نعمل - نحن أسرة حيدر ابراهيم - على إتاحة كتبه جميعها مجاناً للمنفعة العامة ومواصلة مشروعه التنويري. تبقى جميع الحقوق محفوظة ويمنع طبع أو نشر الكتب الا بموافقة مكتوبة.
كان هذا القرن رغم كل التقدم العلمي والفكري والتكنولوجي أكثر فترات التاريخ الإنساني صراعات وتناقضات، وقد يكون بسبب التقدم نفسه الذي جاء ضمن أحد النظم الاجتماعية التنافسية وهي الرأسمالية وناتجها الطبيعي الاستعمار القديم والحديث. فقد كان من الممكن أو المتوقع أن يصاحب هذا التقدم الصناعي والعلمي تطور في العلاقات الاجتماعية - الاقتصادية، ورقي روحي أكثر إنسانية لو تم التقدم في مجتمعات وتنظيمات اشتراكية بالمعنى الصحيح والمتكامل أي غير الاقتصادوي والبيروقراطي. كانت الصراعات على مستويات متعددة وذات أشكال ومضامين كثيرة ومتباينة وذلك بسبب تداخل العالم الذي أصبح قرية صغيرة حقيقة ولم يعد من الممكن الحديث عن مكان معزول جغرافيا أو مجتمع لا يتأثر بالخارج أو أفكار مكتفية ذاتيا ومحصنة ضد التناقض والاحتكاك، أو عن انفصال بعيد عن آليات السوق العالمية. هذا الاختراق الشامل طال كل التنظيمات الاجتماعية والإيديولوجيات والأفكار بما في ذلك بالطبع الدين، بالذات في جانبه التاريخي أي كممارسة وحياة عيانية ملموسة وليس العقيدة أو التعاليم المقدسة فقط. فالدين - العقيدة والذي يبحث عن المتعالى ويسعى الى فردوس خارج هذه الأرض فهو مجال اهتمام اللاهوتيين والفقهاء، والفلاسفة. وفي هذه الحالة غالبا ما يُحصر البحث والجدل والحوار في الثوابت والمطلقات والوثوقيات dogmas أي في إطار مثالي تماما حتى حين يحاول الباحثون التعامل مع قضايا زمنية أو علمانية (نسبة لهذا العالم المادي). أما الدين - الاجتماعي الذي يحمله الناس كأفراد وجماعات محددة ويتجلى في الحياة اليومية وفي العلاقات الاجتماعية أو في التنظيمات، فيواجه تحدي التكيف مع عالم متغير ومع تحولات اجتماعية - اقتصادية وثقافية جعلت المجتمعات التي يوجد فيها الدين تبتعد كثيرا عن البساطة، مما أثر على شكل ومضمون الدين في المجتمعات المعاصرة. وهنا لابد أن نفرق بين التجربة الدينية وبين أشكال الأجهزة الاجتماعية التي ترتبط بها وتدعمها، وهذا الأخير هو الجانب الذي يتطابق مع الإيديولوجيا في معناها الواسع والمرن أو ما يسميه مكسيم رودنسون مفهوم الإيديولوجيا الرخو والذي يمكن أن نمتّنه باستعمال المفهوم في أوضاع محددة.
لم يعد بإمكان الأديان أن تقف بعيدا عن الصراعات التي يعيشها العالم المعاصر لذلك تدخل الدين في قضايا السياسة والاقتصاد والثقافة حسب رؤيته للعالم أو للإنسان والمجتمع وهذه هي الإيديولوجيا بمعناها العام والبسيط. لذلك وجود الدين علي هذا المستوى يجعله أيديولوجيا بقدر أو آخر. ورغم أن الكثيرين يدرجونه حسب هذا المعنى ضمن الوعي الزائف، إلا أننا لا نتوقف عند صحة أو زيف الايديولوجيا/ الوعي بل نقيم الإيديولوجيا بمقدار الهيمنة أي قدرتها على ربط أفراد طبقات اجتماعية معينة وفرضها لآراء محددة عن كيفية تنظيم المجتمع وضمان رضا الجماعات الأخرى المُسيطر عليها بوسائط ضبط اجتماعي وثقافي وسياسي عديدة. فالدين في هذا السياق إيديولوجيا بمعنى أنه نسق أو أنساق من المعتقدات التي تلجأ اليها الجماعات الاجتماعية والتجمعات سواء أكانت أفكاراً وهمية أم صادقة. المهم هو أنه يرضي حاجات نفسية فردية وأخرى جماعية أهمها التماسك والشعور المشترك بوسائل شتى من الشعائر والطقوس والتعاليم المقدسة. ومن هذه الزاوية يمتلك الدين قدرة تعبوية هائلة ينعدم فيها غالبا الشك والتساؤل والانقسام، وهذا مدخل الدين للالتحام بالعمل السياسي. ومن المعروف أن الأديان تهتم بقضايا ومشاكل عديدة تشترك فيها مع حركات وتيارات فكرية وسياسية أخرى، مع اختلاف التناول والرؤية أو المنهج والغايات1.
ومن الملاحظ أن الأديان تقوم بوظائفها في ظروف تاريخية وأوضاع اجتماعية ونظم سياسية مختلفة. وهذا ما يجعل البعض يعتقد في صلاحية هذا الدين أو ذاك لكل العصور والمجتمعات، بينما يرجع آخرون هذه الظاهرة الى قدرة الدين على التكيف والتي تتسارع في التاريخ المعاصر، وأي دين لكي يستطيع أن يحتفظ بقوة تأثيره يفترض فيه أن يضفي على نفسه «التجديد» المستمر. ورغم أن الحاجة للتغيير أو التجديد هي في الأساس محاولة تأكيد قدرة الدين على التصدي للتحديات التي ينتجها التاريخ، إلا أن الأمر يتعدى مجرد حماية الدين، إذ قد يتمثل الدين بعض التجديدات، أو يتأثر فعليا بالتطورات الحادثة، ويظهر ذلك جليا في الخطاب الديني المعاصر والذي يلاحق الحقائق الجديدة ويحاول إثبات أسبقية وجودها في الدين قبل أن يثبتها أو يكتشفها العلم الطبيعي أو الاجتماعي أو الاقتصادي.
وقد يعتبر لاهوت التحرير أحد أشكال الاستجابات الجيدة للتحديات التي واجهتها أمريكا اللاتينية ومناطق أخرى مثل جنوب إفريقيا والفيلبين. وهذه مرحلة يمكن أن تمر بها كل الأديان، لأنها تحتوي على مبادئ إنسانية عامة أو مثل عليا مشتركة بين البشر كالدعوة للمساواة والعدالة والخير والمحبة... الخ. ويمكن أن تساعد مثلا في تعميق وانتشار الأفكار التقدمية والديمقراطية. وهنا تأتي عملية توظيف الدين حسب الأهداف الطبقية التي تقوم على مصالح اقتصادية وسياسية لمجموعات مختلفة من رجال الدين القادرين على عمليات التوظيف من خلال تأويل أو إعادة تفسير وفهم الدين حسب الظروف التاريخية المتغيرة. لذلك فإن إضفاء الطابع الديني على أي حركة سياسية أو نظرية اجتماعية لحل مشكلات المجتمع بالذات فيما يتعلق بالسلطة والثروة. لا يرتكز فقط على وجهة نظر دينية بل على الموقع الطبقي والمصالح الخاصة بالفئات الاجتماعية أو بعض الأفراد المؤثرين.
