حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية

المقالات

مستقبل السودان (4) خيار النهضة أم الانهيار

· نُشر في الصحافة

الإسلام في السودان تمهيد دخل الإسلام الي السودان علي انقاض ممالك مسيحية منقسمة لم تستطع توحيد نفسها رغم اشتراكها في دين واحد، وهذا ما اضعفها وسهّل سقوطها. ولم تصمد المسيحية أمام دينامية الفاتحين والمهاجرين المسلمين المتدفقين من شبه الجزيرة العربية منطلقين الي العالم كله. ومن بين المواضع التي قصدتها العناصر الإسلامية، شمال أفريقيا وبالذات مصر ومنها كان التدفق الاسلامي الهائل نحو بلاد النوبة، فقد بدأ احتكاك وتفاعل مباشرين، بعد دخول عبدالله بن سعد بن أبي السرح الي مصر. ومن الثابت أن السودان الشرقي قد عرف الهجرات العربية منذ فترة بعيدة قبل الإسلام، فقد نزحت بعض المجموعات بسبب الصراعات القبلية أو شح الغذاء، وعبرت هذه القبائل البحر الأحمر مباشرة أو أتت من الشمال عن طريق مصر، أو من الساحل الشمالي لافريقيا. وفي هذه الأثناء، جاءت قبائل بني هلال وبني سليم وجهينة وربيعة والجعافرة وقبائل مغربية من البربر (1).ويري بعض المؤرخين أن بلاد البجا قد عرفت مبكرا قبل الإسلام هجرة الحضارمة، ثم تحولوا الي الإسلام، واطلق عليهم البجا اسم الحدراب (2).

تفاعلت بلاد النوبة، إيجابيا، مع الهجرات العربية السابقة للاسلام، لذلك كان من السهل علي القبائل والمجموعات العربية المسلمة لاحقا، أن تجد طريقها الي الممالك النوبية المسيحية منذ القرن السابع الميلادي. ومثال ذلك ما يقوله (عابدين) إن المجموعة التي تسمي :المجموعة الجعلية أو المجموعة الجعلية-الدنقلاوية، والتي سكنت السودان الشمالي، كان أثرها أقوي وأشد مقارنة بالمجموعة الجهينية الأكثر عددا. فقد تمكنت هذه المجموعة من التمازج مع السكان المحليين ونشرت الإسلام والعربية الي حد كبير (3).ومن المعلوم أن الإسلام لم يدخل السودان من خلال الغزوات والفتح العسكري، لذلك كانت عملية التحول الي الدين الاسلامي بطيئة للغاية، كما كان التدين بسيطا أقرب الي القدوة والتقليد منه الي الفكر والمعرفة العميقة. ويلاحظ (حسن):-» أن سودان وادي النيل لم يصبح بلدا مسلما الا بعد قيام السلطنات الإسلامية كالفونج والفور وتقلي. والسبب في ذلك أن الديانة المسيحية لم تمت بسقوط الكيان السياسي في مملكتيّ النوبة وعلوة، بل بقيت المسيحية في بعض مظاهرها حتي وقت متأخر. وقد ظلت الشعائر المسيحية تمارس في أقصي شمال السودان حتي اواخر القرن الخامس عشر.»(4) ظلت العلاقات بين بلاد النوبة والمسلمين في مصر متوترة باستمرار، وقد تميزت بالمناوشات وتهديد الحدود، وخطوط تجارة القوافل، خاصة بعد أن فتح المسلمون مصر علي يد عمرو بن العاص عام 20ه/641م، في عهد عمر بن الخطاب. وتواصلت محاولات إخضاع بلاد النوبة، فقد ذكرت المراجع العربية الوسيطة، أن عمرو بن العاص بعث عقبة بن نافع الفهري، وكان نافع اخا العاص لامه. فدخلت خيول المسلمين أرض النوبة، ويقول البلاذري:-»...فلقي المسلمون بالنوبة قتالا شديدا. لقد لاقوهم فرشقوهم بالنبل حتي جرح عامتهم، فانصرفوا بجراحات كثيرة وحدق مفقوءة، فسموا (أي النوبة) رماة الحدق».(5) ولم تكن المعركة حاسمة، لذلك عاد النوبيون بعد فترة وجيزة الي الاغارة علي الحدود والقوافل، وانتهت الهدنة القصيرة. اما عبدالله بن سعد بن أبي السرح، فقد استهل عهده بحملتين عاميّ20-21ه/641م و30-31ه/651م. فقد قرر أن يضع حدا لتهديدات النوبة، فجرد جيوشه الي النوبة ووصل الي دنقلا وحاصرها ورماها بالمنجنيق والذي أفزع النوبيين، فطلب الملك قليدروت الصلح. وبالفعل تم توقيع اتفاقية البقط. وهي كما يقول ابن الحكم، هدنة امان لاعهد ولا ميثاق.(6) وهي في حقيقتها أقرب الي معاهدة تجارية وسياسية بين مصر الإسلامية ومملكة دنقلا المسيحية، أو مجرد معاهدة حسن جوار تضمن حرية الحركة والتجارة بين البلدين .وهي تختلف عن كل أشكال المعاهدات الاخري التي عقدت بين المسلمين وغير المسلمين. وقد جاء في نص اتفاقية البقط ما يلي:- «....أنكم معاشر النوبة آمنين بأمان الله وأمان رسوله-صلى الله عليه وسلم- أن لا نحاربكم ولا ننصب لكم حربا ولا نغزوكم ما أقمتم علي الشرائط التي بيننا وبينكم علي أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه. وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه. وعليكم حفظ من نزل بلدكم أو يطرقه من مسلم أو معاهد حتي يخرج عنكم .وأن عليكم رد كل آبق (هارب) خرج اليكم من عبيد المسلمين حتي تردوه الي أرض الإسلام. ولا تستولوا عليه ولاتمنعوا منه. ولا تتعرضوا لمسلم قصده وجاوره الي ينصرف عنه. وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم. ولا تمنعوا منه مصليا. وعليكم كنسه واسراجه وتكرمته. وعليكم في كل سنة ثلثمائة وستون رأسا تدفعونها الي أمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب يكون فيها ذكران وإناث ليس فيها شيخ هرم ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم.

