من المعلوم أن الدين يعتبر من العوامل القوية في ترسيخ الوحدة الوطنية، خاصة عندما لا يتم استغلاله وتوظيفه لتحقيق اهداف سياسية وامتيازات اجتماعية واقتصادية. وكان من المفترض أن تقوم المسيحية بهذا الدور في السودان أي أن تصعد بالسودانيين فوق عوامل التشتت والانشقاقية والانشطارية التي ميزت وجودهم طول التاريخ السابق. ولكن لسخرية التاريخ، صارت المسيحية من عوامل الخلافات والصراعات الحادة في علاقات المجموعات السودانية. فقد كانت بلاد النوبة جزءا من الصراع المذهبي الذي مزق الكنيسة حول طبيعة المسيح: هل للمسيح طبيعتان إنسانية والهية منفصلتان أم طبيعة واحدة؟ وهنا دخلت الكنيسة المصرية التي تقول بالطبيعة الواحدة في صراع مع الامبراطور جستنيان الذي يساند القائلين بالطبيعتين.
وعقدت الكنيسة عددا من المؤتمرات التي لم تحمس القضية، حتي كان مؤتمر مجمع خلقدونية عام 451م. والذي ناصر فكرة الطبيعتين، مما يعني مساندة البابا والامبراطور لهذا المذهب. واتخذ المجمع قرارات حاسمة تكفر مسيحيّ مصر والشام. واطلق علي المجموعة التي قبلت رأي المجمع ملكانيين (اورثوذكس) وصار المذهب الرسمي. أما الآخرون فاطلق عليهم اسم اليعقوبيين (أو الوحدانيين) وقد تعرضوا للتكفير والاضطهاد. وانعكس هذا الخلاف علي عملية التبشير وطريقة دخول المسيحية الي بلاد النوبة. وانقسم النوبيون بين تبشير المذهب اليعقوبي والذي رعته الامبراطورة ثيودورا وبعثت باثنين من رجال بطريرك الكنيسة القبطية المنفي وهما: جوليان ولونجينيس. ولكن الامبراطور حاول أن يسبق هذه البعثة منعا لانتشار المذهب اليعقوبي في بلاد النوبة. ودون دخول في تفاصيل، صارت النوبة ميدانا لهذا الصراع المذهبي ولم تساعد المسيحية في غرس شعور قومي موحد.
ومن الجدير بالذكر أنه قد قامت في النوبة ثلاث ممالك علي انقاض مملكة مروي وهي:- نوباتيا من الشلال الأول الي الثالث وعاصمتها فرس، تليها المقرة وعاصمتها دنقلا العجوز وهي من الشلال الثالث الي قرب كبوشية، والثالثة هي علوة من كبوشية الي جنوب الخرطوم وعاصمتها سوبا.(19) اعتنقت نوباتيا وعلوة المذهب اليعقوبي فقد وصل جوليان أولا قبل بعثة الامبراطور الملكانية حيث وجدت ترحيبا من الملك وشعبه. يضاف الي ذلك، أن لونجينيس الذي خلف جوليان كاسقف لبلاد النوبة، ذهب الي علوة عام580م. ويقول شبيكة :-»... استجابة لطلب ملك علوة المتكرر لانهم كما يبدو كانوا في حالة فراغ روحي وترامي الي اسماعهم ما قام به المبشرون في مملكة نوباديا (نوباتيا) وأرادوا اعتناق هذا الدين الجديد ذي الحيوية بديلا عن ديانتهم الوثنية المتحجرة».(20) ويظهر أن مملكة المقرة قد اعتنقت المذهب الملكاني، وهي في كل الأحوال كانت في حالة عداء مع نوباتيا وعلوة.