هذا وقد كانت الماركسية أكثر النظريات الفلسفية والاجتماعية التي حاورت وعارضت الظاهرة الدينية، وهذا وضع عادي في صراع الوصول الى وعي الجماهير وتحريكها من أجل التغيير والثورة. وبعيدا عن الفهم السيّار الشائع عن دمغ الماركسية للدين بأنه «أفيون الشعوب»، نجد أن الماركسية تسعى لتحليل الحركات الدينية علميا اعتمادا على التقييم الماركسي الذي يقارب أو يتناول أي حركة دينية حسب الجانب التاريخي والعلمي لمضمون هذه الحركة الاجتماعي والطبقي، بالإضافة لبحث أهداف الحركة. وهذا الفهم لا ينفي اختلاف منطلقات وجوهر الدين والماركسية أي لا يلغى الجانب الغيبي الإيماني والحدسي في التجربة الدينية ككل، ولا التفسير الغائي والأخلاقي لحركة المجتمع وفعل الإنسان في الفكر الديني. كذلك هاجمت الماركسية «الأرثوذكسية» الآراء التي تبناها مفكرون مثل روجيه غارودي وإرنست بلوخ وليسيك كولاكوفسكي وإرنست فيشر وغيرهم، تلك الآراء التي تدعو الى تفسير جديد للدين - متأثرين بظهور حركات جماهيرية تقدمية في أشكال دينية: يبرز التفسير الجوانب الثورية والإنسانية في الأديان، أو يدعو إلى دمج أفضل عناصر الدين والماركسية بقصد مواجهة المشكلات الإنسانية وحلها في المستقبل بصورة أفضل. ويرفض الماركسيون هذا الطرح لأن القوى التقدمية التي تتخذ شكلا دينيا لا يتناسب - في الغالب - واقعيا مع الدوافع الفعلية للاحتجاج الاجتماعي بسبب نقص النظرة العلمية وتأثير التقاليد والتربية الدينية، فهو وضع انتقالي تمر به كل المجتمعات في تاريخها ثم يبدأ التناقض بين الشكل الديني للحركات الشعبية وبين مضمونها الاجتماعي ويصبح هذا الشكل عائقا في طريق تقدم هذه الحركات بما يحتم تخلي الحركة الشعبية عن غطائها الإيديولوجي الذي يخفي أهدافها الحقيقية فتعمل على تشكيل وعي جديد يتناسب مع مضمونها الحقيقي2. ولكن فتح الحوار ضروري وفي نفس الوقت لا يعني تغيير وجهة نظر الماركسيين القائمة على المادية التاريخية ولا يعني المناورة أو إخفاء نوايا مضادة، لأن فهم واقع معين قد يقتضي وضع تلك القوى في الاعتبار.
لم يصدر اهتمامي بلاهوت التحرير عن تخصص بحثي بحت ولكن دافعي الأصيل كان التساؤل الذي يلاحقني دائما هو: لماذا لم يظهر تيار مثل هذا في المجتمعات الإسلامية رغم كل هذا الانتشار المتضخم لظاهرة الإسلام السياسي وظهور الأحزاب الدينية - السياسية وتعدد التيارات الإسلامية في ساحة العمل العام؟ قد لا نسميه حرفيا «لاهوت تحرير إسلامي» أو «لاهوت الثورة الإسلامية» ولكن نفتقد المحاولات المستمرة والعميقة لتقارب الفكر الديني الإسلامي المعاصر من الواقع الاجتماعي ومن ثم الالتحام بالجماهير المستغَلة والمضطهَدة من خلال رفع وعيها الديمقراطي والمساواتي، وليس فقط من خلال شعارات محاربة الغرب والعلمانيين والكفار. فالحركة الإسلامية - السياسية في الوطن العربي رغم صوتها العالي وقدرتها على تجييش وتعبئة الجماهير لم تتقدم فكريا - على المستوى الشعبي وليس بين الصفوة - أكثر من الشعار الذي يزداد غموضا مع التطبيق: «الإسلام هو الحل». ولذلك حين تمكنت بعض فصائلها من السلطة قدمت نموذجا مشوها للحكم الإسلامي. ورغم الحديث المستمر عن «التجديد» و«المستقبل» لم تعرف حركة الإسلام السياسي التراكم النظري والفكري في اتجاه «لاهوت تحرير إسلامي» أو «عصر تنوير إسلامي». ظهرت أصوات فردية وتجمعات محدودة الأثر حاولت شق طريق مختلف، خاصة وأن الحركة الإسلامية في عمومها تدعو باستمرار الى النقد الذاتي وإصلاح عيوب الحركة ولكن يبدو أن الاهتمام يتركز على الإصلاح التنظيمي والحركي وليس الفكري. لأن التيار الإسلامي حتى حين يصل مرحلة الحركة الشعبية أو الحكم يبقى مجرد دعوة في فكره. وقد بدأت بعض النداءات من داخل الحركة ترتفع مطالبة بضرورة النقد الذاتي قبل كل شيء وإلا ستفقد الحركة صدقيتها وقدرتها على الاستمرار، يقول عبد الله النفيسي أحد منظري الحركة المتميزين: «إزاء ذلك يحق لنا أن نسأل ما هي نظرية الحركة الإسلامية وتصورها للخروج من دائرة التبعية هذه؟ وهذا ما نعتقد أنه يشكل الحلقة المفقودة في التصور الاستراتيجي للحركة أي غياب (النظرية المتكاملة) في السياسة الدولية والحراك الاجتماعي وتوزيع الثروة والتعايش مع القوى والأنظمة المتباينة التي يعج بها هذا العالم المتحرك القلق المتحول. إن من يتتبع ما تنشره الحركة الإسلامية بشتي راياتها ومسمياتها يلحظ أن جله يتناول نظام القيم (......) ولكن ما نحتاجه الآن وبشكل مُلح هو - تحديدا - نظام للمفاهيم وبدون التحديد العلمي الموضوعي للمفاهيم لا يمكن بلورة النظرية الإسلامية المتكاملة التي نطالب بصوغها3.
ويتردد هذا النقد في أغلب كتابات منظري ومفكري التيار الإسلامي ذوي الميول الأكثر منهجية، والملاحظ أنهم في أكثر الحالات من الأكاديميين الذين يحاولون تقعيد بعض شعارات الحركة وإعطاءها مضامين واقعية. ولكن في المناقشات والكتابات الصحفية والدعاية السياسية والمجالات السجالية يقدم التيار الإسلامي نفسه كبديل كامل ومتماسك نظريا وعمليا؛ ويلجأ الى التحصن بالالهي والمقدس لمواجهة أي نقد أو حوار يأتي من خارجه. ولكن بعيدا عن أي مغالطات يمكن أن نلاحظ أن التيار الإسلامي هو في الواقع تيارات وحركات وأصوات عديدة، قد تكون مرجعيتها العامة واحدة بينما التعبير عنها يختلف - كالعادة - حسب الموقع الاجتماعي والمستوى الثقافي ودرجة ونوع الوعي. من هنا عرف التيار الإسلامي المحاولات التي كان يمكن أن تشكل - كما قدمت نفسها - حركة إسلامية تقدمية أو مستقبلية أو يسار إسلامي؛ أو حسب مصطلحات أقل طموحا إذ تكتفي الحركة أحيانا بمصطلحات مثل حركات الاصلاح أو التجديد أو النهضة. ويفضل المصنفون في هذا التيار الجديد - المختلف مصطلح اليسار الإسلامي أو الفكر الإسلامي المستقبلي أو الإسلاميين المستنيرين؛ ولكنهم في نفس الوقت لا يستعملون كثيرا مفهوم لاهوت التحرير أو لاهوت الثورة.
وفي البحث عن جذور هذا التيار نلاحظ أن الاسلاميين لا ينسبون أنفسهم مباشرة الى حركة الإصلاح أو التجديد وروادها بالذات الى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. لأن حركة الإصلاح في القرن التاسع عشر وما بعده ركزت على المسألة الفكرية ولم تحتل القضية الاجتماعية موقعا أساسيا في خطابها إلا في الحديث عن الأخلاق. ويمكن أن يعمم فكر محمد عبده الذي وصفه حوراني كما يلي: «انطوى تفكير محمد عبده على توتر دائم بين أمرين، لا يمكن فهم أحدهما فهما تاما بالاستناد الى الآخر، ولكن لكل منهما مطلب خاص به لا مفر منه: الإسلام الذي يذهب الى أنه يعبر عن مشيئة الله في باب قواعد سلوك الإنسان في المجتمع، وحركة المدنية الحديثة التي لا مرد لها المنطلقة من أوربا والآخذة الآن في الانتشار عالميا والتي تفرض على الإنسان بطبيعة مؤسساتها تصرفا معينا. وكان هدف محمد عبده أن يبرهن، بشرحه ما هو الإسلام الحقيقي، أن المطلبين غير متناقضين»4. فقد كان هدف الحركة الإصلاحية إثبات عدم تناقض تعاليم الإسلام الصحيحة والأصيلة مع العلوم أو الحياة الحديثة التي تعرفها المدنية الغربية. وهذا الهدف لا يسمح بوصف الحركة الإصلاحية كيسار أو لاهوت تحرير، بل يتوقف الأمر عند المقارنة بين فكر سلفي أو محافظ وفكر اجتهادي ومجدد. لذلك نعتبر الكتابات التي تحدثت عن اليمين واليسار في الإسلام5 قد توسعت في مفهوم كثيرا وكأنه يعني السلطة والمعارضة. أما المشكلات الاجتماعية - الاقتصادية والتحديات السياسية والثقافية التي نتجت عن التوسع الامبريالي والرأسمالي وما تبعه من تخلف اقتصادي وقهر سياسي، فهي التي وضعت الأديان جميعا أمام اختيارات صعبة واستوجبت تحديد خيار الوقوف الى جانب الأغنياء والمستغلين (بكسر الغين) أو مع المستضعفين والفقراء. وهذا هو المعيار المعاصر ليسار أو يمين، حيث لا يتوقف الأمر عند العاطفة النبيلة بل يتعداه الى تكوين الوعي والقدرة على التنظيم والسعي نحو التغيير.
