبا.

وكانت مملكة أكسوم قد اعتنقت المسيحية، مما جعل بلاد النوبة محاطة بالمسيحيين. وشهد القرن الخامس صراعا متواصلا بين البلميين والنوباتيين مع الرومان، فقد تواصلت الغارات على الكنائس والاديرة تواجهها العمليات العسكرية الرومانية. وهزمهم القائد الروماني ماكسيمينوس بعد عدة معارك عام 451م، وعقد معهم معاهدة تنص على هدنة لمدة 100عام. وبعد فترة عاود البلميون الاعتداء على المسيحيين، بينما كان حلفاؤهم النوباتيون قد اعتنقوا المسيحية. واستعان الامبراطور جستنيان بملك نوباتي اسمه (سلكو) والذي تحمل عبء طرد البلميين من وادي النيل نهائيا بعد معارك عديدة في عام 530 م. وهكذا زالت العقبة التي كانت تقف في طريق تقدم المسيحية جنوبا، وأصبحت بلاد النوبة مهيأة لانتشار المسيحية.

وارسلت الامبراطورة ثيودورا البعثات التبشيرية في عام540 م. وهو الذي يؤرخ به بعض المؤرخين كبداية للحقبة المسيحية في بلاد السودان أو النوبة القديمة.

شارك المقال

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

اقرأ أيضاً

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