وتقول بعض المصادر إن علوة تحولت لاحقا إلى المذهب اليعقوبي بسبب انقطاعها عن مصر والتي انحسر فيها نفوذ الملكانيين. ويلاحظ أن اسم مملكة نوباتيا اختفي في المصادر العربية التي كتبت عن المنطقة، وهي لا تذكر الا المقرة وسوبا مما قد يعني احتمال اندماج نوباتيا في المقرة.(21) وقد عاب المسيحية في النوبة - كما لاحظنا - كونها علاقة بين الحكام أو النخبة الحاكمة مع المبشرين أو الكنيسة . وصارت المسيحية هي الدين الرسمي أو شبه الرسمي. وجاء مقتلها من هذه النخبوية، فقد انتشرت بسهولة بين الملوك وطبقة الحكام والحاشية. أما بين عامة الناس فقد كان انتشارها بطيئا، كما وجد الناس صعوبة في فهم اللاهوت المسيحي، خاصة الجدل المذهبي بطابعه الفلسفي والغيبي.
لذلك كان دخولهم المسيحية شكليا، وهذا يفسر بقاء موروثات ثقافية فرعونية ووثنية، فقد تعايشت مع المسيحية التي لم تستطع القضاء عليها. ومن أسباب تدهور الممالك المسيحية، اعتماد التنظيم الكنسي أساسا علي كنيسة الإسكندرية أي العون الخارجي. وكانت المسيحية في السودان متصلة بالاسكندرية فقط، ولم تكن لها صلات بالكنائس الأخرى، ونتيجة لذلك عندما استولي المماليك علي مصر وطاردوا الأقباط، انقطع الاتصال نهائيا. ولم تمنح فرصة للسكان المحليين لكي يتقلدوا المناصب الدينية العليا بل حتى الصغيرة أو الدنيا. لذلك، عندما انقطع الاتصال الروحي مع الخارج، ضعفت المسيحية وانطوت علي نفسها ولم يستطع السكان المحليون القيام بالاصلاح أو التطوير.
ومن الجدير بالذكر، أن الشعائر الدينية كانت تؤدي باللغة الأجنبية ولم تستخدم لغة وطنية. وباختصار عجزت الكنيسة عن أحداث تغيير اجتماعي وثقافي عميق في الحياة السودانية. أما الأسباب المباشرة لسقوط الممالك المسيحية، فمنها تدفق العرب البدو في شكل مجموعات إلى بلاد النوبة، تبع ذلك دخول الإسلام مع مجهود التجار في نشر الإسلام وهم من انشط العناصر. كما أن البلاد شهدت نزاعا مستمرا حول السلطة بين امراء الممالك المسيحية بسبب نظام التوريث والذي كان من جهة الام. يضاف الي ذلك انتشار تجارة الرقيق بحيث انبني النظام الاقتصادي على الرق، والذي كان يستجلب بالقوة من مناطق معينة. ولكن الاغارات المتواصلة تسببت في تهديد الامن وعدم الاستقرار. ومن أهم التغييرات التي ادخلتها المجموعات العربية البدوية النظام القبلي والذي قوض دعائم الحكم المركزي. ويقول مكي شبيكة:-» كان السودان بمملكتيه في العهد المسيحي يحكم علي اساس اقليمي إذ لم تكن القبيلة بمدلولها الحالي لها وجود قبل دخول العرب في السودان، ومع وجود السلطة المركزية وعلي رأسها الملك يحكم الأقاليم ملوك صغار يدينون بالطاعة والولاء.»(22).
تعرضت المسيحية في السودان الي المواجهات الداخلية والخارجية بحكم موقعها الهامشي بعيدا عن المراكز الدينية المؤثرة في الشمال والشرق. وكان من الممكن عزلها وقطعها عن مصادرها في حالات النزاعات العدائية. وهذا ما حدث حين اهتمت الممالك الإسلامية في مصر ببلاد النوبة بسبب موقعها الاستراتيجي. ولكن أهم من ذلك، هو خصوصية المسيحية في السودان. إذ من المعروف أن الاديان عموما من العوامل الحاسمة في توحيد الدول أو الكيانات السياسية. لذلك كان من المفترض أن تقوم المسيحية في السودان، ولكنه - للمفارقة - قامت في السودان ثلاث دول مسيحية في نفس الوقت. وقد كانت هذه الدول هشة وعرضة للاطماع، خاصة حين قامت ممالك إسلامية في مصر ادركت الاهمية الاستراتيجية والتجارية لهذه البلاد.
