الفصل الثاني: مضمون وآليات التنظيم الإسلاموي
نعمل - نحن أسرة حيدر ابراهيم - على إتاحة كتبه جميعها مجاناً للمنفعة العامة ومواصلة مشروعه التنويري. تبقى جميع الحقوق محفوظة ويمنع طبع أو نشر الكتب الا بموافقة مكتوبة.
الخطاب الإسلاموي
الخطاب الإسلاموي وتزييف الوعي
مضمون الخطاب الاسلاموي
التطور الفكري للحركة
الخطاب الإسلاموي وصدمة الواقع.
- الإسلامويون والديمقراطية.
- الاقتصاد.
- الجنوب والتعددية الثقافية.
- الموقف من القومية.
رغم أن بداية مواجهة أي حركة سياسية تستهل بالقدرة على فهم وتصنيف وتحليل هذه الحركة أيديولوجياً وسياسياً ونفسياً وإجتماعياً إلا أن القوى السياسية السودانية في حالة تناول الحركة الإسلاموية لم تعمل بجدية وعمق على كشف أكثر الحركات خطورة على السودان كوطن ووجود وإنسان. حتى المحاولات القليلة التي قام بها الشيوعيون والجمهوريون تمكن الإسلامويون من تفريغها من مضمونها بآليات تجيدها الحركة الإسلاموية.
ففي أي تصنيف أو تعريف نلجأ إلى المفهمة والاصطلاح لتحديد الموصوف لغة. فالمفاهيم تجريد ذهني لموجود عياني ملاحظ. لذلك يساعد استعمال مفاهيم ومصطلحات مثل الفاشية، التعصب، الهوس الديني، السلفية.. إلخ على تحديد سمات الحركة وفهمها ولكن لم يتم تقعيد وتأصيل مفاهيم توصيف لأسباب عديدة منها: أن المحاورين والمعارضين للحركة إستهلكوا المفاهيم دون تعميقها باستمرار فكرياً وسياسياً وتطبيقياً أي بالبحث عن الممارسات والسلوكيات التي تؤكد المفهوم واقعياً: لذلك أصبحت هذه المفاهيم رغم علميتها وصحتها مجرد أكليشيهات وملصقات للسجال السياسي والمهاترة.
ومن أسباب عدم تأصيل هذه المفاهيم أن الحركة الإسلاموية عملت بطريقة دؤوبة ليس على تنقية عملها وممارستها لكي لا تنطبق عليه تلك الصفات التي تحملها المفاهيم بل عملت على إثبات أن تلك المفاهيم لا معنى لها. أو أنها تنفي مثلاً صفة الفاشية عن نفسها بتعريف المفاهيم وتحديد مكوناتها ثم تقول أن هذه السمات والخصائص غير موجودة فيها لذلك فهي غير فاشية، بل تنطلق أحياناً من أن هذه مصطلحات أدخلها الشيوعيون وانصارهم واشباههم لتشويه صورة الإسلام، وهذه حيل منتشرة بين الإسلامويين: عدم مناقشة الفكرة ذاتها ولكن الهجوم على من قال بها. وحسب منطقهم تصبح الفكرة خاطئة ليس بسبب تهافتها وعدم تماسكها عقلياً ولكن لأن من قال بها غير مقبول لديهم أو مشكوك فيه لأي سبب أو آخر. كذلك يلجأ الإسلامويون إلى طريقة إفراغ المفهوم من مضمونه ومحتواه الحقيقي من خلال شحنه بمعان يريدونها هم أو على الأقل تضييع لون المعنى الأصلي مثال ذلك، حين توصف الحركة بالرجعية ينبري منظر منهم لنا ويقول: ((لو كانت الرجعية تعني الرجوع إلى الإسلام فنعم نحن رجعيون)) أو عند استعمال اليمين واليسار سياسياً يحولونه إلى المعنى الديني الذي يربط أصحاب اليمين بالجنة وأصحاب اليسار بالنار وبالتالي يشتغل هذا المعنى في الذهن الشعبي أو الديني غير النقدي بصورة مختلفة تدعم أصحاب اليمين السياسي.
لذلك عندما نصف الحركة الإسلاموية السودانية أو العربية عامة بالفاشية أو التعصب أو الدوغمائية أو الرجعية أو السلفية فإن ذلك ليس مجرد تنظير أو استيراد مفاهيم وإلصاقها بالحركة أو بقصد التنابذ والمنافسة السياسية: ولكن لأنها بالفعل كذلك. ففاشية الحركة يمكن إثباتها أولاً بتحديد المفهوم وتطوره تاريخياً وإلى أي مدى تقترب أو تبتعد الحركة تنظيمياً وممارسة وخطاباً من هذا المفهوم. وإذا وصفنا أعضاءها بالتعصب أو الدوغمائية: علينا أن نحدد معنى المفهومين وسمات التعصب الأساسية وهل يمكن وصف الفرد الإسلاموي بهذه الخصاص أم لا؟ لم يتعامل المفكرون والسياسيون مع الحركة الإسلاموية حسب الصورة والمحتوى الحقيقي لها ولكن كما تريد أن ينظر لها . لذلك تم نقاشها وحوارها وقبولها كفكر تجديدي وحزب عقائدي ملتزم بالإسلام. وأخفت وجه الفاشية والتعصب إلى أن تبدي حين وصلت السلطة بانقلابها في الثلاثين من يونيو 1989. وصار مثقفو الجبهة القومية وليس عسكريوها يقومون بالتعذيب في أقبية أجهزة الأمن. وفي هذا تأكيد للتغلغل الفاشي الشامل والكامل بين كل العضوية، وحين تجمع الآلاف من أنصارها والمهووسين لمشاهدة إعدام الأستاذ محمود محمد طه أو تطبيق الحدود في مكان عام. لا يمكن إلا أن نتحدث عن التعصب و السادية والمازوشية ليس كمصطلحات للتفلسف والتنظير وكلام المثقفين الغريب ولكن كوقائع حية. وحين نشاهد إبراهيم السنوسي وسعاد الفاتح يتحدثان في الجمعية التأسيسية أو حين نقرأ لمحمد طه محمد أحمد أو موسى يعقوب فنحن نشاهد العصابي والعنف ملفوظاً أو مكتوباً وليس العصابي في كتب فرويد أو رايش. فهذا عصابي حي يسعى بيننا ويأكل من ديمقراطيتنا ثم يقمعنا بها، كان لابد من تأكيد البديهي وتحصيل الحاصل لأننا لم نتجرأ على الحفر في أعماق الإسلامويين وقبلنا بلعبة التعامل مع الأقنعة وملابس المسرح. فالسطور التالية هي محاولة أولية في مقاربة فهم الفرد الإسلاموي داخل تنظيمات الحركة وأخرها ((الجبهة القومية)) الإسلامية الحاكمة.
يوصف السوداني الشمالي بميله للتدين ولكن حسب الفهم السائد بين المجموعات القبلية وفي المدن وبين المتعلمين وشيوخ الطرق الصوفية والأميين وبين الناطقين بالعربية أو المتحدثين بالرطانة أي توجد أشكال متباينة للغاية فيما يتعلق بالتدين السوداني. وكان من مهام الحركة الإسلاموية السودانية أن تقدم برنامجاً أو مشروعاً يمثل وعاء فكرياً وتنظيماً تستطيع أن تصب داخله كل هؤلاء المتدينين المشتركين في الإسلام كعقيدة والمختلفين حوله فهماً وممارسة. بدأت الحركة - كما أسفلنا - بين المتعلمين إذ اكتفوا بتطهير وتطوير إسلامهم الخاص المتأثر بالحركة في مصر وشبه القارة الهندية والمعزول عن القرية والبادية السودانية. ونظروا للجماهير بتعالى المثقف وطهرانية المسلم الأصولي، ولذلك لم يحتكوا بالجماهير أو يحاولوا تجنيدها مباشرة إلا من خلال ((الواجهات)) والتحالفات المحدودة. كما أن التدين بعموميته تلك كان كامناً لدى الفئات المتعلمة التي رغم ازدواجيتها - حداثة/ تقليدية - كانت تبحث عن وسائل التغيير في أندية الخريجين والأحزاب والصحف والمنتديات وروابط العمل العام. كانت مفعومة بأمل الأستقلال والسودان الجديد تصارع الاستعمار وتناور الطائفية والقوى التقليدية حتى تم طرد المستعمرين من خلال الوحدة الوطنية. لم يكن بالإمكان أن تزدهر أي حركة إسلاموية في تلك الفترة لأن تدين الفئات المتعلمة لم يكن ضيقاً ومتعصباً والذي يمكن أن نسميه الدين الديني أو الدين الاجتماعي خلافاً للدين السياسي ونعني إقامة الشعائر والعبادات ومراعاة المعاملات الاجتماعية حسب الدين الإسلامي، لذلك عاش السودان قدراً من العلمانية العملية كونت شخصية متسامحة في اختلافاتها وتعدديتها، وبينما يمكن أن نفترض أن الحركة الإسلاموية السودانية على النقيض هي تعبير عن فكر الأزمة بامتياز لأنها تطورت وأزدهرت في مناخ الأزمة السياسية والاقتصادية والفكرية التي أنتجها نظام مايو العسكري بعد عام 1972 وهي الفترة التي يسميها مكي ((صحوة العمل الإسلامي 72-1977)) ثم: ((من خندق المقاومة إلى مركز المشاركة 77-1985)) ويسميها الترابي عهد المجاهدة والنمو وعهد المصالحة والتطور وعهد النضج - كما ذكرنا سابقاً. فقد كان صعود الحركة الإسلاموية مع سقوط المشروع الديمقراطي والذي لم يكن مجرد تغيير سياسي بل كان فشلاً ذاتياً للمثقفين السودانيين، وفي مناخ الفشل الفردي والجماعي إنتعش تنظيم وفكر الحركة الإسلاموية وكان جيش المحيطين والحائرين- والذين تسميهم التائبين إلى الدين- هو احتياطي الحركة الذي أتاها محطم النفس وبذهنيات متخلفة ومشوشة يمكن تطويعها وتشكيلها من جديد حسب ترسيمة الحركة في السبعينات بكل ما يعني ذلك.
تدعي الحركة الإسلاموية السودانية - كما أسلفنا - أن تنظيمها يحظى بتأييد المثقفين والمستنيرين من السودانيين، وهنا تخلط الحركة عن عمد بين التعليم ونيل الشهادات العالية وبين الثقافة كقدرة على التفكير والعقلانية والالتزام بالتغيير والتقدم وتحويل المعرفة والمعلومات إلى سلوك وحياة يومية ونظام التعليم في السودان يساعد على تكريس الجهل والتخلف رغم الشهادات العليا والجامعات والبعثات لأنه ببساطة حسب المفكر باولو فريري تعليم بنكي وليس تعليماً نقدياً. فالأول تراكم لمعلومات والثاني تفكير ونقد والأول يخلق خرتيتاً بارداً لا ينفعل بالحياة من حوله ولا يتغير صاحبه ولا يغير - لذلك المثقف يمكن أن ينتجه فقط التعليم النقدي لأنه أي المثقف يجب أن يكون الضمير الشقي لأمته بل لعصره كما كان سارتر وراسل مثلاً. فالإنسان المتخلف لا يحدد حسب المؤهلات التعليمية والتحصيل المدرسي، ولقد عبر العقل الشعبي السوداني عن ذلك بالمثل المعبر: ((القلم ما بزيل بلم)) فالتعليم بمضمونه الحالي لا يوصل خريجيه إلى الفكر والثقافة ولا يحصنهم ضد التعصب والدوغمائية، بل ينتهي بأصحابه إلى ما يسمى ظاهرة ((الخصاء الذهني mental castration)) والتي يعرفها علماء النفس - حسب هذا التعبير المجازي - بأنها حالة عجز الذهن عن تأكيد ذاته والتعبير عن ديناميته وهذا الصد الذهني يعجز عن التعبير عن قدرته على السيطرة على العالم الخارجي مع أن الذهن هو أداة سيطرتنا الأساسية على المحيط. قد يتحول الخصاء الذهني إلى ضعف عقلي صريح ذي أسباب نفسية بحتة وهو غير الضعف العقلي ذي الأسباب العضوية. وفي الحالات البسيطة قد يتخذ الخصاء الذهني شكل صد القدرة على الاستيعاب والتركيز والتحليل والتوليف أي طابع فقدان السيطرة الفكرية على العالم1. وهكذا يكون المتعلمون ذوي قابلية واستعداد نفسي للانضمام إلى حركة متعصبة وفاشية سواء شاركوا بنشاط وإيجابية في عدوانيتها وعنفها أو سكتوا عن ذلك رغم عضويتهم في الحركة بمبرر الطاعة أو وحدة التنظيم. والدليل الواضح على ذلك الموقف من التعذيب في السودان وعدم مناقشة هذا الموضوع حتى لا تصطدم وتهتز قناعات العضو ويكون الحل إنكار حدوث ذلك والمغالطة أو الكذب ولكن لا يحاول المنتمي للحركة قراءة تقارير منظمات حقوق الإنسان مثلاً لكي يتيقن من صحة ما يسميها ادعاءات. فالعقل الخاص معطل تماماً وهنا يعمل عقل الحركة الجمعي نيابة عن الأفراد.
الشخص صاحب العقل غير النقدي ولحد كبير صاحب العقلية المتخلفة يتحول بالضرورة إلى دوغمائي dogmatic أو وثوقي، أي ينتمي إلى مذهب أو حالة فكرية ترى انفرادها ((بالحقيقة)) فلا تجيز لغيرها الحق في مناقشة إدعائها أو الشك فيما جاءت به. وتعتبر ((بأنها القول الفصل فيما ذهبت إليه من تفسير للكون والمسائل الفلسفية))2. فهي عبارة عن نسق فكري مغلق وإقصائي يكتفي ذاتياً ولا يتأثر كثيراً من خارجه. وتقاس درجة الدوغمائية وحدتها حسب معايير معينة منها: بقدر ما تصنع حاجزاً كثيفاً بينها وبين نظام الإيمان واللا إيمان، ونظام العقائد واللاعقائد، ثم إنكار واحتقار الوقائع التي قد تظهر أو تناقض هذه العقائد والإيمانات وأخيراً المقدرة على قبول تعايش التناقضات داخل نظام الإيمانات والعقائد بدون الإحساس بوجود أي مشكلة3. تشتد دوغمائية أي تشكيلة معرفية بقدر ما تقوى حدة الخلاف مع الأفكار والعقائد التي تختلف معها بتكوين يقين ثابت بأن حقيقتها مطلقة والآخر مخطئ باستمرار لذلك ترفض أي توفيق أو مصالحة مع النظام الفكري الآخر، كما أن الدوغمائية لا تفرق أو تميز بين العقائد والأفكار التي ترفضها، ففي حالة الحركة الإسلاموية تتحدث عن العلمانية والشيوعية والمتمردين والطائفية والإمبريالية والكنيسة العالمية كعدو واحد يتشكل ظاهرياً فقط في نظرها أو الحديث عن صراعها مع الغرب بأنه حرب صليبية جديدة رغم عدم مسيحية كل من تحاربهم في الغرب. وتكون البنية المعرفية أو الفكرية دوغمائية أكثر كلما كان منظورها الزمني موجها بشدة نحو نقطة بؤرية مثل احتقار الحاضر لصالح المبالغة بشأن عصر ذهبي في الماضي4. والعقل النقدي عكس هذه السمات تماماً فهو لا يرتاح إلى يقين أو عقيدة بل يتساءل ويتشكك باستمرار وحقيقته نسبية ومتغيرة لأنها واقعية.
نبعت دوغمائية الحركة الإسلامية من التقسيم الماوي للعالم إلى خير وشر أو دار الإسلام ودار الكفر (الحرب) ثم الإسلامي والجاهلي بالمفهوم القطبي والذي خففته بعض الحركات بالذات في السودان وتونس إلى إسلامي وغير إسلامي مع بقاء نفس المعنى المقصود. فالمجتمع الجاهلي حسب التعريف السائد بين الإسلامويين: ((هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده متمثلة هذه العبودية في التصور الاعتقادي، وفي الشعائر التعبدية، وفي الشرائع القانونية5. ثم يعدد ضمن ذلك المجتمعات الشيوعية والوثنية واليهودية والنصرانية والديمقراطية أو التي تقيم هيئات من البشر، لها حق الحاكمية العليا التي لا تكون إلا لله سبحانه، وأخيراً تدخل في ذلك - حسب رأيه - المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها ((مسلمة)) لأنها رغم العبادات والشعائر لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها وتعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله. ((فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشعرائها وقيمها وموازينها وعاداتها وتقاليدها.. وكل مقومات حياتها تقريباً))6. نفس الفكرة مازالت حية وملهمة ولكن يعبر عنها بلغة أكثر دبلوماسية ومع ذلك تتعرى عن دوغمائيتها، قبل شهور قليلة يتحدث راشد الغنوشي لصحيفة سودانية: ((... والجهاد ضد أنظمة الكفر والاستبداد والعشائرية والتجزئة والولاء الأجنبي وتكاد أنظمة العالم الإسلامي لا تخرج من هذه الأوصاف. فإن كان للأمة الإسلامية أن تنهض بمهام الصراع الحضاري والشهادة للمشروع الحضاري الإسلامي، فلا مناص من تركيز الجهد الجماهيري على مجاهدة هذه الأنظمة الخائنة لتعريتها وتوهينها وإرضاخها لسلطة الشعب والإطاحة بها7. ويقول توأمه حسن الترابي في نفس المناسبة والسياق: ((ولم يبق للدين - كل الدين، الملة الدينية من حيث كانت - لم يبق لها غيرنا، لم يبق إلا عندنا مفهوم الشريعة العلوية التي تضبط الحاكم وتضبط الدولة وتنظم علاقات البشر وتؤسس معنى العدالة وتقيم بين الناس القسط (...) أصبحنا نحن وحدنا نحفظ أصول المطلق الثابت الذي نرجع إليه في كل ميعاد ومقياس، والشريعة العلوية التي تخضع لها الدولة إزاء شعبها فلا تظلمه وإزاء جيرانها فلا تظلمهم. التي يمكن أن تؤسس عليها الشرعية الدستورية والشرعية الدولية أيضاً8. ومثل هذه النظرة للذات ترتكز على فكرة: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس)) ويبقى الموقف الدوغمائي الذي يعبر عنه سيد قطب خير تعبير حين يقول :((إن أولى الخطوات في طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته، وألا نعدل نحن في قيمنا وتصوراتنا قليلاً أو كثيراً لنلتقي معه في منتصف الطريق كلا إننا وإياه على مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق9.
الدوغمائية ذات علاقة جدلية بالشخصية الانفعالية غير الناضجة والتي تميل للتعصب والعدوانية. فالدوغمائي انفعالي وبالتالي يميل للعدوانية والتعصب، كذلك المتعصب والعدواني يتأثر تفكيره باستمرار وتتأكد أفكاره بسبب دوغمائيته. فهناك تغذية راجعة بين الصفتين لدى الفرد الإسلاموي خاصة في البداية أي لدى المنضوين جديداً للحركة حتى تثبت بعض مظاهر السلوك والانفعال والتفكير لكي تصبح لوازم للشخصية. يضخم الانفعال والعاطفة والشعور والإحساس لدى الإسلاموي على حساب العقل والإدراك والتمييز والمنطق لذلك كثيراً ما تتداول تعبيرات مثل ((جرح المشاعر الدينية)) و ((استفزاز العاطفة الدينية)) وخير مثال على الانفعالية على مستوى عالمي رد الفعل تجاه كتاب سلمان رشدي ((الآيات الشيطانية)).
فماذا يضير الدين الذي يعتنقه الملايين من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب وفي كل بقعة على الأرض والذي استمر أربعة عشر قرناً صمد خلالها أمام المشركين والمنافقين ووقف ضد الحروب الصليبية وضد السباق التبشيري - إذا كتب مؤلف مغمور رواية تمس الإسلام؟ فالضرر الذي أتى من رد الفعل المتشنج هو بالتأكيد أكبر وأعمق من تأثير الرواية. هذا هو الطريق الأسهل في تجييش واستنفار المؤمنين بسرعة بينما النقاش والحوار بطئ وصبور وقد يشكك في بعض اليقينيات، والإسلاميون يبحثون عن العاجلة في الأمور وهذا مقتلهم فكرياً وسياسياً، خلق المؤمن الجديد لا يكون إلا بالتوجه إلى عقله دائماً وبعد ذلك فلتأتي العاطفة لكي تدعم العقل لا العكس، مستحيل أن تصل من خلال العاطفة والانفعال إلى أحكام عقلية ومنطقية والفكر الديني يميل للانفعال عند شعوره بالتهديد لذلك يظهر تقليد الحدة في النقاش والأحكام، حتى في عناوين بعض كتب الحوار والنقاش يظهر الغضب إن لم نقل العدوانية، مثال - الصارم المسلول لإبن تيمية وبدرجة أقل: تهافت التهافت أو فضائح الباطنية. وفي الكتابات المعاصرة تكثر العناوين التي تستعمل مأزق، أزمة، سقوط، انهيار... إلخ عند وصف الآخر كذلك يلجأ الإسلامويين إلى مزج النقاش العقلي بالانفعالي المثير فنقرأ هذه الجملة في حوار بين إسلاموي والشيخ محمد الغزالي: ((كيف يحدث أن يشارك فضيلة الشيخ محمد الغزالي مع فيليب جلاب ولويس جريس، في تأسيس مجلة علمانية تنشر الصور العارية على أبناء المسلمين))10. *تزخر هذه الجملة بإيحاءات ودلالات كثيرة متناقضة عمداً إذ تجمع بين شيخ مسلم ومسيحيين والعلمانية والصور العارية بهدف حصار الشيخ بين هذه الشبهات! ثم حواره بعد ذلك.
أردت أن ألمح فقط إلى طريقة تعطيل العقل عن العمل وتنشيط العاطفة والانفعال لتكتمل شروط ميلاد متعصب نموذجي، ((فالمتعصب)) لابد أن يمتلك عقيدة مطلقة Dogma أي دوغمائي. لذلك يعرف علماء النفس التعصب من خلال وجود هذه العقيدة المطلقة والتي تمثل نظرة المتعصبين للكون والمجتمع والإنسان ((يظن المتعصبون)) من خلال توهمهم باكتشاف المطلق وما فوق البشري، أنهم أمسكوا بالحقيقة التي تمنحهم كل العلم، كل القوة والسلطان والعصمة وكل أشكال التفوق على البشر. إنهم يتراجعون إلى مرحلة القدرة الكلية الطفلية التي تتضمن تحقيق الرغبة على حساب الواقع الذي يجري إدراكه بالمعارف وبحدود الإمكانات الإنسانية. ويترافق الشعور بالقدرة الكلية مع حماس نرجسي وتمجيد لفكرة الانتماء إلى هذه الجماعة ممن أصطفاهم الأزل أو التاريخ11. فالفرد يلجأ إلى التعصب الجماعي لأنه مأزوم ومصاب بعقدة نقص وعدم أمان لذلك بانتمائه لجماعة تعتقد أنها الأحسن والأقدس والتي اختارها الله لإنقاذ البشر قد تعوض له ولكن بطريقة مرضية بعض الخوف والقلق إذ يحل خوف جديد على الجماعة والخطر الذي يهددها هو خطر يهدده، فقد يعود إلى فضاء الحرية والمغامرة والاختيار لو ضاعت ((الجماعة)) التي تحملت نيابة عنه مسئولية المعرفة والفعل والحياة لأنه يعيش حياة الجماعة وليس حياته الخاصة المختارة. وهذا يفسر فيما بعد العدوانية في الدفاع عن الجماعة وافكارها وكل الأوهام الملحقة بذلك. وهنا يقول الأخضر عن الإسلاموي أو السلفي بأنه عموماً ((عصابي مبطن بمتعصب: فاهمته متعطله لذلك يحاكم المختلفين عنه ومعه بإسقاط فانتزماته (أوهامه، خيالاته) عليهم12 وهذا ينسحب على قضاة محاكم قوانين سبتمبر في عهد النميري، ومن أعدموا الأستاذ محمود محمد طه وعلى الشيخ الذي أفتى بقتل نجيب محفوظ بسبب رواية ((أولاد حارتنا)) كما أن النرجسية والقدرة الكلية تظهر في تحديد هذه الجماعات لدورها في التاريخ والمجتمع وبالتحديد طريقة إدارة الحكم في السودان الآن على أيدي الإسلامويين الذين يحاربون كل العالم بصورة دون كيشوتية لا تتناسب مع قدراتهم الواقعية. لذلك قد يظن النملة فيلاً أو العكس، وقد تظهر له المجاعة التي تزهق أرواح الملايين مجرد فجوة غذائية حقيقة، هذا إذا لم يكن يقصد تزييف الوعي والواقع عمداً وبإصرار بسبب النرجسية وتضخيم الذات والقدرات، ترى حكومة الجبهة في السودان أنها تستطيع محاربة الغرب والشيوعية والنصرانية والتجمع الوطني ودول الرضوخ لأمريكا والمتمردين وتستطيع أن تحل المشكلة الاقتصادية لأن الفدان سينتج عشرات القناطير وأن تحارب معها قوى الطبيعة في جنوب السودان.
يرى بعض علماء النفس أن التعصب من شروط جنون العظمة وهي بنية يمكن فهمها من خلال ظاهرة سيكولوجية الطفل أي وهم القدرة الكلية ويسلك المتعصبون سلوكا قد يظهر غريباً ولكنه بسبب عدم التقدير يتفاءلون كثيراً ويعتقدون أن القدر يحبهم، إنما يتحدونه وينتظرون حكمه ولو كان ذلك في مقابل أكبر الكوارث بما في ذلك تحطيم وجودهم الشخصي ومثلهم13. هذا السلوك خادع وقد نظن أنه شجاعة فائقة ولكن حين نتذكر المغامرين مثل نيرون وهتلر وغيرهم يتضح: ((أن الأمر لا يتعلق بأكثر من إنكار للواقع، وبحث عن قدرة كلية مرضية، غالباً ما تخفي مشاعر عجز ويأس، وعدم الاقتدار على تحمل حدوده الخاصة به، وعلى الخضوع لقواعد الحضارة المستنبطة في الأنا الأعلى))14. ورغم قوة جزء من الأنا الأعلى وهو عند المتعصب الديني، ضمير أخلاقي متزمت وسواس فيما يتعلق بالجنس مثلاً، في نفس الوقت يسكت الأنا الأعلى ويمارس عدوانية غير مقيدة في حالة الاعتقاد بأن الإنسان المؤمن بعقيدة ما لتحقيق هدف مقدس (تطبيق شرع الله مثلاً) لا تقيده أمور أقل قيمة من الهدف ويمكن التضحية بها ولإضعاف الأنا الأعلى الذي ينتمي إلى مجتمع يرفضه المتعصب لابد من تأكيد اختلاف الفرد عن الآخرين وهذا ما يسميه المنضوين تحت حركة دينية ((الغربة)) بسبب الجدة، يقول الترابي ((كانت الحركة لعهدها الأول محاصرة بغربتها عن أن تمتد. وكانت تتعزى بما في معاني الدين من غربة الصالحين وقلة المهتدين منسوبة إلى كثرة الذين لا يعلمون))15.
وهذا ما يصفه علماء التحليل النفسي بأن العاصب أو المتعصب يقطع صلته مع محيطه لامتلاكه فكرة أو مثالاً مطلقاً يستحق أن يبذل روحه لأجله وأن يضحي بالآخرين أيضا في سبيله: ففيهم تمرد على شئ ما غير مشبع وبحث عن شئ ما كامل، يسعون لإحلاله محل ما ينقصهم... وينتسب بعضهم إلى النمطية الوسواسية التي تتضمن حاجة جدارة وسؤدد، وتعاملاً بارداً مع الاقتناع بأنهم على حق وهذا الاقتناع الذي يسكت جرميتهم إسكاتاً جزئياً16. هذه أيضاً آلية لتقليل الإحساس بالذنب في حالات الاعتداء والعدوانية ويرسخ هذا الاقتناع بتقسيم العالم- دون تردد أو انقطاع - إلى عدو كامل/ وصديق كامل وفي مثل هذه الحركات لابد من كبش فداء Scapegoat وجدته النازية في عداء السامية والعنصريون في الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا في السود والعاطلون عن العمل في غرب أوروبا في العمال المهاجرين والصهاينة في منظمة التحرير الفلسطينية ويجده كل مجتمع متعصب في أقلية ما. أما الحركات الإسلاموية فالعدو هو الشيوعية والعلمانية والقومية أي ((الجاهلية)) مقابل الإسلام. هذا التقسيم التبسيطي للعالم وإيجاد عدو يفسر من خلاله كل النقص وبالتالي تبرئة الذات عن أي نقصان أو عيب، وتجد الإطمئنان ((الوهمي)) الذي يمنحه الإذن بإطلاق غرائزه (العدوانية وأحياناً الجنسية) بفضل يقينه بأنه مالك الشريعة أو القانون))17. وهنا يأتي دور الزعيم أو القائد، وفرق بولتروير بين المتعصب الأصلي - العاصب - والمتعصب المنقاد. فالأول لديه السلطة أو الأمر الذي يسمح له بأن يعطي لأتباعه الإذن بالتغلب على النواهي المفروضة من الأنا الأعلى. لذلك شعر إتباع هتلر - الذي كان يمكن أن يكونوا عاديين وسويين - بأنهم مأذنون من جانب زعيمهم لكي يتجاوزوا القوانين باسم فكرة وهذا ما يفسر لماذا يسمى قائد الجماعة الإسلامية: المرشد العام، أو المراقب العام أو أمير الجماعة (من الأمر) أو الشيخ بالمعنى السوداني التقليدي لشيخ القبيلة أو الطريقة18.
يقرر ديكمجيان Dekmejian في كتابه عن الأُصولية بأنه لا يمكن فهم الظاهرة دون تحليل بنية شخصية الفرد الأصولي كما تشكلها بيئة الأزمة ويعدد بعض الصفات التي مر ذكرها مثل الانفعالية وعدم النضج، والطاعة والخضوع، وشعور بوجود قوى شريرة معادية ويظهر عدم ثقته في الأفراد والمؤسسات الحكومية يتبع ذلك حركية وعدوانية تجاه المعارضين ويقود ذلك إلى نظرة تآمريه للأشياء، ويضيف إلى ذلك أن الأصولي شخصية اغترابيه أو مغتربة لأنها تبتعد عن المجتمع الكلي وتبحث عن انتماء تجده في الجماعة الصغيرة والشعور بالنقص نتيجة طبيعية للاغتراب ولكنه يتحول إلى عدوانية استعلائية - قالها قطب صراحة - فور اندماجه في الجماعة أو العقيدة الإسلامية كما يفهمها ويتميز الإسلاموي بتسلطية تنبع من الطابع المطلق لتعاليمهم وملازمة لفرض التأثير على التحويل الجذري للمجتمع وتتسم شخصيته باللاتسامح النابع من المضمون الدوغمائي لعقيدته والتماهي التام بنواهيها وأوامرها الصارمة))19.
تتخذ شخصية الإسلاموي العصابية عدداً من ميكانيزمات (آليات أو أوليات) الدفاع التي تؤدي حتماً إلى العدوانية والعنف. وأولى الخطوات هي تقسيم العالم إلى خير مطلق وشر مطلق فالحركة عند الترابي تسعى ((لمحاصرة الشر))20. حيث يتنامي الشعور الاضطهادي والخوف من العدو الخارجي والداخلي والمؤامرات خاصة في فترات الأزمات والمخاطر حيث يحاول العصابي بعناد وإصرار ألا يعترف بأخطائه أو قصوره. وهنا تظهر الآلية التي ذكرناها البحث عن عدو أو حتى خلقه لكي يوجه له اللوم أو العدوان. ويصف حجازي هذا الموقف بدقة :((تحويل الأمر بهذا الشكل إلى مصدر للعدوانية ورمز لها، يفسح المجال لإمكانية تبرير الاعتداء عليه. الاعتداء يصبح مشروعاً لأنه يتخذ طابع الدفاع عن النفس: إذا كنت عدوانياً تجاه الآخر، فما ذاك إلا كي أدافع عن نفسي ضد التهديد الذي أتعرض له من عدوانيته، ثم إن إلصاق العيب الذاتي بالآخر يحوله إلى رمز للنقص والعار... ونجعل الاعتداء عليه مشروعاً ومبرراً لأنه عدوان على رمز العيب والعار. الاعتداء على الآخر إنطلاقاً من هذه الوضعية، ليس اعتداء على قيمة إنسانيته بل هو بكل بساطة تحطيم لرمز السوء والعار21. وهناك حدث واقعي يؤكد مثل هذه التحليلات ففي يوم اغتيال الطبيب النقابي على فضل صباح 28 أبريل 1990 دار قربى حوار بين شخصين أحدهما يقول للآخر: سمعت النهار دا قالوا في دكتور مات في السجن ويرد الثاني قبل أن يكمل الأول حكايته: لكن الطبيب دا ما قالوا شيوعي! وكثيراً ما يستعمل بعض الإسلامويين مصطلح ((الهالك)) فلان حين يتحدثون عن شيوعي أُغتيل أو أُعدم أو مات موتاً طبيعياً لأنه كان يصارعهم سياسياً22.
تحاول الحركة الإسلاموية بشمولية مدعاة تديين كل شئ في الحياة والمجتمع والكون ثم إعطاءه مضموناً مقدساً لو كان ضمن رؤيتها أو أفعالها أو نشاطها. لذلك تسمى العدوانية والتعصب ((الجهاد)) رغم أن مفهوم الجهاد في الإسلام له معنى محدد وشروط واضحة ولكن من باب الاجتهاد التبريري أدخل مصطلح الجهاد في الصراع السياسي! وأي تنافس مع المعارضين والمخالفين يدعي جهاداً بقصد إلصاق صفات الكفار عليهم وقبول كل الممارسات الغربية ضدهم. لذلك كانت من أهم وأقدم كتابات الحركة الإسلاموية (رسالة الجهاد لحسن البنا) وتؤكد الحركة في فكرها وتنظيمها على الجهاد لأن العدو شرس.. لذلك كثيراً ما يطالب دعاة الحركة ومنظورها بالروح الجهادية في التنظيم يقول مكي: ((إن القوى الظاهرة والخفية القابضة على الزمام في العالم الإسلامي (!) قوى شريرة مغسولة الأدمغة، قد هيأها أعداء الإسلام لهذا الدور منذ زمن بعيد.. هذه القوى لا يمكن قهرها والتغلب عليها بغير جهاد وبغير حركة جهادية، وبغير تربية جهادية)) ويضيف ((إن إزالة هذه القوى وإقامة الإسلام أمر صعب، لذلك يحتاج إلى تربية جهادية تخرج أنماطا من المجاهدين، يحبون الموت كما يحب الناس الحياة))23. وكثيرا ما يرددون في النزاعات السياسية الحادة، الآية الكريمة (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) أو يستشهدون بقوله تعالى من سورة الفتح (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم الآية 29) ويفسرونها بانتقائية تتناسب مع متطلبات التكتيك السياسي في التحالفات أو استعمال العنف أو اتخاذ مواقف متناقضة متشددة أو متساهلة للغاية. وتتردد كلمة القتال أو القتل في أدبيات الحركة بالذات في المواقف الحاسمة ومع اشتداد التناقضات. ويتم استخدام آيات تحض على الجهاد: ((وكتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (البقرة 216) أو ((قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر..)) (التوبة 30) ورغم أن البعض نتيجة تجارب سلبية عديدة في الصدام مع السلطة السياسية والمخالفين حاول أن يعطي الجهاد تفسيراً أكثر تسامحاً ولطفاً بالحديث عن جهاد أكبر وأصغر، إلا أن أصوليات الحركة تؤكد على القتال وترى أنه الجهاد المقصود وليس الأصغر. وكتب البنا عن حديث (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب أو جهاد النفس) ما يلي: ((وبعضهم يحاول- بهذا- أن يصرف الناس عن أهمية القتال والاستعداد له، ونية الجهاد والأخذ في سبيله، فأما هذا الأثر فليس بحديث على الصحيح.. على أنه لو صح فليس يعني أبداً الانصراف عن الجهاد والاستعداد لإنقاذ بلاد المسلمين ورد عادية أهل الكفر عنها))24.
