خاتمة: لاهوت التحرير بين المستقبل المتجدد والأفق المسدود
نعمل - نحن أسرة حيدر ابراهيم - على إتاحة كتبه جميعها مجاناً للمنفعة العامة ومواصلة مشروعه التنويري. تبقى جميع الحقوق محفوظة ويمنع طبع أو نشر الكتب الا بموافقة مكتوبة.
يتركز النقد عادة على لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية لأنه يمثل التيار المؤسس: الأقدم والأكثر تأثيرا، وتعتبر بقية المناطق مجرد أصداء لما يحدث في أمريكا اللاتينية من مد وجزر. وفي اجتماع انعقد بمدرسة Maryknoll للاهوت قرب Ossining ناحية نيويورك بمناسبة مرور عشرين عاما علي مؤتمر ميدلين الذي بارك رسميا مقولات لاهوت التحرير الأساسية. وحدثت شبه مراجعة أو بالأصح نقد ذاتي لتطور لاهوت التحرير خلال السنوات العشرين الأخيرة. وعبر الأب غوتييرز بصراحة عن أن التحولات السياسية والاقتصادية في العالم تجعل لاهوت التحرير ينظر الى أبعد من الصراعات الاجتماعية والطبقية ويركز أكثر على الروحانية ويتمعن في رؤيته للديمقراطية والاشتراكية. وكان اللقاء أيضا مجالا للرد علي اتهامات لا تتوقف عن انتماءات وميول لاهوت التحرير، وهذه الاتهامات قد تضعف دور العقيدة فيه.
من الاتهامات التي لا يمل الناقدون عن ترديدها أثر الماركسية علي لاهوت التحرير ووجود ماركسيين ضمن رجال الدين بأعداد تؤثر على اتجاه الحركة الفكرية وطريقة عملها الفعلي. ورغم التعرض لهذه النقطة في أكثر من موضع خلال الدراسة ولكنها تحتاج باستمرار لمزيد من التوضيح والمناقشة. ومن المؤكد أن الهزات التي اجتاحت أوربا الشرقية سوف تؤثر كثيرا على العديد من الطروحات اليقينية في لاهوت التحرير ولكن هناك رفض قاطع للتطور الرأسمالي بالنسبة لدول العالم الثالث كحل لمشكلات الفقر والتخلف. هذا الموقف الثابت يقلل أيضا من إمكانية القطيعة مع الماركسية رغم عجز النظم في أوربا الشرقية عن تطبيق الاشتراكية بمنطلقات وآليات صحيحة. كما أن هذا الجانب أدى الى صراعات مع الكنيسة المحافظة وصار كل ذلك النقاش والجدال تراثا هاما في لاهوت التحرير، أي أن عملية الاتهامات والردود عليها أغنت لاهوت التحرير المدافع عن نفسه والموضح لأفكاره. وقد أخذ السجال والحوار مضامين عديدة سياسية وإيديولوجية ولاهوتية صرفة. ففي عام 1984 أصدر الفاتيكان «وصايا» أو توجيه عن بعض جوانب لاهوت التحرير، قام بذلك «التجمع المقدس لقانون العقيدة» وهي شعبة بالفاتيكان مسؤولة عن موضوعات أورثوذكسية أي التفسير الصحيح للعقيدة الكاثوليكية، وفي الواقع لم يكن هذا الرقيم أو وصية الفاتيكان نقدا للماركسية بل تبرؤا عن صلة المسيحية بالماركسية، لذلك أثار جدلا واسعا.