لذلك حسب ما تقدم يجد اليسار الإسلامي في بعض الكتابات ملامح لتوجهات التيار الفكرية منها: كتاب سيد قطب «العدالة الاجتماعية في الإسلام»؛ وفتحي عثمان: «الفكر الإسلامي والتطور»، ومصطفى السباعي: «اشتراكية الإسلام» وكتاب البهى الخولي: «الثروة في ظل الإسلام» وكذلك ظهور مجلات مثل: «المسلم المعاصر» و«اليسار الإسلامي». ورغم بعض التحفظ عند اليسار الإسلامي ولكنه يرى في هذه المبادرات بداية ما؛ إذ يقول أحد الكتاب من هذا الاتجاه: «ورغم الاختلافات الأكيدة في منهجية هذه الكتابات ورغم التفاوت الواضح بينها من حيث العمق فقد كانت مؤشرا هاما عن إمكانية قراءة جديدة للتراث الإسلامي. لقد كانت عملا طلائعيا جريئا في مجال الفكر الإسلامي المعاصر حاول مغالبة الفكر التقليدي المهيمن.»6 ولكننا نعتبر على شريعتي (1933 - 1977) الأب الروحي لهذا الاتجاه وصاحب أكثر المساهمات علمية وعمقا واستمرارية. رغم أن إضافة شريعتي جاءت من الفكر الشيعي وليس السني كذلك من المجتمع الإيراني وليس من المجتمعات العربية، إلا أن القضايا الأساسية والتي تعتبر أصلية هي بالتأكيد مشتركة ومتطابقة لحد بعيد. ولابد من التوقف عند الأفكار المكونة لنظرية شريعتي كعالم اجتماعي ومفكر إسلامي مجدد ونهضوي، وفي نفس الوقت كان حركيا من خلال التدريس والتعبئة حتى أطلق عليه اسم «معلم الثورة».
فقد حاول شريعتي تأصيل الأفكار التقدمية العصرية في الدين الإسلامي ولكن ليس بطريقة «الملصقات» السائدة الآن والتي تنسب للإسلام من الخارج مثل شعارات الديمقراطية والاشتراكية والنضال والثورة... الخ. وأعني بذلك من خلال قياس وتشبيهات مبتسرة. بينما يمكن القول بأن فهم وتفسير الدين الإسلامي عند شريعتي يبدأ من داخل النص الديني نفسه وينطلق للخارج رابطا الدين بمفاهيم عصرية. مثال ذلك - وهنا يقترب من تفسير لاهوتيي التحرير للإنجيل - نلاحظ تفسيره الديني للصراع الطبقي، إذ يري أن المجتمع كما التاريخ يتألف من طبقتين طبقة هابيل وطبقة قابيل، أو بالأصح من بنيتين محتملتين في جميع المجتمعات البشرية. ويري أن قطب قابيل هو الحاكم: الملك، المالك الأرستوقراطية وفي المجتمعات غير المتطورة يمثل هذا القطب فردا واحدا أو قوة واحدة تمارس السلطة وتستوعب في داخلها السلطات الثلاث (أو ما يسميه ثلاثي العنف والذهب والمسبحة أي السياسة والاقتصاد والدين). وفي القرآن يرمز فرعون الى السلطة السياسية الحاكمة ويرمز قارون الى السلطة الاقتصادية الحاكمة وبلعام الى السلطة الدينية. ويضيف: «ويعبر القرآن عن هذه المظاهر بملأ ومترف وراهب، أي على التوالي: البخلاء، والشرسون والشرهون والروحانيون الغوغائيون. وتعمل هذه الفئات باستمرار لتأكيد سيطرتها علي الناس واستغلالهم وخداعهم.»7 ونجد من الجانب الآخر القطب الهابيلي، المحكوم ويتكون من ثنائي (الله - الناس) ويرى أنهما دائما معا ففي القرآن نجد بأن كلمتي الله والناس هما مرادفتان لبعضهما. مثال ذلك الآية «أن تقرضوا الله قرضا حسنا» من الواضح أن كلمة الله تعني في الحقيقة «الناس» لأن الله لا يحتاج الى أي قرض منكم8. ويذهب شريعتي أبعد من ذلك حين يقول: «إن (الله - الناس) يقود العالم نحو بناء مجتمع لا طبقي، لا قمعي، ينتفي فيه الاضطهاد الديني - حيث يقف الله مع الناس ولا يحتاجان الى وسيط بينهما. إن الإسلام يضع مفهوم الأمة، والأمة توحد البشر، وتسير حركتها التاريخية نحو إزالة الفوارق، لا الى تقسيم المجتمع الى طبقات جديدة»9. وهذا في نظره معنى صفة «خليفة الله» أو الإنسان - المثال حيث تزول مظاهر وأسس الشرك في المجتمع الذي يرمز له بوجود آلهة وأشباه آلهة يملأون الأرض.
ويحدد شريعتي موقفا واضحا من الهيمنة الأجنبية ويدعو الى الكفاح في كل الجبهات السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية ضد هيمنة الحضارة الغربية. ولكن يحاول في نفس الوقت ألا يكون منغلقا ويرى ضرورة التعامل مع تلك الحضارة بدون عقدة الدونية، فكأنه يبحث عن حضارة أكثر إنسانية ويرى في الدين الإسلامي ضمان لتحقيق ذلك. لذلك مصطلح «البورجوازية» عند شريعتي يعني الغرب والطبقة الرأسمالية الحاكمة فيه رغم إقراره بوجود الصراع الطبقي في مجتمعاتنا الإسلامية. لكن يرفض ما يسميه التفسير المادي - الاقتصادي الوحيد الجانب للعالم لذلك يرى أن الاشتراكية الغربية هي الوجه الآخر للرأسمالية لأنها تقوم على نفس المنطلقات والأدوات والأولويات ولكنها تعدل فقط في الحصص وشكل الهرم الاجتماعي الذي يحتكر. ويحاول حل إشكالية توفيقية تواجه نظريته هذه وتستعصى على التجاوز باللجوء الى مناجاة تقول: «إلهي: علم المفكرين الذين يرون الاقتصاد أساسا وأصلا، إن الاقتصاد ليس هو الهدف، وعلم المتدينيين الذين يرون (الكمال) هو الهدف، بأن الاقتصاد هو الآخر أصل وأساس»10. ويصل شريعتي الى أن الصراع الأساسي هو بين الشرق والغرب، ولكن ذلك لا ينفي الصراعات الطبقية والقوى الأخرى بل يتم فهمها ومواجهتها بوسائل مختلفة، ويقول في هذا الصدد: «بأن الظلم قديم والاضطهاد قديم، لذلك فالصراع من أجل العدل والمساواة والحرية قديم أيضا في بلداننا، وليس فكرة نأتي بها من خارج بلداننا وخارج تأريخنا، فدائما وجد في بلداننا صراع الحق مع الباطل، الجوع مع التخمة، الوعي ضد التجهيل. كما أن مدارس ومناهج فكرية عديدة عاشت في بلداننا، كما توجد مناهج فكرية واتجاهات مقابلة لها في الغرب»11. ومن خلال هذه المعركة بين الشرق والغرب تجيء دعوة شريعتي للعودة للذات «ولكنها ليست العودة للماضي والسلفية وللاستبداد السلاطين والتخلف والاضطهاد الديني بل لإسلام أصيل ثوري».