ولكن ظل المسلمون يشكون في ارتباطاتها مع الصليبيين حين تتوتر العلاقات. وقد جرد المسلمون حملات عسكرية ذات طابع وقائي لكي يحموا ظهرهم من أي غدر أو تآمر. ظلت المسيحية في بلاد النوبة عقيدة أو ثقافة نخبوية لم تنتشر عميقا وسط الجماهير والناس العاديين، الا بمقدار ولائهم للحكام. فقد جاءت المسيحية كعبادة جديدة ولكنها ظلت غريبة وضمن النخبة إذ لم يحدث لها تمثل كامل في كلية الثقافة السائدة كما حدث للاسلام الآن. وظلت المسيحية مرتبطة بقوة بالاجانب والثقافة الأجنبية. فقد كان القساوسة وأغلب الكهنوت من المصريين ولم تكن هناك آليات لتفويض وتدوير السلطة الدينية بقصد توطينها. ولم تتطور أي مدارس دينية مستقلة حقيقية، فقد قام بهذه الوظيفة الرهبان الأقباط الذين امتلأت بهم الاديرة.
ولا تظهر الوثائق وجود معهد بالنوبة لتأهيل القسس المحليين، وكان الاساقفة يرسلهم البطريك الرومي والقبطي. ويبدو أن التعليم الديني من قبل رجال الدين الأجانب لم يجد اقبالا كبيرا لدي النوبيين الاصليين. ويضاف الي ذلك أن الكتب الدينية كانت باليونانية. وبسبب هذا الاعتماد الكامل علي مصر، فإنه مع توتر العلاقات مع الإسكندرية لأسباب سياسية، فقد توقف أي مدد جديد من رجال الدين للنوبة. وفي عهد المماليك تدنت مكانة الكنيسة القبطية في النوبة، ولم تعد تمارس أي تأثير فعال بين النوبيين. وفي الوقت لم تظهر الكنائس الأخرى أي اهتمام يذكر بهؤلاء المسيحيين «الهمجيين» أو غير المتمدنين - حسب ترمنقهام.(30) ومن الواضح أن مركز الكنيسة النوبية لم يمتد الي كل أجزاء البلاد، وبالتالي ظل الشعب في الارياف والمناطق البعيدة عن النيل جاهلا بتعاليم المسيحية.
ويمكن القول إن المسيحية في النوبة عجزت عن أن تكون دينا شعبيا، واعتمدت باستمرار علي قوة العرش الملكي وبالتالي ربطت مصيرها بوضعيته وظروفه.(31) كانت هذه هي الأسباب الذاتية المتعلقة بالكنيسة نفسها، ولكن الظروف الخارجية كانت قوية وأكثر تأثيرا في تسريع عملية انهيار المسيحية أو علي الأقل انحسارها الشامل في بلاد النوبة. فقد تصاعد النفوذ الاسلامي الآتي من الشمال، وازدادت ضغوطه علي بلاد النوبة. وتعتبر سياسة المماليك الخاصة بتعيين ملك مسلم علي النوبة من أخطر التحولات التي عرفتها البلاد، لانها من العوامل الحاسمة في سقوط مملكة النوبة المسيحية. فقد اختار السلطان الناصر، سيف الدين عبدالله برشمبو، وهو ابن أخت الملك داؤد في عام1316م، ملكا علي النوبة.
وكان الثالث في سلسلة الملوك الذين عينهم المماليك ولكنه الأول المسلم من بينهم. ودشن عهده بتحويل الكنيسة التي كانت مكونة من دورين الي مسجد في العاصمة. وهذه الخطوة فتحت الباب أمام عودة بني كنز الي الظهور، فقد صاهروا البيت النوبي وتزوجوا من بنات ملوكها ليستفيدوا من نظام التوريث الأموي. وتطلعوا الي السلطة، وشهدت المنطقة تداول الحكم بين بني كنز وحلفاء المماليك. وعرف القرن الخامس عشر موجات هجرة قبائل عربية عديدة، واختلطت بالنوبيين من أسوان الي دنقلا. وفي نفس الوقت انتشر الإسلام علي حساب المسيحية التي انحسرت كثيرا. وأصبح بنوكنز يمثلون أقوي العناصر النوبية المستعربة في بلاد النوبة، حتي نهاية دولة المماليك الثانية في مصر والشام 1517م.(32) كانت هذه نهاية مملكة النوبة المسيحية، فقد تضافرت عوامل عدة عجلت بسقوطها. وأهم هذه العوامل العزلة والانقطاع، فقد كانت الكنيسة المصرية في اسوأ حالاتها، حيث تعرض اقباط مصر لاضطهاد شديد علي يد المماليك.