الحركة الإسلامية السودانية رغم المحيط المتسامح الذي أحاط بها إلا أنها تعاملت بازدواجية ولاء للواقع المعاش أو للفكر الذي يصلها من الخارج وبالذات كتابات سيد قطب. تظهر الحركة رفض العنف لأسباب تلتقي مع الآخرين فيها ولكن الممارسة غير ذلك تماماً، يقول زعيم الحركة: ((ولا عجب أن كان المناخ السياسي المنفتح المتسامح في السودان لا يقبل ولا يستلزم عنفاً ثورياً غاضباً يخرب المرافق أو يغتال الرموز أو يستنكف عن الإصلاح ويعده مساومة وتخذيلاً و خداعاً))25. ولكن الحركة لا ترفض فكرة الجهاد مبدئياً فقد تختلف في الشكل والدرجة، كما يوحي قول الزعيم :((ولئن تمكن الجهاد نظراً وعملاً في كسب الحركة السودانية، فإنها لم تتصور كما تصورته بعض الجماعات الإسلامية التي ورثت عن الإخوان المسلمين بمصر))26. والحركة الإسلامية السودانية بحكم منهجها البراجماتي والمرونة والميكافيلية لا تعلن عن خط محدد وتترك كل الإمكانات مفتوحة فقد غشت شباب الحركة في السودان تيارات أخذت من قطب والإمام الخميني وآمنت ((بالاستعلاء والاستمازة والمجاهدة الفاصلة أو بجدوى القوة الإيمانية الكامنة في الجماهير أو بقيمة النضال الشعبي والعنف، لكنها كانت عارضات ما تلبث أن تنطفئ حدتها وتندرج في متن المنهج الحركي العام الذي يعتبر بكل التجارب الثورية والشعبية على قدر بعدها وقربها من روح الإسلام))27. والمقصود روح الإسلام كما تفهمها الجماعة وهذا الفهم يتشكل - كما دلت التجارب - وفق فقه الضرورة أو المصلحة. فاختيار العنف أو رفضه يتغير حسب ظروف المرحلة وقوة الحركة وقربها من أهدافها وشعورها الحقيقي أو المتخيل لعنف الآخرين. وفي فترة مبكرة من تاريخ الحركة - مؤتمر العيلفون 1962- ظهرت إشارة إلى أن المؤتمرين انتهوا إلى التعريف التالي لحركة الإخوان المسلمين بأنها (حركة تدعو الناس لإقامة المجتمع الإسلامي، ومن وسائلها استخدام القوة)28. وأدخلت أسلوباً جديداً في التغيير السياسي، ففي 8 ديسمبر 1966 خرج موكب تأييد لعبد الناصر في صراعه مع الإخوان وحدث - حسب مؤرخ الحركة: ((اصطدام الموكب الذي كان تحت حماية البوليس مع موكب مضاد قاده الإخوان المسلمون، حيث استطاعوا تشتيت موكب شيخ علي ومطاردة قادته))29. ثم كانت أحداث حفل الفنون الشعبية بجامعة الخرطوم عام 1968 حين حاول الإخوان إيقاف الحفل بدعوى لا أخلاقيته وذلك أثناء العرض، يقول مكي :((فأنهال عليه كرسي وبدأت حرباً ما أبقت في القاعة شيئاً سالماً. وترتب على ذلك انقسام وتوتر شديد في الصف الطلابي عبر عنه تسليح الشيوعيين بالمولوتوف والسيخ وأداء الإخوان لصلاة الحرب))30. وتمنى الإخوان مصير شيوعيي أندونيسيا لمواطنيهم من الشيوعيين السودانيين. وحين شاركوا في السلطة 1978-1985 وإنفردوا الآن بالسلطة، أسفرت الحركة عن عدوانية وعنف يفوق كل ما عرفه تاريخ السودان، وتحت ستار الدفاع الشعبي تم تدريب كل الإسلامويين على السلاح وإنخرطوا في كيانات أمنية لحماية نظام يونيو.
هناك حديث نمطي عن السودان المسالم قد يقف ضد تصنيف أفراد الحركة الإسلاموية ضمن المتعصبين والعصابيين وبالتالي نفي صفة العدوانية والعنف والفاشية عن الحركة. هذا التصور العام والشائع لما يسمى بالشخصية السودانية والأخلاق السودانية يحتاج إلى قدر من التدقيق والاختيار لأنه من الممكن استغلاله في شل القدرات النضالية للشعب السوداني. من البداية لم تصمد نظريات الشخصية القومية National Character علمياً فأي شعب أو قومية ليس ثقافة أو نفسية واحدة متماسكة صماء لا تشققها الاختلافات الطبقية والإثنية والجهوية والأنشطة الاقتصادية وأنماط الإنتاج أي التاريخ في ثباته النسبي وفي حركته ففي فترة الثبات النسبي هذه يخطئ البعض ويعمم صفات معينة على كل الشعب. فالسمات النفسية والأخلاقية والأمزجة ليست جوهراً أو كينونة ولكنها سيرورة ودينامية. كان الإخوان المسلمون أكثر المستفيدين من بيع هذه الفكرة وكانت النتيجة أنهم إحتكروا العنف لأنفسهم وعطلوا العنف المضاد بما فيه العنف الثوري والرادع. فالنظام الإسلاموي الحالي في السودان رغم كل الإدعاءات والضجيج حول ((عاداتنا وتقاليدنا)) والأخلاق السودانية أدخل أساليب في تثبيت حكمة دخيلة بالفعل على ما يرده عن القيم السودانية لأنها كذلك منتهكة لحقوق الإنسان حيثما كان..فالتعذيب، التجسس، الكذب، المحاربة في العيش، الغدر، الاحتكاك والتخوين....الخ كل هذه سلوكيات لم يحترمها ((السوداني)) المعني بوصفهم. هناك رد جاهز وهو وجود قيم سودانية تقليدية تتعارض مع قيم إسلامية وبالتالي هم ليسوا مطالبين بأن يكونوا كما وجدوا آباءهم. وهنا ندخل في الجدل والسجال حول مدى قرب أو بعد تلك القيم السودانية من الإسلام الحقيقي.
الإنسان ليس مجموعة صفات ثابته جوهرية مطلقة ولكنه نتاج تعلم واكتساب مستمرين وتكيف متجدد إذا لم تعد الاستجابة والاستعداد كافيين للفعل الإيجابي، وكل هذا محدد - بقدر كبير - ببيئة اجتماعية وقدرات فردية متأثرة بهذه البيئة وبالتنشئة الاجتماعية والمؤسسات ذات الصلة بتكوين الإنسان مثال المدرسة ولإعلام وكل تنظيم للضبط الاجتماعي. ونبدأ بتتبع كيف يوجد العاصب/ المتعصب الممكن والمحتمل في المجتمع السوداني وبالتحديد المجتمع السوداني النيلي الشمالي والوسطي المسلم والمستعرب ومؤخراً يضاف غرب السودان البعيد. المجتمعات المتخلفة عموماً مجال خصب لنمو الحركات المتعصبة ولوجود الأفراد العصابيين وذلك بسبب المستوى المعيشي المتدني والعلاقات الاجتماعية القهرية وتدني نوعية الحياة وحجب كل إمكانيات التمتع والإشباع الروحي والنفسي والمادي باختصار إفقار الحياة مادياً وروحياً طريق ذو اتجاه واحد يؤدي للتعصب خاصة مع انعدام القدرة على التنظيم والتفكير بهدف التغيير والثورة. لذلك المعين الذي تأخذ منه الحركة الإسلاموية هو مجتمع متخلف وتابع، في الحاضر- وهذا أحد أسباب محاولات التجديد - يحاول هذا المجتمع أن يلامس الحداثة وذلك بإدخال التكنولوجيا والتعليم ووسائل الاتصال، ولكن يبقى كل هذا مجرد تحديث للتخلف وتعميق للأزمة والتي تبذر متعصبيين في أغلب الأحيان. كانت استجابة الشمالي المسلم لتحديات الطبيعة والسيطرة عليها - بسبب العلاقات الاجتماعية والثقافية ثم قسوة البيئة الفيزيقية نفسها - محدودة وتكاد تبقى في بعض الأحيان عند حد التكيف السلبي وليس الخلاق أي تكتفي بضمان البقاء والاستمرار وبالتالي يتحايل على الطبيعة أو يسترضيها أو يتملقها لكي لا تسحقه وينقرض وينازلها بأدوات بدائية في العمل، ويتوسل إليها بالسحروالشعوذة وبعض الفن.
خلفية الإنسان السوداني ((المعاصر)) لا تخرج من قروي أو بدوي يعتمد على
الأمطار سواء في فيضان النيل أو في البادية، وهي دائماً في يد القدر، ويتهدده سخاؤها الزائد أو شحها الجاف. لذلك فهو في الأصل إنسان قدري وخائف على الدوام وقلق على عيشه الذي يسميه الرزق وليس الإنتاج - بكل ما تحمله كلمة رزق من إيحاءات الصدفة والعشوائية. ومن هنا زاد احتمال أن يكون متديناً وراضياً لأنه ((لو جرى جري الوحوش غير رزقه لا يحوش)) ولأن ((ربنا ما شق حنكاً ضيعه)) كانت حياة السوداني متقشفة مادياً وحزينة بل مكتئبة نفسياً ومحدودة روحياً. وكان مجال الفرح ضيقاً ويختلس في المناسبات القليلة مقارنة بالقبائل غير العربية - الإسلامية والتي عوضت عن الفقر المادي بخصب روحي ونفسي غير محدود فهم في احتفالات وابتهاج مستمر، فبعض القبائل تحتفل في ذكرى وفاة الأعزاء بالرقص والأغاني والخمر. لذلك لم يكن مستغرباً أن يحسد إبن المجاذيب ((الأصيل)) تلك الجماعات الفرحة المنطلقة والتي لم تثقلها ثقافة وتقاليد ذات وقار منافق وخبيث، يقول الشاعر محمد المهدي المجذوب:
فليتني في الزنوج ولي رباب تميل بها خطاي وتستقيم
وأجترع المريسة في الحواني وأهذر لا آلام ولا ألوم
طليق لا تقيدني قريش بأحساب الكرام ولا تميم
وأما العربي الشمالي المسلم فهو حين يضحك بصوت عال ويشعر أنه يريد أن يفرح، يضع يده على فمه ويقول: ((أستغفر الله)) كأنه أتى منكر وبالفعل هناك مأثور متداول يقول بأن ((كثرة الضحك تميت القلب)) (وتفعل شئ آخر) وبالتالي فالسوداني الشمالي مشروع شخصيته اكتئابية، قد تكرس التخلف بالانضواء تحت لواء جماعة متعصبة وفاشية، لأن المكتئب شخص قليل الاهتمامات وخامد، ضيق الأفق ولا مبالي ولكنه قد ينفعل ويندفع ويتحمس دون مبرر، لأنه يكبت مشاعره وعواطفه الحقيقية باستمرار. ويجد المكتئب في الجماعة الدينية المتعصبة ملجأ مريحاً إذ تزوده بعدو أو شرير يصب عليه كل هذه المشاعر المكبوته فيتنفس عن انفعاله وفي نفس الوقت توعده بالأجر والثواب حين يوجه عدوانه لكافر أو جاهلي أو علماني. وهناك قول لنيتشه: ((إن جميع أولئك الذين لا يرضون عن أنفسهم مستعدون دائماً للانتقام ونغدو نحن الآخرين من ضحاياهم)).
يضيق المجال عن تحليل شامل وتفصيلي للمجتمع السوداني الشمالي - وسيكون لهذا مقام آخر- ولكن هناك نسيج لعلاقات ومؤسسات اجتماعية واقتصادية وسياسية ودينية يمثلها بالترتيب في القرية والبادية في السودان: العائلة الكبيرة والعشيرة، الجلابي، العمدة وشيخ الطريقة أو الولي، كان هذا التنظيم الاجتماعي التقليدي سائد بصورة شبه كاملة، ولكن بعد السيطرة الاستعمارية على السودان منذ مطلع هذا القرن حدث بعض الاختلال في التركيببة الاجتماعية التقليدية، فقد حاول الاستعمار دمج الاقتصاد السوداني في النظام الرأسمالي العالمي وتعميم الاقتصاد النقدي كبديل للمقايضة والاكتفاء الذاتي المعيشي. تبع ذلك إنشاء مشروعات زراعية بطرق غير تقليدية وتشجيع المحاصيل النقدية وتمليك الأراضي الكبيرة. كما إقتضت الضرورات الإدارية البدء في تعليم يلبي حاجات الحكم الاستعماري لصغار الإداريين والموظفين. كان تقبل السكان المحليين لمظاهر التحديث هذه محدوداً وفي بعض الأحيان عدائياً بالذات فيما يتعلق بالتعليم النظامي الجديد باعتباره شكلاً غير مباشر للتبشير المسيحي خاصة وأنه يهدد ((الخلاوي)) كمؤسسات للتعليم الديني كما كانوا حذريين من الانحرافات الأخلاقية بسبب بعد أبناءهم عن رقابتهم المباشرة ووجودهم في الداخليات وبالمدن.
من هذه الخلفية التقليدية والتحديث المنقوص ظهرت الأنتلجنسيا السودانية التي وجدت فيها الحركة الإسلاموية روادها وكوادرها ومناصريها ومتعاطفيها من بداية الخمسينات وحتى اليوم. هذا التكوين الازدواجي الرؤية لازم هذه الفئة دون توقف في مسيرتها التاريخية، ورغم دور الأنتلجنسيا السودانية في الحركة الوطنية من قيام مؤتمر الخريجيين وحتى الاستقلال إلا أن تكوينها المتخلف أو الأقل المزدوج هو سبب السودان الذي نعيشه الآن. فقد إرتبطت بالقوى الطائفية والتقليدية وتأثرت بنفوذها أكثر مما يحدث العكس. فالمتعلم السوداني لم يحدث قطيعة فكرية واجتماعية مع المجتمع المتخلف، فنظام التعليم الأداتي لم يزوده بالمنهج العلمي في التفكير لمواجهة المواقف بذكاء اجتماعي ومعرفي. كما أن جو الداخليات المتزمت والقمعي راكم في داخله كثيراً من العقد النفسية بسبب النظام والأوامر والكبت الجنسي ووجود مراهقين من جنس واحد في أماكن منعزلة. وهذا وضع موات لانتشار الشذوذ الجنسي (الجنسية المثلية) إذ لم يجد المراهقون متنفسهم في مؤسسات أخرى سواء البغاء أو الزواج المبكر31. من ناحية أخرى كانت مؤسسة الأسرة التقليدية تمارس على المتعلم السوداني أثراً سلبياً واضحاً وحتى القلائل الذين تمردوا إنتهوا إلى الجنون أو هامشية الإدمان، والعشيرة ما زالت تمارس الخلع بآليات مختلفة. وجد المتعلم السوداني نفسه في تناقض حاد مع محيطه الاجتماعي وحاول أن يتكيف أكثر مما يغيير ويؤثر، وعوض عن ذلك بتضخيم ذاته وعزل نفسه لأنه لا يشبه الآخرين. قدم إدوارد عطية الإداري والمعلم في كلية غردون نموذجاً جيداً لهذا التناقض من خلال شخصية حاولت أن تتحدث وتخرج من روح القطيع: ((معاوية هو أول سوداني يتصل فعلياً بروح الغرب وجد فيه وطنه الروحي (...) لو أردت أن تحس التناقض تخيله في منزله بإم درمان وحوله أمه وعماته وأخواته منفصلات عن الرجال لم يروا غرباء، نساء أميات ولا تحتوي عقولهن شيئاً (...) تصوره وهو جالس وسط هذا الوضع يقرأ جين أوستن والدوس هكسلي))32.
ويقول ترمنجهام بصدق عن فئة الأفندية هذه والتي تمثل الأنتلجنسيا قمتها: ((تأثير الأفندية لابد أن يوضع في الاعتبار ولكن كثيراً ما يبالغ في ذلك، فالأفندي أناني يبحث عن مصالحه لذلك لا يهمه تقدم الجماهير، وتفتقد ثورته أو تمرده للإخلاص. في المنزل يكاد ينعدم تأثيره تماماً لغلبة العنصر النسائي الجاهل ومن المشوق أن ترى ضعف تأثير حكمته على الحبوبات))33.
بعد الاستقلال وجدت هذه الأنتلجنسيا الكسيحة نفسها تحكم السودان إدارياً وسياسياً بسبب السودنة التي وضعتها على قمة الجهاز الإداري بعد خروج البرطانيين كذلك تكونت الأحزاب السياسية التقليدية برأس من الأفندية وجسم من جماهير لم يتم تخليصها من التخلف بكل أشكاله. عملت هذه الفئة - الحكام الجدد من المتعلمين - على تكريس وزيادة امتيازات المتعلمين ابتداء من التعليم الابتدائي وحتى المعاشات الجارية بعد وفاتهم، وأصبحت هذه الفئة تستولى على جزء كبير من فائض قيمة الإنتاج في السودان لتلبية حاجاتها وامتيازاتها على حساب إفقار متزايد للريف السوداني والعاملين المنتجين. تراكمت الديون على السودان ووصل إلى البؤس الحالي بسبب ما أنفقه على مؤسستين كان يظن أن مردودهما سيكون عظيماً، أقصد: الجيش والتعليم. وأعتقد أن ما أنفق على الجامعات لو أنفق على شراء البذور والتراكتورات والحاصدات لكان المردود أكثر وأجدى. لم تقدم الأنتلجنسيا في عمومها - عدا استثناءات نادرة على المستوى السياسي الجماعي أو السلوك الفردي - للبلاد ما تستحقه من تضحية وواجب وطني، خاصة وقد ضحى بالكثير رغم فقره للتأهيل والتحصيل العلمي والذي لم ينعكس على تقدم السودان والآن عندما حلت الكارثة تخلوا عن البقرة الحلوب فقد حققوا أحلام العصافير بشراء الفيلات والعمارات وخربوا الوطن. ومع ذلك أو بسببه لا يفهم المثقف أو المتعلم السوداني إلا ضمن ما يمكن أن يسمى سوسيولوجية الفشل والخيبة Sociology of Faillure الفشل في الحب والثورة والتقدم والمجد والشهرة والإنجاز والرضا عن النفس واحترام الذات. فهو يعيش الإخفاق والفشل رغم النجاح الظاهري أو يحاول حجب الفشل بنجاح خارجي يزيده وحشة وخواء. حلم جيل الاستقلال وأكتوبر بالثورة فحصد نظام النميري بفساده وقوانينه وبعد انتفاضة أبريل 85 ((بوطن حر ديمقراطي)) وحلم بالتغير مجددأ فأستيقظ على كابوس البشير ولحى الجبهة المتشابكة. وكتب أو حفظ قصائد الحب في مطلع حياته وتمنى أن يجسد ذلك في أسرة حديثة مثالية إذ به ينتهي إلى مؤسسة استهلاكية تثير الضجر وتبعث على الهروب إلى القعدات أو حلقات التلاوة. إستمر فشل ((المثقفين)) وتعاظم حتى جاء الفاشل لأعظم نميري الذي أصر على إضهاد ((المثقفين)) وعرفنا إعادة تربية الرجال بالصفع والركل، كانت فترة نميري سنة الكسرة ((كما يقال عن الهزيمة في المهدية)) لم يكن إنجاز ((المثقفين)) في كل المجالات في حجم التوقع أو المدخلات المادية التي أقتطعوها من قوت الشعب السوداني، على سبيل المثال لا الحصر: رغم أن الزراعيين أكثر الفئات التي حصلت على بعثات وتدريب في السودان ما زال كتاب Tothill عن الزراعة في السودان الصادر عام 1948 هو المصدر العمدة في هذا المجال بشموله وجهده. لم ينشغل ((المثقف)) السوداني بالفكر كثيراً وحتى حين تدين مال للأسهل والذي لا يتعب العقل فأتجه إلى تلاوة وتجويد القرآن الكريم بدلاً عن تفسير القرآن ودراسة الفلسفة الإسلامية، ومن هنا يقترب من تنظيمات التعصب القائمة على تعطيل الفكر. لذلك نجد لأبي الأعلى المودودي كتاباً بعنوان ((تفهيم القرآن)) وليس تفسير القرآن.
رغم الاقتضاب فقد أردنا تأكيد وجود ظروف اجتماعية ونفسية مثالية لظهور المتعصب أو الإسلاموي الممكن، فهناك شروط التخلف الاجتماعي واستجابة الشخصية الفردية نفسياً في اتجاه قبول أو تحرير هذا التخلف من خلال تقديسه وتديينه ثم التعايش معه. فالإسلاموي السوداني عاش في أسرة تسلطية تحت حماية أب مطلق السلطة وتحيط به جماعة قرابة لا تقل تسلطاً ثم جاء الدخول في نظام تعليمي - سواء دينياً أو مدنياً - يربي الخضوع والاستكانة فقط ثم الانخراط في خدمة عامة قائمة على التنافس والخبث والمؤامرات. والاندراج في مجتمع ذكوري وحياة كئيبة تتنفس الحزن زادت من بؤسها تدينية ((الجبهة الإسلامية القومية)) والحركة الإسلاموية عموماً التي جففت الدين الصوفي الشعبي من بعض مظاهر فرحه الخاص. والفرح - كما يقول فروم - مصاحب للنشاط الإنساني المثمر ومن المفروض أن تلعب الفرحة دوراً جوهرياً في العقائد الدينية والفلسفية. ويمكن للدين أن يرفض فكرة اللذة ولكن لا بد أن يقبل فكرة الفرحة الروحية34. ومن المعروف أن شخصية الفرد هي نتاج علاقات وتجارب وتنشئة تتكون مبكراً في اللاواعي وتظل فاعلة طول حياته بطريقة أو أخرى. ويقول أحد علماء النفس عن هذه العلاقة بين الاجتماعي والنفسي: ((أن شدة وعمق تأثير وضعية القهر المميزة للمجتمع المتخلف لا تتوقف على بعدها الاجتماعي فقط، بل تتعزز من خلال الانعكاسات اللاواعية التي تثيرها وتصاحبها..إن أكبر حليف للمرض الاجتماعي هو المرض النفسي في بعده اللاواعي وأن أكبر متواطئ مع الاضطراب الاجتماعي هو الاضطراب النفسي الذي يصاحبه ويشكل وجهه الخفي. وأبرز مثال على ذلك الفاشية السياسية . درجة القمع الاجتماعي ومقدار الرغبة فيه، تتناسب مع درجة القمع النفسي الذي يصيب نزوة الحياة، ودرجة الحقد والتعصب السياسي تتناسب طردياً مع مقدار العدوانية المتراكمة في اللاوعي))35. من الواضح أن فكر الإسلامويين هو فكر أزمة وفي مجتمع الأزمة - كما ذكرنا في متن هذه الدراسة - ومن ناحية أخرى فتنظيم الإسلامويين يجذب الفرد المأزوم والمحيط المحتقر لذاته وبالتالي يتحول إلى التعصب والعنف والعدوانية. لذلك وجدت حركة الإخوان المسلميين ثم ((الجبهة الإسلامية القومية)) بيئة مناسبة لتجنيد الأعضاء وبالذات من بين المتعلمين الأكثر تعقيداً وغربة، هناك دائماً احتمالات للتعبير عن الذات بين متعلمي المجتمع المتخلف: الثورة والتغير الإيجابي أو العدوانية والفاشية والتعصب، والخيار الأخير هو الأسهل لاعتماده على العاطفة والانفعال كما أن التعطش للقوة والسيطرة يجد وعود الأشباع في الجماعات التعصبية والفاشية أكثر، لدي مثل هؤلاء الأفراد استعداد للتوجه نحو الأحزاب التي تحقق الذوبان الكلي في الجماعة، والتي تمثل لهم عقلاً جمعياً يفكر بالنيابة عنهم، ويمكن أن يضحي المرء بفرديته وأصالته، وكما يقول النفسانيون: ((ينشأ نوع من اللحمة العاطفية والوجودية بين أعضاء الجماعة من خلال التعلق بالزعيم الذي يشكل مثلها الأعلى: مصدر ونموذج القوة، والقدرة، وروح الجماعة والمعبر عن آمالها وشخصيتها ومخاوفها))36. يزداد تماسكها كجماعة داخلية وبنفس القدر تكون كراهيتها وعدوانيتها تجاه الجماعة الخارجية التي تحملها كل الشرور، وخطورة هذا الموقف أن يتسبب في انهيار علاقات التعاطف والشعور بروح المواطنة المشترك، ويبرر العدوان وكأنه دفاع عن النفس، وهكذا يقع إنسان تلك المجتمعات المقهورة في العنف والفاشية بسبب وهم الخلاص وهو حل سحري وانتحاري في آن واحد))37.
يمكن استعمال الفاشية لوصف الحركة الإسلاموية السودانية لأن جذر أصل الكلمة - بعيداً عن الشحنة العاطفية السياسية - يعني رابطة أو جماعة أو عصبة حسب الكلمة الإيطالية fascio المشتقة من الكلمة اللاتينية fascis وهي حزمة العصى أو القضبان الحديدية (السيخ أيضاً) وكان رمز السيادة والسيطرة للجمهورية الرومانية38 ثم صار للكلمة تاريخ جديد مع موسوليني ابتداء من مظاهرات عام 1915 لإجبار الحكومة الإيطالية على دخول الحرب حتى تأسيس الحزب الفاشي الوطني Partito Nationale Fascista ومن هنا أعطي أعضاء الحزب من الفاشيين من خلال أفعالهم وممارستهم للكلمة معنى سياسياً جديداً وشكلاً تنظيمياً يقترب من الجماعات الدينية المعاصرة في رفضه للمجتمع، إذ كان الحزب معادياً للاشتراكية والرأسمالية معاً كما مال إلى استعمال العنف ضد مخالفيه، وأدخل أسلوباً جديداً في العمل السياسي له عادات وطقوس ذات صبغة دينية وعسكرية ورجولية، وللقائد - الدوتشي - نفوذ غير محدود على الأعضاء وكان يؤكد دائماً أن الفاشية نتاج العمل والفعل أما التعليم والأيديولوجيا فتأتي لاحقاً. وهذه تسمية للجماعات الإسلاموية حاضراً أو لأي تنظيم يحاول الحفاظ على وحدته وتماسكه بدعوى أن الإيديولوجيا تفرق بسبب النقاش والاختلاف والحوار. زمن المفارقة إن الميزة التي تفتخر بها الحركة الإسلاموية إنها قادرة على إقامة مجتمع مثالي وتعتمد هنا على أسطورة رائعة تستطيع بواسطتها أن تحشد الجماهير وتقوم بالثورة (مثال إيران) أو تحرك الشارع ومعاضة قوة أي سلطة سياسية، فالأسطورة هنا حسب المعنى السوريلي (نسبة لجورج سوريل) ((تتعلق بالمستقبل الذي تمثل على صورة وعد يمكن تحقيقه بواسطة عمل منظم، فهي تغري الخيالات وتثير حماس القلوب، تشجع على التنظيم وعلى الدعاية وتغذي طاقة الشعوب على الانتفاضة))39. ولكن الفاشي أو المتعصب قادر فقط على أن يقوم بالتهديم لأجل البحث عن عالم مثالي، فهو يقوم بالقضاء نهائياً على كل ما يعتبره نقصاً أو عقبة في سبيل تحقيق المثال40. ولكن يعجز عن البناء الإيجابى. ويرى النفسانيون أن هذا التناقض بين غريزة الحياة وبين غريزة الموت يدخل في صميم التعصب.
يعتبر الزعيم أو القائد هو سر نجاح أي حركة تعصبية لأنه تجسيد للفكرة - المثال أو الوهم والإسطورة التي يعتنقها البعض دون أي تساؤل. لذلك فأن شخصية الزعيم الكارزمية لها تأثير أقوى من الفكرة أو البرنامج السياسي للحركة ومن هنا يطلب من العضو الجديد في الجماعات الدينية أن يكون ((مثل الميت في يد الغاسل)) منعاً لتسرب الشك والتردد إلى قلبه. تسميات القائد - كما أسلفنا - توحي بمهام القيادة تجاه الأعضاء، فهو الذي يرشد ويراقب ويأمر. حاولت زعامة الإخوان المسلمين تجنب تلك التسميات مراعاة للبيئة السودانية البسيطة والمنطلقة كذلك تجنب الحديث عن الطاعة والخضوع للزعيم مما قد يسببه من نفور عند السودانيين، هذا التكوين والمزاج النفسي يدركه جيداً الإخوان المسلمون السودانيون، وعبر الترابي عنه بقوله: ((ولأسباب عائدة لطبيعة أهل السودان الحرة المتفلته على الضبط البالغ الذي لم يعهدوه في تقاليدهم السياسية والثقافية، أو غلى طبيعة الحركة الإسلامية فيه المؤسسة على قدر كبير من حرية التربية والرأي، تبدو أشكال الطاعة عند أعضاء الجماعة السودانية مختلفة عن قريناتها))41. أود أن أؤكد دائماً إن كثيراً من إيجابيات الحركة تعود إلى سودانيتها وليس لإسلامويتها فقد كان الواقع السوداني يفرض عليها رؤية وأشكال عمل وسلوك - على الأقل تكتيكياً ومؤقتاً - قد تبتعد عن مثال الحركة الفكري السائد وتختلف عن طبيعة عمل وسلوك تلك الحركات، وفي هذا السياق أجبرت الحركة على التسودن، يقول الترابي: ((ومن ثم إجتذبت الحركة مصطلحات أصلية في التقاليد الإسلامية مثل: الإمارة والإمامة والمسئولية والقيادة))42. لاحظ المقابلة بين التقاليد الإسلامية والتقاليد الديمقراطية كنظريتين مختلفتين لوضع وتسمية الزعامة.
لا يكفي في محاولة فهم الحركة الإسلاموية في السودان أن تقتصر على ما تكتب وتقول عن نفسها بل علينا أن نتعدى ذلك إلى المسكوت عنه، غير المكتوب ولا يقال بينما يمارس ويفعل في الواقع. فالحركة رغم نفي الدور الطاغي للزعيم يسود بينها استعمال الألقاب لتعظيمه وتأكيد قيادته نفسياً، فالترابي وأنصاره يفضلون مناداته (بالشيخ حسن) وهذا المصطلح في السودان عميق المدلول والإيحاءات مضمخ بأجواء السلطة السياسية والدينية في التراث والحياة السودانية التقليدية، لأنه يطلق على شيخ القبيلة وشيخ الطريقة الصوفية أو الروحية. وهناك قول مأثور يأمر كل من ليس له شيخ أن يبحث له عن شيخ، مما يدل على ربط الانتماء بوجود الشيخ ورقم وجود هيكل تنظيمي متعدد الوظائف والمهام لضمان ديمقراطية وتسلسل القرارات، إلا أن رأي (الشيخ) هو الذي ينتصر دائماً، مثال ذلك مسألة المشاركة في حكومة الصادق فقد كان الشيخ يرغب في المشاركة ولكن رفض المكتب التنفيذي التوصية وبينما وافق عليها مجلس الشورى، فقررت الجبهة المشاركة. ويحاول الترابي أن ينفي عن هذا اللقب - أي الشيخ - المعاني التي ترتبط عادة بتسميات زعماء الحركات الإسلاموية: ((ولقد جرى أخيراً على المسئول الأول مصطلح (الشيخ) سوى أنه بدأ رمز تسمية سرية أيام القهر ثم غدا لقباً لا يرقى لمغزى المصطلح العرفي))43. يعكس اللقب ولاء مطلقاً للشيخ في الواقع يصل لدرجة تقليد متعلمي وقيادي الحركة (الشيخ) في كل شئ: طريقة الكلام باليدين، واللبس، أي الملفحة ذات الخطوط السوداء، الضحكة المميزة، اللغة المنمقة التي لا تشرح كثيراً ولا تفضح، المرونة اللزجة في التعامل والنقاش..إلخ، باختصار فقد إستنسخت الحركة نماذج عديدة من الشيخ الأصل. وهنا مكمن الخطورة في هذه الحركات: الشعائرية والطقوسية ووثنية الزعيم وطائفية حديثه جريئة في مهاجمة الطائفية القديمة، فقط لقدرة الطائفية الجديدة على التمسرح وليس الأقنعة وتزييف الوعي بآليات حديثة وبالعمل وسط فئات تعيش قشرة الحضارة والحداثة بينما روحها ومضمونها من عصور وسطى مظلمة.
يبقى مفهوم الطاعة ومركزيته في مسيرة الجماعة، دليلاً ساطعاً على عقلية القطيع التي تحكم مثل تلك الحركات وعلاقة ذلك بالراعي أو الزعيم المطلق القرار، وهذه سمة أي جماعة فاشية التوجه لأنها تخاطب العاطفة والانفعالات والمشاعر. يحاول الترابي بطريقته المعهودة التقليل من دور الطاعة في التنظيم ويربط ذلك مجدداً ((بالطبيعة السودانية)) ولكن هذا التحييد لدور الطاعة تكشفه الطريقة الواقعية للممارسات الحزبية التي تجعل السلطة والتنفيذ في النهاية بيد (الشيخ). يقول الترابي: ((منذ تباعدت نظم القيادة السياسية والإدارية في مجتمع المسلمين التاريخي عن معاني الدين وأحكامه، أصبحت المنظمات الدينية كيانات خاصة، الطاعة فيها والقيادة أعراف معروفة لا تناصرها أوضاع ولا تكاليف سلطانية))44. هذه التكاليف بلغة الترابي تعني البيروقراطية واللوائح والتنظيم الإداري مقابل العرف والطوعية والعفوية، ويقصد أن نظام الطاعة والقيادة والتسلسل الهرمي وتوزيع الحقوق والواجبات له أصول فقهية وعقدية في المجتمع الإسلامي الأول ولأن الحركة تستلهم ذلك المجتمع فهي ستعيد تنظيم الطاعة والقيادة وفق تلك الإصول. وفي حقيقة الأمر تأثرت الحركة بالتنظيمات المنافسة وبالذات الحزب الشيوعي، بالإضافة لزيادة العلمنة بمعناها الاتصالي والتقني والإداري بين أعضاء الحركة، يصف الترابي هذا التطور: ((والحركة الإسلامية الحديثة محاولة لتأطير نظام الطاعة والقيادة في نظم قطعية تعين أحكام العلاقات والتكاتف في الجماعة بوجه محدد موثق ولا تترك الأمر عفواً - أن تبرز القيادة من التطور التلقائي للمقامات والكِسوب حسبما يقدرها ويعترف بها المجتمع الديني، وتتجلى الطاعة من الممارسة العفوية للعلاقات المواتيه وتتجسد في سنن السلوك المرعية إزاء المقدمين في المجتمع))45. ونظراً لأن الحركة لم تصبح سلطاناً رسمياً في ذلك الحين لذلك تركت مجالاً واسعاً لمغزى الطاعة والقيادة، ورغم أن هذا الكلام ملتبس ويغرقنا في لغة جميلة وثرية لفظاً ولكنه لا يدل على الكثير من المعاني. وآلية تعويم معنى يقصد بها تأكيد معنى آخر مخالف تماماً. فرغم تأكيد الحرية والأخلاقية العالية والمثالية يقصد تثبيت الطاعة والرضوخ والمرونة التي تمنع الخلاف والحوار والجدل، نقرأ: ((فقادة الحركة لا يطابقون بالضرورة أولئك الذين تسميهم اللوائح وتعينهم إجراءات التولية. والطاعة فيها لا تقتصر على حد قائمة التكاليف اللائحية المقررة. بيد أن الحركة تسعى نحو نموذج متكامل للجماعة الإسلامية التي يتكامل فيها البعد الوجداني الفردي والعرفاني الاجتماعي والسلطاني الرسمي، وتتأيد فيها هيبة سلطة الأمير بتوفير الأفراد واحترام المجتمع، وتتعزز فيها جزاءات الطاعة الوضعية بجزاءاتها الاجتماعية والغيبية، وتتنوع فيها صور القيادة ومقتضيات الطاعة في شتى الأطر الاجتماعية))46. رغم جزالة وفخامة هذه اللغة فهي لا ترضي العضو لو كان نقدياً ومتسائلاً ولكنها تجدي كثيراً في تربي العضو الخادع الراضي بإيمان العجائز، على سبيل المثال يمكن التساؤل: ما المقصود بالبعد العرفاني الاجتماعي هل ينسب للعرف وهذا الأقرب لسياق الفهم أم للعرفان وهو الأكثر صحة لغوياً؟ كيف تتعزز جزاءات الطاعة الوضعية بالجزاءات الاجتماعية والغيبية؟ وما الفرق بين الجزاءات الوضعية والاجتماعية؟
الحركة الإسلاموية في جوهرها حركة طاعة وخضوع ونمطية وتقليد في الفكر والتنظيم، وذلك لأن فكرة ((الفتنة)) تحتل موقعاً محورياً في نظامها الفكري السياسي والتنظيمي. لذلك يمكن أن يسمى أي اختلاف في الرأي أو محاولة التجديد ((فتنة)) يضاف إلى ذلك في اللغة الحديثة للحركة الإسلاموية مصطلح ((المرونة)) والذي ويعني عملياً التراجع غير المنظم عن المواقف بقصد حفظ الوحدة وتجنب الفتنة. شهدت الحركة الإسلاموية السودانية اختلافات عميقة بسبب القفزات التي تقوم بها القيادة بسبب حدة قضايا جديدة في الفكر (الموقف من المرأة والفن مثلاً) أو في السياسة (مثل المشاركة في الحكم والتحالفات) وحول حدود التجديد الفقهي. كان يمكن لتلك التحديات - تسميها الحركة ابتلاء - أن تؤدي إلى انقسام حاد في الحركات العادية التي تتميز بقدر من العقلانية وحرية التفكير ولكن في حركة الطاعة والشخصية الكارزمية لا مجال للاختلاف والفتنة. ورقم أن الإسلامويين ينفون خضوعهم للطاعة الميكانيكية فأن سير الأحداث يظهر خلاف ذلك ومع ذلك تستطيع الحركة أن تبرر، يقول الزعيم عن الأعضاء الملتزمين: ((لكنهم ووجهوا بقرارات جريئة بدت غريبة مخالفة للمعهود فما نكصوا عن الطاعة بل أبدوا مرونة في التحول مع مقتضى توجهات القيادة))47. الحديث عن الطاعة يعرض هنا إيجابياً لذلك تستعمل كلمة ((ما نكصوا)) أي أقدموا ولم يحجموا كأنهم في قتال أو جهاد. كذلك جعلت هذه الطاعة ((الحركة الإسلامية أسرع الحركات تجاوباً مع حركة التاريخ في السودان)) يضاف إلى ذلك ((أن الجماعة على ما هي عليه من مرونة الطاعة لم تتعرض لفتنة الشذوذ والمروق والانشقاق بدرجة كبيرة)) كل ذلك يتم إرجاعه إلى أصل ويقاس على واقع ديني/ نبوي ماضوي ليسبب الرضا وراحة الضمير ومزيداً من الانقياد: وقد راج فيها (أي الحركة) فقه لسنة طاعة الصحابة رضي الله عنهم مع الرسول (ص) زين إليهم حب الوحدة والالتزام دون كبت لحرية الأخذ والرد والتصرف، وحب التوكل بعد العزم أو الإجماع بعد الشورى دون التمادي بلا محاسبة أو مراجعة))48.