والمتتبع لمسيرة الثورة الإيرانية وكيف انتهت الى قمع من نوع آخر يمارس باسم الدين والانتهاكات المتتالية لحقوق الإنسان وتصفية العناصر التي حاولت ربط الدين بالاشتراكية وقضايا التقدم، قد يصل الى نتيجة مؤداها استحالة قيام لاهوت للتحرير في الدين الإسلامي بفرقه المختلفة. فقد تعرض شريعتي مثلا لتهمة الانحراف عن الدين، ويطلق اسم المنافقين على كل من يحاول التوفيق بين تعاليم الإسلام والأفكار الاجتماعية والسياسية المعارضة. فالمنافق يضمر شيئا ويعلن شيئا آخر وبالتالي يتعرض هذا التيار لحملة تثير الشكوك وتبعد الجماهير عنه. رغم أن شريعتي لم يتخل عن تدينه بل عن تشيعه مما أوقعه في بعض التحليلات غير المتسقة فهو يتحدث عن الأغنياء والفقراء كطبقتين متناقضتين في المجتمع الإسلامي، ولكنه يتعامل مع الشيعة العلوية كحركة تخلو تماما من ذلك التناقض. إذ يقول: «إن الشيعة العلوية، مثلوا خلال ثمانية قرون (أي حتى ظهور الصفويين)، حركة ثورية في التأريخ، ناضلت ضد الأنظمة الاستبدادية والطبقية التي مثلت في الخلافة الأموية والعباسية وحكم السلاطين الغزنويين والسلاجقة والمغول والتيموريين.... كانت الحركة الشيعية جهادا مستمرا في الفكر والممارسة. كانت حزبا ثوريا منظما، واعيا وممتلكا لإيديولوجية عميقة وواضحة وشعارات دقيقة وصريحة، وتشكيلات منظمة ومنضبطة. وقد تولى هذا الحزب قيادة القسم الأعظم من الحركات التي قامت بها الجماهير المضطهدة المحرومة، والتي نشدت الحرية والعدالة»12. ولكن تطورات كثيرة ومنها الانتخابات الإيرانية (أبريل 1992) أظهرت ما يسمى صراع المتشددين والمعتدلين وكلهم شيعة، وهو صراع يعكس اختلافا في المصالح ضمن «الحزب الثوري» الديني والذي قام أصلا على شعارات أخلاقية هي في الغالب تعارض وترفض ولكن تعجز عن التأسيس والإنشاء بسبب إنكارها أو تقليلها من أثر العوامل الاقتصادية - الاجتماعية في علاقات المجتمع. ومساهمة شريعتي ليس في مهاجمة الغرب أو الأجنبي ولكن في تجاوزه لرجال الدين واحتكارهم للدين لذلك هاجموه أكثر من الشاه حيث «رأوا في أطروحاته نوعا من البدع، واتهموه مرة بالبهائية والوهابية وبالزندقة، ومرة بالتغرب وأخرى بالعمالة للصهيونية»13 ولم تستطع الثورة الإيرانية أن تكون ثورة المستضعفين ودخلت إيران في دوامة من الحروب والتصفيات ثم انتهت بمغازلة «الشيطان الأعظم». ويمكن للتاريخ أن يتوقف عند دور شريعتي وأفكاره في إنجاح الثورة، ويتوجب على المتأثرين بأفكاره تطوير وتجذير تلك الأفكار ومقاربتها بالواقع والوصول لرؤية صحيحة عن ممكنات المستقبل.
أما المحاولة الثانية التي تستحق الدراسة فهي تلك التي بدأها حسن حنفي ضمنيا في كتاباته الأولى ثم أفصح عنها بإصدار مجلة «اليسار الإسلامي» كذلك عرّف القارئ العربي بلاهوت التحرير وكتب عن توريز، وقدم سلسلة بعنوان: «الدين والثورة في مصر 1952 - 1981» ذات عناوين دالة مثل: «الدين والثقافة الوطنية» و«الدين والتحرر الثقافي» و«الدين والنضال القومي» و«الدين والتنمية القومية» و«اليمين واليسار في الفكر الديني» و«اليسار الإسلامي والوحدة الوطنية». وأعلن عن مشروع «التراث والتجديد» والذي أخذ عنوان: «من العقيدة الى الثورة» وهكذا جاءت كتابات حنفي تحمل بوضوح الرغبة في الانتماء الى لاهوت تحرير إسلامي يفضل أن يسميه «اليسار الإسلامي». ويرى «حنفي» نفسه تلميذا لسيد قطب أو لسيد قطب الشاب الذي كتب: «العدالة الإجتماعية في الإسلام» (1949) و«معركة الإسلام والرأسمالية» (1951) و«السلام العالمي والإسلامي» (1951) ولكن هذا التيار اصطدم بالضباط الأحرار وحركة يوليو 1952، ثم اتجهت الحركة الإسلامية نحو التعصب وتكفير المجتمع، ويقول حنفي أنه عاد من أوربا في الستينات: «وأنا في ذهني استئناف المهمة التي بدأها سيد في أواخر الأربعينات: أي بلورة الإسلام الثوري، أي الإسلام الاجتماعي وأخذت على عاتقي لم الشتات وتحويل الإسلام الى مظلة يستطيع من خلالها كل وطني أن يعبر عن آرائه. وفي هذا السياق أنشئت مجلة اليسار الإسلامي ووضعت صورة الأفغاني باعتباره أبي الروحي الأول قبل سيد قطب وجعلت الآية القرآنية (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) كشعار للمجلة لأننا نحن المستضعفين في الأرض: نحن الذين لا حرية لنا ولا ثورة لنا، نحن الذين نعاني من الاستعمار واحتلال الأرض وتشتت النسل». ويضيف في إجابة عن سؤال حول طبيعة مشروع التيار الإسلامي اليساري: «اليسار الإسلامي عبارة عن حركة تاريخية جماهيرية ثقافية حضارية اجتماعية سياسية وثقافتنا ترتكز على ثلاثة أصول: أولا: التراث القديم، ثانيا: التراث الغربي، ثالثا: القرآن الكريم. فالموقف من التراث القديم يتحدد بإعادة بنائه بحيث أجدد القوالب الذهنية للناس حتى أستطيع في الأخير أن أحمي الأمة وأحمي مصالحها ابتداء من إعادة بناء قيمها ومفاهيمها وتصوراتها وهذا هو شرط الثورة الدائمة»14. وبالنسبة للقضية الثانية فالهدف هو فهم الغرب في إطاره وتطوره التاريخي حتى نتمكن من حماية أنفسنا من التغريب. أما بالنسبة للقرآن فالمطلوب الوصول الى تفسير ينحاز لقضايا حيوية ومصيرية، وليس التفسير من أجل التفسير - كما يقول.
وقد بقيت محاولة حنفي رغم ريادتها محدودة الأثر لأنها - قبل كل شيء - كانت تسعى للتغيير من خلال الذهن أو الرأس قبل الواقع الاجتماعي - الاقتصادي أي ما أسماه تجديد القوالب الذهنية. لذلك ظلت كتابات حنفي على مستوى المعارك الذهنية وانصب النقاش حول صحة تأويلاته وانحصر بين صفوة من المثقفين والذين هاجموا توفيقية حنفي من مواقع متعارضة أحيانا - يسارا ويمينا أو من المحافظين والمستنيرين. ويتساءل أحد المفكرين: هل ما يقدمه اليسار الإسلامي هو تأويل للنص والتراث أم تلوين إيديولوجي؟ يقول نصر: «هل قراءة اليسار للتراث - علم الكلام بصفة خاصة - قراءة مشروعة، خاصة في شقها الأول، قراءة الماضي في الحاضر، وهو الشق الذي يعنينا في هذه الفقرة؟ وبعبارة أخرى: هل القراءة هنا مشروعة تأويلية أم أنها مغرضه تلوينية؟ من اللافت للانتباه أن القراءة التأويلية الحقة لبعض معطيات التراث تكشف للمشروع اليساري أن (قراءة الحاضر في الماضي) مع إهدار الدلالة التاريخية للنص المقروء تمثل تعديا على الحقيقة وتضحية بالابستمولوجي لحساب الإيديولوجي. لكن هذا الكشف لا يضيء له جوانب الخلل المنهجي في قراءته التلوينية، أو يجعله يعدل من حركة «الوثب» المستمر من الماضي الى الحاضر15.
