نعمل - نحن أسرة حيدر ابراهيم - على إتاحة كتبه جميعها مجاناً للمنفعة العامة ومواصلة مشروعه التنويري. تبقى جميع الحقوق محفوظة ويمنع طبع أو نشر الكتب الا بموافقة مكتوبة.
يتساءل المرء دائماً: هل للحركات الإسلامية عامة مستقبل؟ حين نقرأ النقد الذاتي الذي يتسرب أحياناً من بعض كتاب ومنظري هذه الحركات نظن أنه لا يوجد فيها غير السلبيات والنواقص، ولكنها مع ذلك تدعي أنها أمل الأمة والقادرة على تحقيق الخلاص، يكتب عبد الله النفيسي منبها الحركة لثغرات هامة منها على سبيل المثال: غياب التفكير المنهجي ذي المدى البعيد وعدم بلورة نظرية عملية للاتصال بالجمهور، الحلقة المفقودة في التصور الإستراتيجي للحركة عدم وجود تأريخ رسمي للحركة الإسلامية، عين على الحاضر وعين على المستقبل، تجاوز العتبة الحزبية، تجاوز الصراع مع السلطة، بين الفكر والخطابة، إشكالية التنظيم كالميت أمام الغاسل1.
ويعدد الجورشي احتمالات مستقبل الحركة أمام التحديات المعاصرة إنطلاقاً من ((افتقار خطاب الحركات الإسلامية إلى الوضوح والصلابة النظرية))2. مما يدفعها إلى نهايات ثلاث: ((الانغماس في كتب التراث، تسطيح الصراع الفكري والأيديولوجي الدائر بينها وبين بقية الأطراف المختلفين معها جزئياً أو جذرياً، ليس فقط بسبب إعادة طرح كميات ضخمة من إشكاليات الماضي ولكن أيضا بالمساهمة في تغذية حرب السباب والإقصاء التي يساهم فيها الجميع. مما يكشف الدرجة التي وصلت إليها العلاقات داخل المجتمع الواحد. لا إيمان إلا بالذات (الأنا)، ولا مكان للمغايرة (أي للآخر). ((ثالثاً وعندما تضغط الأحداث وتجد الحركات الإسلامية نفسها مضطرة للتعريف ببرنامجها الإصلاحي تعمد إلى التلويح بتطبيق الشريعة))3 ويرى القرضاوي وجود خلل أساسي في الفقه السياسي للحركة بسبب الخلط بين السنة والسيرة في الاحتجاج4. ومن العوائق الذاتية التي يذكرها الغنوشي: ((غلبة الآثرة والإخلاد إلى العاجلة وضعف التوكل واستمرار الإنشاد إلى الإسلام ومواريثهم الفكرية وكان قد كتب علينا أبدا أن يظل مثلنا الأعلى خلف ظهورنا)). ويضيف ((انتشار المفاهيم الخاطئة وتفرق الصف الإسلامي، والقطيعة مع جهود السابقين ومنجزاتهم الحضارية - مسلمين أو غير مسلمين - مما يمثل عقبة فكرية ومنهجية في التعامل مع الآخر))5.
هذه نماذج قليلة لأخطاء الحركة وصعابها والتي تجعل مستقبلها محفوفاً بأخطار كثيرة ذاتية وخارجية، ولكنها مع ذلك تنتشر جماهيرياً وتمثل شبح قوة كبيرة قد تكتسح كل إنجازات الأمة العربية لو تمكنت من السلطة - كما حدث في السودان - وهي مثقلة بعيوبها ودون أن تمتلك فكراً واضحاً وبرامج دقيقة ومناهج عملية في فهم الواقع. فالحركة الإسلامية تكتسب قوتها من ضعف الآخرين أي بتراجع القوى اليسارية والتقدمية والوطنية. فهذه القوى تقف عاجزة أمام الحركات الإسلاموية وتقدم لها التنازلات المتتالية عوضاً عن أن تجمع نفسها في جبهات عريضة لوقف هذا التيار الظلامي الذي سيقضي- في حالة نجاحه - على كل ما هو إيجابي وجميل ومستقبلي في مجتمعاتنا. نحن نتعامل مع التاريخ والتجارب باستخفاف، لذلك لا نتعلم مما حدث في السودان وإيران مثلاً وكأننا ننتظر لكي يتكرر ذلك في كل بلد على حده. مواجهة الحركات الإسلاموية لا تتم من خلال القمع السياسي والفكري بل من خلال الصراع والحوار الفكري والسياسي، إلا إذا لجأت تلك القوى الظلامية إلى العنف فيصبح العنف الثوري الرادع والعنف الشرعي الضامن لبقاء واستمرار المجتمع والوطن، ضرورياً وبلا رحمة. كذلك المطلوب تغيير الأوضاع الاقتصادية - الاجتماعية بانتهاج تنمية مستقلة معتمدة على ذاتها وعادلة في توزيعها، مما يقضي على أسباب السخط والاحتجاج الذي تستغله هذه الحركات لتعمل وبالذات وسط الفقراء والمهمشين والشباب ذوي المستقبل المجهول.
صعود القوى التقدمية في الوطن العربي سيجبر هذه الحركات على تطوير خطابها وتجديد فكرها كما حدث في أمريكا اللاتينية بظهر لاهوت التحرير المرتبط بقضايا الشعب الحقيقية والذي قام بتأويل الإنجيل حسب الصراع الطبقي ورفض الاستغلال وضرورة المساواة ومشاركة الجماهير في السلطة. لذلك مستقبل الحركات الإسلاموية في الوطن العربي رهين بتقاربها من القضايا الحيوية وهذا يعني أن تكون مسائل الديمقراطية والاشتراكية والعقلانية والعلمانية من الأولويات في العمل السياسي عند هذه الجماعات وفي المجتمع المدني كله وفي التعليم والثقافة والحياة اليومية، هنا يمكن أن توجه الحركات الإسلاموية نظرها إلى الاتجاه الصحيح، وإلا ستكون ذات أفق مسدود مهما كان حجمها المتضخم وصوتها العالي والصاخب.
الهوامش
ليصلك جديد الموقع
نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.