عملت الحركة بطرق عديدة على ضمان الطاعة وهيمنة القيادة وبالتحديد قرارات الشيخ، وهذا يفسر موقف الحركة من الديمقراطية والتعددية والحوار عموماً. لذلك تتحدث في تنظيمها عن الإجماع وهو ما يستحيل مع وجود عقول متعددة ومصالح مختلفة فالإجماع - كما ذكرنا - إسم آخر للشمولية لأن فكرة الأغلبية تعتبرها الحركة طريقة غريبة في إتخاذ القرار، رغم أنها واقعياً أضطرت كثيراً لتلك الطريقة، لأن من طبيعة البشر الاختلاف، ولنا نموذج آخر لمحاولة اللغة تطويع الواقع - في حديث الترابي: ((إذا أبرز النمط الديمقراطي الغربي صورة القرار تتخذه الأغلبية في وجه الأقلية، فأن الشورى الإسلامية تجعل مثالها أن يصدر القرار عن التراضي والإجماع في سبيل جمع عناصر الحق كافة وتعبئة الجماعة قاطبة)) وهو يعلم استحالة ذلك فيضيف تعريفاً للإجماع لا يختلف عما رفضه، أي رأي الأغلبية: ((بل الإجماع ما صادف موافقة السواد الأعظم وقارب توجهات الجميع ولم يتخذ على سبيل المشاقة المغالبة أو بروح الاستقطاب والتعصب))49. ويذكر أن القرارات الخطيرة كلها تصدر عن إجماع مطلق أو شبه مطلق، ولكن يبدو أن المقصود بذلك خضوع الأقلية لرأي الغلبية وهناك إشارة إلى الأختلاف أو التداول والترجيح ولكن ((حالما ينعقد القرار، إذ تنشرح له الصدور ويقوم به الجميع مطمئنين))50. كما نجد نوعين غريبيين من العلاقات في إتخاذ القرار - يسميها الأفقية والرأسية ويشرحها كالآتي: ((فالعلاقات الأفقية غالباً استشارة وخيار بينما العلاقات الرأسية إلى الأعلى شورى واستئمار وإلى الأدنى استشارة أو أمر أو تخيير)) من الصعب أن تتبع كلمة ((استئمار)) من الأعلى علاقة تخيير إلى الأدنى، لأنها أمر فقط.
يمكن أن نقول أن الحركة في سبيل الوحدة وعدم الانقسام جربت كل الوسائل اللاديمقراطية في التنظيم وأخيراً تخلت عن الفكر لصالح الحركة لضمان
الصف الواحد وهذا ما تسميه محاولة التوازن بين فقه الحركة وصفها51. طريقة تشكيل أعضاء هذه الحركات تحرمهم من المقاومة وبالتالي يسهل على القيادة تسيير التنظيم، فمن خلال الأسر أو الحلقات الصغيرة ((التي تحيط بعدد من الأعضاء من حيث جيرتهم لتصلهم بولاء الجماعة ونظامها ولتضمن تربيتهم وفق المناهج المقررة وتعبئتهم في سياق حركة الجماعة))52. كانت طريقة التربية تقوم على ((تلمذة للنقيب الذى يعلم ويزكي ويضبط))53. مثل هؤلاء الأشخاص يتكيفون سريعاً لذلك يتقبلون بسرعة قفزات الحركة الإسلاموية - فكرياً وتنظيمياً - ويقول زعيم الحركة: ((وكان بعضهم يعاني أزمة كلما إنتقل التنظيم من طور إلى طور جديد))54. ولكنه لا يوضح كيف يتجاوزون الإزمة؟ والجواب معلوم وهو قبول الأمر الجديد دون تساؤل لأن البنية الذهنية التي تخلقها الجماعات المتعصبة صارت تؤدي وظيفتها جيداً. كما أن الحركة لا تترك الأمر داخل الأجهزة دون تقييد مسبق يحقق لها الأغلبية الدائمة أو الإجماع، فتحصن الانتخابات المباشرة للمسئولين بقدر من العناصر المضمونة الولاء والطاعة عن طريق ما يسمى ((أهل التمثيل المخصوص)) أو التمثيل بالتعيين! أي الانتخاب غير المباشر، والذي يبرر: ((لكن الانتخاب العام مهما كان حراً وراشداً لا يخلو من ثغرات في تمام التمثيل فكانت إجراءات الضم بالانتخاب التكميلي غير المباشر تتيح فرصة لاستدراك ذلك)) ثم تدين الحركة الإسلاموية أسلوب الانتخاب في الديمقراطية الغربية الذي مارسته في انتخابات 1986 بكل وسائله وأخلاقياته مضافاً إليه أدوات مجتمعات متخلفة مثل العصبية والعشائرية، في نفس الوقت تنتقد الانتخاب المباشر عندما تريد تبرير التعيين والاختيار بقولها: ((وهي تعلم كيف تطور النظام الانتخابي في الديمقراطية الغربية لا سيما الترشيح ودور الدعاية الانتخابية والدعم المالي والضغوط والوعود في التأثير على الخيار وهي تدرك بفطرتها وفقهها أن ذلك يجافي خلق المتديين ويشوه شرعية الاختيار، ومن ثم طهرت ممارساتها الانتخابية من تلك الشوائب))55. ومن مظاهر التفرد بالقرار حتى بعد الانتخابات والشورى الشكليين أن بعض المسائل ليست عرضة للنقاش رغم حساسيتها وعدم ارتباطها بالعقيدة أو الفروض الدينية، وهي الناحية المالية، ويقول الترابي: ((أما ضوابط الإنفاق، فالجماعة لأسباب شتى لا تحفظ حسابات مراجعة، ولكنها تضبط حسابها بدرجة ما، ولا تعول على الثقة وحدها، بالرقم من أن مستوى الأمانة تطور مع تطور التربية المناسبة، ولم تعرف أوضاعها المالية خطير شبهة))56.
ضحت الحركة الإسلاموية السودانية بأي تعميق لفكرها قد يؤثر على الوحدة التنظيمية كما لم تحاول أن تناقش نفسها أو تنقد ذاتها بل صرفت كل طاقات الأعضاء نحو حرب وصراع خارجي ضد عدو متآمر يستوجب الأمر التوحد ونسيان الخلافات لمواجهته أو حسب زعيم الحركة: ((فقد وجدت الحركة الإسلامية في السودان أن صحة جماعة الحق وأن وحدتها في التعرض للباطل ومدافعته))57. ويفتخر أن الحركة لم تكن ساحة للصراع الفكري (ص 112) وضيف نافياً ضآلة الاهتمام بالفكر فيها، بينما هو في الحقيقة يؤكد ضعفها الفكري ونشاطها الحركي: ((لكن الحركة في السودان إلتزمت منهجاً حركياً عملياً صرفها عن فرط الإيغال في التنطع النظري، فلا يكاد المرء يلحظ فيها أثراً أو خطراً لخلافات تهدد وحدتها بين تيارات محافظة وأخرى تقدمية يسارية أو تقليدية وأخرى عصرية أو صوفية وأخرى سلفية ظاهرة))58.
يعترف حين أراد الفخر ببؤس وجدب الحركة فكرياً وأنها محرومة من وجود تلك التيارات التي عددها لإثرائها وإخصابها ولكنهم يكتفون دائماً بالهيئة الضخمة والعقل الضامر. وتتأكد في الحركة باستمرار صفة النفعية العملية (البراجماتية) فهي تقيس كل قضية بحسب نصيبها من النجاح والنتائج وليس حسب صحتها ومبدئيتها - كما أسلفنا - وهي تقر بذلك دون مواربة أو تورية. يقول الشيخ في موضع للحديث عن التنظيم: ((وقد إنطوت هذه السياسة المرنة في تسيير حركة الجماعة على مخاطرة واقع آمن ومفارقة لمعهود الجماعات الإسلامية، ولكنها أنتهت إلى نتائج مبددة للمحازير مبشرة بأن المجتمع الذي ستمكنه الحركة إن شاء الله سيأتي أقرب لتمكين الحق والخير)) ويضيف: ((فقد كان فقه الهدف لديها أنفع من فقه المنهج والتنظيم))59. هذه مكيافيلية صريحة تفصل بين الهدف وبين المنهج وطريقة تحقيق الهدف.
كان الضعف الفكري سبباً في تساقط العضوية خاصة بعد نضج الأعضاء ومواجهتهم لمشكلات لم تزودهم الحركة بأدوات ومناهج تحليلها وفهمها وطرق حلها، ولكن الحركة إحتوت هذه المعضلة بالتنظيم الفضفاض قليل الالتزامات والمسئوليات، فكان العمل الجبهوي. فقد فطنت الحركة إلى ظاهرة التساقط بعد التخرج، يكتب الترابي: ((وكان الطلاب الإسلاميون إذا وافاهم التخرج من كنف الجماعة الوثيق بمعاهد العلم إلى ساحة الحياة وأوساط الجمهور- حيث لا تجديهم تجارب التدين في الحياة الطلابية المكيفة وصداقتها الحميمة، وحيث لا يجدون أعواناً قريبين ولا كثيرين على الخير، وحيث تصدمهم هموم المعاش والزواج التي لم يتهيأوا لها بتربية مناسبة - كانوا يعانون عزلة كبيرة. وكان التساقط في العضوية إنقطاعاً من الصف أو وقوعاً في الفتنة يحدث بينهم بنسبة ذات خطر))60. هذه عضوية ضعيفة الفكر والإيمان تلهيها تجارتها وزيجاتها ووظائفها عن دينها ورسالتها. كذلك يتقلص التنظيم في فترات المصاعب والمواجهات بصورة مخزية ثم يأخذ أنتشاره السرطاني حين يوجد في السلطة أو قربها، يقول مكي: ((لم يكن هذا التقلص التنظيمي ناتجاً فقط عن اعتقال القيادة وبطش أجهزة الأمن ورجحان كفة اليسار ولكن كان كذلك بسبب حالة الإحباط والخمود التي أصابت الإسلاميين بعد حل الجمعية التأسيسية وسقوط معظم قياداتهم في انتخابات عام 1968 النيابية وما أعقب ذلك من انكفاء داخلي وتشويش فكري وتنظيمي: جبهة أم إخوان، تربية أو سياسة، نوع أم كم))61. يلاحظ أن هذه القضايا رغم أهميتها حسمت في صمت وهدوء يتماشى مع الطاعة.
وجدت الحركة الإسلاموية السودانية الحل لكل معضلاتها الفكرية والتنظيمية في التزام ما تسميه المرونة وهي لغة ملطفة للانتهازية أم البراجماتية الفجة. وقد مكنتها ((المرونة)) من تغير إسمها ومن إخفائه وتوسيع شروط العضوية وتغيير برامجها بدعوى المرونة السحرية يقول الزعيم: ((ويمكن في التقويم الإجمالي المقارن أن يقال بأن الحركة الإسلامية في السودان كانت برسالتها ترى الجماعة أكبر من أي إسم أو شكل تتخذه لبعض الأحيان لذلك هان عليها أن تكتب إسم الإخوان المسلمين كثيراً. أن تبدل نظامها الأولي طوراً بعد طور. بل كان أعضاء الجماعة يرون جوهر الدعوة وقضية الإسلام أكبر من الوسائط التنظيمية ووراء دائرتها بل أولى من الهيئة الكلية لجماعتهم)).(ص75) ولأن الحياة لا تنفد صور ابتلاءاتها وظروفها - يضيف: ((فإذا أنضبطت الجماعة في نظامها مطلقاً أوشكت أن تجمد وتقعد به عن الاستجابة لمقتضيات الظروف المتجددة. ومن ثم لا بد من قدر من المرونة والحرية وتوازن النظام وتتيح هامشاً من المبادرات والطلاقة لتتبلور مقترحات جديدة في شكل التنظيم)) (ص75-76) كانت نتيجة المرونة التوجه نحو التوسع بحيث يجد أي عضو طرفاً من قناعاته وحسب تطوره وأوضاعه واستعداده ((الفطري))، وهذا ما تسميه الحركة ((التنظيم الواسع المستوعب المتطور)) وقوى هذا الاتجاه التوسعي بعد المصالحة مع النميري عام 1977 حتى أصبح إستراتيجية معلنة، ((وأصبح توسع الصف أولوية في الهموم التنظيمية، وأصبحت التوجهات لنشر الدعوة تعزز بتقدير تكليف كمي في نسبة الانتشار للفروع بلغت أحياناً استهداف المضاعفة عشر مرات)) (ص42). ومن أجل تحقيق هذه الإستراتيجية وقعت الحركة التي تدعي الفكر والتجديد الفقهي والعقلي في نفس العيوب التي تهاجم الطائفية بسببها: ((وحينئذ تجاوزت الحركة تماماً منهج الانتقاء والتجنيد الفردي، وأصبح متاحاً للناس أن يدخلوا في الجماعة أفواجاً لا أفراداً فقد تدخل القبيلة والطائفة والفرقة (!) كما يدخل الأفراد)) (ص42) مثل هذا الدخول يتم بأن يعلن شيخ المجموعة أنه قرر هو وجماعته الخروج عن حزب (س) مثلاً والانضمام إلى الجبهة القومية وبالتالي يعتبر كل أتباعه أعضاء في الجبهة. لذلك لم يكن من المستغرب أن تعلن الجبهة القومية في شروط عضويتها حسب المادة (53) ج: ((لا يشترط في الحصول على عضوية الجبهة أن يتخلى الفرد أو الجماعة طالبة العضوية عن أي مناهج تربوية أو آداب في السلوك أو الذكر أو الولاء الخاص مادام ذلك يوافق الكتاب والسنة ويندرج في الولاء العام لحركة الإسلام في الجبهة)). وتذهب الفقرة (د) من نفس المادة إلى أبعد من ذلك: ((يمكن لغير المسلم أن يشترك في مناشط الجبهة وفقاً لالتزامه بأهداف الجبهة ووسائلها العملية كما هو مقرر في هذا الدستور. وكان التطور اللامركزي - كما تسميه الحركة - سبباً في إضعاف صرامة شروط العضوية.
إرتبط التوسع واللامركزية بمسألة علاقة الجبهة والإخوان وطريقة التعامل مع ما تسميه الحركة ((الواجهات)) ورغم أن هذه القضية قائمة منذ نشأة التنظيم إلا أنها أخذت أشكالاً جديدة في التطور الحالي ونحاول في هذه السطور تتبع هذه العلاقة والتي تظهر قدراً هائلاً من المرونة والسلبية بمعنى الانتهازية واستغلال الأخرين. بالنسبة لعلاقة الإخوان المسلمين بأعضاء وأنصار الجبهة فقد إستعمل الإخوان بحذق ومهارة طريقة (م. ن) أي مغفل نافع التي ألصقوها بالشيوعيين في علاقتهم مع الجبهة الديمقراطية فقد كان ((الإخوان المسلمون)) هم دائماً المسيرين لكل التنظيم بوعي ويقظة حتى لا يذوبون في التنظيم الشامل. يقول الترابي عن تجربة الاندماج: ((وكانت الحركة أكثر ما كانت توكلاً على الله ثم على متانة نموذجها حين دخلت بجماعة الإخوان المسلمين وهم ألوف في الجبهة الإسلامية القومية وهي مئات ألوف، وكان حظ الأوائل مقام الإمام في نمط الفكر والعمل والتنظيم، فما ذابوا ذوبان انحلال وانطماس بل وجدوا في حشد الجبهة بعضاً كانوا علي ذات مستواهم وبعضاً إهتدوا وإقتدوا)) (ص50) 62. أما عن الواجهات ومسألة الاختراق، فيكتب مكي معدداً: ((فدفعت الحركة الإسلامية بعدد من القيادات في اتجاه اختراق تنظيمات الشباب والنساء المايوية في سبيل توظيف هذه التنظيمات في خدمة أغراض الحركة)) (ص128) ويواصل: ((شرعت الحركة في تأسيس عدة واجهات)) ثم ((على درب رائدات النهضة جاءت منظمة شباب البناء التي أصبح لها خمسمائة فرع)) ويمضي: ((كذلك قامت واجهات إسلامية اجتماعية أخرى مثل جمعية الإصلاح والمواساة كما إنخرط عدد من الإسلاميين في تحريك هيئة إحياء النشاط الإسلامي، والندوة العالمية للشباب الإسلامي بالإضافة إلى الوجود الإسلامي المقدر في المؤسسات الإسلامية والتي نهضت على أكتاف الحركة الإسلامية: منظمة الدعوة الإسلامية، المركز الإسلامي الأفريقي، الوكالة الإسلامية الأفريقية للإغاثة، الجمعية الطبية الإسلامية، والجمعيات الخيرية والاجتماعية الأخرى، (ص129) هذا وقد إستغلت الحركة الإسلاموية السودانية أعمال الخير وظروف الفقر والحاجة أسوأ استغلال يتعارض تماماً مع إنسانية عمل الخير والأخلاق السودانية التي تدعيها وتدعو إليها، أخلاق الضمير الشعبي القائل شعراً: ((دا اللداك وكتر ما بيقول أديت)) وأخلاق أن تعطي بيد ما لا تعلمه اليد الأخرى.
تنوعت أشكال الاختراق والاحتواء بالذات في ميدان الاقتصاد والثقافة وما لهذين العاملين من آثار في حركة المجتمع. ويقول مكي عن دور الحركة داخل اقتصاد سودان السبعينات: ((وفي إطار ترجمة معاني الإسلام الاقتصادية تغذت شبكة المصارف الإسلامية على الكوادر الإسلامية والخبرات الإسلامية في مجال الاقتصاد حتى أصبحت جزءاً أساسياً في حركة مجتمع المال والأعمال. وغذت هذه المؤسسات المجتمع السوداني بالعشرات من الشركات في مجالات التنمية والاستثمار والبناء والتشييد والمضاربة)).
ويختتم وصفه: ((كما وجهت الحركة عدداً من كوادرها بدخول دنيا المال والأعمال والاستثمار مما أدى إلى ازدهار قطاع الإسلاميين في هذه الدنيا الجديدة وأصبح للحركة وجود فعال وسط التجار والمستثمرين ورجال الأعمال الذين استفادوا من علاقات الحركة الإسلامية وتسهيلاتها وتجمعات مؤيديها في الخليج وغيره)) (129-130) هذا التحليل معروف ولكن كان يأتي من خارج الحركة ولكنها الآن لا تنكره بل تعده كسباً وإنتصاراً. وإنعكس هذا الوضع على كل عمل الحركة التي لا تسعى أصلاً إلى التنافس الفكري، إذ يرد في تاريخ الحركة: ((تطور الوضع المالي للجماعة وأصبح لها قدرات مالية واقتصادية ضخمة فبعد أن كانت ميزانية المكتب السنوي في عام 1970 بضعة آلاف من الجنيهات أصبحت ميزانية التنظيم تحسب بالملايين مع عشرات من المتفرغين والكوادر المدربة والمنظمات الموالية التي تمت بصورة مضطردة أن منظمة الدعوة الإسلامية وحدها بنت ستين مسجداً داخل وخارج السودان وبلغت ميزانية المنظمات عشرات الملايين من الجنيهات السودانية))63. ويعلن مكي بوضوح عن صلة تلك المنظمات بالجماعة أو الحركة الإسلامية رغم الإنكار المتكرر لتلك العلاقة بالذات من قبل سوار الدهب والجزولي دفع الله اللذين تمت مكافأتهما بضمهما لهذه المنظمات/ الواجهات.
أما التسلل إلى مجال الثقافة فتذكر أدبيات الحركة بعضاً من هذه الهيئات مثل ((جمعية الفكر والثقافة الإسلامية)) التي ظهرت عام 1981 وضم مؤتمرها الأول شخصيات مثل يوسف فضل ومحمد إبراهيم أبو سليم ومحمد أحمد الحاج وخلف الله الرشيد ومدثر عبد الرحيم - وبعضهم بعيد عن الحركة بالإضافة لسياسيين مثل حسن الترابي والصادق المهدي، وظهرت - حسب مكي - عدة روابط ثقافية على المستوى الإقليمي مثل جمعية الفاشر المسرحية، رابطة الرسامين والخطاطين بدارفور، ورابطة الآداب والفنون، ورابطة الخنساء الأدبية بسنار والأهم من ذلك: ((كما دخل عدد من الإخوان في مجال النشر فصدرت مجلة (المغترب) والتي أسسها الإخوان كمال ومحجوب عروة، وتلا ذلك ظهور عدد من الصحف الإسلامية التي كسرت احتكار الدولة لحركة الصحافة مثل صحيفة (ألوان) لحسين خوجلي والتي تدثرت بدثار العمل الثقافي المحض وإن كانت لا تخلو من مناوشات سياسية، وصحيفة (الصحوة) التي أصدرها عبد الجليل النذير الكاروري.. وصحيفة (الأصالة) التي أدارها محمد الحسن عباس))64.
ورغم الحديث عن الثورة الثقافية التي تدعيها الحركة والتي تفرضها أي صحوة حقيقية إلا أن الأداء التنظيمي والحركي إحتكر كل طاقات الجماعة، يكتب مكي: ((ظل المكتب الثقافي متخلفاً عن الثورة التنظيمية وعاجزاً عن توفير إمكانيات النشر لهذا الجهد الذي كاد يصبح جهداً ضائعاً منزوياً في أضابير الإرشيف، وبرغم تخلف المكتب الثقافي عن متابعة حركة العطاء الثقافي، فقد
تمكن عدد من الإخوان من إصدار دراساتهم من خلال قنوات الواجهات أو غيرها)) (ص2-143) وحركة العطاء الثقافي هذه لا تزيد عن ثماني عشرة رسالة أصدرها تسعة أعضاء وهي مجرد كتيبات صغيرة وبعضها يحمل عناوين مثل: التبشير في العاصمة المثلثة، رسالة أفغانستان، أحمد بن إدريس الفاسي، دور الإعلام في التغير الاجتماعي.
كما يورد الكاتب ما يسميه مجموعات من البحوث والدراسات أصدرتها أمانات التنظيم، من عناوينها: تجارة الفيديو في السودان طبيعتها وانتشارها، رصد وتقويم مادة اليوم لتلفزيون السهرة، النشاط الكنسي في أم بدة، الجو النفسي والخلقي في مناطق بيوت الدعارة، الصراع بين الإخوان والختمية في الحارة السادسة بالثورة! هذه التسميات يمكن أن تكون عناوين لمذكرات داخلية مثلاً ولا يمكن أن نطلق عليها إسم بحوث ودراسات إلا ضمن حركة معادية للفكر والعقل الذي ينتج البحوث والدراسات الحقة65.
من المفارقات في تنظيم الحركة الإسلاموية السودانية أنه رغم بؤسها الفكري وجدبها الثقافي إلا أنها تعتبر نفسها ((حركة صفوية)) كما تكرر وتؤكد ذلك كثيراً. وفي الحقيقة لا تتعدى صفويتها النظرة المتعالية للجماهير. وإمعاناً في النفاق تتحدث عن تحولها إلى حركة شعبية ولكن لغة مخاطبة ووصف هذا الشعب لا تخلو من الاحتقار والتقليل من قيمة الشعب والناس العاديين. يتحدث الترابي عن هذا التحول وأخطاره: ((ويجادل أعضاء الحركة في خطر الانحلال، والاختراق الأمني، والتسيب الفكري والتربوي مع أشتات القادمين، والارتخاء الحركي والتنظيمي مع دخول العوام القدريين القاعدين الذين لا يتدينون إلا لخويصة أنفسهم ولا يوالون إلا إتكالاً وإتباعاً أعمى ولا يتحركون إلا عفواً وارتباكا))66. فليتصور القارئ أن مثل هذا النقاش يدور داخل حركة
تدعي الإسلام الذي أكرم الإنسان حصراً ويقول في موقع آخر عن صفوية الحركة المزعومة: ((وسواء رجع الأمر إلى طول مراحل الصفة النخبوية وتمكن روحها في تاريخ الحركة، أم إلى استسلام العوام لقيادة الصفوة وفتنة المجتمع بزينة الشهادات العليا، فأن قيادة الجماعة الإسلامية بالسودان قد غلب عليها عنصر الثقافة الحديثة)) (ص88) كان من المفروض أن يوضح الكاتب مظاهر هذه الثقافة الحديثة في سلوك أو إنتاج الجماعة الذهني، ولكنها مجرد مصطلحات يكفي أثرها النفسي الدعائي فقط. يؤكد باستمرار هذا الاختلاف بين الصفوة ((والعامة)) بطريقة تبينها كصفة إيجابية: ((ولعل أوسع فجوة تعانيها الجماعة بين رعاتها ورعيتها هي في التفاوت البادي للكسب العملي فقد تمكنت في القيادة طبقة مثقفة ثقافة حديثة عالية لا تماثل في ذلك متوسط القاعدة لا سيما بعد أن غدت الجماعة حركة شعبية. والقيادة من ثم قد تتحرك بنحو وتستجيب للتحديات بسرعة مما لا يسع آخر الركب، وقد يكون خطابها معقداً وبرنامجها مستعلياً لا يدركه السواد الأعظم من أتباعها. والمجتمع كله متطور يشكو شيئاً من التباين في المستوى يوشك أن يقطع محدثيه عن عوامه)) (ص91) ورغم التأكيد على تبادل المعلومات والخبرات بين ((الراعي والرعية)) حتى يصدروا جميعاً عن علم وحكمة واحدة، إلا إنها تحت دعوى السرية تحجب كثيراً من المعلومات: ((هكذا يحتكر كسب حركي جليل لفئة قيادية يؤهلها لأن تستبقى في موقعها فيضر بمرونة تطور عناصر القيادة صعوداً ونزولاً، ويفارق بين حيثيات السياسة القيادية وما عند القاعدة التي يرجى أن تتلقاها بالتفهم والتجاوب)) (ص91) هناك قرارات وأشكال لا يريد التنظيم الكشف عنها لذلك يحصر بعض المعلومات عند قلة، مثال ذلك وجود تنظيم خاص وذلك ما تنكره الحركة تماماً ولكن تجد عند مكي زلة قلم تقول: ((وفي ظروف شعبان تم وضع نواة (التنظيم الخاص) والذي إجتهد في حرق أكشاك توتو كورة وحماية القيادات وتولي بعض المسئوليات المحفوفة بالخطر))67.
يتكرر في أدبيات الحركة في الفترة الآخيرة حديث عن أن الحركة تسعى لكي تكون المجتمع أو ما تسميه التمكن المجتمعي، على سبيل المثال يقول الترابي بعد ثورة أبريل 1985: ((فقد أخذت الجماعة تتحول بطبيعتها نحو أن تكون المجتمع))68. وهي توظف الدعوة إلى اللامركزية في الحكم والتنظيم معاَ لكي تستطيع الانتشار: ((ثم أن الحركة بعد اعتصامها بإستراتيجية التحول الشعبي والتمكن المجتمعي أصبحت مدعوة إلى أن تنزل بفكرها ودعوتها وأجهزتها قريباً من الشعب في كل مواقعه)) (ص65-66) وفكرة العمل الاجتماعي لها أهداف سياسية في إستراتيجية الحركة للتمكن في المجتمع خاصة بعد أواخر السبعينات (بالتحديد 77 أي بعد المصالحة) وكانت غاية العمل الاجتماعي والمناشط الاجتماعية: ((التوجه نحو التفاعل مع المجتمع بكل وظائف الحركة، فقد إندفع عمل الجماعة الاجتماعي - إذ نهضت لسد الفجوة المتعاظمة بين القطاع الصفوي الحديث والشعبي التقليدي ولإيستيعاب المجتمع في صفها وإصلاحه بمنهجها من خلال الفعل المباشر في ثنايا حياته مثل ما تصلحه من خلال السلطان)). (ص175) هذا مفهوم خطير لأنه يلغي المجتمع المدني المتعدد، وهو مدخل جيد للفاشية لأن أي خروج من منهج الجماعة هو خروج عن أخلاق وقيم المجتمع كله وبالتالي يقمع بدون تردد أو تأنيب ضمير، ومن هنا نفهم حماس الحركة للجماعات الفاشية، مثل هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسارع ((الإخوان المسلمون)) عندما طبق نميري قوانين سبتمبر إلى إقامة وتنشيط تلك الجمعيات بالوحدات والمؤسسات الإنتاجية والأحياء، وحاولت الجماعة أن تجعل منها حركة تنظيم شعبي جديد، يكتب مؤرخ الحركة مكي باعتزاز: ((وقد تم إقامة ألاف الجمعيات كما صار لها مرشد ينظم علاقاتها ووظائفها وآدابها (مرشد المحتسب) مما أدى لإشاعة ثقافة الحسبة في المجتمع الإسلامي من جديد))69. وهي جمعيات متعصبة تتدخل في الشئون الخاصة والسلوك الشخصي وتتجسس على المواطنين وتأخذ القوانيين بيدها ولكنها ترضى كثيراً من سادية الأعضاء المتعصبين والعصابيين. وهذا السلوك ينتشر داخل الحركة ولم تدنه الزعامة بل تركه الترابي سؤالاً مفتوحاً حين قال: ((ثار التساؤل عن جواز إتخاذ وسائل المراقبة والتجسس والاستعلام والتجسس على الآخرين والنيل منهم من حيث لا يعلمون ويأذنون. وهذا سؤال مشروع جوابه معروف حين تتساوى سائر التقديرات المعتادة ولا تنشأ ضرورات تتناسخ بها الأحكام))70. وأصدرت الحركة ورقة عن الفقه الأمني حاولت تبرير سلوكها وهذا أصولياً وإيجاد المسوغات الدينية.
نشطت الحركة وسط فئات المجتمع المختلفة من شباب ونساء وعمال وفلاحين ومتعلمين، وتعترف بفشلها وسط العمال بالذات، يقول الترابي عن تلك الوضعية معدداً بعض الأسباب التي يراها معوقات في سبيل انتشار الحركة بين العمال: ((ولم تفلح الحركة في تأسيس قاعدة مقدرة بين العمال. وذلك أولاً لأن طرائق الدعوة والتربية والتنظيم فيها كانت أنسب للصفوة منها للعمال. ثم إن الطبقة العمالية الحديثة بتطور السودان لم تترق بل إزدادت بعداً عن الصفوة (!) إذ كان غالبها أو الأمر أهل قراءة وكتابة يمكن أن تستوعبهم حركة حديثة قوامها المثقفون، ثم أخذ هؤلاء يهجرون المهنة أو البلاد يخلفهم نازحون ريفيون))71. الأمر ببساطة هو أن العمال أكثر وعياً طبقياً أو على الأقل وعياً مطلبياً لذلك العمل وسطهم يكون على ضوء برامج تفصيلية وتختبر الحركات السياسية العاملة بينهم حسب صمودها وقدرتها على تحقيق مطالب لتحسين أوضاعهم بصورة ملموسة ولا يكفي أن تعدهم بمجتمع مثالي دون طرح خطوات عملية تحقق ذلك. فالشيوعيون مع وجود فكرة اليوتوبيا أو المجتمع الشيوعي المثالي في فكرهم لم يكتفوا بذلك فقد خاضوا مع العمال معاركهم الطبقية والنقابية، بينما الإخوان المسلمون يريدون دمج العمال في ((حركة حديثة قوامها المثقفون)) ومع ازدياد ارتباط الإخوان المسلمين بالنشاطات الطفيلية والدوائر الاستغلالية لم يعد لهم أي مستقبل بين العمال، يضاف لذلك التدهور المعيشي المريع الذي يعاني منه العمال خلال حكم نظام ((الجبهة القومية)) منذ انقلاب يونيو 1989.
من ناحية أخرى كان ((الإخوان المسلمون)) بتسمياتهم المتغيرة أكثر نشاطاً بين الشباب والطلاب وهذا وضع طبيعي لانعدام الخبرة والتعقل بين هذه الفئة والتي تسحرها الشعارات المثالية، كما أن العنف والاندفاع الذي تشبعه فيهم الحركة بوسائل شتى كان آخرها ((الدفاع الشعبي)) ومعسكر القطينة الذي إندفع نحوه الشباب ليس دفاعاً عن الوطن والعقيدة ولكن تنفيساً عن كبت يثقل نفوسهم الكئيبة وأرواحهم الجافة. وقد ثبت علمياً أن الشبان ينجذبون إلى تجمعات وتكتلات دينية أو علمانية ولكنها تجمعات تعصبية لأن التعصب يمنح الأمان المعرفي ويوطد النرجسية، خاصة في عصور الأزمة مع وهم السعي نحو مثل عليا نتيجة نقص في الواقع. وهذا ما يقدمه المتدينون - المتعصبون وما يسمى بدعوة المثل: ((والتي تعد بإعطاء جواب سريع في نطاق جماعة تعرض نفسها كجماعة مختارة)) وهنا تعبئ الحركة التعصبية الشباب وتربطهم بمثل وضعية كالعدالة والفضيلة))72. وفي دراسة عن الأصولية فسر أحد الباحثين أسباب تركيز الحركة الإسلاموية على الشباب واعتبارهم الهدف الأساسي لعملها - وقد صاروا بالفعل أكثر المتلقين للدعوة- يرجع ذلك إلى عدد من عوامل الأزمة في الوطن العربي مثل عدم الأمان النفسي، العطالة، فقدان الهوية، الظلم الاجتماعي، العجز القومي تجاه إسرائيل والغرب. ويربط هذه العوامل بطريقة أخرى حيث يقول بانتشار الأصولية بين الطلاب العلميين أكثر من طلاب الآداب والإنسانيات بسبب الرغبة في اللحاق بالغرب تكنولوجياً وعلمياً لتحييد تفوقه الصناعي والعسكري، ثم السعي للسيطرة على ميادين المعرفة العملية والتكنولوجيا لكي لا تدخل معها القيم الغربية إلى المجتمع الإسلامي إذا قام بذلك خبراء أجانب، وأخيراً جاذبية اليقين التي توجد في العلوم مقابل الطريقة التحليلية والتأملية في العلوم الإنسانية والاجتماعية والتي قد تؤدي إلى كثير من الشك والتساؤل73. والنظام التعليمي السائد يساعد كثيراً في إنتاج المتعصبين المحتملين لذلك يركز ((الإخوان المسلمون)) على كليات التربية ووزارة التعليم، وفي الأردن كادوا أن يرفضوا الاشتراك في الوزارة بسبب إلحاحهم على حقيبة التعليم.
الخطاب الإسلاموي
فضلت استعمال مصطلح خطاب (Discourse) في تحليل وفهم رؤية أو أيديولوجيا الإسلامويين خاصة وهي تصب عن أن تكون فكراً أو نظرية متكاملة ومنهجية وعلمية، وليس بسبب حداثة وشيوع المصطلح مؤخراً في ميادين المعرفة ومجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية واللغوية والأدبية بالذات. والخطاب مفهوم أكثر شمولاً ويحتوي على عناصر تقربنا من المقصود خاصة فيما يتعلق بأشكال وطرق الإدراك والتصور لدى الإسلامويين- والأهم في ذلك- سبلهم في الاتصال والتوصيل. رغم أن تعريف هذا المفهوم شائك ومتعدد ولكن سوف نلتمس أكثر التعريفات دقة وبساطة في نفس الوقت، وأقربها معنى كأداة تحليل للحركة الإسلاموية في السودان خاصة في تطورها الأخير الذي أثر كثيراً على مضمون ومنطلقات وآليات خطاب الحركة. فالخطاب قد يعني الحديث أو القول أو المقال سواء المكتوب أو الملفوظ، ويراه البعض: ((هو ما نظم حسب منطقية معينة (المنطق العادي أو منطقية النص أو منطقية القائل) ورتبت ألفاظه حسب محور محدد لدى فاعل القول، في الفلسفة يعني ما تناسقت مراحله من القول تقريراً أو تحريراً حسب قواعد المنطق والتدليل))74. وفي الألسنية - التي تستعمل المصطلح كثيراً - هو السلسلة المتواصلة من الكلام المتلفظ به، وينسب تاريخياً على مقولات علم المنطق بمعنى التعبير عن فكر متدرج بواسطة قضايا مترابطة، وفي الجامعات أجيز إطلاقه على العمل البحثي في بداية القرن السابع عشر، وأكتسب المفهوم حديثاً أهمية متميزة باعتباره أداة تحليل خاصة بعد التحول من مركزية مفهوم اللغة التي نظر إليها - ككلام أو كتابة - موضوعياً بوصفها سلسلة الأنساق التي لا تنطوي على ذوات، إلى التركيز على الخطاب من حيث هو نطق أو تلفظ، مما يعني إدخال الذوات الناطقة في الاعتبار.
وبالتالي يحمل وجهه نظر محددة من الكاتب أو المتكلم تهدف للتأثر على الآخرين ضمن الظرف الذي أوجده أي الخطاب75 أي إمكانية تفسيره داخل ثقافة معينة وفي إطار تاريخي - اجتماعي وضمن جماعات وفئات اجتماعية. وما يهمنا في هذه الدراسة كيفية وإمكانية تحول الخطاب الإسلاموي من مجموعة أفكار إلى قوة مادية تؤثر على الخيارات السياسية في السودان في الوقت الراهن.
الحديث عن الخطاب الإسلاموي لا يتطابق مع النص القرآني أو الإسلام - الذي في أصوله المتفق عليها بل هو قراءة/ تأويل للنص القرآني أو للدين الإسلامي تحكمه الظروف التاريخية وتحينه actualization وهذا يعني أنه يقيم صلة ما بالنص القرآني أو بالفكر الإسلامي رغم تناثره في تيارات ومذاهب عديدة، بل يجعل من النص القرآني والسنة مرجعيته في الإقناع. ولكن الخطاب الإسلاموي السوداني المعاصر محكوم بدلالات هذه التسمية فهو إسلاموي وليس إسلامياً بمعنى أنه قراءة لجماعة سياسية تسمى نفسها ((الجبهة الإسلامية القومية)) تمتد جذورها إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أو نهاية الأربعينات وهذه حقبة هامة في التاريخ شهدت صعود حركات التحرر الوطني ثم بروز شكل آخر للاستعمار الحديث عمق التبعية الاقتصادية والتخلف في كل صوره المادية والتقنية والعلمية . وفي نفس الوقت عجزت الفئات الاجتماعية الصاعدة عن الوصول بسيرورة التحرر إلى مداه. ومن مسارب هذا العجز نمت الجماعات الدينية وليس بسبب قوتها الذاتية وعلى الخصوص الفكرية والتي تتسم بتناقض وتهافت واضحين. وكان صعود الخطاب الإسلاموي امتداداً لفكر تقليدي مدجن وتوفيقي باستمرار لدرجة تفقده مبررات وجوده. يقول (عامل) بحق عن الفكر البرجوازي الكولونيالي التابع أنه حمل معه فكر المراحل السابقة ولم يتناقض معه تناحرياً لذلك لجأ إلى التكيف والإصلاح والتوفيق76. ومن هذا المنبع الفكري والمنبت الطبقي جاء الخطاب الإسلاموي السوداني الذي تمثله الجبهة كتنظيم تهيمن عليه الفئات الوسطى العليا والبرجوازية الصغيرة في تحالف مع برجوازية طفيلية يساعدها ذلك الخطاب في الازدهار واكتساب شرعية ترتكز على المتعالي لأن الواقع يشعرها باغتراب، فيه تختفي تلك العلاقة التاريخية المحددة من التبعية البنيوية للإمبريالية بشكل تظهر فيه كأنها قدر غيبي هو قدر التمزق الدائم بين ماض ترى في حضوره الدائم سبب العجز عن الخروج منه، وحاضر غائب عنا هو الآخر، يجب الوصول إليه دون القدرة على ذلك، بخروج من الذات إلى الغير، وفي الخروج تغرب عن الذات وفي الوصول إلى الغير تغرب عنها، ولا خروج من التغرب إلا بالبقاء فيه77.