ورغم تجديدية حنفي القائمة على الفكر والغة وتغيير البيئة الثقافية إلا أنه يلامس العوامل الاجتماعية متأثرا في بعض الجوانب بلاهوتيي التحرير الذين يعرفهم من كتاباتهم. ويتوصل الى حقيقة هامة ولكنه لا يذهب الى مداها، فهو يرى أن التفسير يعني التعبير عن النص من خلال تجربة حية للإنسان، وبالتالي: «كان النص تابعا للموقف الاجتماعي ولوضع المفسر وأهدافه وانتمائه وولائه. وهذا ما يفسر لنا تعارض النصوص وهو في الحقيقة اختلاف في المواقف التي تستعمل فيها هذه النصوص». ويؤكد: «فليس الخلاف حول معنى موضوعي للنص المستقل بل هو اختلاف المواقف الاجتماعية والمصالح الطبقية للمفسرين. اختلاف التفسيرات يرجع أساسا الى اختلاف المصالح، واختلاف المصالح يرجع في النهاية الى التركيب الطبقي للمجتمع»16. ولذلك لا يوجد - في نظره - مقياس نظري لمعرفة التفسير الصحيح وكان الخلاف في التفسيرات النظرية هو اختلاف في المصالح، فالتفسير الصحيح إنما ينتج عن صراع القوى الاجتماعية. ويقوده هذا التحليل الى موقف يتلاقى فيه مع لاهوتيي التحرير أي ربط الوحي بالواقع، ولكنه موقف يبدو متناقضا مع منطلقات وأهداف الباحث. إذ يقول من أسباب النزول: «تعني أن الوحي الإسلامي نداء من الواقع وليس فرضا عليه، فالواقع أسبق من الفكر من حيث مناهج التغيير الاجتماعي وحصر المشكلات وطرق التفسير»17.
أما السودان فقد عرفت حركته الإسلامية محاولات سياسية وفكرية عديدة متطورة ضمن طرحها ويرجع ذلك الى ظهورها في زخم الحركة الوطنية السودانية في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، يضاف الى ذلك وجود حزب شيوعي فعال وحركة نقابية نشطة. كما ساعدت تعددية السودان الثقافية وتأثيراتها على ما يمكن أن يسمى بالإسلام السوداني أي الإسلام المتفاعل مع هذا الواقع التعددي والتأثر ببعض سمات الثقافات المحلية والتي صارت جزءا من الدين. فقد أخذت الحركة الإسلامية عند نشأتها اسم «حركة التحرير الإسلامي» عام 1949 وليس اسم «الإخوان المسلمين» وبعد انقسامات داخل الحركة تكونت «الجماعة الإسلامية» 1954 وأخيرا بعد ثورة أكتوبر 1964 أخذت اسم «الحزب الاشتراكي الإسلامي». ويقول دستور الجماعة الإسلامية: «إن الغرض تحقيق الإسلام في واقع الحياة عن طريق قيام جمهورية إسلامية حرة كاملة السيادة» وتنص إحدى فقراته على إلغاء الإقطاع وتحويل ملكية الأرض جميعها وما تحويه من ثروة، إلى ملكية جماعية وتوزيعها على قاعدة الأرض لمن يفلحها، وإلغاء النظام الرأسمالي إطلاقا وتحويل وسائل الإنتاج والتوزيع الى ملكية جماعية18. ولكن هذه الحركة تعرضت لهجوم وتشكيك حيث أطلق عليهم صفة «شيوعيو إسلام» وانتهت المعركة بانتصار وهيمنة الجناح المحافظ على مجمل التيار الإسلامي في السودان حتى اليوم. وظل اليسار الإسلامي صوتا خافتا ومجرد اجتهادات فردية.
ولكن من ناحية أخرى مثل الأستاذ محمود محمد طه (1909 - 1985) وأنصاره تحديا لإسلام «الإخوان المسلمين» المحافظ من خلال تنظيم «الجمهوريين» والذي اتسم بقدرات فكرية وسجالية تفوق حجمه الكمي. وأصدروا الكثير من الكتب والنشرات وعقدوا الندوات واللقاءات المفتوحة في شوارع المدن السودانية حيث كان يدور النقاش بحرية. ولكن الحوار انتهى بتهمة الردة والحكم بإعدام الأستاذ محمود في يناير 1985 وبعد إعدامه تمت ملاحقة «الجمهوريين» في حملة تعيد للأذهان محاكم تفتيش العصور الوسطى، تحت اسم ما يسمى «بالاستتابة» أي إجبار الجمهوريين على التوبة علانية وعبر أجهزة الإعلام. وبالفعل مثل فكر الجمهوريين وفهمهم للإسلام معضلة للإسلاميين المحافظين. ففي كتابه: «الرسالة الثانية من الإسلام» يقول الأستاذ محمود بضرورة تفسير الإسلام من خلال كشف معان كامنة لم تكن ظروف القرن السابع تمكن المسلمين من الوصول اليها، ولكن الآن «بحكم الوقت» أي بسبب التحولات التي يعيشها العالم من الممكن الكشف عن هذه المعاني والتي قد تبدو وكأنها رسالة ثانية. وينصب هذا التطوير في فهم الإسلام على المعاملات فقط أما العبادات فهي بالتأكيد ثابتة، ولذلك فهو يرى أن كثيرا من الممارسات ليست أصلا في الإسلام مثل الرق والجهاد وعدم المساواة بين الرجال والنساء وتعدد الزوجات والطلاق والحجاب والمجتمع المنعزل رجاله عن نسائه. فهذه أوضاع مرحلية أو انتقالية بينما الآن المسلمون مهيأون للرسالة الثانية التي يمكن أن يتحقق فيها المجتمع الصالح القائم على المساواة الاقتصادية (الاشتراكية) والمساواة السياسية (الديمقراطية) والمساواة الاجتماعية. ففي الأولى يكون الناس شركاء في خيرات الأرض، وفي الثانية شركاء في تولي السلطة التي تقوم على تنفيذ مطالب حياتهم اليومية، ويضيف بأن الشوري ليست أصلا، والأصل هي الديمقراطية حسب نص الآية: «فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر». والمساواة الاجتماعية هي، لحد ما، نتيجة الاثنين «ومظهرها الجلي محو الطبقات وإسقاط الفوارق القائمة على اللون أو العقيدة أو العنصر أو الجنس من رجل وامرأة. فإنه يجب ألا يكون هناك تمييز بين الأفراد يقوم على اعتبار من هذه الاعتبارات. فالناس لا يتفاضلون إلا بالعقل والخلق. ومحك ذلك العدل في السيرة بين الناس»19.