لذلك، لم تجد النوبة المسيحية عونا من الشمال، ولا من المماليك المسيحية المجاورة مثل الحبشة. يضاف الي ذلك نزاع مملكة النوبة مع ملوك علوة. كما أن ملوك الأبواب، تعاونوا مع المماليك ضد ملوك النوبة. وقد عاشت المنطقة حالة من الفوضي لأن المسيحية كدين لا يمكن اجتثاثها من خلال وجود حكام مسلمين فقط علي قمة السلطة السياسية. ونقصد بذلك وجود تجمعات مبعثرة للوجود المسيحي في بلاد النوبة، وبقيت بعض الإمارات المسيحية رغم تضاؤل اعداد المسيحيين في المدن.(33) وتذكر بعض الوثائق الاثرية في منطقة ابريم وجبل ادة، ظهور مملكة صغيرة أو امارة تسمي: دوتاو باللغة النوبية، ومعناها منطقة الدو السفلي، وتقع بين الشلال الأول والشلال الثاني.
وجاء في الوثائق الاثرية أسماء ثمانية ملوك واساقفة وبعض من رجال الكنيسة الذين كانوا يلعبون دورا اساسيا في ادارة المملكة ويحملون نفس الاعباء التي نجدها في مملكة دنقلا. وهذا يوحي بأن الأسرة التي ملكت في دوتاو، فرع من الأسرة القديمة المسيحية. ويبدو أن هذه المملكة بقيت حتى عام 1484 على الأقل.(34) ومن ناحية أخرى، صارت مملكة علوة معزولة، وانقطع المسيحيون في سوبا عن التواصل مع الإسكندرية. ووجد اهل المنطقة أنفسهم في وضعية غريبة، وقد زار الرحالة الفارز والذي كان سفيرا مفوضا لدي النجاشي ملك إثيوبيا، المنطقة عام 1520م. وكتب تقريرا جاء فيه:-» أن هؤلاء النوبة ليسوا مسلمين ولا يهودا ولا مسيحيين، ويقال إنهم سبق أن كانوا مسيحيين ولكنهم ارتدوا عن دينهم بسبب معاملات رؤسائهم الرديئة والآن ليس عندهم دين.» ويقول إن أحد مرافقيه وكان قد زار المنطقة من قبل، ذكر له بعض المعلومات عن اهل هذه البلاد.
ويكتب (الفارز) في فصل آخر مستشهدا بافادة رفيقه:-» أن في بلاد النوبة مائة وخمسين كنيسة وإما الأهالي فليست مسيحيين ولا مسلمين ولا يهودا ولكنهم يرغبون في اعتناق المسيحية وكان من عادتهم بناء الكنائس داخل القصور في جميع أنحاء البلاد، وعلي جدران هذه الكنائس صور الصلبان والقديسين والسيدة مريم البتول وكلها رسوم قديمة (....) وعندما كنت اباشر السفارة في إثيوبيا وصل الي قصر الملك وفد نوبي من ستة رجال التمسوا من الملك أن يوفد اليهم بعض القساوسة والرهبان ليعلموهم مبادئ الدين المسيحي فلم يجب الملك طلبهم وإنما افهمهم أن ذلك من اختصاص البطريرك الاسكندري لأن إثيوبيا نفسها يعين لها مطران يدعي (ابون) من بلاد المسلمين (مصر) فرجع الوفد إلى بلادهم.»(35) وهذا دليل واضح على انقطاع الصلة.
لذلك كان لابد من تراجع المسيحية وانحسارها. وتزامن مع هذه العزلة تفاقم المشكلات الداخلية والصراعات السياسية. بالإضافة إلى تزايد الهجرات العربية واندماج القبائل العربية مع السكان المحليين. نواصل
ليصلك جديد الموقع
نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