وهكذا تبقى علاقة التبعية البنيوية مثل قدر إغريقي غاشم يبدو الفكاك من خاتمته مستحيلاً، ولكن في واقع التطور الاجتماعي ممكن بشرط قيادة الطبقات الثورية لحركة المجتمع والقيام بدورها في التحرر الشامل.
ضمن هذا البناء الاجتماعي - التاريخي بحث الإسلامويون السودانيون عن خطاب منقذ يتمحور حول مثال أو وهم يمكن من التجييش والتعبئة، ومن هنا كان الخطاب الإسلاموي ذا طابع أيديولوجي فاقع بل هو خطاب أيديولوجي بامتياز، لذلك يمكن أن نستعمل خلال هذا المتن كلا الصفتين بالتبادل دون تغيير للمقصود من معنى ودلالة أي ترادف الخطاب الإسلاموي والخطاب الأيديولوجي للحركة في السودان. وتعني الأيديولوجيا هنا مجموعة من التصورات والأفكار والمعتقدات المتميزة هنا ذات وظيفة محددة في كثير من الأحيان وهي وظيفة التبرير، كذلك غالباً ما تسعى للوصول إلى توبيا أو يوتوبيا، ويقدم العروي ثلاثة معان مختلفة ولكنها رغم ذلك تنطبق على الأيديولوجيا الدينية، فهي في المعنى الأول بمثابة انعكاس منفصل عن الحقيقة الواقعة بسبب مجموعة الأدوات الذهنية المستعملة. والثاني بمعنى نظام فكري يحجب الواقع لأنه مستحيل التحليل (أي الواقع) أو صعب التحليل والثالث بمعنى بناء نظري مأخوذ من مجتمع آخر أو قد نقول من عصر آخر78. ويسمى أركون الخطاب الإسلاموي بمرجعيته الدينية أيديولوجيا الكفاح مرة وأيديولوجيا الاحتجاج في مواقع أخرى فالأولى مرتبطة بفترة الكفاح ضد الاستعمار حين إستغلت الحركة التراث الإسلامي كحافز للتجييش السياسي ضد المستعمر الذي أراد محو الحضارة الإسلامية.79 كما يتحول التراث إلى نوع من أيديولوجيا الاحتجاج والتغيير في مرحلة الصراع مع فئات وقوى اجتماعية أخرى من مرحلة الحكم الوطني. وهنا أيضاً نبتعد عن التراث كروح للوحي أو حتى عن التراث بمعناه الدينامي الاخلاقي الذي يرسخ فكرة معينة ورؤية محددة عن الشخص البشري80.
تستولي الأيديولوجيا على الدين لدى الإسلامويين وتوظفه كاملاً وجيداً كما تريد وبآليات متعددة تسخر لغته ومفاهيمه وأفكاره. وهنا نقف لنفرق بين الحركة الفكرية والحركة الأيديولوجية، فالأولى تنتج الأفكار من خلال جهد المفكرين لتطوير الأفكار وإثرائها وتجديدها ومراجعتها أما الأيديولوجيا فعلى العكس من ذلك تحاول تثبيت أفكارها وتنظيمها بحيث تقوم بالمهمة الأساسية وهي تعبئة الجماهير بفعالية وإدراجهم - لو أمكن - في فعل سياسي ناجح. وتختلف أيضاً عن العلم لعدم وجود منهج إذ تهتم أكثر بالهدف، مثال ذلك المقولة الأساسية لدي الإسلامويين والتي ترى أن حل مشكلاتنا هو في العودة إلى القيم الدينية، فهذه فرضية تبدو مقبولة وصحيحة لعدم وجود خلاف حول الأهداف المطلوبة. ولكن الخلاف حول تفسير الأوضاع التي تدفع الناس بعيداً عن تحقيق الأهداف. والمطلوب المنهجية في طريقة وضع المشكلة وتفسيرها ثم وضع الحلول81. وهذا وضع طبيعي بالنسبة للخطاب الأيديولوجي الذي غالباً ما يحرف الواقع بوعي أو بدون وعي وذلك لأنه يبحث عن نموذج ملائم مثالي - وفي العصر الحاضر وضمن ظروفنا - بهدف التكييف مع البيئة والتحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية. يقوم الخطاب الأيديولوجي بعملية اختيار أو انتقاء من قبول أو رفض من مدركات الواقع. لذلك يلعب المجاز دوراً حاسماً في تشكيل هذا الخطاب - خاصة والقرآن الكريم كمرجع يزوده بذلك - ويتيح استعمال المجاز تغيير أو تحوير الوقائع الوجودية الأكثر يومية وأبتذالاً وتصعيدها وتساميها من أجل أسطرة وتركيز مناخ الوعي الديني الجديد الذي يراد تأسيسه وفرضه82. أو خلق ما يسمى بالرأسمالي الرمزي للإسلام والذي توظفه الجماعات الدينية في عملها السياسي، فهي تواصل عملية التحويل والتحوير Transformation بإعادة تفسير وتأويل الوقائع العادية وتحويلها إلى نماذج مثالية عليا تشكل هوية ثقافة جديدة للأمة، وهذا يتم بإهدار المعنى أو الدلالة التاريخية لحساب المغزى المحدد أيديولوجياً83. فالنص القرآني ذو بنية رمزية مركزية تستخدم لغة الرمز والمجاز بحيث تجعل العبارات القرآنية إمكانية مفتوحة للمعنى والدلالة. هذا جانب روحي ولكن يمكن أن يتحول إلى جانب أيديولوجي حين يجعل الناس من الإمكانات وقائع متوهمة أي جعلها قابلة للتحيين والتجسيد في
ظروف وجودية متواترة ومتكررة84.
قد يتساءل المرء كيف تستطيع الأيديولوجيا الدينية رغم عدم علميتها وفقدان المنهج أن تجتذب العديد من المؤيدين ومن بينهم المتعلمون؟ وقد نجد في حديثنا عن التعصب والمتعصبيين والفاشية بعض الرد، إذ أن هؤلاء لا يميلون للتساؤلأو الشك ويحاولون أن يظلوا ضمن نظام أو نسق فكري مغلق بإحكام وإلا فقدت مثل هذه الأيديولوجيات شرعيتها إذا أعتبرت نفسها نسبية أو تاريخية. إذ يفتح هذا باب الاختلاف والمراجعة وبالتالي إضعاف قبضة الأيديولوجيا على عقول حامليها وترتكز على آلية التماسك، يقول أحد الباحثين: ((ذلك أن واحدة من أهم آليات الأيديولوجيا تكمن في إحاطتها بمعتنقيها، فالوجود خارج الأيديولوجيا القادرة على تحويلها إلى موضوع، ومن ثم القدرة على كشف تناقضاتها، وزمنيتها، وارتباطها بمصال طبقة معينة ولا تهم السلامة النظرية . المؤمن بالأيديولوجيا يهمه في المقام الأول ما تحقق له على المستوى الفردي من تبرير ذهني يصنع توازنه النفسي والأخلاقي والوجودي عموماً، وما تحققه للفئة أو الطبقة أو الجماعة الاجتماعية أو القومية من حفاظ على تماسك البنيان الاجتماعي85. وهنا تبتعد عن العلم لأنها قائمة على خطاب أو (خطابات) أسطورية - ليس بمعنى الخرافة - ولكن أثر الخيالات والحلام والأوهام المصاحبة للأحداث على الإدراك (أو الوعي) وهي تمارس فعلها بالمجاز والرمز، وذلك خلافاً للخطاب العلمي العقلاني والذي يمارس فعله بواسطة المفهوم والبرهنة المنطقية86.
من البديهي اختلاف ميدان الدين والعلم، ولكن الخطاب الإسلاموي المعاصر يصر على علمية منطلقاته الفكرية رغم غياب المنهج لأن العلوم الدينية - الإسلامية تهتم بالموضوع أكثر من طريقة بحثه كما تعتبر الوصف علماً. كذلك يلاحظ عدم التدقيق في تحديد وتعريف المفاهيم المستعملة والاعتماد على العبارات الضخمة فقط والمترادفات والتشبيهات. الجماعات الدينية في حقيقة أمرها ضد العلم أو النظريات العلمية ولكنها لا تفصح عن هذا الموقف رغم أن سلوكها وممارستها تكشف عن ذلك الموقف، على حين يعبر سيد قطب - الأكثر جراءة وإتساقاً مع نفسه - عن معاداة العلم الصريحة، حين يقول: ((أن حكاية أن الثقافة تراث إنساني لا وطن له ولا جنس ولا دين.. هي حكاية صحيحة عندما تتعلق بالعلوم البحته وتطبيقاتها العلمية دون أن تتجاوز هذه المنطقة إلى التفسيرات الفلسفية والميتافيزيقية لنتائج هذه العلوم، ولا إلى الفن والأدب والتعبيرات الشعورية جميعاً. ولكنها فيما وراء ذلك إحدى مصايد اليهود العالمية، التي يهمها تمييع الحواجز كلها - بما في ذلك، بل في أول ذلك حواجز العقيدة والتصور - لكي ينفذ اليهود إلى جسم العالم))87. يستبعد كل العلوم الإنسانية والاجتماعية ويبقي - كما يظهر - العلم التجريبي ولكن أيضاً دون فلسفة عام. هذا نموذج للتعامل الأنتقائي المتأزم مع التطور الذي يعيشه العالم في مختلف الميادين، دون أن نسأل هل من الممكن رغم العجز والتخلف أن تكون لدينا إرادة حرة في الاختيار والانتقاء؟
العلم والأيديولوجيا والسحر كلها طرائق للمعرفة أو فهم البيئة المادية والإنسانية ولكنها تختلف في وسائلها ومضمونها ووظائفها. ويهمنا هنا الاختلاف بين العلم والأيديولوجيا، فالأول نظام معرفي قادر على تحويل ذاته إلى موضوع. فتصبح الذات مُدركَا ومُدُرِكا في آن، وهذا ما يجعله قادراً على مجاوزة ذاته، وتعديل مواقفه وإرهاف أدواته، وهو يتوسل إلى التعامل مع الحقيقة بالاستقراء والاستنباط وتبني الوصف، ويكشف عن علاقات الأشياء من خلال قرائن تنطوي عليها العناصر، وينتقل من الوقائع العينية إلى التجريد من خلال خطاب برهاني، لذلك فهو بناء يتراكم))88.
وكان يمكن أن نبسط الأمور ونقول الأيديولوجيا عكس ذلك تماماً، وهي بالفعل لا تتمتع بهذه الخصائص لأنها تهتم بالوظيفة الأيديولوجية والغايات التي تريد تحقيقها. لذلك تميل إلى أن تكون مطلقة وشاملة ولا تاريخية وبالتالي تسجن نفسها في نسق فكري مغلق على اعتقاد أنها بديل للعلم وتمتلك الحقيقة الكلية لذلك لا تقبل الحوار والاختلاف. وهي ذات ((نزوع إلى التقويم والحكم القبلي الحدي، ما تلجأ إليه من حجاج سجالي عنيف، كدحاً خلف تثبيت أوضاع معينة أو تحقيق مكاسب محددة))89. وهي تمنع الوصول إلى الحقيقة أو المعرفة النظرية لأنها لا تقوم بتحليل الواقع أو التاريخ خاصة لو كانت أيديولوجية دينية لقوة مرجعيتها. فالخطاب الإسلاموي هو تعبير عن أيديولوجيا دينية - سياسية تحاول باستمرار إخفاء السياسي وإظهار الديني بكل قدراته الرمزية والتحليلية والأسطورية بقصد رص الجماهير وتحريكها حتى تحقيق هدف استلام السلطة السياسية أو التمكن في الأرض - كما تسميه - لتأسيس المجتمع المثالي الذي كان في التاريخ، مجتمع المدينة الذي يمثل العصر الذهبي للأسلام. ومثل هذه الدعوة تلبي حاجات نفسية وعاطفية وفكرية عديدة لدي قطاعات كبيرة عاجزة أمام مصيرها ومصير أوطانها.
يفكك أركون الخطاب الإسلاموي المعاصر إلى أجزاء وعناصر مشكلة لبنيته، وهي المحاور والفرضيات والموضوعات. فالمحاور يقصد بها التوجهات الدائمة والمستعادة التي يحددها المسلمون لفكرهم وإرادتهم التاريخية في إعادة تنشيط وتطبيق تعاليم الإسلام. وهي التي توجه الحساسية الجماعية وطراز التصور والإدراك واللغات والتصرفات. ويمكن تحديدها دون الرجوع إلي مؤلف لأنها ناشطة ومنتشرة في فضاءات المجتمعات العربية - الإسلامية - مع وجود بعض الشخصيات الدينية التي تقوم بمهمة صياغة الخطاب وتوصيله، لذلك فهذه المحاور منتشرة ومشتركة بين الجميع90. ومن أهم المحاور هو تأكيد أن الله واحد ومتعال وحي وعادل.. وقد توجه بمبادرات عديدة نحو البشر وأختار منهم أوصياءه أو رسله على هذه الأرض (ص46). وتمارس كل مبادرة أو كل وحي نفس أسلوب التوصيل ولا بد أن ينقسم البشر إلى مؤمنين وكافرين تجاه هذه المبادرة، وينتج عن ذلك انقسام الزمن الأرضي إلى قبل وبعد الوحي، وحتى المكان ينقسم إلى دار السلام وهي التي تطبق قانون الله ودار الحرب.
يحتوي القرآن على الوحي الكامل والأخير، كما أن حياة الرسول والمدينة - الدولة تقدم نموذجاً يجب الاقتداء به وتقليده، هكذا يشكل الدين والدولة والدنيا ذرى مترابطة لا تنفصم للوجود البشري. ولكن الدين هو الذي يصوغ بالمعنى القوي للكلمة السياسية والحياة الدنيوية91. والحقيقة كلها جاءت كاملة مع الوحي. ويقصد بالفرضيات المبادئ التي تستمر في إنتاج كل المعرفة الإسلامية على أساس أن الوحي يعني الحقيقة الكلية. وتأتي الموضوعات التي قصد بها كل أنواع المطالب والشعارات والاحتجاجات والآمال والاعتقادات التي جيشت الوعي الإسلامي منذ القرن التاسع عشر، من أهمها وحدة الإسلام، العودة للعقيدة الصحيحة لكي نلحق بالعالم المتقدم مع رفض الأيديولوجيا المادية، كل الأفكار الحديثة والاختراعات الكبرى موجودة في القرآن أو مارسها المسلمون قبل أوربا، فصل الدين عن السياسة فكرة هدامة كما أن عملية البناء الوطني الجارية منذ الاستقلال لن تتم بمعزل عن الإسلام92.
تتعدد الآليات التي يعمل بواسطتها الخطاب الإسلاموي في عرض أفكاره أو محاوره وموضوعاته، وهي كثيراً ما تشترك - رغم اختلاف الزمان والمكان والسياق - في سمات عديدة متكررة تتجاوز الخصوصيات، فمن آليات أي خطاب إسلاموي أنه يوحد بين الفكر والدين وبين النص وتأويل أو قراءة النص. ومن هنا جاءت إتهامات التكفير والردة حيث لا يفرق بين معارضة فكرة قال بها شخص وأرجعها إلى النص القرآني مثلاً وبين معارضة النص نفسه، ومن هنا خطورة إقحام الدين في السياسة.
ويورد أبوزيد آليات مثل: ((تفسيرها الظواهر بردها جميعاً إلى مبدأ أول أو علة أولى، تستوي في ذلك الظواهر الاجتماعية أو الطبيعية))93. ومن آليات الخطاب الإسلاموي أو الديني عموماً إسقاط البعد التاريخي لأن زمنه هو زمن الوحي كما أن التاريخ يعيد نفسه باستمرار وتكون أحسن العهود دائماً في الماضي وليس في المستقبل، ومن الطبيعي أن يعتمد مثل هذا العقل على التراث والسلف وذلك بعد تحويل النصوص التراثية - وهي نصوص ثانوية - إلى نصوص أولية تتمتع بقدر هائل من القداسة لا تقل في كثير من الأحوال عن النصوص الأصلية. ومن آلياته اليقين الذهني والحسم الفكري القطعي ورفض أي خلاف فكري.... إلا إذا كان في الفروع والتفاصيل دون الأسس والأصول94.
الخطاب الإسلاموي وتزييف الوعي
يظهر من آليات الأيديولوجيا الدينية = الخطاب الإسلاموي أنها تعمل على تشكيل وعي أو إدراك للواقع، أو رؤية شاملة Weltanschauing حسب فعل هذه الآليات في الملتقى والذي يراد منه أن يكون مؤمناً يقينياً ودوغمائياً حصرياً وأبعادياً للآراء والمخالفين مما يقتضي تعصيب الفرد أي جعله متعصباً من خلال سيرورة تفكير وسلوك مستمرة. هذه العملية لن تتم مع وجود عقل أو وعي صحيح يدرك ويفهم ويحلل ويجرد ويطبق بمنهجية وانفتاح وتسامح وقبول للجديد والآخر. والأيدولوجيا عموماً تعمل على تعطيل مثل هذا العقل، لذلك فهي كما يقول دوربريه - التفكير في القلب معقل الأيديولوجية وبالتالي ميزتها باعتراف ضحاياها أنفسهم))95. أن تجعل القلب يخفق والرأس يضيع من أولئك الذين تخضعهم لسحرها، تخاطب الأيديولوجيا في أحسن حالاتها العقل الجمعي أو الوعي الجمعي Collective Consciousness حسب دوركايم، والعقل الجمعي انفعالي وعاطفي لا يحركه بالضرورة المنطق والبرهان والإقناع.
يعتبر النص أو التراث هو المرجعية التي تمثل للخطاب الإسلاموي أو الأيديولوجيا الدينية - السلطة الرمزية وهي كذلك حسب بورديو - من حيث أنها قدرة على تكوين المعطي عن طريق العبارات اللفظية، ومن حيث إنها قدرة على الإبانة والإقناع، وإقرار رؤية عن العالم أو تحويلها، ومن ثم قدرة على تحويل التأثير في العالم، وبالتالي تحويل العالم ذاته، قدرة شبه سحرية تمكن من بلوغ ما يعادل ما تمكن منه القوة (الطبيعية أو الاقتصادية) بفضل قدرتها على التعبئة وتعتمد هذه السلطة على الإيمان بها. لأن ما يعطي الكلمات، وكلمات السر، قوتها، وما يجعلها قادرة على حفظ النظام أو خرقه هو الإيمان بمشروعية الكلمات ومن ينطق بها وهو إيمان ليس في إمكان الكلمات أن تنتجه وتولده96. والسلطة الرمزية تتجسد في النص أو التراث والذي يضاف له صفة الحي أي التراث الحي ليعني ذلك وجوده راهناً واستمراره السرمدي أو الخالد. فلكل شعب أو ثقافة تراثها أو نظام من القيم المركزية التي ترجع بشكل متصل ومتواصل إلى أصل إسطوري أو متعال والتي يتم تأبيدها عن طريق الذاكرة الجماعية والعمل الجماعي. ((وهذا التراث يكون أكثر حضوراً وتأثيراً في الأديان الكتابية لأنه محفوظ ومسجل وتعاد قراءته كوثائق تاريخية غابرة ولكن ككلام حي وجديد وكأنه يقال لأول مرة. وهذ يعني أن هذا التراث الحي لم ينجي من الاستخدامات الأيديولوجية للجماعات السوسيولوجية المتخاصمة على السلطة والتملك والارتزاق))97. التراث لا يخضع للتوظيف الأيديولوجي فقط ولكن مشكلته أن نوع الأيديولوجيا التي تتمثله تنتمي إلى الماضي. وهذا مقتل الأيديولوجيا الدينية والخطاب الإسلاموي فهي تنظر إلى الحاضر والمستقبل بعيون الماضي، وكان يمكن للتراث أن يكون حياً شرط أن يرى بعين الحاضر وليس العكس، وبالتالي يساهم في صناعة المستقبل ولا يجر إلى الخلف كما يفعل الآن.
الاحتكام إلى النصوص والتراث يعمل بمهارة في تزييف الوعي من خلال آليات عديدة تقدم الواقع كما يريد الخطاب الإسلاموي أن يدركه الناس. وتتحول النصوص الدينية شئنا أم أبينا إلى أيديولوجيا تشتغل حسب منطقها ووسائلها الخاصة والتي هى بالضرورة طريقة لتزييف الوعي ويتم ذلك من خلال آليات عديدة من أهمها وأنجعها، مثلاً: إبراز الجزء المنتزع من الواقع وكأنه كل شامل وإذا تعاملت مع الكل فإنها تعكسه أما في صورة مطلقة خارج الزمان والمكان أو في صورة مفتته ومجزأة تشوه انعكاس الواقع ولا تعبر عنه، وآلية القلب أي عرض وقائع معينة بصورة هي عكس ما هي عليه في إطارها الاجتماعي، وأخيراً تقدم هذه الصورة المركبة والتي لا تصف الواقع ولا تحلله على إنها تمثل الحل النهائي والشامل لكل القضايا وهي تحاول - كأيديولوجيا - أن تخفي تمثيلها لمصالح فئات اجتماعية معينة وتقدم رؤيتها كنظرة عامة وجماعية98. تقترب عملية تزييف الوعي هذه مما يسمى بالتخييل بمعناه المنطقي القديم الذي يناقض العلم ويرادف الأيديولوجيا كوعي زائف. وهذا ما قصده الفارابي حين جعل القول المخيل نقيض القول البرهاني الذي يفيد العلم اليقيني، والتخييل عملية تستعمل في مخاطبة إنسان يستنهض لفعل شي ما باستفزازه إليه واستراجه نحوه، وذلك إما بأن يكون الإنسان المستدرج لا روية له ترشده فينهض نحو الفعل الذي يلتمس منه بالتخييل فيقوم له التخييل مقام الروية، وأما أن يكون إنساناً له روية في الذي يلتمس منه، ولا يؤمن إذا روي فيه أن يمتنع، فيعاجل بالأقاويل الشعرية لتسبق بالتخيل رؤيته حتى يبادر إلى ذلك الفعل99.
يقوم الخطاب الإسلاموي على ترسانة آليات أيديولوجية وأدوات متعددة لتزييف الوعي، ويمكن قياس نجاح أي حركة إسلاموية حسب قدرتها على حشد وتوظيف هذه الآليات والأدوات، ومن هنا كان نجاح وانتشار ((الجبهة الإسلامية القومية)) السودانية إذ بالإضافة للتراث النصي العام وجدت في واقع السودان المتنوع فرصة للنظر. كما أن أجواء الحوار والصراع الفكري والديمقراطية السودانية كمؤسسات ومعاش ساهمت في تطوير الحركة. وكان على رأسها شخصية سياسية حديثة وعلمانية ذات قناع ديني. لذلك تمكن الشيخ حسن الترابي بثقافته التقليدية والغربية وإجادة لغات أجنبية مع عقلية قانونية سجالية، من صياغة خطاب أيديولوجي ماهر ومحنك في تزييف الوعي، إستغل الشيخ حسن اللغة لمصدر للسلطة والهيمنة المعرفية وبالتالي السياسية على المدى الطويل، ويستعمل الترابي اللغة الحاجبة بينما المطلوب في اللغة أن تفصح، فاللغة لديه تقول كثيراً ولكن في الحقيقة لا تقول أي شئ، لأن اللغة أصلاً ليست مجرد مفردات وصيغ تعبيرية ولكنها أشكال وصيغ للتفكير تستفيد من منجزات وتطورات اللغة فهي وسيط لتكوين وتوصيل رؤية أو فكرة. فالمتحدث أو الكاتب باختياره كلمات بعينها إنحاز إلى دلالات أيديولوجية وسيكولوجية واجتماعية أي أشكال التواصل والتفاعل الدلائلي والأيديولوجي والذي لا يتم إلا بالغة. لذلك يرى باختين أن الكلمة هي الظاهرة الأيديولوجية الأمثل. إن واقع الكلمة بأكمله تبتلعه وظيفتها كدليل ولا تحتمل الكلمة أي شئ غير مرتبط بهذه الوظيفة، كما أنها لاتحتمل أي شئ غير متولد عنها. إنها نمط العلاقة المجتمعية الأكثر صفاء والأكثر حسية100. في الفكر الديني الذي يرى البيان سحراً تمارس الكلمة سلطة متعالية ومطلقة، لذلك لا ترمي الجريدة على الأرض ولا يداس عليها خشية أن يكون فيها إسم الله أو النبي فهذه علاقة تناسخ بين الكلمة ورموزها أو مدلولها أو نوع من الفتشية، كذلك دور التعويذة والتميمة في الشفاء والعلاج وأهمية الأدعية في العقيدة والحياة، والمدح أو المديح في التعامل والأيمان مقابل الهجاء والسب والقذف. للكلام واللغة أثر كبير في الثقافة العربية - الإسلامية ومن هنا جاء دور الوعاظ والخطباء بالذات في الثقافات الشفاهية أو في المجتمعات التي تنتشر فيها الأمية. ونحن نقول عن الطفل الفصيح أنه ذكي بصورة تطابق بين الذكاء والكلام. نلاحظ آلية استغلال الفصاحة عند الإسلامويين من خلال عملية التمويه التي تخفي الأيديولوجيا وتستخدم لغة قطعية تلغي التعارضات وتخلق وهماً مسيطراً وتعمم معطياتها لكي تكون مطلقة. وهنا تصل الكلمة درجة الدوغما وتتوقف عن توليد معاني جديدة وقد تستخدم لتكون حاجزاً أو عقبة لنمو الوعي101.
يهتم الخطاب الإسلاموي بالبلاغة في اللغة ليس من ناحية جمالية بحته ولكن لأسباب عملية ونفعية مباشرة هي الإقناع والبرهنة والاستمالة والإدهاش بقصد توصيل الرسالة بسهولة. كثيراً ما يكون التلاعب بالكلمات والمعاني والأفكار من وسائل الخطاب الأيديولوجي في تعبئة الجماهير والمؤيدين بتوصيل حقائق يريدها وبالطريقة الأسهل والأنجح. يظهر في خطاب الإسلامويين السودانيين كما يمثله الشيخ حسن الترابي اللعب بالحروف والألفاظ. ومن ذلك أستعمال السجع والقافية مثل قوله إن المتسلطين على المجتمع ينكرون ((أن يسود الإسلام على الملوك والبنوك))102. أو جرس الحروف مثل تكرار حرف التاء، وهنا يتحدث عن الوحدة كمعنى أصيل في العقيدة: ((وفي الشريعة تقتفيه النصوص الداعية للتوالي والتآخي والتناصر والتشاور والتكافل والتعامل))103. ويستغل هذا التلاعب في إفراغ اللغة وقطع صلتها بالفكر الصحيح والنقدي مما يجعلها لغة اختزالية مسيئة للفكر أي تقدم بضاعة فكرية جاهزة يسيرة التداول على نطاق واسع، وتيسر على المتلقي عملية التفكير104. ويتم التلاعب بالإفكار من خلال الاستعمال الحقيقي والمجازي وذلك بانزياح المعنى الأصلي وانزلاقه نحو معنى جديد إنطلاقاً من وجود علاقة ما بين المعنيين أو بين الشيئين، مثل ذلك آيات (من يحكم بما أنزل الله) والتي قصد بها في الأصل القضاء والحكم بين المتخاصمين وليس الحكم بالمعنى الحديث أي امتلاك السلطة السياسية والإدارية، أو القول بأن ((أحصيناكم عددا)) تعني سبق الإسلام في الوصول إلى المنهج الإحصائي. ويدخل في ذلك كل محاولات أسلمة العلوم أو المؤسسات الحديثة حيث ينتزع المعنى الأصل ليلصق على شئ جديد تماماً. كذلك إحلال لفظ محل آخر إما لعدم وجود لفظ أصلي دال مخصوص أو لوجود علاقة بين اللفظين أو الشيئين105. مثال ذلك الديمقراطية والشورى أو استعمال الحديث (الناس شركاء في ثلاثة) وربطه بالاشتراكية بالذات خلال الستينيات مع انتشار الأفكار الاشتراكية ثم التخلى عن الربط والعودة إلى مصطلح العدالة الاجتماعية.
تتخذ الأيديولوجية الدينية والخطاب الإسلاموي عدداً من الوسائل الاحتيالية والمنتحلة في محاولة إقناع المتلقي أو المخاطب لكي يشارك الرأي المطروح وذلك عن طريق المغالطة التي تختلف عن الإقناع فهي تعتمد على الإبهام أو ما يمكن أن نسميه الغموض المفيد في العمل السياسي والأيديولوجي. ويقوم الإبهام على طريقة استعمال اللغة، مثال ذلك عندما أمر معاوية بلعن عليّ على المنابر. قال أحد الخطباء ((أمرني معاوية أن أسب عليّا ألا فألعنوه)). وليس من الواضح هل يعود الضمير على عليّ أم معاوية. وبهذا الإبهام غالط الخطيب مستمعيه ومعاوية106. وهناك المغالطة التاريخية التي تنتشر ضمن الإسلامويين وهي تعني إسقاط معان معاصرة على معاني الماضي أو محاولة تشبيه حوادث تاريخية سابقة بأحداث معاصرة ويتماشى هذا مع مفهوم التاريخ الدائري أو الذي يعيد نفسه باستمرار. هناك أيضاً المفارقة Paradox المنطقية وهي تعني ((محاكمة تبرهن على صدق وكذب الحكم الواحد في آن معاً.. أو تبرهن على الحكم وعلى نفيه في وقت واحد))107. وخطاب الشيخ الترابي دائماً ملئ بهذه المفارقات من خلال التعبيرات الاستدراكية حيث يكثر من استعمال لكن، وإلا، وإلا إذا وبحيث لا...إلخ بالذات في المواقف الإشكالية والتي يصعب تحديد الأمور فيها. على سبيل المثال كلمة الترابي في المؤتمر الشعبي العربي - الإسلامي بالخرطوم 25-28/4/1991 والذي أعقب حرب الخليج. يقول عن الديمقراطية: ((أنا أقدر حاجة المستضعفين إلى التعددية ولكن تعدديتنا نحن ليست نفوذية بغير حدود))(ص6). أو لابد من حرية ولكن الحرية مهما كانت سياسية أو وظيفية لا بد لها من معادلة توفق بينها وبين الوحدة.
يمارس الخطاب الإسلاموي بالإضافة للتلاعب الإيديولوجي عملية التلاعب السيمائي والدلالي والذي يلازم عمليات النطق أو التنصيص أو الكتابة المغرضة حيث تتم عمليات الانتخاب والحزف التي يمارسها كل مستعمل للغة كتابة أو قولاً108. ورغم محاولة بعض المفكرين الإسلامويين أن يكونوا أكثر موضوعية وعلمية إلا أن طبعة ميدان الموضوع أي الدين لا تسمح إلا بقدر محدد من ذلك. لذلك يلجأ الإسلوب إلى عملية تزييف بدرجات متفاوته باستعمال التعمية، الإبراز، طمس عناصر وتضخيم عناصر أخرى. وهذا ما عناه أحد رواد الحركة الإسلاموية ناقداً أياها بقوله: ((إن خطاب الحركة الإسلامية إبتكر جهازاً مفاهيمياً لتبرير الأخطاء وتفسيرها ضمن سياق يحمي التوجهات العامة ويحافظ على المسار، ويقوم هذا الجهاز بوقف أي هجوم أو نقد لمنهج الحركة على أساس أنه ليس عملاً إجتهادياً بل جزء من الوحي. أما مضمون الخطاب والذي يعبر عنه بمصطلحات متداخلة لإضفاء الشرعية المتجهة نحو التقديس، مثل الرسالة، الدعوة، الشرع، الوحي، النص، وكلها مفردات تعطل الحس النقدي، وتنمي الاستعداد للتلقي والتنفيذ109.
هذه المقدمة النظرية ضرورية لأي دراسة تحاول فهم الخطاب الإسلاموي السوداني فهي رغم عموميتها ونموذجيتها المجردة إلا أنها تنطبق على الحركة في السودان وذلك ببساطة لتشابه هذه الحركات رغم الاختلاف في تأريخ وظروف النشأة والتطور، واختلاف مكان وجهة وجود الحركة. فمصادرها الفكرية واحدة، نهج العمل متقارب بسبب الرؤية الواحدة وتبادل الخبرات. لا يكتمل فهم الخطاب الإسلاموي إلا بالتنقيب عن المسكوت عنه ولكن يظهر في الممارسة، لذلك تختلف الحركة حين تكون معارضة عنها حين تشارك في السلطة أو تحكم. تتجنب الحركة الكتابة والحوار حتى تتمكن من السلطة ثم يمكن التحدث عن التفاصيل والبدائل! ويعتبر التفكير والجدل قبل ذلك إضاعة للوقت.
مضمون الخطاب الإسلاموي
كان من الطبيعي أن يكون الإنتاج أو الكسب الفكري للحركة الإسلاموية السودانية ضئيلاً وضعيفاً في كمه، ومتهافتاً ومتناقضاً في كيفيه ومضمونه، وذلك بسبب انغماس الحركة في العمل التنظيمي والسياسي اليومي وما تسميه - تقية- الدعوة. يضاف إلى ذلك أن العضو الذي تريده الحركة يجب ألا يفكر كثيراً بل أن يكون فاعلاً ومجاهداً بمعنى الجهاد الأكبر أي القتال.
ومن هنا ظلت الحركة منتفخة الجثة أي متورمة تنظيمياً وصغيرة الرأس بسبب الأنيميا الفكرية وعدم الأصالة. والدليل على ذلك خلو المكتبة السودانية من إنجازات الإسلامويين الفكرية والثقافية، لذلك بقي الشيخ الترابي هو المصدر الوحيد لفكر الحركة وتاريخها بالإضافة لهوامش على المتن مثل كتابات حسن مكي. ويتردد في نقد الحركة لذاتها الاعتراف بالقصور في مجال الإنتاج والنشر الفكري والثقافي وإن كانت تحاول أن تجعل من ذلك ظاهرة سودانية أي عدم الكتابة والنشر. يقول أحد مؤرخيها: ((ظلت الحركة الإسلامية السودانية تضم أكبر تجمع للمثقفين السودانيين (...) وأثر خطابها بعمق على حركة المجتمع السوداني، إلا أنه وبرغم ذلك لم يتكافأ أثرها الفكري والثقافي مع حجمها وسيرتها كحركة صفوة وظلت حصيلتها الثقافية ضئيلة نشراً وإنتاجاً.. ويبدو أن مرد ذلك لطبيعة السودانيين الذين لم يشتهروا في تاريخهم ولا حتى في حاضرهم بتسويد الصفحات وكتابة المصنفات))110. أما الترابي فيتعامل مع هذا النقص الخطير في عمل الحركة من خلال تبرير أكثر دهاء، إذ يقول: ((يتوهم المرء أن الحركة من كثافة عملها وقلة إنتاجها ونشرها الفكري لا تتعاطى الفكر أو لا تتزود أو لا تتواضع على مذهب منه معلوم))111. الحركة الإسلاموية السودانية بحكم غلبة السياسي على الفكري والنظري تتعامل باحتقار شديد مع التنظير والفكر وتطلق على ذلك نعوت مثل التنطع الفكري، ((وتشقيق الفقهيات الفرعية))، ((والإيغال في التنطع النظري))، ((والجنوح للنظريات والجدليات المدرسية))، ((نأي عن التنطع الفقهي والممارأة وميل للعقائدية العملية غير الجدلية))112. ولا يتوقف الإسلامويون عن التعبير عن هذا الاحتقار ورفض هذه الاتجاهات والميول الفكرية والنظرية التي تميل للحوار والنقاش وإثراء فكر الحركة بحجج متعددة من أهمها الوحدة والشمول وتحديد أولويات معينة بالإضافة للواقعية والعملية وهي بالأصح دعوة للبراجماتية - كما أسلفنا - أو ما يسميه الترابي (الفقه الواقعي) إذ يقول: ((فالحاجة اليوم ماسة لتأصيل فقه الجماعة والمنظمة والمؤسسة، ولا يكفي التنظير، فحياة الجماعة مواقف نفسية إيمانية مواتية للعمل الجماعي وتربية على التخطيط والتدبير والتنسيق والتشاور والمحاسبة والمراجعة ونحو ذلك مما يلزم أن يتدرب عليه المسلم ويدخله في نطاق نياته الدينية وأخلاقه العملية))113. لا يرد ذكر للعقل أو الفكر أو النظر بل يغلب العملي والنفسي الغامض مثل النية الدينية. وهذا الابتعاد والترفع عن الفكر والتنظير هو انعكاس لظاهرة مرضية لازم العقل المتخلف وهي اضطراب منهجية التفكير أو سوء التنظيم الذهني في التصدي للواقع أو العجز المنهجي في تحليل وفهم الواقع باستخدام الأدوات العلمية التي تساعد في معرفة الواقع والسيطرة عليه. ولذلك لا يرهق أمثال هؤلاء المصابين بالعجز الذهني والمنهجي والتعسفية والانفعالية والغموض في التفكير والتعبير، وعدم القدرة على تعميم النتائج والتوليف بقصد الخروج بتصورات متماسكة وشاملة عن الواقع، والأهم من ذلك قصور الفكر النقدي114. هذا ما يجعل فكر الإسلامويين مهما كانت بلاغته وفصاحته لا يتعدى الشعارات خاوية المضمون لذلك يبقى الخطاب الديني المعاصر يتراوح بين صورتين - حسب الجورشي - إما هيكلية ضبابية مشحونة بالعقيدة والطموح ويغمرها الشعار والتضامن والمنزع الأخلاقي ونقد الأخر وتوظيف الأزمة والانغماس في الممارسة بتضخيم فقه الحركة على الفكر والتحليل والمراهنة على الحكم أو صورة ثانية هي هيكلية تاريخية مسكونة بالتراث، كل حسب فرقته ومذهبه ومراجعه ومصادره حيث تتجمع من جديد معلومات عن أصول الدين وأصول الفقه، لتختلط بالتصوف ورواية التاريخ رواية متقطعة وأنتقائية مع (تجديد) في صيغ التعبير والإخراج115.