تدفعون ذلك الي والي أسوان (....) فإن أنتم آويتم عبدا لمسلم أو قتلتم مسلما أو معاهدا أو تعرضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئا من الثلثمائة رأس والستين رأسا فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وانتم علي سواء حتي يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.»(7) من الملاحظ أن المسلمين لم يلتزموا بدفع أي شئ للنوبيين في المقابل .ولكن جري العرف علي أن يقوم المسلمون بإرسال كمية من الحبوب والملابس الي النوبيين. وهذا ما يراه (مسعد) نتيجة اقتناع عبدالله بن سعد بحاجتهم اليها لفقر بلادهم، فصار هذا التقليد رسما اتبعه كل من جاء بعده من ولاة المسلمين. ويري في عدم التزام المسلمين بدفع شئ رسميا ما يوحي بإدعاء نوع من السيادة في بلاد النوبة، من وجهة نظر إسلامية. كما لم يلتزم المسلمون بالدفاع عن النوبيين إذا هاجمهم عدو خارجي .(8) وهذا شكل مختلف تماما عن المعاهدات التي ابرموها في البلدان التي فتحت عنوة. ويرجع بعض المؤرخين ذلك العهد المختلف الي فقر البلاد وسوء حالتها الاقتصادية، كما أن المسلمين لم يروا بأسا في مجاورة دولة مسيحية ليست ذات خطر، خاصة وأن المسلمين قد واجهوا في المراحل الاولي للتوسع الاسلامي مشاكل كثيرة داخلية وخارجية، رغم أن المادة الخاصة برعاية المسجد الموجود في المنطقة والاجراءات المنظمة للنشاط الاقتصادي، قد مهدت لاحقا لانتشار الموجات المهاجرة من رأوا ضرورة التفرغ لها وعدم تشتيت الجهود.(9) لم يتضمن البقط منطقة البجا، إذ لم يرد عنهم نص في المعاهدة.