أما في تونس فقد ظهر تيار جديد ضمن حركة الاتجاه الإسلامي انتقد الخط العام وترتيب الأولويات، ويقول لهذا التيار المؤسسون: «مع أواخر السبعينات (1977 - 1978) حصلت خلافات داخل التيار الإسلامي أدت الى نوع من الانشقاق وتكونت منه مجموعة أصدرت مجلة (15/21) التي تعمل من أجل فهم تقدمي للإسلام بعيدا عن القناعات الجاهزة في خصوص فهم أوضاع العالم الإسلامي المعاصر (....) إن التوجه الإسلامي التقدمي لا يعمل من أجل غاية حزبية ضيقة ولكنه يعتبر أن الإسلام قادر أن يساهم في تحصين حياة سياسية واجتماعية قائمة على التفاعل والتعدد بما يمكن أن يقدمه من فكر معاصر ومستنير... وهو يرفض كل عمل من أجل الاستحواذ على الحياة السياسية باسم الإسلام لاعتقاده أن الدولة الدينية لا أصل لها في الإسلام ولا يمكن أن تؤدي إلا الى دمار تونس وتمزقها.»20 ويعرض الجورشي أهداف الحركة من خلال نقد واقع حركة الإسلاميين. فيقول عن علاقة الإسلاميين بالفكر: «وهي علاقة ضارمة وسطحية لحد كبير وهي نتيجة طبيعية للتحزب المفرط والتسييس المبالغ لكل شيء واختزال المشروع الإسلامي في بعد واحد الى درجة السقوط في نوع من المكيافيلية. كذلك التشبث بأطروحات تراثية تقدم كأصول من شأنها أن تعيق الى حد ما إعادة تأسيس الوعي العقائدي والاجتماعي وحتى السياسي للمسلم المعاصر. وإذا كان القمع مبررا كافيا للالتجاء الى المحافظة والتعميم، فأقواس الحرية يحب أن تستثمر للنهوض بالفكر وتجاوز معوقاته المعرفية والاجتماعية والسياسية. وهذا ما يفسر أيضا الخلل المنهجي وغير التأصيلي في تبني شعارات المرحلة من ديمقراطية وفصل الدولة عن الحزب واحترام حقوق الإنسان». ويضيف في البعد الثالث عن علاقتهم بالمجتمع: «فالإسلاميون وإن اتسع عددهم وزاد ثقلهم إلا أنهم لم يتحولوا الى قوة اجتماعية وثقافية واسعة. وهذا يرجع بدوره الى اختزال المشروع الإسلامي وتغليب السياسي على الثقافي»21.
هذا مسح سريع لوجود تيارات تمثل بذرة ما للاهوت تحرير إسلامي وتؤكد أن المشكلة ليست في بنية الفكر الإسلامي ولكن في واقع اجتماعي وسياسي يحصر مثل هذه الدعوات ضمن صفوة صغيرة العدد والتأثير وسط الجماهير. وفي نفس الوقت تظهر حركات إسلامية ذات طابع شعبوي وتستطيع أن تنتشر وسط الجماهير من خلال شعارات عامة وبدون برامج عملية مفصلة لحل المشكلات ورفع المعاناة الاقتصادية عن كاهل الناس والتصدي للقمع بأشكاله المختلفة. فالسؤال الحقيقي لماذا تنتشر تنظيمات مثل «الإخوان المسلمين» أو «حزب التحرير» أو «الجبهة الإسلامية القومية» أو «جبهة الإنقاذ» أو «النهضة» على حساب تيارات اليسار الإسلامي بل أحيانا على حساب تيارات أكثر أصولية دينية؟ هذه التنظيمات الدينية الناجحة سياسيا والضعيفة فكرا وتجديدا هي بالضبط المطلوبة ضمن التطورات الحالية للمجتمع العربي الاستهلاكي المتأثر بنتائج الحقبة النفطية لأنها لا تحاول إنتاج وعي نقدي بل تنشط ضمن عمليات الاستسهال السائدة، وتقدم للجماهير وللمثقفين أيضا قوالب فكرية جاهزة وشعارات جذابة مثل «الإسلام هو الحل» بدون تعميق أو تساؤلات كثيرة. فقد تمكن الإسلام السياسي المحافظ من الانتشار ضمن الفئات الاجتماعية التي تعيش أزمة التنمية القاصرة والتغيير الاجتماعي الملجوم والتحديث المشوه. وعلى المستوى الفكري والسياسي فقد تعرضت المفاهيم والنظريات المرتبطة بالاشتراكية والتقدم واليسار... الخ الى حملات تهدف الى إرجاع كل مصائب الوطن العربي إليها بدعوى أننا جربناها خلال السنوات السابقة. لذلك من الصعوبة بمكان إعادة الاعتبار لهذه المفاهيم والمبادئ خاصة بعد سقوط وتفتت الدول الشرقية، وتراجع الأنظمة الوطنية عربيا.
يربط البعض بين لاهوت التحرير وبين وجود كهنوت أو مؤسسة دينية هرمية التراتب في فهم العقيدة وتنظيم وإرشاد المؤمنين. لذلك يعزي البعض عدم وجود لاهوت التحرير في الإسلام لهذا السبب. هذا الاعتراض يمكن أن يكون صحيحا، لو كان الكهنوت أو الكنيسة تعني مؤسسة ملموسة مقسمة الوظائف والأدوار والمراكز، ولكنها في الإسلام مؤسسة معنوية أكثر لها سلطة المعرفة الدينية ممثلة في إصدار الفتاوي وتحديد شروط المفتي أو المجتهد. فالاجتهاد ليس حقا مفتوحا لجميع المسلمين ولكن له شروط ومواصفات تجعله مقصورا على فئة محدودة أو "الإكليروس" الإسلامي (أي رجال الدين الرسميين). ويرجع الى هذه الفئة في المسائل الدينية والاستشارات، ولهم رأي في كل تفاصيل حياة الفرد أو المجتمع الإسلامي، وهي آراء محترمة من قبل المواطنين والحكام، ومن هنا ساهمت هذه الفئة في تبرير السلطة السياسية وشرعنتها، وبالتالي كرست فئة رجال الدين الرسمية وضعيتها ومكانتها كمؤسسة لا تختلف في مضمونها - وإن اختلفت في الشكل - عن الكنيسة. فهذه مؤسسة رغم خلوها من تراتيبة الكنيسة الصارمة والنظام الكهنوتي، تقوم بأداء نفس الوظائف. وفطن أحد دعاة الحركة الإسلامية المعاصرة لهذه الإشكالية لذلك طالب بفقه شعبي، إذ يقول: «وحق الفقه في الإسلام أن يكون فقها شعبيا. ذلك أن التحري عن أمر الدين ليس من حق طائفة أو طبقة من رجال الدين. وإن الإسلام لا يعرف التدين الذي يحتكره رجال ويتخذون الدين سرا من الأسرار يعكفون عليه ويحجبونه عن الناس»22. ويتحدث الكاتب عن إجماع المسلمين كلهم وليس فقط عن أجماع المجتهدين من بين الفقهاء المسلمين. ولكنه يدرك استحالة ذلك عمليا فيعطي هذه السلطة للحكومة لو جاءت عن طريق الشوري أي أن تقوم بذلك الحق نيابة عن الشعب الذي انتخبها وتمثله.
ومن الممكن أن يكون فتح المجال لفقه شعبي بداية للاهوت تحرير يتيح الفرصة لتأويل وفهم يرتبط بالمصالح الحقيقية للشعب وبالقضايا الحيوية وليس مجرد الانشغال بفقه العبادات والحلال والحرام أي التركيز على جانب أخلاقي وسلوكي ضيق. ولكن ما يحدث الآن هو أن الاجتهاد ينحصر باستمرار ضمن فئة معينة من العلماء ويزداد التضييق والتشديد لأن التدين أصبح وظيفة رسمية. ويسعى العلماء للحصول على الألقاب والمؤهلات العلمية التي ابتكرتها النظم الغربية «العلمانية» مثل الدكتوراه أو الماجستير، ويفضلون لقب الدكتور مثلا على لقب الشيخ لأن الأول يدرج حامله ضمن النظام المهني والوظيفي الحديث بكل امتيازاته. وتحاول المؤسسة الدينية توسيع صلاحياتها الى مجالات جديدة؛ إذ صارت تتدخل في الاقتصاد والأدب والفن بتحريم الفائدة أو منع الروايات وإدانة الشعراء وإيقاف المسرحيات. لذلك لم يظهر لاهوت تحرير إسلامي لأن المؤسسة الدينية تدعم مواقعها المحافظة داخل مجتمع متخلف وتابع بتكريس الأمر الواقع.