نجد المفهوم الأساسي لمضمون الخطاب الإسلاموي في فكرة التجديد، وكالعادة لا يبدأ المؤلفون والباحثون الإسلامويون كتاباتهم ومباحثهم ونصوصهم وأقوالهم بتحديد المفاهيم المستعملة، وحين يفعلون يخلطون بين التعريف Definition والوصف Description. كما أن محاولات أسلمة أو توطين المفاهيم يدخلها في اشتقاقات واصطلاحية جديدة تبعدها عن جذورها وأصلها وقد لا تكون في ذلك غضاضة، شريطة ألا يفقد الصلة بالأصل وفي هذه الحالة يجب توليد مفهوم جديد لا يدعي النسب للمفهوم الأصلي. لذلك يملأ مفهوم التجديد فضاءات الكتابة الإسلاموية بتلوينات وتأويلات لا تنتهي ولكن يجمع بينها فقط التعبير عن فكر الأزمة: كيف نتعامل مع هذا الواقع المعاصر المتقدم بوتائر هندسية والمندفع نحو غاياته دون أن يسمع أنين أو أسباب المتخلفين عنه والضعفاء؟ هذا السؤال - التحدي ببساطة شديدة ومباشرة، تحديد نوع العلاقة مع الآخر ومع تاريخنا وواقعنا على أسس مقنعة عقلياً ومريحة ومطمأنة نفسياً وروحياً. في حالة عدم وجود مفاهيم ومقولات موضوعية تحاول أن تحيط بالمدرك يصبح التفكير مجرد انعكاس للذات على الواقع، وهذه نزعة ذاتية معروفة في الفكر اليميني الرجعي عموماً، فالأفكار لا تعكس الموضوع المفكر به، بل عقلية الذات المفكرة وهذه الفلسفة الذاتوية معادية للعقل وليست فلسفة للوعي لانعدام التواصل (116).
بسبب هذا الغموض والإبهام المقصود أو المفروض على الفكر الإسلاموي يحكم منطقة الداخلي غير العلمي، نجد أن مفهوم التجديد الذي يتكرر كثيراً مرة تجديد الفكر الإسلامي وأخرى تجديد أصول الفقه الإسلامي أو الدين والتجديد ثم الحركة الإسلامية والتحديث117. عدم الدقة في تحديد المفاهيم يجبر الترابي - الذي كتب كثيراً عن هذا الموضوع إن لم يكن موضوعه الأوحد - على إيراد كثير من المحاذير لفهم المقصود بالتجديد وما الذي يتجدد؟ وكيف تجدد؟ ومن البداية ينفي التجديد عن الدين - حيث يفتتح كتابه بالتساؤل المتوقع: ((الفكر الإسلامي هل يتجدد؟ أليس الدين هادياً أزلياً خالداً لا مكان فيه للتجديد؟ بلى.. الذي يتجدد ويتقادم ويبلى إنما هو الفكر الإسلامي.. والفكر الإسلامي أنما هو التفاعل بين عقل المسلمين وأحكام الدين الأزلية الخالدة))118. ولكنه يحتاط للوقوع كاملاً في المفارقة أو التاقض خاصة وهو يعمل داخل فكر ديني تحكمه قوة عليا محددة لقدرات البشر الفكرية. لذلك يعيد السؤال في موقع آخر: ((هل يتجدد الفكر الديني، ويرد بالإيجاب مجدداً)) لأن الفكر هو عمل المسلمين في تفهم الدين وتفقهه، وذلك كسب بشري يطرأ عليه ما يطرأ على سائر الحادثات من التقادم والبلي والتوالد والتجديد)) (ص35) وهنا يرجع التجديد إلى شروط الأصول والعقيدة فالتطور - في نظره - ليس مطلقاً، لأن ((الفقه الإسلامي فكر ملتزم بمعالم الطريق إلى الله، وليس فكراً مجدداً أو هوى معربداً ، بل هو تفهم وتفقه للسريعة الإسلامية، والشريعة إذا أطلقنا القول هي شريعة الاعتقاد والعمل)) (ص35-36). وهنا تبرز القضية المركزية لأي فكر يريد أن ينتشر ويقنع وهي الموقف من الثبات والتطور، والمفكرون الدينيون أكثر الناس حرجاً تجاه هذه القضية لإتكائهم على نصوص مقدسة غالباً لا تفرط في شئ من شئون الحياة والطبيعة، والوحي يأتي بالحقيقة كاملة في الدين. وهنا يفسر الترابي بمزيد من الغموض ثبات وحركة الدين، يقول: ((ما دام الدين - من حيث هو خطاب للأنسان ثم كسب منه - واقعاً في الإطار الظرفي فلا بد أن يعتريه شئ من أحوال الحركة الكونية، ولكنه - من حيث هو صلة بالله وسبب للأخرة متعلق بالأزل المطلق الثابت - إنما يؤسس على أصول وسنن ثابته لا تتحول ولا تتبدل)) (ص119). هذه نفس فكرة علماء الاجتماع حين يفصلون بين الدين والتدين، ولكن الإسلامويين لا يطبقون ذلك في الواقع فيعتبرون نقد التدين أي الكسب البشري من الدين هو نقد للدين نفسه وبالتالي تكثر إتهاماتهم للآخرين بالكفر والإلحاد والردة والجاهلية.
يرى بعض المستشرقين أن الإسلام المصلح أو المجدد ليس إسلاماً Areformed Islam is not Islam بمعنى أنه شئ جديد مختلف عن الأصل الذي جاء في ظرف تاريخي معين ولأناس محددين. وهنا يبرز السؤال لماذا التجديد؟ نبدأ بحتمية الحركة وتطور الحياة كمبدأ إنساني عام يؤمن به حتى غلاة المتعصبين والمحافظين على الأقل على مستوى المعاش. وبقليل من التحوير تصح المقولة الماركسية بأن النظرية - رمادية - تقرأ هنا النصوص - وشجرة الحياة خضراء، ويظهر التناقض بين الدين والحياة، وبين الحساسية والوجود، والواقع والمثال. يرى البعض أن الفسحة بين الدين كمثال والواقع، والتي غالباً ما يحاول الإنسان حفظ توازنه داخلها بشكل من الخروج عن الدين، مما يعتبر رحمة رغم عواقبه الدينية، لأنه يجدد الحياة. هذا على المستوى الأنطولوجي أي الوجود في ذاته، ولك أن تتصور إنساناً متديناً بصورة تطابق المثال تماماً. على المستوى الاجتماعي يكون التجديد محاولة قبول التحولات الحديثة دون أن تتناقض مع الحقيقة الدينية كما وردت في النص أو كما حفظها التراث الديني. وهذه العملية ممكنة بطريقتين، الأولى وهي التي يسميها البعض الاستحداث المرجعي أو السلفي وهي نوع من العمل على ملائمة الواقع وتغيراته، مادة وروحاً، مع النص الثابت، النص الذي هو، في آن، المرجع والمعيار119. والطريقة الثانية وهي لا تختلف كثيراً وهي السائدة، تأويل النص الثابت لكي يتسق مع الواقع المتغير وفي الحالتين هناك قدر من العلمنة، في الأولى يحاول المتدينون إيجاد المرجع لأي تطور أو حقيقة علمية في النص، وفي الثانية يتحقق نفس الهدف بتوسيع مغزى ودلالة النص. في الحالتين مطلوب من المتدين أن يستوعب ويفهم تراثه وواقعه بطريقة جديدة. وهنا تتم عملية التوفيق أو التلفيق، ويبرز السؤال كيف يمكن تحقيق مشروع تجديدي أو تحديثي سواء في الفكر أو المجتمع دون القطيعة مع التراث؟ عجز المشروع الإسلاموي أو السلفي عن تحقيق ذلك لأنه يريد الفصل بين المنجزات المادية والتقنية والعلمية وبين قيمها ورؤيتها وفلسفتها. ليس المطلوب تقليد ومحاكاة المجتمعات الصناعية مثلاً، في أخلاقها وقيمها ولكن العلم مشروط بقيم عامة إنسانية كالحرية والعقلانية والنقد والشك والموضوعية، وقد تكون الخصوصية في طريقة الاستخدام وتوظيف العلم. ويرى البعض أن غاية التجديد الفكري الإسلامي ليست عقلنة الدين أو علمنته أو تكيفه مع العلم ولكن إحياء الشعور الديني الإسلامي120. وهذا وضع شاذ لعدم ضمان تناقض هذا الشعور مع العلم، خاصة لو كان شعوراً عاطفياً.
يصف الترابي الأوضاع التي أجبرت الأمة الإسلامية على التجديد، معترفاً بضعف المسلمين وقوة أعدائهم، ويسير في نفس سياق تساؤل الأزمة: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ والذي تحول أخيراً إلى حديث عن الصحوة التي نتجت عن وعي بالتخلف ورفض له وبحث عن بديل متسق مع العقيدة. يقول عن المسلمين المعاصرين: ((لقد صدمتهم المقابلة الماثلة مع الحضارة الغربية التي تعرفونها من غارات المد الإمبريالي ثم كثافة وسائل الاتصال الحديثة، فأنفضح لهم ضعفهم الثقافي والاقتصادي والسياسي إزاء قوتها وهيمنتها وأستفزتهم الصدمة لأول العهد إلى المقاومة بيأسهم الضعيف فكانت ظواهر الوعي والثورة الإسلامية المعروفة في القرن الماضي، ثم أورثتهم الهزيمة ميلاً إلى الانبهار والانصهار، نضجت استجابتهم للتحدي من بعد منتصف هذا القرن فهم اليوم يحاولون استنفاذ ذاتهم ووجودهم بالعود إلى أصالتهم الإسلامية وتشحذ همتهم للحاق بأوربا ومنافستها في وجوه التقدم الحضاري كافة121. مشكلة العالم الإسلامي مزدوجة التعقيد إذ تجاوزت مجرد تقدم الآخر ولكن واكب ذلك جمود المجتمعات الإسلامية. وقد تكون العلاقة سببية في مرحلة الاستعمار الحديث وعلاقات الهيمنة والتبعية بمعنى أن تقدم الرأسمالية لن يتحقق إلا بتخلف وتبعية العالم الثالث. والفكر الإسلاموي كرؤية مثالية غير واقعية وبسبب قصوره في التحليل والموضوعية، يرى التخلف في الذهن أو العقل لذلك يدعو إلى تجديد الفكر الإسلامي قبل تجديد واقع العلاقات الاجتماعية الاقتصادية، ويبحث عن أصول فقه جديد يعطي روشتات لعلاج الأمراض الاجتماعية وأعراض التخلف. التجديد الفكري والفقهي ضروري ولكن غير كافٍ في عملية إنجاز التنمية وإحداث التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية.
ترتبط فكرة التجديد بنظرة الحركة الإسلاموية للتاريخ، إذ تفهم التاريخ بأنه تنفيذ للمشيئة الربانية ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)) (سورة الذاريات56) وهذا لا يعني سلبية أو قدرية البشر. فهناك فعالية متاحة للإنسان يريدها الله حسب سنن معينة يجري بها قدره في الحياة الدنيا122.
يحاول الترابي في تجديده المتواتر منح الإرادة الإنسانية قدراً كبيراً من الحرية ويقترب من نظرية التحدي والاستجابة لأرنولد توينبي، ولكن يحولها لرؤية إسلامية تظهر في مصطلحي الابتلاء والكسب، وفي هذه العملية لا يبتعد الإنسان كثيراً عن الدين بل يوفق بين الأزلي والزمني أو المطلق والنسبي. ويتوصل إلى صيغة تؤكد صلة الدين بالواقع المتغير بالذات، وهذا هو معنى التجديد الذي يتكرر كثيراً في فكر الجماعة ويعبر عنه الترابي بأنه دليل على فعالية العقل المسلم في سعيه ((لتنزيل قيم الدين الثابته المطلقة على واقع الحياة المتحولة أبداً والمحدودة زماناً ومكاناً))123. أو حين يتحدث عن الحركة الإسلاموية في السودان بأنها ((مشروع للتدين الحي الصادق وبما أنعم الله عليه من دوام العافية - دفعاً موصولاً لا تجمد، وتجدداً للدين الثابت عبر أطور الابتلاء المتغلبة في الواقع السوداني، ومحاولة دائبة نحو توحيد الظرف الزمني إلى الحق الأزلي))124. ولأن الدين هو توحيد بين البعد الأزلي الروحي والواقع الظرفي المادي، ويظل الأول ثابتاً بينما الابتلاءات لا تتوقف وتتغير باستمرار، وهذا وقد كان النموذج الشرعي الأول هو النمط أو النموذج المثالي Ideal Type لتطابق الظرفي مع الأزلي - حسب تفكير الإسلامويين - لالتزام المؤمنين بالشرع.
التاريخ في الفكر الإسلاموي دائري أو دوري إذ يعود إلى بدايته باستمرار ويكون بالتالي دورات متكررة تشبه أحياناً بالحياة الإنسانية لذلك نقول: ((الإحياء الإسلامي أو البعث)) فالمجتمعات الإنسانية لها أعمار وأطوار مثل البشر، ثم تموت وتبعث مجدداً، وهنا تضيع فكرة التقدم الإنساني فالتاريخ لا يتراكم لأنه يرجع إلى البداية الأولى. ويؤكد الترابي هذه المسيرة للتاريخ بقوله: ((أما النمط التاريخي لحركة التجديد، فهو في تقديري دوري ينهض بالفكرة تارة وينحط بها تارة أخرى. وكثير من المجددين يأخذهم الغرور بكسبهم في تطور الفكر الإنساني، فيتوهمون أنهم أخطر منعطف في تطور الفكر الإنساني، ويحسب أحدهم إن تاريخ الفكر البشري ينقسم إلى فترتين ما قبله وما بعده. وليس ذلك بصحيح البته. ولكن تعاقب البلي والتجديد يدور على فكر البشر الوضعي أو الديني عملهم))125.
ويستشهد الترابي بالأمم الغابرة حسبما وردت قصصها في القرآن الكريم، وتوظف هذه الفكرة في إدعاء التجديد أو الانبعاث كل فترة وأخرى، ولكنها تتناقض مع الأصولية التي تنظر إلى نموذج من عصر زاهر مضى وتحاول استعادته الآن - يعارض الترابي هذه النظرة بشدة حين يقول: ((وتدور دورات التجميد والتجديد والانحطاط والانتهاض. فالعصر الذهبي للإسلام ليس هو عصراً بالأمس إلى غير رجعة. صحيح أن في عهد الرسول (ص) وخلفائه الراشدين وفي بعض عصور السلف الصالح صوراً مثالية نعتبر بها ونقيس عليها ولكنها ليست زهرة الدين التي تذبل من بعد إلى الأبد))126. ويحاول أن يوفق بين هذه الحركة المستمرة والتي نفى عنها أي نموذج مثالي وبين أزلية الدين وثباته، وبالتأكيد لا تعوزه الحيلة التبريرية إذ يفصل بين الدين وشكل الدين دون أن يفرق بينهما بتحديد كل معنى لكي نستطيع تحديد الذي تغير بعد أن ندرك قبلاً وجود هذين الشيئين المنفصلين.
يقول الترابي: ((ليست الأشكال التي أتخذها الدين في عهد من العهود هي أشكاله النهائية. وأنما يزدهر الدين بإذن الله في شكل جديد عهداً بعد عهد. وتجاوز الأشكال التاريخية لا يعني تجاوز الدين أبداً)) (ص38) يبدو أنه يفصل بين شكل ومضمون (أو مبدأ) الدين، ولكن الصلاة مثلاً شكل للدين في نفس الوقت مضمونه أو أحد أركانه.
هذا تفسير للتاريخ موظف أيديولوجياً، والأيديولوجيا تجبره أن يخدم غاياتها ويقدس وجودها ويعطي الثقة - الوعد لأنصارها وهنا ينطبق الوصف القائل بأن التاريخ خادم اللاهوت والذي أطلق على تاريخ ((مدرسة المنار)) لأنها ((لا تسمح للتاريخ بأن يصدر حكماً مستقلاً على ذاته، بل إنها تطالبه بإلحاح بالإجابة على سؤال راهن، فإذا لم يكن الجواب ظاهراً فأنها تعثر عليه بالقوة. والتاريخ لا يقرأ، أو تفك رموزه، بل يعاد بناءه127.
تحاول الحركة الإسلاموية السودانية من هذا المنظور إعادة كتابة تاريخ للسودان أو خلق تاريخ جديد يحقق أهدافها الحالية ويعطيها شرعية تاريخية ثم يبشر السودان - ضمنياً - بأنه مرشح لدور التجديد وإنهاض الأمة الإسلامية رغم كل ظروفه لأن جذوة الإيمان إتقدت في قلوب أبنائه، يكتب زعيم الحركة تلميحاً: ((وقدر التاريخ كله أن الأيام تكون دولاً. وأن الله يبتلي الناس فيؤخرهم ليتقدموا استجابة للابتلاء، فإذا أنتابتهم دورة فقر وتخلف اقتصادي فأسعفهم الإيمان قاموا لينيروا الأرض ويعمروها))128. وفي أحد اللقاءات قارن الترابي بين مجتمع (المدينة) في حجمه وضعفه وبين السودان في فقره ومشاكله وكما حكم رجال (المدينة) العالم فيما بعد، فذلك ليس مستحيلاً في السودان لأن الله - كما قال - يضع سره في أضعف خلقه. ولدينا الآن مثال واقعي حين حكمت ((الجبهة الإسلامية القومية)) السودان وتحاول رغم عجز حكومتها الداخلي، وتفكك أقاليم الوطن والانهيار الاقتصادي أن تكون قاعدة ثورة إسلامية شعبية ضد ((الطاغوت)) والاستعمار. فقد إستغل النظام الإسلاموي في السودان حرب الخليج ومظاهر غضب شعبي هو في الأصل ضد التدخل الأجنبي وضد الدكتاتورية أيضاً.
وكان مؤتمر التضامن الشعبي مهزلة: إذ كيف يعقل أن يعقد مؤتمر شعبي في عاصمة يمنع النظام شعبها من التجوال بعد الحادية عشرة ليلاً وحتى السادسة صباحاً منذ عامين! وهناك وهم لدي ((الجبهة)) أن دورة التاريخ في نهضتها الجديدة تعد السودان الحالي ليكون مجتمع المدينة المنورة الجديد داخلياً وخارجياً، ومن ثم وجدت الحركات الإسلاموية العربية المعجبة أصلاً بعبقرية الترابي سنداً من السودان يتخطى كل الأعراف الدبلوماسية أو الديمقراطية بدعوى الشعبية والتضامن.
يطبق الفكر الإسلاموي - عند الترابي بالذات - فكرة الدورات على كل مجالات الوجود والحياة البشرية، وهذه الفكرة تقوم بالمهمة الواحدة ذات الوجهين: تبرير أي تدهور وتخلف وفي نفس الوقت التبشير بالنهوض والمجد ثانية لأن هذه سنة الكون كما أراد الله - (حسب إشارة القرآن - سورة الإسراء والحديث النبوي عن التجديد كل مائة عام) - وتجري على كل المخلوقات. ويطبق هذه النظرة على الفقه أيضاً، وهذا مهم في إتخاذه للتجديد الفقهي ذريعة وغطاء أيديولوجياً لحماية كل الممارسات السياسية والمواقف الانتهازية والنفعية في الفكر والسياسة وحتى العلاقات الاجتماعية والسلوك. فالفقه عانى - حسب الإسلامويين - من علل فنية تعتبر عادية بسبب ((التقادم وتتمثل في دورات انحراف تغشى كل فكر من أفكار البشر فمنها الدورة بين الظاهر والباطن أو بين العقائدية والطقوسية، فالفقه في البداية يعبر عن جوهر الدين ومقاصده ثم تتجمد صور هذا التعبير وتصبح طقوساً خاوية وكأنها مطلوبة في حد ذاتها، وبذلك تضيع معاني العقيدة الجوهرية. وهذا التحول أو الجنوح يشكل تحدياً يستدعي استجابة ترتد عليه، فتأتي دورة أخرى من دورات الفكر تحي الجمود وتنعش الطقوس بالروح حتى توشك أن تستغنى عن الصور والطقوس129. والتجديد في الإسلام ضروري ومتعدد خاصة مع تسارع التحولات وعجز الفقهاء عن مواكبتها، فالإسلام يعتصم بدستور ثابت وكان الله يقيض له دائماً رجالاً يجددون الفقه كلما أشتطت فيه الشكلية والمظاهر ويحيونه بالنيات وبالمقاصد وبالرجوع إلى معاني الإيمان)) (ص49) فهو - أي الفقه - يبدأ حياً لأنه عبر عن مرحلته وظروفها وتحدياتها، ولكن قد ينكمش أو يتسع الواقع أكبر من معطيات الفقه في ذلك الظرف، وباب التجديد تدخل من خلاله المستحدثات والبدع والإبداعات، ليس حسب شروط ذاتية للفقه ولكن يتحدد الأمر بمن الذي يجدد وكيف يجدد؟ أي ما هي القوة الاجتماعية التي تقوم بهذا التجديد أي مناهجه وطرائقه بهذه المصالح والرؤى. وهذا يظهر في الشروط المتغيرة لتحديد المجتهد أو المجدد.
نتوقف عند السؤال من الذي المجدد؟ أولاً نلاحظ أن كلمة فقه في الاستعمالات الإسلاموية أصبحت فضفاضة تشمل الكثير من المعاني، كذلك يضاف لها من الصفات ما يبعدها عن معناها الاصطلاحي ويفقدها المعنى أو حتى الرمز الذي وجدت لتدل أو تشير عليه. وهذه واحدة من آليات تزييف الوعي، فكلمة فقه لها محمول وإيحاء ديني، ولكن يتم زحزحتها Displacement لتعبر عن إشكالية جديدة تماماً. يستعمل الترابي مصطلحات مثل فقه المرحلة وفقه الضرورة وفقه الأحكام وفقه الواقع130.
ويفسر ذلك التوسع والتعدد بأن التحديات أو الابتلاءات - كما يقولون - إشتدت وتعددت، كما أن ظروف تزايد المشاركة الشعبية تجبر الإسلامويين على عدم احتكار المعرفة مباشرة ولكن تكوين عقل معين أو وعي مبرمج ثم يعطي بعد ذلك الحرية الشكلية لحق التجديد والتفكير في الفقه والعقيدة. والذي ينتهي عندما يضر بمصالح الجماعة الإسلاموية التي تحاول أن تتماهى مع العقيدة أو الدين وتكون مخالفتها خروجاً عن الدين. فالإسلامويون الذين يقول زعيمهم: ((والحقيقة أننا في زمن جمد فيه الفقه الإسلامي بل الفكر الإسلامي طويلاً .. ولا حل إلا بأن ندفع الناس إلى الحرية دفعاً.. وأن نحدث ثورة شاملة لا أن نقفل باب الاجتهاد، والناس دائماً ينبغي أن يوازنوا بين النظام والحرية.. ففي العهود التي تراكم عليهم فيها قرون من الجمود، الدعوة ينبغي أن تكون لا للتنظيم بل للتحرر من هذه القيود))131. ويعلن بأعلى الصوت: ((لا حل سوى أن نطلق حرية التفكير الديني)) (ص62).
هؤلاء هم الذين أعدموا الأستاذ محمود محمد طه بسبب أفكاره المجتهدة والجديدة، رغم أن تجديد الترابي في كثير من الأحيان يتلاقى مع آراء الأستاذ محمود ولكن الاختلاف في التسميات، ففكرة الرسالة الثانية لا تبتعد عن فكرة التدين المتغير وحين يفرق شكلياً بين الدين والرسالة والتدين بقوله: ((هكذا الدين واحد والرسالات شتى في الزمان ويتكيف في المكان بما فيها من عناصر ثبات ومرونة))132.
في محاولة لمجاراة الديمقراطية واستيعاب التوسع في التعليم والاتصال من ناحية، وإعطاء الحركة الإسلاموية مرونة واقعية ونفعية غير محدودة في توظيف الدين، يعطي الترابي الشعب كله حق الاجتهاد، يقول: ((لأن الفكر الإسلامي فكر شعبي شائع مباح لا يجوز لأحد أن يسد بابه ولو كان سلطة رسمية))133. ولكن هذا الشعار يصطدم بموقف الحركة الحقيقي من الشعب وبالنواحي العملية التي تختلف عن والشورى ليطالب باستفتاء خاصة والمسلمون مئات الملايين، وهنا يعود إلى شكل الإجماع القديم ولكن يسميه إجماع المسلمين وليس العلماء فقط، ويتوقع إعتراضاً يستنكر: ((أنترك الأمر للغوغاء ولعامة الناس يقولون فيه بأهوائهم؟ يجيب مباشرة بطرق بهلوانية تعيده إلى نفس الموقف التقليدي ولكن بثوب لفظي مختلف: ((كلا بل ينبغي على كل مسلم قبل أن يختار رأياً معيناً أن يرجع إلى العلماء فهم الهداة الذين يقترحون ويبسطون أمامنا الدين فيقولون يجوز ذلك ولا يجوز هذا. وذاك أقرب إلى المصلحة وفي النهاية القرار الذي يلزم المسلم هو لعامة المسلمين ولجمهورهم)) (ص29) هذا هو نفس النهج الذي سار عليه المسلمون طوال التاريخ والذي يعطي في النهاية الحق لرجال دين متخصصين أي علماء في ترجيح حكم فقهي معين حسب تكوينهم العلمي وقدراتهم وحجمهم وسلطتهم المعرفية. ولكن الترابي ضمن هوس التجديد يقرر: ((وفكرة الإجماع هذه ممكن أن نعبر عنها بفكرة الاستفتاء الحديث أو الإجماع غير المباشر وهي نظام النيابة الحديثة.. مجلس برلماني ينتخبه المسلمون أنتخاباً حراً يكون هو الخطة الاجتماعية عند المسلمين))(ص29).
هناك شروط معلومة للمجتهد ولكننا الآن، وحسب التصور الإسلاموي السابق نحتاج لضمانات تحدد هذا الاجتهاد الشعبي. يعتمد الطرح الإسلاموي على فكرة أن المسلمين لا يجمعون على ضلال وهذا ما يذكر بالنسبة لضمان سير ((البرلمان)) الذي يقرر تلك الأحكام الفقهية: ((بالطبع لا يمكن أن يجمع المسلمين على أمر يخالف الكتاب والسنة وللإحتياط يمكن أن نقيم خطة قضائية للرقابة عليهم كما نقيم خطة رقابية على البرلمان تنبعث من الحفاظ على الدستور)) (ص92). ويرى أن ((المجتمع المسلم تتركب فيه ضمانات طبيعية تعصم المسلمين من التفرق ومن الضلال)) (ص58).
والطبيعي كما يفهم الإسلامويون معني الفطري والذي يتردد في فكرهم دون تحديد المقصود من الفطري هل هو الغريزي أم الموروث أم العادة الراسخة ولكن في هذا المجال تحدد تلك الضمانات الطبيعية بأنها ((الرأي العام المسلم الذي يلازمه حد أدنى من الرشد مهما إستبد الجهل بالمسلمين)) (ص85) وهكذا يصبح الحديث مجرد كلمات تتكاثر وتتلاحق دون أن توصل إلى حقيقة أو تطرح إشكالية نظرية يمكن أن تناقش منطقياً، لذلك تصبح اللغة أيضاً دائرية مثل تاريخهم الدوري، فنحن نعود إلى البداية دون أن نضيف أي جديد لدعوة: نحو فقه حديث شعبي - كما يقول الترابي. إذ تصبح ضمانة صحة التجديد أو التحديث هي السلطة التي تفسر للناس وتجبرهم على الوحدة الفكرية حسب اجتهاد فئة معينة هي كهنوت إسلامي رغم عدم وجود مؤسسة مثل الفاتيكان، الكهنوت هنا معنوي يمتلك سلطة المعرفة وقبول السلطة له، ويرى الترابي: ((فإن النظم الإسلامية في العهد الحديث يمكن أن تصبح ضمانة كبرى لوحدة الفكر)) (ص95). ثم يحاول في نفس الوقت التقليل من أهمية شرائط الاجتهاد: ((فهي ليست حدوداً وإنما هي تقديرات نسبية)) (ص95) أو مجرد ((توجيهات يهتدي بها المرء ليعرف قدره من الاستعداد وحده من الجرأة على الفتوة، ويهتدي به عامة المسلمين ليميزوا بين المجتهدين أيهم الأهدى قولاً والأتقى إمامة)) (ص95). ولكننا لا نفرح كثيراً بتخفيف قيود حق الاجتهاد وإدخال الشعب جميعاً في حرم امتلاك المعرفة الفقهية، فذلك ليس حقاً مطلقاً أو طبيعياً - كما يقولون - ولكن حالة طارئة تنتهي بتغير الظروف وحسب المصلحة التي إستوجبته. ففي فترات تجميد الفقه وتخلفه وتكاثر الأقضية وافتقاد المجتهدين يكون الاتجاه نحو ((توسيع مواعين التدين)) وأن نرخي من تلك الشرائط لأهلية المجتهد وبذلك نسمع باجتهاد واسع يفي بحاجات الدين)) (ص60). ولكن عندما يحدث العكس أي تقل المشكلات والابتلاءات وتنتهي المصلحة الإسلامية الملحة ويتسع الاجتهاد وهنا يخشى الإسلامويون حرية الفكر، يقول الترابي: ((وإذا إتسع الاجتهاد في عصر أخر حتى خشينا الفوضى ينبقي أن نضيق تلك الحدود وأن نرقى بشرائط الأهلية استغناء بما عندنا من الاجتهاد وخشية في اجتهاد يتصدى له من ليس أهله)) (ص60). ويخلص في النهاية إلى حصر الاجتهاد في فئة العلماء المعروفة تاريخياً فلابد إذن ((أن تتناصر على ذلك جماعة من الفقهاء ويمكن للمجتمع الحديث أن ينظم ذلك التعاون. ولكي لا يتسع الأمر ويؤدي إلى غرق أو شتات أو فوضى)) (ص60).
من الواضح أن فكرة التجديد هي إحدى المنطلقات الفكرية الأساسية في الخطاب الإسلاموي والتي ينبني عليها مجمع فكر الجماعة في السودان والذي إنعكس على التنظيم الذي يتجدد أيضاً. لذلك فكرة التجديد مبثوثة في كل الخطاب الإسلاموي لغة ومفاهيم وتصورات وفرضيات، وذلك دليل على تزايد العلمنة داخل الحركة لأن كل تجديد هو استجابة لواقع ظرفي جديد أو تنزيل للأزلي إلى الظرفي. وتعبير تنزيل الأزلي يوحي بتشكيل جديد للأزلي يقربه من الظرفي والذي هو دنيوي وبالتالي علماني، لو كان تصعيد الظرفي إلى الأزلي لإنتفت العلمانية وتأكدت الدينية والإلهية أكثر. هذه العلمنة التي تخترق فكر الإسلامويين وبالذات الترابي تتجلى في الحديث المستمر عن النسبية التاريخية والاجتماعية والتي هي نقيض المطلق الثابت وأحياناً تبدو كتاباته وكأنها مبحث ماركسي في علم اجتماع المعرفة حين يتحدث عن علاقة الفكر بالواقع. ويستعين ((بمقاصد الدين)) لكي ينطلق من الواقع نحو المثال المتصور دون إكراهات تعميم النص المقدس لشكل المثال المطلوب. لذلك يعطي التجديد قوة الرسالة في الزمن الماضي ويقترب الترابي من الأستاذ محمود محمد طه حين يقول: ((أما بعد ختام الرسالة وتمام التنزيل فلم يعد لنسخ الشريعة مجال، لأن ذلك لا يكون إلا بسلطان من الله وقد كفت الرسالات. ولم يبق إلا إحياء وتطور في إطار تعاليم الشريعة حيناً بعد حين باجتهاد من الدعاة والعلماء وسائر المؤمنين)) (ص123) وهنا يقوم التجديد بمهام الرسالة، فأسباب النزول هي رد أو حل لمشكلات أما الآن فحين تستجد مشكلة وأريد لها حلاً دينياً فلن يوجد نص بعد ختام الرسالة ولكن يوجد تجديد من داخل الرسالة. ويفترض - حسب المنطق الديني - ألا تحتاج الرسالة لتجديد لأنها كاملة وصالحة لكل زمان ومكان ((اليوم أكملت لكم دينكم)) وإنحصر التجديد في وجهين أثنين من داخل الشريعة يسمي الترابي أدناهما إحياء وأقصاهما تطويراً للدين ويرى التجديد الأكمل ما إشتمل الوجهين جميعاً (ص125). والإحياء عنده كسب تاريخي ينهض بأمر الدين بعد فترة بعثاً لشعاب الإيمان الميته في النفوس بتطاول الآماد وقسوة القلوب من خلال التذكير بأصول الدين والموعظة بوازعه ودافعه، وإيقاظاً للفكر الخامل والعلم الضائع بنشر أول الشريعة وعلوم التراث (ص125). فالدين هنا موجود في روح الأفراد كما يبدو من الشرح، أما التطوير فهو كسب تاريخي أعظم مما يبلغه إحياء الدين بالبعث والإيقاظ والإثارة لأنه يكيف أحوال التدين التاريخية لطور جديد في ظروف الحياة وينهض بالدين نحو كسب يثري معانيه ويؤكد وقعه بوجه جديد)) (ص125). والتطور لا يمس أصول الشرع أو الكليات أو الأحكام القطعية. كما يفرق بين الوجهين، إذ ينتج من التطوير إتخاذ بعض أشكال جديدة للتعبير الأتم عن قيم الدين الثابتة من خلال ما يجسدها من واقع الحياة الدينية المستأنفة بينما يهدف التجديد الإحيائي إلى استعادة أشكال الحياة السالفة برمتها)) (ص126).
يصعب على القارئ أن يستوعب الحدود والفروق في مثل هذه الكتابة التي تجعل من اللغة حاجباً من المعنى رغم جزالتها وجمالها كلغة تزينية فالتجديد الإحيائي لا يستعيد أشكال الحياة السالفة لأن التعريف يقول في البداية أنه يذكر بأصول دين ويعظ، وبالتالي يستعيد معاني ورموز الحياة السابقة وليس أشكالها والتي تعني أنساقاً وأنماطاً معاشة واقعياً.
يحاول الإسلامويون السودانيون عدم استدعاء التراث كثيراً ، لذلك يتحدث الترابي عن نسبية الكسب الفقهي والديني ولا يعول على التراث كثيراً. بل يلاحظ أن الترابي في معظم كتاباته بالذات عن الحركة الإسلامية لا يستشهد فيها بالقرآن الكريم والحديث كثيراً، على سبيل المثال الكتاب الأخير ((الحركة الإسلامية في السودان، التطور، المكسب والمنهج)) والذي يكاد يخلو تماماً من آية قرآنية أو حديث نبوي. أما عن المساهمات الأيقود التجديد إلى رفض التراث أو التحفظ على بعض تأويلاته وعناصره، بينما الأصولي يجعل من كل أعمال السلف الصالح سنده في فهم الدين، والأخير رغم رجعيته وسلفيته أكثر تماسكاً وأتساقاً مع نفسه، بينما يلهث المجددون باحثين عن سبل توفيق التراث والواقع ويعيشون إنفصاماً وازدواجية في الفكر والسلوك. فالخطاب الإسلاموي المعاصر يحاول القيام بمهمة صعبة بل مستحيلة خاصة حين ينزل لميدان العمل السياسي ويسعى إلى تجنب الخلافات ليقوي التجييش السياسي ويكرس انتشاره العددي فهو كما يقول أركون: ((ينغرس هذا الخطاب ضمن البعد الإسطوري للتراث في الوقت الذي يعلمن فيه على غير وعي منه المضامين الدينية لهذا التراث بالذات))134. والحركات الإسلاموية المعاصرة لا تمثل تواصلاً وتجدداً حقيقياً وتفاعلاً خلاقاٌ مع التراث الذي يمثل مرجعها ومنبع أفكارها حتى الحديث منها، فهذه الحركات صارت في الحقيقة غراباً طلى نفسه بلون أبيض فأصبحت منبتة رغم هيمنتها الكمية أو السوسيولوجية فالتراث الذي تتبناه تكثر فيه عمليات الترقيع الأيديولوجية، ويقوم على عناصر متفرقة ومتنافرة، مستعادة وملتقطة من ماض بعيد مؤسطر أو مفروضة عن طريق التطور الغربي))135.