ويبدو أن عبد الله بن سعد لم يعطهم أي اعتبار - كما يقول بعض المؤرخين مثل ابن عبدالحكم - لانهم لم يمثلوا خطرا علي المسلمين. ولكن البجا أغاروا علي صعيد مصر حوالي عام 725 م، فصالحهم ابن الحبحباب وكتب لهم عقدا خاصا. وقد نص العقد علي أن يدفعوا ثلثمائة من الابل الصغيرة، وعلي أن يجتازوا الريف تجارا غير مقيمين، والا يقتلوا مسلما أو ذميا وألا يأووا عبيد المسلمين، ويظل وكيلهم في الريف، رهينة في يد المسملين.(10) ولكن البجة عاودوا مهاجمة المسلمين واغاروا علي قوافلهم من جديد في منطقة أسوان، لذلك جرد عليهم الخليفة المأمون حملة بقيادة عبدالله بن الجهم سنة 841م، انتهت بعهد جديد مع رئيسهم كنون بن عبدالعزيز، ومن أهم شروطه:- أن تكون بلاد البجة من حد أسوان الي حد مبين دهلك (مصوع) وباضع (جزيرة الريح) ملكا للخليفة، وأن كنون بن عبدالعزيز وأهل بلده عبيد لأمير المؤمنين علي أن يبقي كنون ملكا عليهم. وأن يؤدي ملك البجة الخراج كل عام مائة من الابل أو300دينار لبيت المال.

أن يحترم البجة الإسلام ولايذكروه بسوء، وألا يقتلوا مسلما أو ذميا حرا أو عبدا في أرض البجة أو في مصر أو النوبة، وألا يعينوا أحدا علي المسلمين . ألا يهدموا شيئا من المساجد التي ابتناها المسلمون بصيحة وهجر. وعلي كنون أن يدخل عمال أمير المؤمنين بلاد البجة لقبض صدقات من أسلم من البجة. وهذا عقد مختلف عن البقط الذي ابرم مع النوبة، إذ يلاحظ أن بلاد البجة حتي مصوع صارت جزءا من الدولة الإسلامية، وطبقت عليها شروط البلاد المفتوحة، بدليل فرض الخراج. وفي العقد ما يدل علي وجود مسلمين في المنطقة مثل شرط عدم التعرض للمسلمين بأذي، وجمع الصدقات من المسلمين، ثم شرط حفظ المساجد القائمة. وهذا يعني دخول جماعات إسلامية لأسباب مختلفة وبطرق شتي الي بلاد البجة.(11) ظلت علاقة النوبيين مع المسلمين متوترة باستمرار مما اثّرعلي استقرار وتطور بلاد النوبة، فقد لعبت اتفاقية البقط دورا مهما في استمرار التنازع والتوتر.

وصف أحد المستشرقين المهتمين بدراسة السودان، اتفاقية البقط بأنها تثير الاهتمام؛ فالمسلمون لم يقوموا بضم بلاد النوبة وقبلوا بجوار دولة غيرمسلمة، ويقصد بذلك أنهم لم يحاولوا اسلمتها، وقد صمدت الاتفاقية لحوالي ستة قرون حتي العصر الفاطمي. ويعود هذا الي كونها عهد تعايش وتبادل تجاري، ولم تفرض جزية، فالنوبيون لم يهزموا عسكريا تماما. ويري (ترمنقهام) أن هذه الاتفاقية قد أرست أسس تجارة الرقيق والتي ستكون - حسب رأيه - من ملامح فترة الحكم اللاحقة، وهي تختلف كثيرا عن الرق أو العبودية المنزلية (12).ويري بعض الباحثين أن اتفاقية البقط كانت بالغة القسوة علي أهل النوبة، ولم تكن صيغة البقط هي الشكل الوحيد لجلب الرقيق من النوبة، فقد سمحت الاتفاقية للمسلمين بالدخول الي بلاد النوبة لشراء الرقيق، كما لا تمنعهم من القيام بانتزاع العبيد بأنفسهم بالقوة. واستمرت عملية جلب الرقيق النوبي الي جانب رقيق البقط لسنوات طويلة. ويكتب (بن عامر):-»وقد ازدهر هذا التيار التجاري، ولا سيما في عهدي الطولونيين والإخشيديين، وأصبح الصعيد المصري معبرا لهذه البضاعة الادمية، وفي هذا العصر ظهرت قضية الجلاب الذي سنجده باستمرار بعد ذلك»(13).

شارك المقال

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

اقرأ أيضاً

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