ومن الجدير بالذكر أن دور المؤسسة الدينية في المجتمع العربي - الإسلامي يجد أصوله المحافظة والمنحازة للسلطة نتيجة تقسيم العمل السياسي الذي بدأ منذ نهاية حكم الخلفاء الراشدين مع صعود معاوية والأمويين للحكم الذي أصبح ملكا عضوضا يعمل الدين فيه من وراء ستار وعند الضرورة. فقد طغى دور الخليفة على كل من عداه. هنا توقفت الدولة الدينية (الخلافة) لتبدأ الدولة السياسية أي الملك الموروث دون شورى واختيار عام والتي استمرت حتى سقوط الحكم العثماني في تركيا علي يد أتاتورك بعد أن عجز «رجل أوربا المريض» عن مواكبة التطورات التي يعيشها العالم. هذا يعني أن هذا الخيار أو الشكل التاريخي للمؤسسة الدينية المحافظة قد ساد طوال مسيرة التاريخ الإسلامي عدا سنوات التأسيس الأولى (حوالي ثلاثين عاما) وبعض الاستثناءات القصيرة زمنيا. ولم تمثل تيارات التجديد والتأويل التقدمي للدين في التاريخ الإسلامي الطويل إلا ومضات قصيرة ومحدودة التأثير وانحصرت بين الفئات المهمشة مثل الزنج والموالي. وكان قمع مثل هذه الحركات والتيارات عنيفا لو تعدت الخطوط المسموح بها للجدل والتفكير. وقد عبر معاوية عن ذلك حين انتقده أحد المواطنين وصفح عنه فاستغرب الناس لهذا السلوك من معاوية، فقال: «إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا». لذلك كانت السلطة السياسية تحتفظ دائما بعلاقة متوازنة جيدا مع الموسسة الدينية من خلال ما سمي عند الأمويين: «المواكلة الحسنة والمشاربة الجميلة» أي العطاء السياسي، دولة العطاء التي استطاعت لوقت طويل إرضاء البعض وإسكات البعض الآخر وتأجيل معارضة آخرين23. هذه الآلية قد لا تضمن عدم الثورة على النظام السياسي ولكنها دجنت الفكر الديني وجعلته ملحقا بالنظام السياسي في كتلته الأساسية عددا وفي مقولاته الحاسمة والهامة مضمونا. ومازالت الحركات الإسلامية مدفوعة بهاجس السلطة؛ وحتى حين تعارض السلطة فهي لا تمانع في قمع السلطة لخصوم مشتركين (مثل الشيوعيين والعلمانيين).
لا تتوقف المؤسسة الدينية بجناحيها الرسمي وغير الرسمي عن مهاجمة أي محاولة تأويل تسعى للكشف عن الجانب الثوري والتقدمي في الإسلام. وعلى سبيل المثال يصرح الشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر في حوار مع مجلة «آخر ساعة» المصرية بتاريخ 18 مارس 1992 بأنه لا وجود لليسار في الإسلام وأن الإسلام ليس له يسار أو يمين. كذلك يفرد أحد الباحثين كتابا لمهاجمة المفكرين المستنيرين الذين يحاولون الربط بين الدين وقضايا التقدم والتحرر والتنمية. ويضع أسئلة عديدة مثل: هل دعاة الفكر الإسلامي المستنير مفكرون إسلاميون حقا أم أنهم مفكرون علمانيون يكيدون للإسلام وأهله من خلال هذا التكتيك الجديد الذي يسمى الفكر المستنير؟ ما هي علاقة هؤلاء بتحقيق الهدف الأساسي للقوى الغربية المتربصة لهذه الأمة بإزاحة الإسلام عن حياتها وهل ينصب نشاطهم في النهاية في نطاق العمالة للغرب؟ ما هو المنهج الاحتيالي لكل واحد من هؤلاء وما هي أهدافه وما هي فلسفته العلمانية (اللادينية) التي يستند عليها؟24 هذا نموذج للصعوبات التي سوف تواجه أي لاهوت تحرير إسلامي، وتقودها مؤسسة تزداد تماسكا ونفوذا مع التدهور متعدد الأوجه الذي تعيشه الأمة العربية.
إن عدم وجود حركات إصلاح ديني جذرية في الإسلام يمثل وضعية تحرم المجددين من تراث وتراكم تاريخي كان يمكن الاستمرار في تطويره والإضافة اليه، ولكنها تطالب المجددين بالمخاطرة وشق طرق جديدة تماما. فقد كانت أغلب حركات الإصلاح الإسلامي دعوات سلفية تحاول تنقية الدين مما تعتبره شوائب أو بالأصح كيفية التلاؤم مع أوضاع جديدة تتطلب التنازل عن بعض المسلمات واليقينيات السابقة. وكانت سلفية هذه الحركات سببا في وقوفها ضد الاستعمار من منطلق ديني - دفاعي يعلن الجهاد ضد الكفار ويحمي ثغور الإسلام ويقاوم التبشير المسيحي المحتمل القادم مع السيطرة الاستعمارية. لذلك يمكن أن يكون الإسلام عاملا فعالا في الحركة الوطنية ومقاومة الاستعمار، ولكن من الصعب توظيفه في القضية الاجتماعية كما حدث في أمريكا اللاتينية بالنسبة للمسيحية، لأن القضية الاجتماعية هي «حرب أهلية اجتماعية» أي صراع بين أصحاب العقيدة الدينية الواحدة وبالتالي يمكن لكل جانب الاعتماد على تأويل مصدره الديني واحد. والأمثلة عديدة فهناك علماء مسلمون قالوا بأن الإسلام يدعو الى الملكية الجماعية وأن الناس شركاء في خيرات الأرض، بينما تقول فئة أخرى بحرمة مال المسلم أي تقدس الملكية الخاصة. ويستند الجانبان على الإسلام، فالشاهد ليس النص الديني ولكن القوى الاجتماعية التي تقف وراء فهم النص؛ أو كما يقول رودنسون «كهنوت جديد يحارب الدين بالدين» ويضيف بأن هذا الصراع قد يدخل الإسلام في أزمة لا تحل إلا بوجود مسلمين مكافحين ضد التفسيرات الرجعية للدين وأن يستخلصوا القيم الإيجابية خاصة التي ترفض الاستغلال: «هذا لا يعني أن عليهم أن يبحثوا في النصوص المقدسة عن تعاليم اقتصادية لا وجود لها فيها وقد لا تكون إذا وجدت صالحة لهذا الزمان، بل أن يستخلصوا منها تعاليم مقبولة للأخلاق الاجتماعية وأن يحققوا في إطار الدين تركيبا عضويا (لا مجرد جوار) بين المثل الدينية التقليدية وبين المثل الإنسانية التي تدعو (في جمله ما تدعو اليه) الي البناء الاقتصادي»25.
ولكن هناك اختلاف جوهري بين لاهوت التحرير وبين اليسار أو التجديد الإسلامي. ففي أمريكا اللاتينية اقتنعت الكنيسة بأن تتبني مقولات من الخطاب الماركسي أو مقولات إنسانية عامة ولكن أكثر تحديدا في الفكر الماركسي. أما بالنسبة لليسار الإسلامي وللتجديد الإسلامي، وحتى لكثير من الماركسيين المتصالحين مع الحركة الإسلامية السياسية، فهناك جهد مضن لتحويل بعض عناصر الخطاب الماركسي لكي تؤثر على عناصر الخطاب الإسلامي، أي محاولة إيجاد صلاحية لبعض المقولات الماركسية في الإسلام، بل واعتبارها سابقة على الماركسية. كما نلاحظ تنازل بعض المجددين واليساريين عن مصطلحات مثل الديمقراطية والاشتراكية واستبدالها بمصطلحات مثل الشوري والعدالة الاجتماعية، رغم أن المصطلح أو المفهوم ليس مجرد صياغة لغوية أو كلمة قاموسية بل نتاج واقع اجتماعي وتطور معرفي وفكري محددين. ما يحكم هذه العلاقة، أي مدى التأثير المتبادل، هو قوة الحركة الشعبية ممثلة في احزاب ونقابات تتبنى الفكر الاشتراكي والتحرري، ففي فترات المد الثوري ونهوض الجماهير يتأثر الفكر الديني إيجابا بالأفكار التقدمية. لذلك لم يكن مصادفه أن يكتب إسلاميون مثل مصطفى السباعي والشيخ شلتوت في الستينات عن الاشتراكية في الإسلام. وفي أمريكا اللاتينية تواصلت الكنيسة مع الفكر الاشتراكي الجديد حين كان كاسترو وجيفارا وثوار أمريكا اللاتينية يهددون نظم الاستغلال والقهر والتبعية. فهناك علاقة طردية مباشرة بين صعود الاشتراكية والأفكار والقوى التقدمية وبين اتساع الوعي الديني ليشتمل على وعي سياسي واجتماعي أكثر ارتباطا بالواقع والقضايا الحيوية للمواطنين. والعكس صحيح، ففي الوطن العربي مع تراجع القوي التقدمية والتحررية تنامى دور الفكر الظلامي وزادت هيمنة جماعات العنف السياسي - الديني على ساحة العمل العام. وبالتالي فالفكر الديني أو التأويل والتفسير الديني الذي يظهر في مثل هذا المناخ والظرف التاريخي، لن يسهم في نمو فهم إسلامي تقدمي أصيل للدين بل سيبحث عن أكثر الجوانب تغريبا ومحافظة. كذلك لن يساعد في نشوء وتطور حركات جماهيرية واعية ويقظة وديناميكية، وسيكتفي بالتعامل مع الجمهرة وليس الجماهير وستنتشر الحركات الشعبوية الديماغوغية والمتعصبة ذات الوعي الزائف أو الغائب خاصة بين الشباب والنساء والريفيين والمهمشين عموما.