خرى فيؤكد باستمرار أنها محدودة، مثال ذلك: ((إذا قرأتم التفاسير المتداولة بيننا تجدونها مرتبطة بالواقع الذي صيغت فيه. كل تفسير يعبر عن عقلية عصره))136. وقد تقود هذه النسبية التاريخية إلى افتراض أن الحاضر يحتمل أن يتفوق على الماضي، فنحن يمكن أن نؤسس فكراً أو فقهاً نتفوق فيه عن السلف ولكن هذا لا يعني أن نتباهى على سلفنا الصالح من الصحابة بفضل زائد، لأن أجر الناس عند الله سبحانه وتعالى منوط بكسبهم ومنسوب للظروف التي تحيط بهم وتعسر لهم تطبيق حكم الإسلام أو تيسره. بذلك يمكن أن يتجاوز المسلمون الأوضاع التي عبر عنها سلفهم الصالح عن الإسلام دون أن يعني ذلك تجاوزاً للدين أو يعني ذلك فضلاً للمتقدمين أو المتأخرين على المتقدمين)) (ص93). ومن الغريب أن يقرر رجل دين مثل هذه الحقيقة الاجتماعية اللامتناهية في لبراليتها في اختلاف العبادة والتلقي. ويواصل الترابي: ((ويأتي قوم يجددون ولا يقلدون ويأمرون الناس بالخروج من التمذهب والعصبية المدرسية الضيقة ويخرجون كذلك من ضيق الأنضباط الشديد إلى سعة تهيئ لكل مسلم أن يجد الرأي الذي ينشرح له صدره ووجه العبادة الذي يناسبه هو فيستطيع أن يعبد الله كما هو ميسر له ويستطيع كل شعب من المسلمين أو أقليم من المسلمين أن يجد نمطه أو كيفية العبادة التي تناسبه فهذه الدورات الناشئة عن التقادم والتطور تستدعي دورات تجديد متعاقبة متقلبة)) (ص51). ويؤثر اختلاف الموقع الجغرافي - حسب رأيه - على تطور شكل الفقه أما في مناطق حدود الإسلام في العراق حيث دخل في الملة أقوام شتى وقامت حضارة أعمر من حضارة المدينة طرحت قضية ومشكلات أكثر (87). أو هكذا إتسع الفقه العراقي في استعمال العقل والقياس والأستحسان أوسع مما أستعمل في المدينة حيث القياس مقبول ولكن الحاجة إليه أدنى (78). ويؤكد الترابي بصورة مباشرة وواضحة عنصر الزمن في الدين أو العنصر التاريخي ((فقد يتوهم بعض المتدينين أن الدين من حيث تعلقه بالله القديم الباقي لا يخضع في شئ لأحوال الزمن وأطواره، ولا تتصور فيه مفارقة بين قديم وجديد مما نعالجه بالتجديد))(106).
أسهبت في تتبع النسبية في التفكير الإسلاموي لتأكيد تعرض الحركة الإسلاموية لقدر كبير من العلمنة على مستوى النظر والفكر يتواكب مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والمادية التي تتعرض لها كل المجتمعات المعاصرة دون استثناء مما يجعل أي حديث عن الأصالة أو العزلة مجرد أسطورة في عالم أصبح قرية صغيرة. ومشكلة الحركة الإسلاموية تكمن في ظنها أنها خارج التاريخ وضروراته وأنها معتصمة بدين صاف لم يؤثر عليه كل هذا العالم الذي يموج بالجديد وتظل تبحث عن معادلة صعبة تظهر في ذلك الفكر التوفيقي المتناقض العاجز عن فهم العالم أو فهم عجزه الخاص لكي ينقذ نفسه وتطور مناهجه وأدواته لتحليل المجتمع والإنسان والطبيعة بمقاربات أكثر علمية ومنهجية. فالعقلية أو الذهنية الإسلاموية تعتمد على الحدس والقلب في الفهم وليس على البرهان والعقل والتجربة، لذلك لا يمكن أن تصل علميتها إلى مداها إذ ترتد مرة أخرى إلى الغيبية والشعوذة الفكرية حيث يكون الإسلاموي أقرب إلى الحاوي في خداع النظر منه إلى المفكر أو العالم. مثال ذلك زعيم الحركة الإسلاموية في السودان الشيخ حسن الترابي والذي يقول عن تكوينه: ((حرصت على تعلم الفرنسية لأطلع على الحضارة الفرنسية من مصادرها الأصلية ولأدرس كسبهم النظري من القانون، فهو أوسع مما عند الإنكليز، وتعلمت الألمانية لأول الأمر لأقف على مكتوبات الألمان في الفكر الديني والفلسفي، ولهم في ذلك باع طويل.. وحبب إلي من تعمقي مبكراً في علوم العربية، ومن كسبي للنظر المقارن في اللغات أن أعكف على كل لغة أو لهجة تواتيني الظروف لتعلمها، فأن توسيع الأسماء والأفعال بلغة سعة للعقل))137. رغم هذه الصورة العقلانية يلجأ إلى لغة سحرية مطلسمة حين يسأل عن مثالية الإسلام، ورغم الحس التاريخي الذي يظهره لتأكيد ضرورة التجديد، يجيب: ((أن هذا القرآن هو كيمياء إنصبت على واحد من أحط صور الواقع البشري، وكانت معجزة التدين أنه أنتقل بواقع منحط جداً، وقدر الله أن يبعث هذه الرسالة لا في البلاد التي تهيأت بالحضارة ولا في البلاد التي تهيأت بالثقافة الكتابية لها، ولكن في واقع بعيد جداً وبالرغم من ذلك استطاعت هذه الكيمياء أن تحول هذا الواقع إلى مثال أصبح قدوة في تاريخنا138. مثل هذه الطريقة في التفكير تشكل صعوبة بالغة في الإمساك بأفكار الآخر ولكن طبيعة ذلك التفكير التناقض والإبهام - كما أسلفنا - بسبب موضعه الوسطى أو الانتقالي في فئات اجتماعية معينة وفي تجاذبه بين الأرض والسماء، ولأن هذه الفئات تخون نفسها لأنها تريد تجديد ما لا يمكن أن يتجدد جذرياً لذلك لم تؤصل التراث ولم تزرع الحداثة، وهذا شكل مأسوي للتبعية والانبهار مرضياً بالغرب.
التطور الفكري للحركة
تسعى هذه الدراسة لأن تموقع الحركة الإسلاموية في التراث والتجديد، أولاً بالبحث عن المؤثرات الفقهية المباشرة التي أثرت في تفكيرها وطريقة تحليلها، ثم الكتابات التي أثرت في تشكيل مناخ عام واستعدادات معينة لدى أفرادها. أما بالنسبة للتجديد فسوف نعالج مواقفها من قضايا معاصرة في الفكر والممارسة معاً مثل الديمقراطية والاقتصاد والقضايا الاجتماعية.
والحركة رغم تأكيدها على أنها فكرية وذات منهج ديني محدد فإنها - كما أسلفنا - تبقى حركة حركية أو تنظيمية وسياسية فجة حتى النخاع، تسعى إلى أن تكون ((حركة جماهيرية دون نظرية جماهيرية أو غير جماهيرية)). فالنظرية ليست من همومها وبالضرورة تحتاج لقدر من المعقولية (ليس العقلانية) أو التبرير الذي يسند العموميات والشعارات التي ترفعها الجماعة، خاصة وأنها تضم بعض المتعلمين الذين قد تفرض عليهم مناقشات وحورات. وهي تبتعد عن تلك الأجواء الفكرية لأن النقاش يسمى في مصطلحها الإسلاموي ((المكايدة)) وهي تفتخر بأنها إلتزمت منهجاً حركياً عملياً صرفها عن الإيغال في التطع النظري! يعترف الترابي بالهزال الفكري لمجمل الحركة الإسلاموية حين يقول: ((ولكن فكر الإسلاميين المعاصرين ما إنفك بغالبه قاصراً عما ينبقي له من الاستواء النظري وعما بلغوا هم من الحركة العلمية. فهو قاصر في مقولاته النظرية - لا سيما في مجال الاجتماعيات المتصلة بتقويم المجتمع وتاريخه ومنهج إصلاحه وسياسته. وهو قاصر في فنونه الجدلية - لا سيما في وجه الفلسفات الغربية المعاصرة))139. ويقول عن الضعف الفكري للحركة في السودان: ((فلا عجب أننا حين نقوم الحركة الإسلامية بالسودان - لا من حيث سمات فكرها بل من حيث قدره ومستواه - نلفاها غير غنية في كسبها ولا في عطائها. وهي بوجه خاص لا تكتب من فكرها ما تكسب (....) وربما يعود ذلك إلى بؤس الكسب والحوار والتحرير الفكري في السودان عامة. وذلك أن السودان لم يتعرض لتحديات ثقافية حادة تحفزه إلى المحاورة الفكرية الكثيفة)) (ص227). يلقي باللائمة على وضع السودان ولكن هذه حركة تدعي مسئولية فكرية وإصلاحية كبيرة ومصيرية تتعدى حدود السودان، كما أن الإخوة الجمهوريين كمجددين أثروا الواقع السوداني بكتابات وحورات لم تتوقف إلا بعد إعدام الأستاذ محمود ومجئ الدكتاتورية في 30 يونيو 1989 . ولكن العيب في الحركة نفسها التي يفترض أن تتجاوز واقعاً ترفضه، يلخص الترابي بؤس الحركة الفكري ونفعيتها الصماء غير الواعية بقوله: ((فالحركة الإسلامية بأثر من بيئتها تنشط نحو الفعل والتجريب أكثر منها نحو التنظير والتحرير. وقادتها أهل ثقافة وإدارة وسياسة وحركة أكثر منهم أهل علم وفكر وتأمل)) (ص228) هذه مقابلة تقضي على أي خير في الحركة لأنها تدير وتسوس وتتحرك بدون علم أو تأمل، وكيف يمكن الفصل بين الأثنين؟ ولماذا توضع الثقافة مقابل التأمل والفكر؟ ولا ترى الحركة أي عيب في اختلال الموازنة بين الفكر والفعل، بل العكس إذا أدى هذا الفصل إلى نجاح الحركة تنظيمياً وسياسياً فذلك الكسب المرجو، يقول الترابي: ((فإن الموازنة القويمة فيها بين الفكر والفعل إختلت بوضوح - إذ دعتها الضرورات إلى تأكيد وجودها فعلاً بأكثر من تأكيد مغزاها فكراً، وأصبح النشاط العلمي فيها هو وجه الدعوة وعامل الوحدة ومعيار الكسب الأهم)) (228).
كان من الطبيعي أن تعيش الحركة الإسلاموية السودانية على الفكر الوارد أو المستورد من خارج السودان، وهو مستورد لأنه رغم إسلاميته العامة نتيجة تفاعل مع بيئات تختلف عن الواقع السوداني ولمواجهة مشكلات مختلفة، وذلك حسب النسبية الاجتماعية التي تؤكدها الحركة ونوافق على صحتها إجتماعياً وتاريخياً. وكان للرافد المصري أثره المتميز على الإسلامويين رغم محاولات التنصل اللاحقة من تأثير فكر الإخوان المسلمين وبالذات حسن البنا وسيد قطب وبقدر أقل محمد الغزالي، على الإخوان المسلمين السودانيين، ويرى بعض الإسلامويين السودانيين أن هذه التأثيرات كان لها جوانب سلبية عرقلت النمو الذاتي للحركة السودانية، ويقول مكي: ((تنبغي الإشارة إلى ضغط التراث الثقافي المصري إذ فوت على الذات السودانية فرص التبلور حسب الاحتياجات المحلية، فأصبحت الثقافة الدينية السودانية إنعكاساً للتراث الإسلامي المصري باستثناء الطارئ المهدي))140. ويضاف إلى ذلك الفكر القادم من شبه القارة الهندية (المودودي وأبو الحسن الندري). كما تأثر الإسلامويون بالكتابات الإسلامية العامة المعاصرة مثل إسلاميات العقاد وطه حسين ثم مؤلفات مالك بن نبي وغيرهم. ويحدد أحد الباحثين مرحلتين من الكتابات التي جذبت الإخوان في السودان، حيث ساد الأدب الإسلامي الدفاعي في الخمسينات والذي يمثل رداً على ما يسميه الإخوان ((الهجمة الاستشراقية)) ونفي التخلف والبدائية عن الإسلام ورد الشبهات التي أثارها المستشرقون حول مفاهيم الحرية والجبر والمرأة والرق وغيرها من القضايا، مما يشير إلى أن الوعي الإسلامي كان منفعلاً بما يجري في الخارج، أكثر من انشغاله بما يجري في الداخل141. وفي الستينات تحول إلى أدب هجومي ركز على مساوئ الحضارة الغربية. وينتقد ((الإخوان)) أنفسهم هذه الكتابات: ((الجو النفسي الانفعالي الذي كتبت به هذه الدراسات جعل درجة الموضوعية تتضاءل بدرجات مختلفة)) ولكن الإخوان فضلوا القطبيات (كتابات محمد وسيد قطب) على كتابات مالك بن نبي العميقة والنقدية، وكانت ثقافة ما يسمى بأدب ((المرافعات الإسلامية)) زاد ((الإخوان المسلمين)) السودانيين لأنها ((تثير الحماسة وتؤجج الانفعال أكثر من كونها ثقافة تنمي القدرات الذهنية والحركية وتزكي الفعالية))142.
من ناحية أخرى كانت ثقافة الإخوان المسلمين السودانيين، الأصولية أو التراثية، ضعيفة فهي بالإضافة للقرآن والحديث، تشتمل على كتب التفسير والسير مثل تفسير إبن كثير وسيرة إبن هشام، وفي كتب الفقه: سبل السلام للصنعاني ونيل الأوطار للشوكاني وفقه السنة لسيد سابق بالإضافة لبعض كتب التصوف والذكر مثل إحياء علوم الدين للغزالي وأذكار النووي143.
تميل الحركة إلى تأكيد تأثر أفرادها بالتعليم ثم الفكر الغربي بهدف إبعاد أي تهمة بالانغلاق أو الرجعية، لذلك يرى الترابي أن القلة هي التي تلمست المصادر الإسلامية الحديثة والقديمة وأكتسبت معرفتها بجهد مستقل لأن رواد الحركة قد نشأوا غالباً في كنف التعليم النظامي، وما كان لهم إلا أن يستمدوا في فكرهم كثيراً من تلقاء ذلك التعليم أو ينفعلوا خاصة بالفكر الإوروبي الذي يتضمنه، بل منهم من كان يطالع في مصادر الفكر الإوروبي الأصل والمنقول ويتأمل فيما إحتوى من النظريات الفلسفية والتاريخيات الاجتماعية والعمليات الطبيعية))144. هذا وقد تسلل الإسلامويون مبكراً إلى المؤسسات التعليمية وفرضوا بعض الكتب ذات الأغراض الأيديولوجية الصارخة مثل كتاب محمد قطب (شبهات حول الإسلام) والذي كان إجبارياً في مادة التربية الإسلامية، وقصة جورج أورويل (مزرعة الحيوان) في الأدب الإنجليزي.
تنسب الحركة الإسلامية إلى فكرها - وبجرأة متناهية - كثيراً من الصفات الإيجابية والتمجيدية رغم كل إقرارها بضعف وتهافت وضآلة ذلك الفكر المزعوم. ففي الجزء المعنون ((الخصائص الأولى لفكر الدعوة)) نلاحظ أن الترابي يعدد سمات وصفات مثل: فكر وعي (ص210-212) فكر إحياء (212-214) وفكر انتقال (ص214-217) ويعتبر أن تلك صفات البداية والمرحلة الأولى حيث ((لم يبلغ في أصوليته أن يستقل كثيراً عن التراث ولا عن الفكر العصري الغازي، ولا كان متزوداً بمنهجية نظرية اجتهادية لاستنباط فقه في الدين جديد، ولا بمنهجية عملية واقعية لاقتراح برنامج لحياة جديدة145. وهذا يعني أن فكر الحركة في مرحلة التطور أو النضوج إتسم بهذه الصفات أي الواقعية والاجتهادية والتجديدية. وتزدحم الصفحات الخاصة بتأريخ وتحليل فكر الحركة بكثير من المصطلحات والتعبيرات الفخمة شديدة الرنين وخاوية المعنى، وهذه أيضاً من آليات تزييف الوعي وتعطيل العقل عن البحث وراء هذه الملفوظات. فالواقعية كما يشرحها المؤلف تعني الابتعاد عن الفكر العميق، وكأن هناك علاقة عكسية بين الارتباط بالواقع والتفكير والتأمل فيه ثم تجريد وتعميم مدركات ذلك وتحويلها إلى قوانين أو فرضيات. نستنتج من ذلك الحديث أن فكر الحركة لم يكن مرتبطاً بالواقع ومعبراً عنه بل كان مجرد أصداء ((لفكر وارد من الأدب الإسلامي العالمي، ثم إضطرت الحركة إلى التفاعل الفكري مع الواقع المعين فغدا فكرها من ثم موصولاً بالمكان والزمان - أي بالسودان وبقضاياه المحلية أو بالقضايا العالمية كما تنعكس أصداؤها فيه. وأخيراً يقول الترابي، ومن ثم غدا فقهها للدين علموياً وإستقرائياً يتبصر الواقع ويرسم في ضوئه الخطط والتدابير العملية، بل يعتمد التجريب ليتبين ما هو أوفق في سياق ذلك الواقع))146. وهذه الصفات كمناهج وطرق أي الاستقراء والعلمية والتجريب تنتمي إلى حقل معرفي مختلف لأن الفقه أو الدين له أدوات بحثه الخاصة ولكن يعدد هذه الصفات تمهيداً لنفي صفة الفكر نفسها، عن فكر الحركة، يقول الترابي: ((ولعل من آثار اتجاه فكر الحركة نحو الواقعية والفعلية أنه أصبح فكراً حركياً لا يعني بالمناظرات (....) عزف تماماً عن الدفاعيات والتبريرات والاعتذارات الأولى. حتى إن بعض المراقبين لاحظوا أن الحركة في السودان إشتطت زهداً في الحوار النظري مع الأطروحات التي تشاركها الساحة العامة. ولئن تفهموا اجتناب المراء مع السلفيين والصوفيين والعلماء في سبيل تأليف الجبهة المسلمة الحساسة للنقد، فهم لم يفهموا كيف تكف الحركة عن التيارات المتجهة للمروق من الملة كالشيوعيين المنكرين للدين وبعض العلمانيين المنكرين للشريعة وأتباع محمود محمد طه المتنبئ برسالة ثانية ناسخة لشريعة الرسول (ص). ولكن الحركة إستخفت بهذه التحديات مهما كانت مثيرة في ذاتها))147. هذا الموقف يكشف عن طبيعة انتهازية تهادن الكل قبل أن تتمكن وتقمع الجميع حين تكون في السلطة، فالحركة تجنبت الحوار والنقاش الفكري مع كل التيارات والاتجاهات عوضاً عن تجديد فكرها من خلال الاحتكاك والانفتاح والتصحيح والإضافة. ولأنها ليست حركة تقوم على الفكر والعقل فضلت المراوغة وعدم الوضوح الفكري تحت دعاوي كثيرة تتردد في ثنايا الخطاب الإسلاموي: ((إنها آثرت التفكر على التفقيه والمشاورات على المداولات. فهي لا تجنح للتشقيق النظري للقضايا الخلافية ولا لإلقاء الفتاوي الفقهية الحاسمة)) (ص220).
أما الصفة الأخرى التي إكتسبتها الحركة في مرحلة النضج فهي ((التطور نحو مرحلة النشاط في الاجتهاد والاستواء في منهجيته)) (221). فقد كانت قبل ذلك تطرح قضايا عامة ومجملة أما التأصيل فلم يكن في فكرها يتعدى ((أكثر من مطلق الرجوع إلى الكتاب والسنة بغير كيف محرر)) (ص221) ولكن التفاعل النشط مع حركة الواقع فرض عليها الاجتهاد لاستنباط الأصول بالنسبة للقضايا الفرعية المستجدة، ولأن الحركة متوكلة وجريئة - حسب قول الترابي - فقد إقتحمت بهذه الروح مجالات الاجتهاد بغير كبير تحفظ وأرتادت المذاهب الفقهية الحديثة.
وتأتي الصفة الثانية وهي التجديدية ضمن هذا السياق وتفسر تجديدية الحركة بظروف وجودها الزمانية والمكانية: ((إن بيئتها الخاصة في القطاع الحديث وبيئتها السودانية عامة متفتحة ثقافياً وحضارياً على التقدم العصري بخيره وشره، وإنها بذلك إنفتحت للتفاعل مع العصر وبخاصة مع الثقافة والتجربة الأوربية)) (ص224). ويعتقد الإسلامويون السودانيون - بالأصح الترابي كمرجع مطلق وسادن المعرفة في الحركة - أنهم قدموا إسهامات أصيلة ومتقدمة بالذات في موضوعات مثل قضايا الفن والدين وقضايا الحرية في الإسلام وأوضاع غير المسلمين وقضايا تحرير المرأة. لذلك يثمنون قدرتهم على الإطاحة بحركة التاريخ والحاضر واستشراف المستقبل، فقد أصبح فكر الحركة ذا مغزى تقدمي في أبعاده السياسية والاجتماعية (ص224) وبالتالي كان فقهها في شأن المرأة تحررياً كما كان فكرها الحركي عصرياً في وسائل التنظيم المنهجي والأداء العلمي والتربية بوسائل الاتصال الحديث وتقدمياً في التخطيط للمستقبل من خلال الإستراتيجيات والبرامج الهادفة (ص224).
يستوقفنا هذا الإعجاب الفائض بالذات والنرجسية الفكرية لحركة تخلو المكتبات من إنتاجها رغم عمرها الطويل وركام البشر الذي تضمه إلى صفوفها بعد نزع قدراته العقلية النقدية والفكرية الحديثة. ولن نذهب بعيداً في تحديد إسهام الحركة، إذ يقول زعيم الحركة نفسه: ((لكن الحركة - كما قدمنا في شأن الفكر الإسلامي المتأخر كله - كانت أقل مما ينبغي تفكراً في الوجود الحاضر الذي هو موطن الابتلاء والإصلاح الإسلامي. فلم تعمل الفكر المنهجي الوافي، في استقراء أحوال المجتمع والعالم وتقويمها بمعايير النظر والحكم الديني، أو في دراسة واقع الظلم والصراع والفتنة في حضارة العصر الغالبة أو في خطلها وخطرها، أو في تأمل علل الانحطاط وتدبر مشروعات النهضة في مجتمع المسلمين الحاضر، أو في مناظرة المذهبيات المادية والقومية واللادينية التي تغزو المسلمين، أو نحو ذلك من وضعيات الحاضر ورؤى المستقبل))148. رغم ذلك يتحدث الترابي نفسه عن ((مدرسة فكرية سودانية يلمسها المراقب من تلقاء الإسلامي السوداني حيثما لقيه في العالم!)) (ص229) بالتأكيد لن يكون ذلك من مناقشة فكره الذي لا يوجد أصلاً - ولكن من طريقة الحذلقة والمراوغة الثعلبية واللعب بالبيضة والحجر في كل القضايا.
لو استبعدنا قليلاً جرأة الحركة في تقييم فكرها وبحثنا عن مصادر وتشابهات الخطاب الفقهي الذي تمزجه مع شذرات من الفكر المعاصر، وحاولنا إيجاد مظاهر التجديد والأصالة الحقيقية في فكر الحركة والذي يمثله باحتكار مقصود وغير مقصود - فإننا نواجه بصعوبات منهجية عديدة، فالترابي كما لا يستشهد بالقرآن والحديث كثيراً ، تخلو كتاباته من المراجع والهوامش وهو الأستاذ الجامعي القديم والقدير. هذه ليست مجرد هفوة ولكن تأكيد بأنه مرجع نهائي وأولي بالذات في الفقه الجديد، لذلك فهو يرجع إلى نفسه فقط مع أن الترابي ينهل من مدارس فقهية قديمة دون أن ينسب الفضل إلى أهله ونرجع ذلك ببساطة إلى عقدة الحداثة والمعاصرة التي تحكم الحركة وزعيمها، ففي كتابه: ((تجديد الفكر الإسلامي)) فضل هذا العنوان مع أن مضمون الكتاب عن تجديد الفقه أو الدين، ولكن كلمة الفكر أكثر حداثة. وتجديد الترابي أو الحركة الإسلاموية هو تجديد في أصول الفقه الإسلامي لأن أصول الفقه هو المنهج المستقل الذي يستعين به الفقيه ليحدد الأدلة الشرعية أو المصادر لأي قضية أو حدث. وأصول الفقه الذي يشغل الإسلامويين هو في حقيقته سلاح أيديولوجي يستعمل في العمل السياسي وذلك بسبب القضايا التي تريد هذه المعرفة بحثها. من البداية يعلن الترابي: ((إن القضايا التي تجابهنا في مجتمع المسلمين اليوم إنما هي قضايا سياسية شرعية عامة أكثر منها قضايا خاصة (...) وأكثر فقهنا من ثم لا يتجه إلى الاجتهاد في العبادات الشعائرية والأحوال الشخصية فتلك أمو يتوافر فيها فقه كثير ويحفظها المسلمون كثيراً ولو ضيعوها أحياناً لا يضيعونها إعتقاداً ولا يغفلون عنها غفلة كاملة. أما قضايا الحكم والاقتصاد وقضايا العلاقات الخارجية مثلاً فهي معطلة لديهم ومغفول عنها))149. ويؤكد أن مثل هذه المشكلات يجب أن يتجه إليها هم الحركة في تصور الأصول الفقهية واستنباط الأحكام الفرعية أما قضايا الفقه الفردية والشخصية فقد قتلها الفقه التقليدي بحثاً - كما يقولون - وتحتاج لجهد محدود جداً.
أما الطريقة المفضلة لبحث هذه القضايا المستجدة وإيجاد الأدلة فقد كانت القياس والواسع والاستصحاب والمصلحة، ومن المعروف وجود طرق استنباط أحكام عديدة ولكن هذا التفضيل له خلفية أيديولوجية. فالأيديولوجيا هي التي إختارت الاستصحاب والمصلحة مثلاً لأنها تصلح لحركة براجماتية لا تحكم بالنص لأنه مبدئي وثابت نسبياً. بينما صفة الواسع هنا تعني إعطاء مجال كبير للاختيار والمناورة، ففي الأدلة المعروفة يقال القياس أو الاستصحاب فقط ولكنهم يضيفون صفة السعة ليعطوا نفعيتهم وانتهازيتهم شرعية من الفقه. وتعتمد الحركة على المعنى الواسع للاستصحاب، وهو أن: ((الأصل في الأشياء الحل وفي الأفعال الإباحة وفي الزمم البراءة من التكليف، وكل ما تطوقه المؤمن يقصد به وجه الله عبادة مقبولة، وكل ما أخذ لمتاع الحياة الدنيا عفو متروك لإله ولا عليه إلا أن يرد النص فينفي صفة الصفاء أو الإباحة عن فعل معين، وإذا جمعنا أصل الاستصحاب مع أصل المصالح المرسلة تتهيأ لنا أصول واسعة لفقه الحياة العامة في الإسلام))150. والترابي ليس مجدداً إلا في اللغة فهو يقتفي أثر الإمام الشاطبي في كتابه (الموفقات) وعز الدين بن عبدالسلام (المتوفي سنة660ه) مؤلف كتاب (قواعد الأحكام في مصالح الآنام) وبالتأكيد إبن تيمية (661-728ه)، وليس مصادفة أن كل محاولات التجديد الفقهي هي نتاج مجتمع أزمة تاريخية تتمثل في خطر خارجي وضعف داخلي، فقد كان القرن السابع الهجري الذي ظهر فيه فكر إبن عبد السلام وإبن تيمية يتسم بالتفكك السياسي والحاجة إلى سلطة مركزية قوية لمواجهة العديد من الأخطار: ((ظهور التتار واستيلاؤهم على بغداد وغيرها وخروج الصليبيين إلى الشام، الصراع بين السنة والشيعة الفاطميين، سقوط الخلافة العباسية ومحاولة المماليك إحياءها ثانية، اشتداد تيار التصوف، تحول الفقه وعلم الكلام إلى مواقف تقرر، وجمود الفقه عن المدونات وفتاوي الشيوخ وأقيستهم المحنطة))151.
هذه المدرسة هي مقابل الحركة الإسلاموية المعاصرة في مجال التعليل والاستدلال الفقهي بسبب تشابه الظرف السياسي، لذلك أخذت منها الكثير دون أن تعلن ذلك. وفكرة المصالح المرسلة توصل إلى دين مفتوح على كل الاحتمالات بسبب ((المرونة)) التي تشكل مبرراً مريحاً لتغيير المواقف والآراء خاصة حين تتخذ المرونة كمضاد للجمود والتحجر. كذلك يستعمل مصطلح مقاصد الشريعة أو المقصد بمعنى الغاية بقصد تجاوز كثير من الطرق الفقهية، والذي برز عن إبن رشد حسب الضرورة إبطال القياس الفقهي ليحل محله الدليل أو القياس المنطقي كما ذكر إبن حزم وطبقه إبن رشد في ميدان العقيدة بديلاً عن القياس أو الاستدلال بالشاهد على الغائب، ثم أكمل الشاطبي هذا المنهج الحزمي والتطبيقي الرشدي152. يقول الشاطبي إن كل دليل شرعي مبني على مقدمتين إحداهما نظرية أو عقلية والثانية نقلية، الأولى تبحث في مقصد أو مناطق الحكم في الجزئي أو الفرعي فهي مقدمة صغرى والثانية ترجع إلى الحكم الشرعي نفسه وهو يعمم سائر الجزئيات المتشابهة لذلك فهي مقدمة كبرى153. وهذا منهج يعطي فرصة لاجتهاد واسع أي التفرقة بين ما يسمى عند البعض الأعيان والغايات، ويهمس عند البعض الحدود الجزائية. فالحدود أو العقوبة في الإسلام ليست للثأر أو التشفي بل لصيانة المجتمع من الفساد، لذلك فهي ليست مقصوداً في حد ذاتها)) أي بأعيانها وأنما بغاياتها، والعبرة هي بمتعلق الحكم لا بمنطوقه، ولهذا فأن عقوبة قطع اليد أو الرجل في السرقة يمكن استبدالها بعقوبة أخرى، إذا كانت تقوم مقامها وتؤدي غاياتها فالأصل في العقوبة الردع. وكل عقوبة تؤدي غاية العقوبة الأصلية تكون بمثابتها. وهذا لا يعني التخلي عن العقوبة الأصلية التي تبقي العقوبة التي ينبغي اللجوء إليها في حالة التكرار أي المعاودة للمعصية154 . رغم المنهج الواحد فإن الإسلامويين لم يتجهوا إلى مثل هذه الاجتهادات لأن السياسة تستنزف كل طاقاتهم.
ويتوقف الترابي عند إبن حزم لأسباب أيديولوجية وسياسية صرفة، إذ يقول: ((وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى فقه إبن حزم وهو رجل ذو صلة واسعة بالسياسة وبالحكم وبالقضايا الاجتماعية العامة، فلا غرو أن تجد في منهجه الأصولي شيئاً من أسلوب واسع هو الاستصحاب الذي فتح باباً لتطوير الفقه))155.
إرتبط منهج الاستصحاب والمصلحة المرسلة بمفهوم يتردد كثيراً في كتابات ونقاشات الإسلامويين وهو الكسب، ورغم كثرة استعماله لدرجة أن الترابي أتخذه عنواناً فرعياً لكتابه عن الحركة إلا إننا كالعادة لا نجد تعريفاً محدداً للمفهوم، ولكنه مصطلح في الفكر الأشعري يحاول التوفيق بين الإرادة الإلهية والفعل الإنساني، وهذا ما يتكرر عند الترابي والإسلامويين تحت تعبير: تنزيل الإلهي المطلق على الإنساني والظرفي الطارئ والمتغير.
يقول الغزالي ((أن أفعال العباد مضافة إلى الله تعالى، خلقاً وإيجاداً، وإلى العبد كسباً، ليثاب على الطاعة ويعاقب على المعصية.. فقدرة العبد عن مباشرة العمل لا قبله. فحينما يباشر العمل يخلق الله تعالى أقتداراً عند مباشرته فيسمى كسباً))156. ويضيف الغزالي أنه مذهب أهل السنة لأن من ينسب المشيئة والكسب إلى نفسه فهو قدري ومن نفاهما عن نفسه فهو جبري، أما السني فينسب المشيئة إلى الله والكسب إلى العبد. واستخدام مفهوم الكسب لدي الإسلامويين يقيم توازناً بين العلمانية أو كما يسمونها الدنيوية وبين الديني والإلهي بالذات في النشاط السياسي، فالفعل إرادي وعقلي وبشري ولكن متشابك مع المشيئة الإلهية والقضاء والقدر، وهذا فضاء لا محدود لتديين السياسة وتسييس الدين كإستراتيجية إسلاموية، وإن كنا نلاحظ أن الكسب لدي الإسلامويين يظهر في الغالب وكأنه اختبار من الله للجماعة، والفكرة في النهاية تحافظ على أولوية جبروت الله والقانون الديني عكس المعتزلة القائلين بقدرة البشر على حرية اختيار أفعالهم157.
يقوم الإسلامويون مستخدمين جهازاً مفاهمياً مطاطاً يحتوي على: المصالح المرسلة، المقاصد، الاستصحاب، الضرورة، الكسب، التجديد والحياء....ألخ بعملية تأويل لكامل التراث الظني والقطعي. ويقومون بقراءة مغرضة للتراث أو ما يسميه (نصر) التلوين وليس التأويل ويقصد بذلك إخراج التراث من سياقه التاريخي وبالتالي من لغته أو معناه الأول وأسباب وجوده الأصلية ثم إخراجه من السياق الاجتماعي والثقافي الراهن. ويميز بين الدلالة والمغزى الذي يستنبط من الأولى، وتستخدم في التلوين آلية ((التحويل الدلالي)) وهي أشبه بآلية الاستعارة في النص الأدبي، وفي هذه الحالة: ((يتم نقل دلالة النصوص والأفكار من مجالاتها الأصلية ألى مجالات أخرى عصرية، لا عن طريق استثمار إمكانات الدلالة الأصلية بل عن طريق توسط الشعور))158. والشعور هنا هو الوسيط الذهني وليس العقل وبهذا الانتقال من مجال دلالي إلى آخر يمكن للنصوص أن تحمل المعاني والدلالات المتناقضة لأن النصوص تصبح قوالب فارغة يمكن ملؤها بمضامين مختلفة طبقاً لمطالب العصر أو الموقف159.ونتذكر هنا دور اللغة في الفكر الإسلاموي والاستفادة من المجاز والتشبيه والإبهام، والإخفاء والكشف كآليتين في القراءة. بواسطة عملية التلوين وليس التأويل يسهل فهم مواقف الحركة الإسلاموية السودانية من القضايا المعاصرة كابتلاءات - كما تسميها - أو تحديات تحاول الحركة أن تواجهها بالتوفيق بين التنزيل والكسب أو توحيد المثال والواقع وأحياناً تسميه الحركة - رغم خطأ التسمية - التحديث وهي تقصد الاجتهاد، ولكنها في الحقيقة تواجه مشكلات التحديث في المجتمع أو الحداثة في الفكر والعقل من خلال اضطرارها لتجديد وإحياء الدين والفقه.
الخطاب الإسلاموي وصدمة الواقع
كشفت تجربة حكم الإسلامويين في السودان عن عيوب رهيبة في فكر وممارسة وسلوك تلك الجماعة والتي كانت تتغطى بالشعارات الجميلة والألفاظ الرنانة ومواقف المعارضة المريحة في كشف عيوب الآخر. لذلك يركز هذا الجزء لحد كبير ليس على ما يقوله الإسلامويون ولكن على ما يفعلونه عندما يكونون في السلطة. فهذه الحركات خارج السلطة مؤمنة بحقوق الإنسان وتحصي على الحكومات أي خرق لحقوق التعبير السياسي والتنظيم والعمل والحركة والتنقل، ولكنها تغدو شرسة في فاشيتها ودمويتها حين تمسك بالسلطة. تجربة السودان كان يمكن أن تتكرر في تونس والجزائر لولا أن لطف الله أنقذهما حقيقة من حكومات (إنقاذ) كانت يمكن أن تجعل من الأوطان سجوناً كبيرة بعد أن تهدم السجون الصغيرة.
وكما أسلفت فقد إستغلت ((الجبهة الإسلامية القومية)) التسامح السوداني والطبيعة المسالمة لهذا الشعب في الوصول إلى السلطة وتستمر في السلطة بأساليب هي عكس العرف السوداني والدين الإسلامي. ويبدو أن الإسلامويين كانوا يخططون منذ زمان لكي يكون السودان حقلاً لتجاربهم السياسية ذات المسوح الديني، يقول الترابي: ((ومن حسن حظنا في السودان أننا في بلد ضعيف التاريخ والثقافة الإسلامية الموروثة وقد تبدو تلك لأول وهلة نقمة ولعلها ببعض الوجوه نعمة إذ لا تقوم مقاومة شرسة لتقدم الإسلام المتجدد ذلك في مرحلة الانتقال)). والمقصود هنا بالإسلام المتجدد رؤية أو قراءة (الجبهة) للإسلام، كما يعني هذا أنه في مرحلة ما قبل التمكن من السلطة لن تجد مقاومة كبيرة لتأويلاتها من قبل أصوليين صالحين أو دينيين محدثين ومخلصين.
تحاول الصفحات القادمة تقديم صورة للمثال الديني حين يتنزل إلى أرض الواقع. لذلك سوف ننظر للفكر الإسلاموي ونختبره ليس فقط حسب منطقيته أو تماسكه بل كيف يتحول في الواقع ألى حقيقة عيانية تقارب أو تطابق المكتوب والملفوظ. هذا وضع طبيعي أن تختلف النظرية في التطبيق عن تصوراتها ومبادئها لذلك يمكن أن تتراجع وتراجع، ولكن خطورة التجريب عند الإسلامويين تكمن في إيمانهم بأنهم يقومون بمهمة إلهية مقدسة، لذلك ينجم عن أي خلاف الجهاد والقتل والتعذيب والملاحقة دون تأنيب ضمير بل العكس بشبق إيماني ونشوة انتصار الحق على الباطل.
أثبت التاريخ والواقع المعاصر أن الدين الإسلامي قدم كنص مقدس حلولاً شاملة لكثير من القضايا والمعضلات الإنسانية، ولكن المسلمين فشلوا خلال كل تاريخهم - عدا استثناءات قليلة - في تمثل هذا النموذج في سلوكهم وحياتهم اليومية وتدبير شئون مجتمعاتهم. حتى في فجر الإسلام والعصور الذهبية كانت هناك شوائب ناتجة عن الضعف البشري جعلت من الصعب الحديث عن نموذج مثالي كامل للإسلام وجد على الأرض وبين الناس، وليس في عقولهم أو صدورهم فقط.