تعيش القوى الديمقراطية والقومية والتقدمية حيرة تامة في التعامل مع الظاهرة الدينية، فقد اهتزت قناعات الستينات وتحولات عالم التسعينات تزيغ البصر والقلب. لذلك الخوف قائم من أن يتحول التجاهل السابق لدور الدين الى مبالغة في تقدير هذا الدور في السياسة بالذات، وبالتحديد دور الحاملين للفكر الديني المحافظ. فمن نافلة القول التذكير بأن الإسلام كدين وثقافة قوة عظيمة كامنة ولكن كل ذلك يعتمد على طريقة توظيفها ولأي أغراض؟ فالنقاش يجب ألا يدور حول تعاليم الإسلام ولكن حول الممارسة الفعلية للإسلام في الظروف والمتغيرات المعاصرة أي كيف تتجلى تعاليم الإسلام في واقع التطور والصراع؟ من ناحية أخرى، فإن غلبة أو انتشار أي تفسير أو تأويل أو حتى ممارسة إسلامية ليس سببها الصحة منطقيا أو أصوليا، ولكن حسب قدرة التأويل على الاستقطاب ورص الناس خلفه. وفي الحاضر العربي تسيطر قوى دينية محافظة فكريا واجتماعيا أنتجها واقع التخلف والتبعية على المستوى الاقتصادي، ودعمتها ثقافة النفط أو استهلاكية المجتمعات التابعة وعمليات التحديث المشوهة على المستوى الثقافي - الاجتماعي، مع انعدام الديمقراطية والحريات على الصعيد السياسي والفكري ضمن هذه الظروف يصعب أن يكتسب أي تأويل أو تيار إسلامي تحرري وتقدمي نفوذا وقوة وسط الجماهير، وقد يظل مجرد رياضة ذهنية وتمارين فكرية في النص الديني. ولكن هل يعني هذا الانتظار حتى يتغير الواقع المادي كلية حتى يبدأ نقد السائد وتجاوزه، أم يبرز جانب آخر للفكر الجسور المتجاوز وتضغط ضرورة النقد لتغيير الواقع؟ ليس المطلوب لعن التاريخ العربي - الإسلامي الذي حرمنا من مارتن لوثر أو كالفن أو عصر التنوير، ولكن علينا أن نتفكر ونعمل أكثر من أجل فهم إمكانية أن تقود ظروف التخلف والتبعية الحالية في الوطن العربي الى استنهاض الجماهير ومن ضمن ذلك نشوء فكر وحركة دينية جذرية في طرحها لقضايا التحول الاجتماعي - الاقتصادي والسياسي والثقافي. هنا قد تظهر محاولات مثل الحوار القومي - الديني وهو محاولة للتقارب السياسي بين التيارين. هذه جهود طيبة شريطة وجود أرضية مشتركة ورؤية متقاربة للقضايا الحقيقية وترتيب الأولويات واحترام الاختلاف والتعدد، وتحديد الغايات الاستراتيجية، وألا يأخذ طابع الاحتواء أو الدعوة التبشيرية، خاصة وأن الجانب الإسلامي يعتقد أن القوميين لم يحاوروا إلا بعد فشل المشروع القومي ورفض الجماهير لهم. الحوار ضروري ويجب أن يتسع ويتعمق ولكن على منطلقات وقواسم مشتركة أو متقاربة وبوسائل ديمقراطية.
هذه الدراسة دعوة للتفكير والاستفادة من تجارب إنسانية أخرى ذات تاريخ وواقع يلتقي في بعض جوانبه مع مجتمعاتنا العربية - الإسلامية، خاصة فيما يتعلق بالتخلف والتبعية والتنمية والهوية والدولة الوطنية والأهم من ذلك كيفية التعامل مع التراث والماضي. من هذا المنظور حاولت هذه الدراسة التعريف بلاهوت التحرير وتقديم أهم التيارات وشرح المقولات والنظريات الأساسية ضمن لاهوت التحرير.
الهوامش
-
لمزيد من التفاصيل عن علاقة الدين بالإيديولوجيا راجع: حيدر إبراهيم علي: «الأسس الاجتماعية للظاهرة الدينية»، في كتاب «الدين في المجتمع العربي»، صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية والجمعية العربية لعلم الإجتماع، بيروت 1990، ص. 33 - 63. ↩
-
راجع ميران مشيدلوف: الدين في العالم اليوم، ترجمة جمال السيد، القاهرة، 1990، ص 161-167. ↩
-
الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية. أوراق في النقد الذاتي. تحرير وتقديم عبد الله النفيسي. مكتبة مدبولي، القاهرة 1989، ص 18. ↩
-
ألبرت حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة 1798 - 1939 - دار النهار للنشر، بيروت، الطبعة الرابعة، 1986، ص: 198. ↩
-
أحمد عباس صالح: اليمين واليسار في الإسلام. ↩
-
احميدة النيفر: «بين الوفاء التاريخي والاختيار الصفر» مجلة «15 × 21» عدد 3 فبراير 1983، ص: 12. ↩
-
فاضل رسول: هكذا تكلم شريعتي، دار الكلمة - بيروت، الطبعة الثالثة، 1987، ص. 14 - 129. ↩
-
المصدر السابق ص 140. ↩
-
المصدر السابق ص: 87. ↩
-
المصدر السابق ص: 77. ↩
-
المصدر السابق ص: 82. ↩
-
المصدر السابق ص: 185 - 186. ↩
-
المصدر السابق ص: 72. ↩
-
حسن حنفي: اليمين واليسار في الفكر الديني - مكتبة مدبولي، القاهرة (ب. ت.) ص: 3 - 284. ↩
-
نصر حامد أبو زيد: «التراث بين التأويل والتلوين، قراءة في مشروع اليسار الإسلامي» مجلة (ألف) العدد العاشر 1990 - ص: 72. ↩
-
حسن حنفي، مصدر سابق ص: 20 و ص: 117 و119. ↩
-
المصدر السابق، ص: 258. ↩
-
حسن مكي محمد أحمد: «حركة الإخوان المسلمين في السودان 1944 - 1969»، الخرطوم 1982، ص: 33. ↩
-
محمود محمد طه: «الرسالة الثانية من الإسلام»، (ب. ن.) الطبعة السادسة، نوفمبر 1986، ص: 142. ↩
-
مجلة «15 × 21» عدد 15، ص: 3. ↩
-
المصدر السابق، ص: 30. ↩
-
حسن الترابي: تجديد الفكر الإسلامي - الدار السعودية، جدة، الطبعة الثانية، 1987، ص: 45. ↩
-
محمد عابد الجابري: العقل السياسي العربي - محدداته وتجلياته. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1990، ص: 275. ↩
-
محمد إبراهيم مبروك: تزييف الإسلام وأكذوبة المفكر الإسلامي المستنير، دار ثابت، القاهرة، 1991، ص: 9-10، 25، 62، 71. ↩
-
مكسيم رودنسون: الإسلام والرأسمالية - ترجمة نزيه الحكيم. دار الطليعة، بيروت، الطبعة الرابعة، 1982، ص: 203. ↩
ليصلك جديد الموقع
نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.