أ- الإسلامويون والديمقراطية
حازت قضية العلاقة بين الدين والسياسة في الإسلام على اهتمام كبير في السنوات الأخيرة وبالذات مسألة هل حقيقة الإسلام دين ودولة؟ وبالتحديد منذ سقوط الخلافة العثمانية في منتصف عشرينيات هذا القرن، كما أن بعض المصلحين والمجددين الإسلاميين إهتموا بموضوع الاستبداد وإشكالية الدولة ومؤسساتها، وكان ذلك نتيجة الاحتكاك بالأوروبيين والفكر الغربي. لا نريد الدخول في هذا النقاش في هذا المقام: ولكن نسأل إذا كان الحكم أو السياسة جزءاً أساسياً في الدين الإسلامي فلماذا جاء الاهتمام متأخراً؟ ولماذا لا نجد تراثاً كبيراً في الفقه السياسي الإسلامي؟ كما نلاحظ أن الفكر السياسي الإسلامي الحديث يدافع وينقض ويرفض دون أن يؤسس حسب معطياته ومنطلقاته الذاتية بمعنى أنه يهاجم الديمقراطية الغربية على أنها ناقصة أو كاذبة دون أن يقدم لنا صورة الديمقراطية الإسلامية كما يعتقدها. ويصل الرفض والدفاع لدرجة رفض بعض المبادئ ذات الطابع الإنساني العام بمعنى إنها جزء من طبيعة الإنسان كمخلوق حباه الله بالعقل، وأعني بذلك حقوق الإنسان الأساسية وهي ليست ميزة خاصة بشعب أو ثقافة مقصورة على أمة ما. نجد الترابي في نقده للديمقراطية الغربية وهو رجل القانون المتفتح على ثقافات أخرى، يقول: ((وقليلاً ما تجدي المقولات النظرية في حقوق الإنسان التي يحاول بها بعض المسلمين أن يستدركوا أزمة الحرية والدولة المطلقة. فهي استيراد غريب مؤصل على الأصول العقدية والحضارية التي هي ضمان الحرية المسئولة والسلطة المسئولة))160. ويضيف بتفصيل أكثر: ((وتراهم كذلك يعتمدون مصطلح حقوق الإنسان مطلقاً غافلين عن نشأته في بيئة استبداد مطلق، ومن مذهب اعتقاد بالإنسان المطلق الذي تحق له الحقوق كاملة دون الواجبات، وتحل له متع الإباحية الشاملة، ولا حجة عليه من رب معبود، تلك الحرية الوضعية المزعومة هي في الحقيقة وهم كبير إلا أن تكون رد فعل ظرفي على طاغوت وضعي معين في تاريخ أوربا))161.
مثل هذا الهجوم على مبدأ إنساني يضر بالإسلام والمسلمين، ويضعهم في مكان متخلف في عالم معاصر يسعى لإعلاء قيمة الإنسان حقيقة وحسب ضمانات في الدساتير والقوانين والممارسة. ويجب علينا كمسلمين ألا نتخلف عن مثل هذه المبادرة الإنسانية بغض النظر عن مصدرها وأسبابها. فكونها نتيجة وضع إسبدادي هذا ليس عيباً، بل تجميع واستفادة من خبرات أخرى تظهر كيف تصرف بشر آخرون تجاه وضع استبدادي معين؟ ومن الذي قال إن حقوق الإنسان تعني إعفاءه عن واجباته؟ ولماذا الربط باستمرار بين الحرية ومتع الإباحية الشاملة؟ هذا انعكاس لعقل الإسلاموي المتعصب والمكبوت على الآخرين لأنه حسب تكوينه النفسي المعقد سيسئ استعمال حريته ويقع في الانحلال والإباحية. وبالمناسبة أمراض الحقبة الحديثة مثل الاغتراب وفقدان المعنى والتشيؤ والبيروقراطية واللامعيارية.... ألخ هي بالضرورة من نتائج العقلانية والتصنيع والعلم ولكنها أيضاً - كما يقول هابرماس - مشكلات نقص أو لا توازن العقلانية. فلنكن واقعيين ومنطقيين بل ومنصفين ونعترف بفضائل الآخرين ومنها محاولات احترام حقوق الإنسان الأساسية بوضع ضوابط وضمانات قد لا تكون كاملة ولكنها محاولات وسعى واجتهاد.
فرضت إشكالية الديمقراطية نفسها على الفكر الإسلاموي بعد أن تجاهلها طويلاً لأنها تضعه في تناقض: السلطة والحكم للشعب أم الحاكمية لله؟ هذه المعادلة التعصبية أدخلت الإسلامويين في متاهات فكرية وأخطاء سياسية وصراعات تناحرية مع الحكومات المختلفة. وعلى ضوء الخلاف قسم الناس إلى جاهلية جديدة وإسلام، وهذا تقسيم أفرزه الصراع السياسي وليس الخلاف العقدي أو الديني. لذلك يعطيه الترابي تسمية مختلفة تماشياً مع إبهامه وغموضه ومراوغته وعدم المواجهة، يقول: ((ولكن حال الزمان وأصبح اليوم يجابهنا شرك جديد هو الشرك السياسي، وهو يتخذ الناس آلهة من دون الله سبحانه وتعالى يتحاكمون إليها ويتخذونها مصدراً للتشريع وأهلاً للطاعة والتقليد وأصلاً لوضع القوانين))162. وهذا النوع من الشرك - حسب رأيه - لم يعالجه الفكر الإسلامي العقدي القديم حتى إنبرت له أقلام مفكرين عقائديين مسلمين منهم المودودي وسيد قطب، فقد تحدثا عن حاكمية الله وضرورة التوحيد في تلك الحاكمية. ويجد الترابي في هذه النظرة الانقلابية المضادة للديمقراطية فرصة لتسريب أفكار سياسية تقلل من شأن الديمقراطية في السودان، رغم أنه يكرر تحفظاً خفياً وماكراً تجاه القطبية والمدرسة الباكستانية لقولهم ((بتقويض نظام الفساد وتمكن الصلاح بالقوة من خلال تربية فكرية تعبدية وإعداد لطليعة صالحة)) تقوم بتلك المهمة. ولكن بتأكيد موقف الحركة المتأثر بفقه سيد قطب والمتآمر على الديمقراطية، وإنها بعد تجربة الديمقراطية في عهد أكتوبر 1964 في السودان قد تبينت مدى زيف الأشكال الديمقراطية في تمثيل إرادة الأمة ووقوعها تحت نفوذ الإرادة الأجنبية163. وفي موضع آخر: ((لكن الحركة بالطبع ما كانت تبني فلسفتها الإصلاحية الديمقراطية على مفهوم الحرية الإباحية الذي روجته نزعات الإيمان بالإنسانوية المطلقة بل تسعى بتربيتها لتحرير الإنسان وتطهيره من شهوة الهوى وسلطة الغير ليسلم لله وحده)) وأخيراً يحدد هذا الموقف من الديمقراطية وينفي موقفاً بقصد تأكيده: ((وأيا ما كانت عيوب الممارسة الديمقراطية حيثما كانت بالنسبة إلى نظريتها، فالحركة تعلم أنها في السودان أشد زيفاً وأسرع تلفاً من جراء الخلل السياسي الداخلي والتدخل الإمبريالي الخارجي، فلذلك لا تتنكب الحركة الديمقراطية باستخفاف أو غدر ولكنها لا تتوهم أن الإصلاح كله ودائماً ديمقراطي المنهج))164. ويتحدث عن دورة خبيثة للديمقراطيات - الدكتاتوريات - الانتفاضات في السودان، دون أن يفترض الحلول في مزيد من الديمقراطية من خلال حمايتها بحل التحديات الاقتصادية والاجتماعية بالذات التخلف والتنمية غير المتوازنة وضمان التعددية الثقافية، بل ينذر: ((فلن تنفعنا - ولم تنفعنا من قبل - شرعية الدساتير الديمقراطية وسابق التجربة كرة بعد كرة، وأنما ينقذنا أن نكتشف أصالتنا من جديد، حيث التوازن المطمئن بين الثبات والتطور في الدين، والتراث والتجديد في المجتمع، وحيث التوحد المستقر بين المجتمع والدولة))165.
قدم الترابي ورقة هامة عن الشورى والديمقراطية، وقد إستهلها بنقاش إشكالات المصطلح والمفهوم. ويحاول في البداية تذويب الفروق بين المفهومين كما يظهر إستعداداً لاستعمال الكلمتين بالتبادل وكأنهما مترادفان، إذ يرى أنه في حالة الصحوة أو النهوض لا مانع من استعمال الكلمات والمفاهيم الأجنبية والعكس صحيح أي رفضها في حالات الحذر والفتنة. ويمارس هوايته في الغموض وتغبيش الرؤية للمعاني، حين يقول: ((فالمعاني التي تقتضيها الشورى وتؤسس عليها الديمقراطية، معاني منبثقة في الدين كله.
وقد حاولنا أن نناسب بين الديمقراطية والشوري لئلا يكون في اختلاف اللغة ما يوهم باختلاف المعنى ويعوق الفهم والتفاهم ولكن يلزم من بعد تحرياً للدقة وضبط الفهم، أن نحرر مغزى نظام الشورى بإمعان لئلا نتجاوز عن مقتضيات الشورى التي تتباين وملابسات الديمقراطية الحديثة بصورها اللبرالية أو الشعبية. فيرد الخلط بين نظام إسلامي ونظام غربي))166. ويعدد الفروق بين الديمقراطية والشورى ويذكر أولها بأن الديمقراطية في المفهوم الغربي تمارس في سياق حكم لا ديني، ولا مجال في الإسلام - حسب رأيه - لحكم شعبي منقطع عن معاني الأيمان، والثاني هو أن الشورى في الإسلام ليست ممارسة سياسية معزولة وإنما هي نظام حياة ويقصد أن الديمقراطية جردت لتكون تعبيراً سياسياً فقط أي الديمقراطية الشكلية بينما صار من البديهيات الحديث عن الديمقراطية الاجتماعية والديمقراطية الاقتصادية، والفرق الثالث هو أن السيادة في الديمقراطية الغربية التي تستند في النظرية الدستورية للشعب، بينما في الإسلام لا تعني سلطة الشعب المطلقة بل سلطة الشعب وفقاً للالتزام بالشريعة. والفرق الرابع بين بين الشورى والديمقراطية الغربية هو ((أن الأخيرة تنطوي على طلاقة الهوى والشهوات السياسية من قيود الأخلاق)) وأخيراً الفرق الخامس: ((أن الديمقراطية الشورى أدعى لضمان وحدة المؤمنين من ديمقراطية الغرب))167. وفي النهاية يغلب القصد الأيديولوجي وهو طمس فكرة الديمقراطية وتعويم مفهوم الشورى بهدف عدم الالتزام بأي منهما. إذ يرى ضرورة ملاحظة تلك الفروق)) إذا أردنا أن نعقد أسباب التفاهم فنستعمل الكلمة الغربية لنقابل المعاني الإسلامية، ولا حرج في استعمال ما أستدرك المرء هذه التحفظات أو أحاط الكلمة بسياج يجردها من ظلال البيئة الغربية، فاللغة اصطلاحية وللكلمات أبعاد اجتماعية ونفسية وراء المعنى العجمي وأن الاستعمال في سياق صحيح إذا أمدته قوة ثقافية يمكن أن يؤلف إلى الإسلام كلمة غريبة أو يرد غربة كلمة كانت للإسلام168.
عندما إستولت ((الجبهة الإسلامية القومية)) على الحكم في السودان، أطلقت على نظام عسكري جاء بانقلاب ضد الشرعية الدستورية وحل كل المؤسسات الديمقراطية صفة الشورى. هناك قاعدة سياسية بسيطة تقول بأن طريقة الوصول للسلطة تحدد مضمون السلطة الحاكمة: ولكن منظري النظام الحالي وجدوا السند الشرعي لدكتاتورية النظام من خلال توسيع أو تمييع المقصود بالشورى باعتبار أن النص جاء في القرآن مرناً وعاماً، يقول رئيس القضاء السوداني: ((لذا فأن الشورى من ولي الأمر قد تكون لأي فئة من الناس ممن يوثق في رجاحة رأيهم وأمانتهم وإخلاصهم ولم يوجب النص أن تكون الشورى في برلمان أو مجلس شورى أو مجلس شعب أو جمعية تأسيسية أو مجلس أمة لعدد معين من الناس. فقد تكون شورى عن طريق ما ذكرنا وقد تكون عن طريق بخلاف ذلك كالاستفتاء أو أخذ رأي عدد ممن لهم خبرة في الموضوع. وقد كانت وسيلة الثورة لمعرفة آراء المواطنين هي تلك المؤتمرات العديدة))169. مثل هذه الحيل هي التي كرست أنظمة قمع وطغيان في فترات طويلة من التاريخ الإسلامي، فقد وجد بعض الخلفاء، فقد وجد بعض الخلفاء والولاة دائماً علماء وفقهاء رجال دين يعاونونهم على ظلم الرعية بالفتوى أو بالصمت.
الشورى ليست الديمقراطية لعدم وجود طريقة ثابته لاختيار الحاكم أو تحديد مدة ولايته أو حق خلعه لو إنحرف، وتأكيد حق المعارضة والاختلاف، وحقوق الإنسان الأساسية الأخرى كما أن الخلاف يدور حول إلزامية الشورى، قد تكون شكلاً يتضمن ديمقراطية ما ولكن لا توجد ضمانات ولا مؤسسات تحرص على بقاء واستمرار وتنفيذ الشورى، إذ تترك لتقديرات الحاكم نفسه وضميره وأخلاقه ومدى خشيته الله، لذلك كان التطور السلبي الذي ساد الدولة الإسلامية حتمياً، أو كما يقول الحديث: ((إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة، ثم يكون رحمة وخلافة ثم يكون مُلكاً عضوضاً، ثم كائن عنواً وجبرية وفساداً في الأرض، يستحلون الحرير والفروج والخمور ويرزقون على ذلك وينصرون حتى يلقوا الله عز وجل))170. ومنذ تولى الأمويون أعلن معاوية أنه جاء بسيفه دون رضاء أحد: ((فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة)) ولم يعد الرعية باقتفاء أثر الخلفاء الراشدين. ومنذ ذلك الحين عرف المسلمين دولة سياسية صرفة وتم تدشين لا دينية الدولة بخطاب معاوية حين تولى الحكم171.
هناك مفهومان في الفكر الإسلامي يناقضان ضرورة الديمقراطية أو الشورى وهما: الفتنه والشوكة. فالمسلمون يخضعون للحاكم حتى ولو كان جائر خشية الفتنه، كما تعتبر المعارضة دائماً حسب الفهم الديني - فتنة أو حتى بغياً ويقام على المعارض الحد، كما أن الشوكة كمفهوم تعني الشرعية الثورية، وهذا ما يجعل الانقلاب العسكري مقبولاً شرعاً كما يظهر في كثير من أحكام الفقهاء وآرائهم. روي عن أحمد إبن حنبل: ((من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين. لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً عليه، براً كان أو فاجراً فهو أمير المؤمنين)). وقال إبن جماعة قاضي القضاة في القاهرة: ((إن خلا الوقت عن إمام فتصدى لها من هو ليس من أهلها، وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف إنعقدت بيعته ولزمت طاعته لينتظم شمل المسلمين وتجمع كلمتهم، ولا يقدح في ذلك كونه جاهلاً أو فاسقاً)) ويقول فقهاء المالكية: ((من إشتدت وطأته وجبت طاعته))172.
لم يقدم التراث والفكر السياسي الإسلامي مساهمات جيدة في مجال الديمقراطية خاصة إذا إقتصر مفهوم الشورى وهو أساسي في هذا الميدان. إذ يحدد: ((لا يحتوي من الشورى في انتخاب الولاة وتقرير السياسات العامة إلا تلك السنن المحدودة بعهد الصحابة وإلا ما يمثله مفهوم الإجماع في الأحكام الفقهية وما يمثل مفهوم أهل الحل والعقد الذي كان حظه في الواقع أدنى بكثير من حظ الإجماع. أما نصيحة الولاة فأنها في التراث سنة واسعة متصلة لعهود طويلة ثم إنا قد ورثنا نعم التقاليد في علوية الشريعة وحاكميتها ضابطاً هائلاً للسلطة وفي استقلال القضاء وهيبته حارساً لحكم الشريعة))173. هكذا لم يبق من الشورى غير نصيحة ولاة الأمور وهي مجرد استشارة لا تعكس أي شكل من أشكال المشاركة الشعبية في الحكم إذ يقوم بها العلماء فقط، كما أن صاحبها لا يملك غير القوة المعنوية لفرض رأيه. فالشعب كان دائماً بعيداً عن دائرة إتخاذ القرار وبقى مهمشاً، لذلك إنتشرت صفات تحقيرية للإشارة للشعب أو الجماهير وتستعمل كمترادفات مثل: العامة، الدهماء، الغوغاء، الأوباش، الرعاع، الفساق الزعار (الزعران) المفسدين... إلخ.
تسود الحركة فكرة إستراتيجية مضادة للديمقراطية ومن خصائص المجتمعات الشمولية وبالذات النظرية النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا والستالينية في الاتحاد السوفيتي، وفي فكرة أن تكون الجماعة الإسلامية وهنا (الجبهة) هي المجتمع أو الأمة. من المعروف أن وجود الدولة يقابله مجتمع مدني ووجود المجتمع المدني وتطوره من ضمانات الديمقراطية ليس فقط كمؤسسات ودساتير ولكن دمقرطة الحياة نفسها وهذا أحسن وأضمن: أن يعيش الناس الديمقراطية في أنفسهم أي داخل العائلة وفي المدرسة وفي النادي والحي والنقابة والحزب والقبيلة.. إلخ. هذه الفكرة لدي الإسلامويين تهدف لتذويب الجميع دون فروق واختلاف في الحزب/ المجتمع أو الدولة أو الأمة، وهذا ما تسميه الحركة الإسلاموية: ((إستراتيجية التحول الشعبي والتمكن المجتمعي))174. وهذا ما يبرر اختراق التنظيم الطليعي أي ((الإخوان المسلمين)) لكيانات تشكيل جبهة يسيرها الإخوان المسلمون لأنهم الأكثر حركية: ((ثم يقوم العنصر الحركي منبثاً في قاعدة هذه الكيانات أو قيادتها غير غالب بعدده بل بأثره ووعيه بمقتضيات حركة الإسلام))175.
يسمى التنظيم المبسوط لإبراز تمايزه عن الأحزاب، وقد كان حسن البنا يرفض اعتبار ((الإخوان المسلمين)) حزباً من الأحزاب ورفض بالتالي تعدد الأحزاب.
وكان سيد قطب هو أول من وحد بين التظيم والمجتمع باعتبار أن الجماعة إنتقلت من معناها التنظيمي الضيق إلى معنى الأمة أو نواة الأمة ويستعيد تجربة النبوة بتقسيم الناس إلى دار الإسلام مقابل دار الحرب. ويرى الجورشي في نفس الاتجاه أن الحركة ليست حزباً بل هي أقرب إلى ((الجماعة - الحزب)) أو ((الظاهرة - التنظيم)) لأنها ليست مجرد تشكل سياسي يهدف إلى استلام السلطة، ولكنها قراءة للدين والثقافة والمجتمع قد تجسدت في نمط من التربية وأشكال التنظيم وتدعو إلى ولادة ((جديدة - قديمة)) - وهذا هو المهم في الحركة - أنها تدعو إلى ((فكرة الاحتكار الكامل للنفوذ والقوة))176.
يفضل الترابي طريقة التمكن المجتمعي حين تكون الحركة خارج السلطة ثم حين تتمكن من السلطة: إنفراداً أو مشاركة أو من وراء حجاب ففي المرحلة الأولى مطلوب ((التربية الخاصة والتعبئة الشعبية)) كخطتين متلازمتين لتغير الواقع بالجهاد ثم الحكم. ويرى بتكامل هذا النهج حسب القرآن إذ: ((خاطب بداعية الأيمان وواجب المجاهدة)) لمحق قوة الباطل ودك دولته لئلا تكون فتنة أو تهدم أطر الدين أو تفسد الأرض. وفي المرحلة الثانية أي عند الوصول إلى السلطة مهما كانت ديمقراطية أو ديكتاتورية عسكرية تستمر الحركة في تغير الواقع حسب تصورها: إذ تمكن أهل الدين في الأرض يسراً أو قصراً فأنهم يمضون في تزكية المجتمع بالدعوة، لكنهم يضعون قوة السلطة أيضاً لتغيير الواقع وإنفاذ حكم الله قانوناً وسياسة))177. وعندما تقترب أي حركة إسلامية من الإمساك بالسلطة فأنها تتنكر لشعارات التدرج في تطبيق برامجها السياسية التي تسميها زوراً الشريعة الإسلامية بل تهاجم أي دعوة للتدرج وهن يظهر التطرف ورمي المجتمع بالجاهلية مما يقتضي تطبيق المنهج الجهادي الثوري الجذري الفوري كما تقول الحركة وليس الإصلاح الرفيق البطيء أو المتدرج (ص52) ويعتبر التدرج تأخيراً للأحكام الشرعية، بل يقول الترابي: ((إلا أن يكون التدرج حيلة لا حكمة وذريعة للتربص والتسويف، وهو كذلك عند بعض المتعقلين الذين يجادلون نفاقاً في حرج تطبيق الشريعة))178. وفي السلطة تتغير اللغة والمرونة وقشرة الحداثة ويسفر التعصب عارياً، فرغم الحديث المستمر عن مقاصد الشريعة في كل كتيبات وتنظيرات الترابي، يصرخ فينا: ((ولا معنى بل ولا صدق في زعم من يزعمون ضرورة البدء بمقاصد الدين ثم يردونها إلى عموميات من الشورى والعدالة وكرامة الإنسان، يضاهون المبادئ الرائجة لدي البشر قاطبة مؤمنهم وكافرهم)) (ص56) أو ((ومن الحيل الشائعة لتعويق إقامة النظام الإسلامي الاعتذار بضرورة التمهيد لها بإجراء دراسات عميقة حتى نتبين مقتضى الدين فنطبقه حكيماً غير معيب، مراعاة لخطر الدين ووقاره وعدم اقتحامه بعفوية، وحذراً من تشويه الإسلام والتنفير عنه)) (ص57) وفي موقع آخر يقول عن الدعوة القائلة بأن نبدأ بتربية المواطنين أولاً: ((بعض الناس قد يعبرون عن نظرية الإرجاء بشعار شائع يرفعه كثير من المنافقين وقليل من المخلصين، وهو أن التربية ينبغي أن تسبق القانون، يرفعه كثير من المنافقين لأنهم يريدون أن يسوفوا الأمور ويعيشوا دهراً من الزمان يعربدون قبل أن تقع عليهم أحكام الشريعة وتقطع متعتهم)) (ص150) وكأن كل المعارضين لشريعة الترابي قابعون في حانات للخمر أو في أحضان حسناوات يعبون من المتع واللذة قبل أن يقع عليهم سيف الترابي أو سوطه. هذا تسطيح وسذاجة متعمدة في الحوار وعدم احترام الخلاف.
تصبح الشورى والعدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان مجرد عموميات ثانوية في أولويات الحركة حين تصل الحكم، وقبل ذلك هي الأولويات لأن الإسلام ليس مجرد حدود وتقطيع أطراف وجلد ورجم، وللمفارقة فالإسلامويون هم أنفسهم الذين يجعلونه كذلك عندما تواتيهم فرصة تطبيقه حسب رؤيتهم القاصرة. يؤكدون باستمرار بأن الديمقراطية أو الشورى ليست مهمة ملحة في برنامجهم وهم في السلطة بسبب عجز الأنظمة الديمقراطية الموجودة قبلهم ثم بزعم أن تطبيق ((الشريعة)) يحل تلقائياً كل هذه القضايا.
والواقع السوداني أثبت أن أي حركة إسلاموية - حتى لو تمتعت بديمقراطية موطنها - هي في النهاية دعوة لدولة شمولية قمعية قاهرة تقوم على الحزب العقائدي الواحد أو شعبوية الحزب الديني الواحد One Party Religious Populism كما يحدث في السودان الآن. فالحركة بدعوى الأسلمة تهيمن على كل مجالات الخدمة المدنية والتعليم والإعلام والثقافة وكل المجتمع المدني، وتنشر عيونها وتنظيماتها في الأحياء والمدن والأرياف، وتنوع أجهزة الأمن والتجسس بتوهم خطر خارجي وداخلي: صليبي، علماني، شيوعي، أمبريالي - كما تردد إذاعتها وصحافتها - تعطي الحركة الإسلاموية هذه الهيمنة الشمولية الكاملة تبريراً أيديولوجياً بلغتها الغامضة: ((يكمن في مجتمع المسلمين الحاضر هذا الاختلال في معادلة الوجود الاجتماعي بين الوجدان الشخصي والعرفان المجتمعي والسلطان الرسمي)) (ص24) وإزالة هذا الاختلال حين تصل الجماعة الإسلاموية إلى السلطة لا يحل بالديمقراطية وإعلاء قيمة الإنسان وحقه في الإبداع والاختلاف والدولة - المجتمع - الحزب الذي يبشر بها الإسلامويون يتنفسها الناس قمعاً في كل أمكنة وأزمنة الوجود والحياة اليومية. يقول الترابي عن النظام الإسلامي الممكن: ((إن القضايا ذات الخطر التي يطرحها أي نظام دستوري إسلامي يتخذ اليوم، لا تقتصر على شرعية اختيار أولياء السلطة ولا على مدى سلطتهم إزاء حرمات الرعية - أو الحقوق الأساسية كما يسميها المترجون - بل تشمل حصر وظيفة الدولة وتكثيف الموجهات المذكرة للشعب بالتكاليف والمبادرات المستحقة عليه في المشاركة في السلطة ثم في الأعمال العامة كافة، حتى لا يكون الرأي كله في المداولات الديوانية، والعلم كله في المدارس النظامية، والمعاش كله في القطاع العام))179. والمقصود بالشعب هنا أعضاء الجماعة والمتعاطفين معها فقط ويتم عزل الأخرين بوسائل شتى حتى يرضوا بالأمر الواقع، كما حدث في السودان الآن بالنسبة للمؤتمرات التي تعينها الحكومة وكل من يتغيب أو يقاطع يصنف كخارج أو معارض أو باغ ويحرم من حقه كمواطن في المشاركة السياسية والتي لا تعني الحضور فقط، بل المشاركة أولاً في تحديد ماهية ما يستدعي الحضور. ديمقراطية جديدة: أن تشارك في شئ لم تشارك في إيجاده وإنجازه! تجربة السودان اختبار للإسلامويين يفضح إدعاءاتهم الديمقراطية، ولكنها تجربة وعبرة للشعوب الأخرى لكي تتعلم من معاناة الشعب السوداني حين فرط في فهم الإسلامويين على حقيقتهم وظنهم جزءاً من قيمه وتقاليده ونظرته للكون والحياة فأنقلبوا عليه.
ب- الاقتصاد
لم تقدم الحركة الإسلاموية المعاصرة عموماً أي نظرية اقتصادية أصيلة ومتكاملة، فهي تعمل باستمرار كرد فعل لتحديات من خارجها وليس نتيجة تطور ذاتي يتجه نحو الخارج. ولكن هناك تحديات وابتلاءات يتم استبطانها لتعكس ذاتاً مضطربة إزاء عالم يتغير سريعاً ومجتمعات لم تعد تكفيها الدهشة والتعجب. كانت الحركة الإسلاموية السودانية تركز على السياسي باعتبار أن الإمساك بالسلطة يعني حل كل المشكلات والقضايا لأنها ذات طبيعة أخلاقية وبتضافر الدعوة والسلطان تتغير أخلاق الناس إختياراً أم كرهاً. ومن الجدير بالملاحظة أن الأخلاق كقيمة إنسانية يختزلها الإسلامويون في الجنس أو الشرف المرتبط بالجنس ولا تتسع لتشمل أخلاق العمل والصدق والسلوك والمعاملات عامة إلا في حالات قليلة. لذلك الربا يدان دينياً وبالتالي أخلاقياً ولكن الاستغلال أو الاحتكار تحتاج إدانتهما إلى اجتهاد وموقف طبقي متقدم لا نجده في الحركة الإسلاموية. من هنا كان الربا هو المشكلة المحورية في مجتمعات تشكو من التخلف والمجاعات وعدم تلبية الحاجات الأساسية. إبتعدت الحركة الإسلاموية السودانية عن نقاش المسألة الاقتصادية بكل أبعادها الاجتماعية والثقافية، وتوقفت عن نقاشات سطحية تؤكد وسطية الإسلام بين: ((الرأسمالية الربوية والاشتراكية الإلحادية)) وتعترف الحركة بقولها: ((ولكن ذلك كله طرح نظري جدلي واقف عند العموميات. فالمرحلة في الدعوة كانت تقتضي تركيز الأصول دون تفصيل السياسات الدستورية أو الاقتصادية))180. كان لنجاح التيار المحافظ في السيطرة على الحركة الإسلاموية السودانية أثره في البعد عن القضايا ذات مضمون متقدم كما ظهر في برنامج حركة التحرير الإسلامية في الخمسينيات، يقول الترابي عن هذا التحول داخل الحركة: ((إن بعض عناصر الحركة الإسلامية ممن كانوا متأثرين بسابقة توجه اشتراكي لم يثبتوا فيها ليطوروا الاهتمام المفصل بالاقتصاد، وأن الحديث المحدود داخل السودان وخارجه عن الرأسمالية أو الاشتراكية الإسلامية كان منكراً في مرحلة نشوء الدعوة وحرصها على تأكيد الهوية الإسلامية الخالصة والتحرر من شبهة التلوث الغربي أو الشرقي))181. ومن الجدير بالذكر أن كتابات الإسلاميين عموماً تعكس أجواء صعود أو هبوط تيارات إسلامية معينة حسب الصراع الاجتماعي وبروز فئات اجتماعية لذلك يظهر كتاب مثل ((العدالة الاجتماعية في الإسلام)) لسيد قطب 1949 مع عنفوان الحركة الشعبية في مصر ولجان الطلاب والعمال التي تشكلت عام 1946. كذلك يكتب مصطفى السباعي ((اشتراكية الإسلام)) في بداية الستينيات182. أما منذ منتصف السبعينيات فعناوين الكتب والمقالات لا تخرج: عن المصارف والبنوك الإسلامية أو الربا، فقد فرضت الحقبة النفطية والطفيلية فكرها، والذي يحاول البحث عن جذور في الفقه القديم والذي بدوره لم يهتم إلا بأحكام الأموال والخراج فقط لعدم وجود علم مستقل للأقتصاد في الإسلام في الماضي.
لم تسهم الحركة بأي إنتاج في مجال الاقتصاد ولكنها إقتحمت عملياً ميدان التجارة والمال وأسمته الاقتصاد الإسلامي. فقد دخلت هذا الميدان في السبعينيات بعد أن ترك بعض أعضائها العمل الحكومي وأتجهوا نحو بلاد النفط. ترى الحركة أن هذا التوجه الجديد مكنها من تجنب الكبت والاضطهاد خلال بداية عهد نميري. ويقدم الترابي وصفاً طريفاً لذلك الوضع: ((وهذا التوجه حال معروف عند كل الأقليات التي تكبت سياسياً فتنصرف إلى الاقتصاد، يعرف ذلك في تاريخ الوجود الإسلامي المستضعف سياسياً في بعض البلاد الأفريقية والآسيوية وفي حال اليهود في الغرب))183. وتعترف الحركة بأن عملها الاقتصادي كان نتيجة ضرورات سياسية شخصية ولكن تدهور الأوضاع الاقتصادية في السودان نبه الحركة للاستفادة من تلك الظروف في تحقيق إستراتيجيتها للتمكن من المجتمع وبالفعل بدأت منذ منتصف السبعينيات بالاستفادة من الصعوبات الاقتصادية واستثمارها سياسياً، يقول زعيم الحركة: ((وصادف ذلك أن وقد توجهت الحركة في ذلك التاريخ بهمها الإستراتيجي لاستيعاب المجتمع وقدرت أنها لن تحيط بالسياسة وحدها أو بالعمل الثقافي والاجتماعي إلا أن تأتيه أيضاً من قبل مشكلاته وتطلعاته الاقتصادية))184. تزامن ذلك مع اختيار نظام نميري للتوجه الرأسمالي التابع كاملاً خاصة بعد حملته الدموية على الشيوعيين السودانيين عام 1971 وبعد اتفاقية أديس أببا مع الجنوب عام 1972.
شهدت هذه الفترة تطورات عامة تمثلت في سياسات وارتباطات معينة، كان التطور الأول دخول الرأسمالي الأمريكي تناسفا مع تحرك السودان نحو تحالف أوثق مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بإستراتيجيتها الأفريقية والشرق أوسطية. والتطور الثاني هو إعلان إستراتيجية اعتبار السودان سلة غذاء المنطقة مما أدى إلى وقوع قطاعات حيوية من الاقتصاد تحت سيطرة البترودولار العربي مع التقنية والخبرة الغربية. أما التطور الثالث فقد تمثل في الانتشار الكاسح للمصارف الإسلامية والتوظيف الإسلامي وما صاحبها من مضاعفات سياسية مدمرة185. تسمي الحركة هذه التطورات الاقتصاد الإسلامي وتفخر بدورها في تثبيت هذه السياسات، يقول الترابي: ((ثم إتسعت رقعة الاقتصاد الإسلامي بتأثير الحركة على السلطة فصدرت قوانين فارضة للزكاة ومانعة للربا وواضعة لأحكام المعاملات المدنية الشرعية حتى كاد الاقتصاد الإسلامي أن يكون خيار الدولة في السودان))186.
تحاول الحركة الإسلاموية أن تعطي كل تصرفاتها ومواقفها وجهاً دينياً متعالياً وتحول المدنسات إلى مقدسات. فقد تسببت بعض المؤسسات الاقتصادية الإسلاموية في مشكلات تموينية وتخزين السلع الضرورية والمتاجرة في العملات والآن تقوم ببيع القطاع العام لتشتريه هي نفسها بثمن بخس. رغم ذلك يجمل الترابي ممارسات الحركة الاقتصادية: ((وأنما كان الدافع الأول لقيام مؤسسات اقتصادية إسلامية محدوداً يقتصر على عرض الدعوة من خلال الاقتصاد، إذ توحي أساساً بناء نماذج تبرز تميز نظم الإسلام وأصالتها وتؤكد حقها في الوجود والمقبولية وتصدق إمكان اجتناب الربا وحكمة تحريمه))187. ولأن الحركة براجماتية أي عملية نفعية فهي ليست محكومة بمبدأ يوجه تفاصيل تطورها بل تمرحل عملها استجابة للظروف وإنتهازاً للفرص. لذلك حين تكاثرت المؤسسات خاصة وعامة، وتعاظمت عائداتها الربحية، وأدت إلى ترويج المؤسسات الشعبية الواسعة في الأعمال التجارية بإقبال الناس على الكسب الحلال وأستقطبت مدخرات مالية كانت مكنوزة ورؤوس أموال عربية كانت تحجم عن السودان)) (ص176) كانت النتيجة: ((ثم بدت للمؤسسات الإسلامية - من بعد الآثار الاقتصادية والفكرية الأوسع - أبعاد سياسية لم تكن مقدرة)) وحين إتخذت الحركة المؤسسات الاقتصادية سلاحاً في معاركها السياسية وفي الضغط أو الاستمالة تشبهاً بطريقة معاوية بن أبي سفيان في العطاء السياسي أو ((المواكلة الحسنة والمشاربة الجميلة))188. وفي هذه الحالة تعرضت الحركة لنقد صادق من الوطنيين الغيورين على مقدرات البلاد. ولكن الحركة الإسلاموية حولت صراعها السياسي المدعوم بالمال الطفيلي إلى معركة بين الإيمان والكفر، وإعتبرت نقد هذه المؤسسات الاقتصادية نقداً للدين وإضعافاً له ومؤامرة أجنبية. وأستعملت تعبيرات مثل ((فرأى فيها أعداء الدين خطراً كبيراً)) أو في موضع آخر: ((وبمادية منطلقات الرأسماليين إتهموا أن الباعث عليها إنما هو استغلال المتدينين بإسم تحريم الربا وأكل أموالهم بالحيل والتوسل بها إلى السلطة السياسية، ومن ثم صوبوا نحوها كيداً دولياً عظيماً وحرضوا عليها مواليهم في الداخل وتصدى لها كذلك آخرون ممن أخذهم الحسد لثروة الإسلاميين النامية أو القلق من منافستهم السياسية أو الارتياب من دعوة دينية لا ترتبط بالمسكنة والتزهد كما يعهدون))189. وبالفعل تحولت إلى دعوة دينية ترتبط بالترف والاستكبار وحب المال، ورغم أن قدراً من الزهد مطلوب دون شطط في بلد تهدد المجاعة فيه ثمانية ملايين مواطن لكي لا نستفزهم بالقصور وسيارات الكريسيدا وغيرها من منتجات الحضارة الغربية ((النجسة)).
ليس للفقراء مكان في الاقتصاد الإسلاموي غير الإغاثة - والتي جعلتها الجماعة من أهم قنوات الثراء الحرام - بينما الفقراء والمحتاجون على بعد خطوات من الموت جوعاً وعطشاً ومرضاً. فالعدالة الاجتماعية لا ترد في برنامج ((الجبهة الإسلامية القومية)) كمبدأ أساسي بل عرضاً وهذا ليس بغريب على الفئات الطفيلية المكونة للجبهة وغيرها من الحركات المشابهة. ففي مصر أفتى الشيخ صلاح أبو أسماعيل بأن تهريب العملة ليس حراماً لأنه تجارة وتسعة أعشار الرزق في التجارة، وأفتى مفتي الجماعات الإسلامية المتطرفة بأن تهريب السلع حلال لأنه لا حدود بين دول الإسلام190.
ويدافع زعيم الحركة والأمين العام لمؤتمر التضامن الشعبي العربي- الإسلامي (الترابي) عن بنك الاعتماد والتجارة رغم كل الفضائح المشينة ويحاول تديين فساد البنك وغسل وصماته كما غسلت أموال المخدرات، يقول في تعليق عن البنك الذي يستقطب جل الأموال الطفيلية وعن أزمته بأنها: ((حلقة من حلقات التآمر لتطويق المقدرات الإسلامية. الهجوم على البنك الذي هو مؤسسة إسلامية الإدارة عربية الملكية، إنما جاء بسبب التطور الكبير الذي شهده البنك وتجاوزه للحدود المسموح بها في المنافسة الدولية. لعل ذلك جزء من الحملة على أن قوى عربية وإسلامية تتجاوز بقوتها الاقتصادية والعلمية والعسكرية ما تحدده الدول الكبرى))191. أما الجانب العملي لاقتصاد الجبهة الإسلاموي فقد عاشه الشعب السوداني خلال أكثر من عقدين، أي فترة الحكم العسكري الحالية ورأى مصادرة الأموال والسيارات الخاصة وهبوط قيمة الجنيه السوداني ليعادل الدولار الأمريكي أكثر من سبعين جنيهاً سودانياً وليتم بيع النقود نفسها لتجنب التعامل بالشيكات، وتحويل مؤسسات القطاع العام إلى تجار الجبهة بأسعار رمزية، ومنح الرخص التجارية واحتكار سلع معينة... إلخ وترى الحركة إنها أدركت مغزى الاقتصاد في الدين ودوره في حركة الإصلاح الإسلامي دفعاً أو تعويقاً.
وتضيف: ((وإذ جرى ذلك في سياق توجه الحركة النظري الإسلامي وحركتها السياسية لتمكين قوة الدين192. وبالفعل حققت التمكين ولكن ليس لقوة الدين بل ((لفئة)) تشكلت من البرجوازية التابعة حديثاً للرأسمال الإسلامي المتعدد الجنسية الذي يعتبر مكوناً عضوياً في الرأسمال العالمي193.
ج- الجنوب والتعددية الثقافية
رغم أن الحركة أصدرت ((ميثاق السودان)) وأفردت في دستورها مادة تسمح فيها لغير المسلمين أن يشتركوا في نشاطها وفقاً لأهداف الجبهة ووسائلها العلمية (المادة 53 فقرة د) ولكنها في الواقع والممارسة، ومن تاريخ بعض المتعصبين في الإسلام لا يمكن أن تقف مع مساواة المواطنين وفقاً لحق المواطنة وليس حسب العقيدة، لأن هذا يعني العلمانية في نظرهم. كما أن مصطلح التعددية لا يرد أبداً في أدبيات ومواثيق الجبهة بل نقرأ في دستور الجبهة المادة (29): ((تهدف الجبهة لجعل العربية لغة التعليم في كل مراحله ولغة الخطاب في كل البلاد ولغة العلوم والحياة عامة)) وفي المادة (31): ((وتوجيه الأدب والفن حتى يتصل كلاهما بمقاصد الحياة المتدينة)). وتتحدث عن السودان كقطر موحد دينياً، تقول المادة (5) (الأهداف السياسية والدستورية): ((تتطلع الجبهة لتحقيق الوحدة الأكمل للشعب السوداني في ظل الإيمان بالله والاعتصام بحبله، وذلك بتنظيم التفاعل البناء بين القوى والاتجاهات وترقية الوعي السياسي. حتى يتم التحرر من العصبية والعنصرية)). وتطلق الصفتان الأخيرتان دائماً على المطالب والحركات الإقليمية. وتتحدث الحركة عن اتجاه خطير في داخلها دون تحديد حجمه وأثره: ((ولربما كان يراود البعض فيها - إذا تذكر معضلة الجنوب مع الإسلام - أن يتمنوا انفصاله ليخلص الأمر لتقويم المجتمع المسلم دون خلاف في أصل الملة))194. وتظهر بينهم بعض الأصوات الداعية لانفصال الجنوب لأنه العقبة الأساسية في سبيل التطبيق الشامل للشريعة أو قوانين سبتمبر 1983.
الحركة الإسلاموية بحكم طرحها واجتهادها في قضايا عديدة هي امتداد لتيار رجعي محافظ في الصراع داخل المجتمع تختلف الظروف الاجتماعية - الاقتصادية والتاريخية التي تنتجه، ولكن تتشابه قراءته وتأويله للقرآن كمرجع ومصدر واحد ومطلق. فمع أن الإسلام ساوى بين البشر وبين المسلمين وكرم بني آدم كبشر وإستخلفهم في الأرض، إلا أن الأرستقراطيات العربية المسلمة أبقت على امتيازات عرقية وعنصرية هي بقايا جاهلية إستصحبتها معها إلى الإسلام. هناك شواهد كثيرة لهذه التفرقة تبدأ من التعامل مع الموالي وحرمانهم من كثير من الحقوق فلم يعينوا في القضاء ولا المناصب السياسية إلا نادراً، وكان العرب لا يكنونهم بالكنى ولا يدعونهم إلا بالأسماء والألقاب، ولا يمشون في الصفوف معهم ولا يتقدمونهم في الموكب، وإن أحضروا طعاماً قاموا على رؤوسهم، وإن أطعموا المولي لسنه وفضله وعلمه أجلسوه في طرف الخوان لئلا يخفى على الناظر أنه ليس من العرب ولا يدعونهم يصلون على الجنائز إذا حضر أحد من العرب. ((فقد كانت وضعية الموالي من الناحية الشرعية وضعية أناس أحرار، ولكنهم من الناحية الفعلية الواقعية، لم يكونوا يعتبرون في مرتبة واحدة مع العرب))195. كذلك كان اللون فاصلاً رغم إلغاء الرق وعدم اقتصاره على السود. ويورد إبن قتيبة هذه القصة عن عمار إبن ياسر رغم مكانته الدينية، فقد قدم عمار كتاباً يعدد فيه بعض المسلمين تجاوزات عثمان، وتخلى الآخرون عنه حتى بقى وحده، طلب مروان إبن الحكم من الخليفة عقابه قائلاً: ((يا أمير المؤمنين إن هذا العبد الأسود - يقصد عمار - قد جرأ عليك الناس، وإنك إن قتلته ثكلت به من وراءه. ((فقال عثمان أضربوه فضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه))196. من الأمثلة أن الحجاج حين سمع حين سمع بنقد حسن البصري، خطب في أهل الشام: ((يا أهل الشام أيشتمني عبد من عبيد البصرة وأنتم حضور فلا تنكرون)) وقصة إبن الحنفية تبين مدى التراتب العرقي أو الإثني - القبلي، فقد سئل في كون أبيه يدفع به إلى الحرب بينما يحتفظ بالحسن والحسين قال: ((لانهما كانا عينيه وكنت أنا يديه، فكان يقي عينيه بيديه ((فالمعروف أن أمه كانت من حنيفة وليست من قريش وكان إبن الزبير يعيره بذل))197.
أردت القول بأن المحك هو المعاملة الواقعية وليس ما يقوله النص. بالذات في السياسة إذ من المهم كيف يتحول النص إلى حياة معاشة وهذا ينطبق على قضية الجنوب، المرأة، الفن كل القضايا الاجتماعية. المطلوب كيف تتبدى النصوص والنظريات في سلوك يومي وعلاقات اجتماعية مضطردة؟ بالنسبة للجنوبيين لم تتخل الحركة الإسلاموية عن عنصريتها تجاه الجنوبيين، فعملية التبشير أو الدعوة هي في نظر الاجتماعيين والأنثروبولوجيين دليل على مركزية ثقافية أو عنصرية. لأن الداعية أو المبشر يفترض أن ثقافته أو دينه أحسن من ثقافة ودين الأخر فيعمل على فرض ثقافته سواء بالإقناع أو الرشوة أو بأي طريقة. ومن مظاهر العنصرية في الحركة إنها رغم قولها عن غير المسلمين أنها وضعت ضمانات فقهية وفصلت الأمر ثم ((أتبعته بممارسة في العلاقات السياسية والشخصية نافية لفتنة الطائفية الملية))198. فلنترك الذميين ونسأل: هل ظهرت علاقات شخصية بين المسلمين الجنوبيين والمسلميين الشماليين داخل الحركة؟ وكمعيار اجتماعي نختار الزواج كأداة للتقارب والامتزاج هل تستطيع الحركة المغرمة بالتصريحات والبيانات أن تمدنا بعدد الزيجات التي تمت بين جنوبيين مسلميين وشماليات مسلمات داخل التنظيم؟ تصبح تلك الشعارات صادقة حين نقرأ في الصحف أو نسمع مثلاً بزواج إبن الوزير الجنوبي (ع.د) الإسلامي من كريمة الداعية الإسلامية الدكتورة (س.أ) هنا تتحول المساواة إلى واقع معاش، رغم ذلك توقد الحركة الإسلامية ناراً عنصرية جديدة قائمة على الدين إذ تربي في أبناء بعض المجموعات الإسلامية غير العربية شعورًا بالتفوق القائم على حسن التدين كمعيار كما يجعلهم أعلى مكانة رغم أصولهم ومنابتهم العرقية، فهي تستبدل عنصرية اللون والأصل أو الجهة بعنصرية الدين أو الدعوة والجهاد.
د- الموقف من القومية
إشكالية الخطاب الإسلاموي في كونه ((كل يوم هو في شأن)) وقد تكون هذه ظاهرة جيدة قد تعني التطوير أحياناً المتواصل وليس الانتهازية وعدم المبدئية والتناقض في المواقف. التغيير والتبديل المستمر شمل الموقف من القومية العربية والتي ناصبتها الحركة العداء ووصفتها بأقذع الأوصاف طوال التاريخ العربي المعاصر، وفي الفترة التي تصاعدت فيها نضالات القوميين ضد الاستعمار والصهيونية، بينما وصل الأمر ببعض الإسلامويين أمثال الشيخ الشعراوي أن يعبر عن فرحته لهزيمة يونيو (حزيران) 1967 التي أذلت القوميين! وكانت الحركة الإسلاموية تربط باستمرار بين القومية والعصبية أو تفصل عمداً العلاقة الجدلية بين العروبة والإسلام، فقد خلطت بين صراع سياسي بادرت به مع الناصرية وبين حقائق تاريخية لواقع لم يعرف هذا الفصل فعلياً. تراجع الإسلامويين عن العداوة للقومية ليس تطويراً لمنطلقات فكرية جديدة لأن الحركة ذات نسق فكري مغلق تحاول أن تعاكس به الواقع المتحول دوماً ولكنه في حالة موقف الحركة الإسلاموية السودانية فهو قائم على انتهازية وقحة لأن بعض قادة هذا التوجه كانوا على قمة جهاز وزارة الخارجية حين تم ترحيل اليهود الفلاشا من السودان ضمن مساومة بين الحركة والنميري والولايات المتحدة لم تكن معلنة وغلفت بمبررات كثيرة، ولكن مؤرخ الحركة مكي يورد هذه الحقيقة الموحية: ((وبالرغم من سخط الإدارة الأمريكية على حركة تطبيق الشريعة إلا إنها تغاضت عن ذلك لأن الرئيس نميري وازن ذلك بالسماح بتهريب الفلاشا إلى إسرائيل، ويبدو أن الإدارة الأمريكية أرتضت هذا العربون الذي هلل له اللوبي الصهيوني))199.
يتعامل كثير من القوميين والوطنيين مع الحركة الإسلاموية بكثير من الغفلة، وقد يكونون مضطرين لتلك المواقف في الفترة الأخيرة. فقد ظهرت تحالفات ومحاولات حوار بين الإسلامويين والقوميين تمت كلها تحت شروط وبلغة الحركة الإسلاموية التي لم تتراجع حقيقة عن مواقفها القديمة، وكيف ذلك وقد أتى القوميون صاغرين مرغمين بعد سلسلة الفشل والهزائم والضعف المتواتر، ونحن نعرف شروط القوي حين يتحالف مع الضعيف. رغم المؤتمر الشعبي الإسلامي الذي عقد لواؤه للترابي والجبهة القومية، يعبر الإسلامويون عن تقييم الحركة القومية بقولهم: ((فإن الملأ منهم قد إتخذوا الإسلام كسباً عربياً وفصلاً من البطولات والأمجاد في كتاب العرب. وذلك حين راودتهم العصبية القومية وزين لهم أن الشعوب إنما تتحد وتنهض وتتعامل بطبيعتها الذاتية عرقاً ولغة وتقاليد. لكن حمية القومية التي تدبر عن الإسلام أو تتخذه فرعاً من أصلها غشيت العرب عرضاً من جراء مكر المستعمرين وهوى قليل من العرب غير المسلمين. والغلبة الغالبة من شباب العرب اليوم تؤسس علاقة العروبة بالإسلام تأسيساً صحيحاً يعرف خصوصية الوجود واللغة العربية ويجعلها في خدمة الإسلام))200. ويكرر الترابي بشماته الحديث عن عجز القومية وأن مستقبلها رهين بعودتها إلى الإسلام فهي لم تبعد عن الإسلام يوماً في تاريخها ولكنه يقصد إسلام ((الجبهة)) والحركات الإسلاموية. يقول عن تاريخ العلاقة مع القومية: ((المناظرة مع الحركة القومية كانت سلبية نظراً لما لاحظ دعاة الصحوة في الدعوة القومية من إدارة الظهر للأمة الإسلامية. ومن الافتنان بالمذهبيات الغربية اللادينية من علمانية ومادية في العقيدة والسياسة وفي كيد وإضهاد للحركة الإسلامية. هكذا علقت شبهة العنصرية وتهمة الكفر وصفة العداوة بالقومية العربية المتجسدة في مختلف التيارات والحركات والنظم السياسية))201. ولا يقلل الإسلامويون من قوة الشعور القومي ولكنهم يريدون توظيفه لخدمة أهداف الحركات الإسلاموية أو كما يقول الترابي ((يمكن تسخيرها لتحقيق الوحدة بنحو يسلكها في عبادة الله وتوحيده. وفي الواقع العربي حاجات لتوحيد القومية إلى الدين)) ويعلن بوضوح عن حتمية فشل الحركات القومية إذا لم تندمج في الحركة الإسلامية والتي يسميها حركة التوحيد: ((وإخفاق مشروعات الوحدة الكثيرة المتواترة شاهد على قصور دافع التوحيد القومي إلا أن يعزز بدافع التوحيد الديني الفعال. القومية وحدها لا تطرح من الوحدة مضموناً هدفياً ومنهجياً شاملاً كالإسلام الذي يبرز معالم الحياة الموحدة المنشوده ومضامينها لعل القوميين يلاحظون انحسار الدعوات وبوار المخططات الوحدوية وتفاقم الإخفاق والإحباط الراهن فيدركون إنها لحالة مرضية جذرية لا يجدي فيها إلا علاج حضاري أصيل شامل تلتمسه الأمة في حق قيمها وعبرة تراثها الإسلامي))202. علاقة الإسلامويين السودانيين الحالية مع القوميين تحكمها عدة دوافع منها الفكري والسياسي والمؤقت والإستراتيجي. فمن أهم الأسباب وأكثرها إلحاحاً عزلة نظام ((الجبهة)) في الخرطوم، فوجدت حرب الخليج فرصة للتقارب مع قوى مضادة للوجود الأمريكي ووجدت تجاوباً في الشارع العربي، وبالفعل فتحت حكومة ((الجبهة)) قنوات كثيرة مع كثير من الحركات الشعبية العربية وبعض الشخصيات العربية التي غضت الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان في السودان وقمع القوى السياسية التي كانت حليفة حقيقية وإستراتيجية لتلك الحركات والقوى الوطنية طوال التاريخ المعاصر، مما يزيد من صحة شبهة ضعف الحس الديمقراطي لدي تلك الحركات والشخصيات فقد أعماها الموقف في السياسة الخارجية عن كل الانحرافات والتجاوزات التي تمارس ضد الشعب السوداني وصدق من قال في حرب الخليج ((إن فلسطين لن يحررها من يغلق السجن على شعبه)). أما الدوافع الأخرى فأهمها طموحات الترابي في تحويل قيادة التنظيم العالمي لحركة الإخوان المسلمين من جنيف إلى الخرطوم مع تغيير التسمية وتوسيع الإطار ليضم القوميين المدجنين نتيجة الهزائم واليأس ويدعوهم لتغير التسميات والتنظيمات والمناظرات وهو أول المستعدين لذلك كما عبر في كلمته أمام المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي: ((قد أعددنا هذه التنظيمات والمناظرات لعهود مضت فإنها لا تغنينا في العهد الجديد وإذا كان واحد منا يتوهم أن الأهداف التي عينها قديماً والوسائل التي إتخذها وأشكال التنظيم التي هيأها والأطروحات التي قدمها تغنيه في هذا الحاضر الجديد فهو شديد الوهم وأنا أول من يدعو نفسه إلى تجاوز شأني السابق، إني أبحث اليوم عن أهداف جديدة في ضوء هذا الواقع الجديد وعن وسائل جديدة وعن إطارات جديدة أسميها تسميات جديدة))203. من ناحية أخرى فالترابي قطع صلته بالتنظيم الدولي للإخوان منذ سنوات ورفض البيعة وأكتفى بالتنسيق فقط لأن لكل قطر خصوصيته - كما قال - ولا يجب أن تخضع كل الأقطار لتوجيه سياسي وفكري واحد وأن خير من يصوغ نظرية العمل والحركة في القطر هو أهله وليس أي طرف خارجي204. هذا وقد شن التنظيم الدولي للإخوان حملة واسعة ضد الترابي وفصلوا كل التنظيمات السودانية المشايعة له في أمريكا وأوروبا. من هنا يحاول الترابي الآن تقوية نفوذ المؤتمر الشعبي والذي يعتبره بديلاً عن جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي لأنهما حسب قوله: ((فقد تحولت هاتان المنظمتان إلى مؤسستين بيروقراطيتين يغلب عليهما الروتين، وتلبية مصالح طبقة الموظفين البيروقراطيين فيهما. منظمة المؤتمر العربي الإسلامي ستكون مختلفة وستتجنب كل نواحي القصور في هاتين المنظمتين وستجمع عصارة المفكرين في العالمين العربي والإسلامي وتحقق المصالحة التاريخية بينهم للانطلاق نحو بناء مستقبل جديد))205.
وهكذا يلوح الترابي بعصاه التوفيقية السحرية فيخلب ألباب المفكرين من يساريين وقوميين ووطنيين فيقفون أمام طروحاته المدهشة وليس أفعاله. ثم يصفونه بالاعتدال والحداثة وعمق الثقافة، متناسين أن هذا الفكر المعتدل يجلس على دبابة واحدة من أشد الدكتاتوريات تخلفاً ولكنه تناقض المثقفين العرب الذي أصبح طبيعة ثانية لهم.
الهوامش
-
مصطفى حجازي: التخلف الاجتماعي - سيكولوجية الإنسان المقهور، معهد الإنماء العربي. بيروت، الطبعة الخامسة 1989، ص 262. ↩
-
يوسف الصديق: المفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة-الدار العربية للكتاب، تونس الطبعة الثانية- 1980، ص 80. ↩
-
محمد أركون: الفكر الإسلامي - قراءة علمية، بيروت، معهد الإنماء العربي 1987، مقدمة هاشم صالح، ص 6. ↩
-
المصدر السابق، ص6-7. ↩
-
سيد قطب، مصدر سابق، ص 98. ↩
-
المصدر السابق، ص 101. ↩
-
صحيفة الإنقاذ الوطني السوداني، يوم 25 أبريل1991. ↩
-
كلمة حسن الترابي في المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي، الخرطوم 25/4-28/4/1991 ص 5. ↩
-
سيد قطب، مصدر سابق، ص 22. ↩
-
جمال سلطان: أزمة الحوار الديني، القاهرة، دار الصفا، 1990، ص 19-20، والمجلة المقصودة هي:" كل الناس". *المتعصب من اللاتينية (fanum, fanaticus) = الهيكل: وهو المبالغ في حماسه لدين أو رأي، أو الذي يعتقد أن الآلهة توحي له. ↩
-
أندريه هاينال وآخرون: سيكولوجية التعصب، ترجمة خليل أحمد خليل، دار الساقي، 1990، ص 9-10. ↩
-
العفيف الأخضر، مصدر سابق، ص 44. ↩
-
أندريه هاينال، مصدر سابق، ص 13. ↩
-
نفس المصدر. ↩
-
حسن الترابي: الحركة الإسلامية.. مصدر سابق، ص 49. ↩
-
أندريه هاينال، المصدر السابق، ص 11-12. ↩
-
أندريه هاينال، مصدر سابق، ص 10. ↩
-
المصدر السابق، ص 11. ↩
-
Dekmejian,op. cit , pp. 33-4 ↩
-
حوار في كتاب فقه الدعوة: ملامح وأفاق الجزء الثاني تحرير: عمر عبيد حسنة كتاب الأمة (19) ذو القعدة، 1408، ص25. ↩
-
مصطفى حجازي، مصدر سابق، ص 49. ↩
-
صحيفة ((الإنقاذ الوطني)) السودانية يوم 22 أبريل 1991 كمثال، (أحد أعضاء الحزب الشيوعي الهالكين). ↩
-
فتحي يكن: ابجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي. بيروت، مؤسسة الرسالة 1981، ص 88-89. ↩
-
المصدر السابق، ص 92-93. ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 252. ↩
-
نفس المصدر. ↩
-
المصدر السابق، ص 3-254. ↩
-
حسن مكي، حركة الإخوان المسلمين- مصدر سابق ص 62. ↩
-
المصدر السابق، ص 77. ↩
-
المصدر السابق، ص 92. ↩
-
عن هذا الوضع يقول الترابي عن نشأة الحركة: ((كانت البيئة الخاصة التي نشأت وإنحصرت فيها الحركة لمرحلتها الأولى بيئة طلابية. وكانت سياسات التعليم وأوضاعه آنذاك تعزل الطلاب عن المجتمع سكناً قصياً وثقافة غريبة ونمط حياة غريباً)) حسن الترابي، مصدر سابق، ص 121. ↩
-
Edward Atiyah: An Arab tell his story. A study in Loyalities, London John Muray, 1946.p.144 ↩
-
J.Spencer Trimingham: Islam in the Sudan, London, Frank Cass, 1965.p.122. ↩
-
أريك فروم: الإنسان بين الجوهر والمظهر. ترجمة سعد زهران. الكويت، عالم المعرفة، 1989 ص 126. ↩
-
مصطفى حجازي، مصدر سابق، ص88. ↩
-
نفس المصدر، ص 188. ↩
-
مصطفى حجازي، مصدر سابق ص 181. ↩
-
Wolfgang Wippermann: Faschismus Theorien. Zum der gegenwartigen Diskussion Dermstadt, wb, 1972, S.2. ↩
-
البير سوبول: ماهي الثورة. في مجلة (الطريق) العدد الخامس أكتوبر 1989، ص 125. ↩
-
أندريه هاينال، مصدر سابق، ص 35، عن وليام رايش: علم نفس جمهور الفاشية. ↩
-
حسن الترابي، الحركة الإسلامية..مصدر سابق، ص 92. ↩
-
المصدر السابق، ص 84. ↩
-
نفس المصدر. ↩
-
المصدر السابق، ص 92. ↩
-
نفس المصدر. ↩
-
نفس المصدر، ص 93. ↩
-
المصدر السابق. ↩
-
المصدر السابق، ص 3-94. ↩
-
المصدر السابق، ص 7-108. ↩
-
المصدر السابق، ص 108. ↩
-
المصدر السابق، ص 51. ↩
-
المصدر السابق، ص 69. ↩
-
نفس المصدر. ↩
-
المصدر السابق، ص 74. ↩
-
المصدر السابق، ص 88-102. ↩
-
المصدر السابق، ص 1-82. ↩
-
المصدر السابق، ص 111. ↩
-
المصدر السابق، ص 112. ↩
-
المصدر السابق، ص 94-95. ↩
-
المصدر السابق، ص 40-41. ↩
-
حسن مكي، الحركة الإسلامية..مصدر سابق، ص 114. ↩
-
كل هذه الاستشهادات عن كتاب الترابي: الحركة الإسلامية......مر ذكره. ↩
-
حسن مكي، الحركة الإسلامية، ص 122. ↩
-
حسن مكي، مصدر سابق، ص 130، وكل معلومات هذا الجزء من نفس المرجع. ↩
-
للتعرف على بقية العناوين راجع مكي ص 42-142. ↩
-
الترابي، الحركة الإسلامية....ص 51. ↩
-
حسن مكي، مصدر سابق، ص 115. ↩
-
الترابي، الحركة الإسلامية....ص 25. ↩
-
حسن مكي، مصدر سابق، ص 132. ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص 132. ↩
-
نفس المصدر، ص146. ↩
-
أندريه هاينال، مصدر سابق، ص 43-44. ↩
-
Dekmejian, op. cit.p. 49. ↩
-
يوسف الصديق، مصدر سابق، ص79. ↩
-
محمد حافظ دياب: سيد قطب - الخطاب والايديولوجيا. دار الطليعة- بيروت الطبعة الثانية، 1988، ص 50 وأديث كيروزويل: عصر البنيوية من ليفي شتراوس إلى فوكو - ترجمة جابر عصفور، دار عون الدار البيضاء الطبعة الثانية 1986، ص 27. ↩
-
مهدي عامل: أزمة الحضارة العربية أم أزمة البورجوازيات العربية؟ دار الفارابي، بيروت، الطبعة السادسة: 1989، ص 114-115. ↩
-
المصدر السابق، ص 113-114. ↩
-
عبد الله العروي، الأيديولوجية العربية المعاصرة، دار الحقيقة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1979، ص 24. ↩
-
محمد أركون: تاريخية الفكر العربي الإسلامي، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1986، ص34. ↩
-
محمد أركون: الفكر الإسلامي - قراءة علمية، مركز الإنماء القومي، بيروت 1987، ص8-39. ↩
-
صلاح قنصوة: ((المثقف المصري إزاء المشكلة الزائفة للهوية)) في مجلة (الاجتهاد) بيروت العددان العاشر والحادي عشر/ السنة الثالثة / 1991 ص92. ↩
-
محمد أركون، المصدر السابق....قراءة علمية، ص72. ↩
-
نصر حامد أبو زيد: التراث بين التأويل والتلوين - قراءة في مشروع اليسار الإسلامي في مجلة (ألف) العدد العاشر، 1990، ص72. ↩
-
محمد أركون، الفكر الإسلامي - نقد واجتهاد. دار الساقي لندن، لندن 1990، ص 189. ↩
-
محمد بدوي: (0ملاحظات حول الفكر والأيديولوجيا في مصر الحديثة)) مجلة الاجتهاد، مصدر سابق، ص 3 - 144. ↩
-
محمد أركون، المصدر السابق، ص 300. ↩
-
سيد قطب، مصدر سابق، ص 140. ↩
-
محمد بدوي، مصدر سابق، ص 145. ↩
-
نفس المصدر. ↩
-
محمد أركون، الفكر الإسلامي - قراءة علمية، مصدر سابق، ص3-64.وسمير أمين، مصدر سابق، ص127. ↩
-
المصدر السابق، ص56. ↩
-
نفس المصدر، ص76. ↩
-
نصر حامد أبوزيد: ((الخطاب الديني - آلياته ومنطلقاته الفكرية)). في ((قضايا فكرية)) العدد الثامن، أكتوبر 1989، ص45. ↩
-
المصدر السابق، ص 45. ↩
-
ريجيس دوبريه: نقد العقل السياسي. ترجمة عفيف دمشقية، دار الآداب، بيروت الطبعة الأولى 1986، ص177. ↩
-
بيير بورديو: الرمز والسلطة، ترجمة عبد السلام بنعيد العالي، دار تويقال للنشر، الدار البضاء، الطبعة الثانية، 1990، ص 60. ↩
-
محمد أركون، تاريخية الفكر..مصدر سابق، ص 5-126. ↩
-
إدريس سالم الحسن: ((الدين أيديولوجيا)) في ندوة: ((الدين في المجتمع العربي - منشورات مركز دراسات الوحدة العربية)) بيروت، 1990، ص 5-256، قدم تطبيقاً جيداً لآليات ((الجبهة)) الأيديولوجية حسب هذه العناصر. ↩
-
الفارابي - إحصاء العلوم، القاهرة، 1968 ص 84-85 وهنا عن ندوة مواقف: ((دار الإسلام والحداثة)) دار الساقي، لندن 1990، ص208. ↩
-
ميخائيل باختين: الماركسية وفلسفة اللغة. ترجمة محمد البكري ويمني العبد، دار تويقال للنشر، الدار البضاء، 1986، ص23. ↩
-
محمد حافظ دياب، مصدر سابق، ص81-82. ↩
-
حسن الترابي، تجديد الفكر الإسلامي، مصدر سابق، ص 97. ↩
-
حسن الترابي، نظرات في الفقه السياسي، الشركة العالمية لخدمات الإعلام (ب ت) ص27. ↩
-
محمد سبيلا: ((الأيديولوجيا والبلاغة)) في مجلة ((المناظرة)) السنة الثانية، العدد 4 مايو 1991، ص74. ↩
-
نفس المصدر، ص75. ↩
-
يوسف عبقري: ((الإقناع والمغالطة)) مجلة دراسات أدبية ولسانية. العدد الخامس، شتاء 1986، ص48. ↩
-
ألكسندرا غيتامنوفا: علم المنطق. دار التقدم، موسكو، 1989، ص297. ↩
-
محمد أركون: الفكر الإسلامي قراءة علمية، مصدر سابق ص50. ↩
-
صلاح الدين الجورشي، مصدر سابق، ص7-128. ↩
-
حسن مكي، الحركة الإسلامية، مصدر سابق، ص126. ↩
-
حسن الترابي، الحركة الإسلامية في السودان، مصدر سابق ص229 يلاحظ أن الترابي الدقيق في انتقاء الكلمات يستعمل ((تعاطي)) للفكر بما لها من إيحاءات تكشف عن موقف سلبي. ↩
-
المصدر السابق، ص112، 131، 150 على سبيل المثال لا الحصر. ↩
-
مقابلة في مجلة: ((الحرس الوطني)) أغسطس 1990 ص22. ↩
-
مصطفى حجازي، مصدر سابق، ص60-62. ↩
-
صلاح الدين الجورشي، مصدر سابق، ص130-131. ↩
-
سيمون دي بوفوار: واقع الفكر اليميني، ترجمة جورج - دار الطليعة بيروت الطبعة الثانية 1980 ↩
-
حسن الترابي، تجديد الفكر الإسلامي، الدار السعودية 1987. ↩
-
المصدر السابق، ص 1. ↩
-
أدونيس، مقدمة ندوة مواقف، مرجع سابق، ص8. ↩
-
برهان غليون: ((فلسفة التجدد الإسلامي)) مجلة الاجتهاد، مصدر سابق، ص 247. ↩
-
حسن الترابي: تجديد الفكر الإسلامي .. مصدر سابق، ص103. ↩
-
محمد قطب، مصدر سابق، ص13. ↩
-
حسن الترابي نظرات في الفقه، مصدر سابق، ص 5. ↩
-
حسن الترابي، الحركة الإسلامية مصدر سابق ص23. ↩
-
مصدر سابق ص 37. ↩
-
نفس المصدر ص 38. ↩
-
عبد الله العروي، ص75 ↩
-
حسن الترابي، مصدر سابق، ص96. ↩
-
حسن الترابي ((التجديد ................مصدر سابق)) ص48. ↩
-
حسن الترابي: الحركة الإسلامية . مصدر سابق ص295 وكتاب الأمة الجزء الثاني وعلى سبيل المثال أيضاً: الفكر الحركي للأولويات أو تأصيل فقه الجماعة والمنظمة والمؤسسة ويدرج كله في الفقه الواقعي. ↩
-
حسن الترابي: التجديد... مصدر سابق ص26. ↩
-
مقابلة مجلة الحرس الوطني مرجع سابق. ↩
-
حسن الترابي: التجديد ... مصدر سابق ص60. ↩
-
محمد أركون، الفكر الإسلامي قراءة علمية، مصدر سابق ص17. ↩
-
مصدر سابق ص30. ↩
-
حسن الترابي، الحركة الإسلامية، مصدر سابق ص25-26. ↩
-
كتاب (الأمة) الجزء الثاني 1408، مصدر سابق ص13-14. ↩
-
مصدر سابق ص 30. ↩
-
حسن الترابي، الحركة الإسلامية، مصدر سابق ص227. قد نكتفي أحياناً بذكر رقم الصفحة فقط داخل متن الدراسة. ↩
-
حسن مكي، حركة الإخوان المسلمين، مصدر سابق ص100. ↩
-
المصدر السابق ص101. ↩
-
المصدر السابق. ↩
-
حسن الترابي، الحركة الإسلامية، مصدر سابق ص208. ↩
-
نفس المصدر ص209. ↩
-
المصدر السابق ص 218. ↩
-
المصدر السابق، ص 8-219، كلمة علموية خطأ لأنها تعني المبالغة في إدعاء العلمية. ويفوق بين الأولى Scientism والثانية Scientific وهي إيجابية. ↩
-
المصدر السابق، ص 219-220. ↩
-
المصدر السابق، ص229. ↩
-
حسن الترابي، التجديد، مصدر سابق، 79-80. ↩
-
المصدر السابق، ص85. ↩
-
سالم يفوت: حفريات المعرفة الإسلامية - التعليل الفقهي. دار الطليعة بيروت1990، ص181. ↩
-
محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، الدار البيضاء 1986، ص3-554. ↩
-
المصدر السابق، وسالم يفوت مصدر سابق ص 166. ↩
-
مهدي فضل الله: آراء نقدية في مشكلات الدين والفلسفة والمنطق، دار الأندلس، بيروت 1981، ص91-92. ↩
-
حسن الترابي، التجديد، مصدر سابق، ص79. ↩
-
عن أدونيس: الثابت والمتحول - الأصول، دار العودة بيروت 1974، ص46. ↩
-
محمد أركون: الإسلام والأخلاق والسياسة، مركز الإنماء القومي، بيروت1990، ص26. ↩
-
نصر حامد أبوزيد، مجلة (ألف) مصدر سابق، ص93. ↩
-
المصدر السابق 96. ↩
-
حسن الترابي: نظرات في الفقه السياسي، مصدر سابق ص30. ↩
-
نفس المصدر، ص 30-31. ↩
-
حسن الترابي: التجديد، مصدر سابق، ص41. ↩
-
حسن الترابي: الحركة الإسلامية، مصدر سابق، ص253. ↩
-
المصدر السابق، ص254. ↩
-
حسن الترابي: نظرات في الفقه السياسي، مصدر سابق، ص41. ↩
-
حسن الترابي: ((الشورى والديمقراطية: إشكالات المصطلح والمفهوم)) مجلة المستقبل العربي، السنة الثامنة، العدد 75، مايو1985، ص13. ↩
-
المصدر السابق، ص14-18. ↩
-
نفس المصدر، ص18. ↩
-
كلمة جلال علي لطفي رئيس القضاء في مؤتمر العدل والإصلاح القانوني، صحيفة الإنقاذ الوطني، 12 مارس1991. ↩
-
إبن كثير: البداية والنهاية، ص8-21 نقلاً عن محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي محدداته وتجلياته - المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1990 ص251. ↩
-
محمد عابد الجابري، المرجع السابق، ص250-254. ↩
-
نفس المصدر، ص 7-288. ↩
-
حسن الترابي: الشورى والديمقراطية، مصدر سابق ص20. ↩
-
حسن الترابي: الحركة الإسلامية، مصدر سابق ص65. ↩
-
نفس المصدر، ص68. ↩
-
صلاح الدين الجورشي: الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية، مصدر سابق، ص127. ↩
-
حسن الترابي: نظرات في الفقه، مصدر سابق، ص50. ↩
-
المصدر السابق، ص55. ↩
-
المصدر السابق ص55-56. ↩
-
المصدر السابق، ص24. ↩
-
حسن الترابي، الحركة الإسلامية، مصدر سابق، ص173. ↩
-
طبعة دار الشعب القاهرة 1962. ↩
-
حسن الترابي، المصدر السابق، ص174. ↩
-
المصدر السابق، ص175. ↩
-
عبد الجليل مكي: التبعية والسلطوية في تطور الإسلام. (مجلة الطريق العدد 2/2 يونيو)1991 ص41. ↩
-
حسن الترابي: الحركة الإسلامية. مصدر سابق، ص175. ↩
-
المصدر السابق ص175. ↩
-
محمد عابد الجابري، المصدر السابق، ص281. ↩
-
حسن الترابي: مصدر سابق، ص176. ↩
-
الحركات السياسية في مصر - النهج عدد 25 السنة السادسة 1989 ص13. ↩
-
تصريح الترابي في صحيفة ((السودان الحديث)) يوم 30 يوليو1991. ↩
-
حسن الترابي، الحركة الإسلامية- مصرد سابق ص 177. ↩
-
عبد الجليل المكي، مصدر سابق، ص 46. ↩
-
حسن الترابي: الحركة الإسلامية، مصدر سابق، ص156. ↩
-
محمد عابد الجابري: العقل السياسي، مصدر سابق ص261، وعن العقد الفريد. ↩
-
عن المصدر السابق، ص328. ↩
-
من أجل تفاصيل أكثر، راجع المصدر السابق ص 294 وما بعدها. ↩
-
حسن الترابي: الحركة الإسلامية... مصدر سابق ص 158. ↩
-
حسن مكي: الحركة الإسلامية، مصدر سابق، ص 105. ↩
-
لقاء مع الترابي في مجلة الحرس الوطني - مر ذكرها، ص 23. ↩
-
حسن الترابي: نظرات في الفقه السياسي، مصدر سابق، ص 140. ↩
-
المصدر السلبق، ص 140. ↩
-
كلمة الترابي في المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي - قاعة الصداقة الخرطوم 25-28/4/1991، ص8. ↩
-
عبد الله النفيس، الحركة الإسلامية، مصدر سابق، ص253. ↩
-
صحيفة القدس العربي، عدد 360 يوم 18/19 مايو 1991. ↩
ليصلك جديد الموقع
نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.