ويلاحظ أن دفع هذه التهمة يأخذ عند لاهوتيي التحرير اتجاهين الأول يركز على تأكيد أنهم يستعينون فقط بأدوات التحليل الماركسية للمجتمع أي ما يسمى الوظيفة المعرفية (epistemological) للماركسية ضمن لاهوت التحرير وبهذه وصلت مجموعة من المقولات الماركسية الى خطاب العقيدة المسيحية وليس العكس1. ويقول البعض أنها أداة خطيرة ولكنها مفيدة بالذات في فهم الفقر كحقيقة مجتمعية ويضيفون بأن كون الأداة خطيرة لا يعني استبعادها، خاصة لو كانت أداة لا نعرف أحسن منها حتى الآن2. ويميل أصحاب هذا الاتجاه الى ماركسية عملية تنتقي ما يصلح لمشاكلها لذلك تركز على الجوانب الإنسانية التي تنفي الاستغلال والاغتراب مع تجنب الآراء المادية والالحادية. أما الاتجاه الثاني فيحاول أن يثبت ميل الكنيسة الرسمية والمحافظة نفسها تحت ضغط التحولات الحالية الى الأخذ بتفسيرات لا تتناقض جذريا مع الماركسية، وتستعمل اللغة والمفاهيم الماركسية.
ويقوم اللاهوتيون المتأثرون بالماركسية بجهود مضنية لإثبات استقلاليتهم وتمايزهم وأصالتهم في تناول ومقاربة الماركسية - دون تراجع عن الإدانة المطلقة للرأسمالية وتوأمها الاستعمار الحديث - الامبريالية بأشكالها المختلفة. يقر غوتييرز Gutiérrez بأن الاشتراكية تمثل له أكثر المقاربات فائدة وعمقا ولكنها ليست مبرأة تماما من بعض العيوب، لذلك على لاهوت التحرير ألا يكون مساويا أو متطابقا وقع الحافر مع أي نظام اجتماعي آخر. ويؤمن Segundo بضرورة تأثر أي لاهوت أصيل بمعقولية اليسار ولكنه ينتقد الماركسية ويرى أن فهمه للملكية الاشتراكية يعني الجماعية الحقيقية وليس الدولاتية الخاوية أي ملكية الدولة. ولا يخرج آسمان وميراندا رغم حماسهما الشديد للماركسية عن هذا الموقف النقدي الذي يصر على أن تكون الموارد في يد الشعب والفقراء حقيقة. ويرفض أغلب أفراد هذا التيار اقتصادوية الماركسية. ويدعو الكثيرون الى اشتراكية ديمقراطية أو نظام للتسيير الذاتي والمشاركة أو رفض حافز الربح، المهم يصل بعضهم إلى أن ممارسة المسيحية يكون أسهل في مجتمع اشتراكي بأي صورة من المجتمع الرأسمالي3.
من ناحية أخرى هناك تخوف بأن تتسع كلمة اشتراكية بحيث تعني كل شيء ولا تعني أي شيء في نفس الوقت. وقد تكون في بعض الأحيان غير دقيقة بل ومضللة حين تطلق على ميول تدعو لمساواة أو إعادة توزيع دون تحديد أسباب اللامساواة بدقة وبالتالي لا تتعرض للتبعية والملكية الخاصة لكي تتجنب الصراع الطبقي داخليا ومواجهة الاستعمار خارجيا. وظهرت في هذا الإطار كتابات تدافع في حقيقتها عن الرأسمالية، وتنعى الاشتراكية الآفلة - حسب قولهم - ومن هذه الكتابات مؤلف ميشيل نوفاك4. والذي يتحدث عن روح الرأسمالية الديمقراطية ويهاجم لاهوتيي التحرير الاشتراكيين أو الماركسيين - كما يدعوهم - ويُحمل جهل الكاثوليكية التقليدية في فهم الاقتصاد الحديث كل تبعات التخلف في أمريكا اللاتينية ويرى أن جاذبية الاشتراكية تعطيهم عذرا لإخفاء أسباب الفقر وإرجاعها الى استغلال الولايات المتحدة بدلا عن تحمل مسؤولية ذلك5. واستمر نقد اشتراكية لاهوت التحرير - مهما كانت مخففة - عند عدد من الباحثين مثل جيمس شال6.
ويقرر سغوندو Segundo في كلمات حاسمة وواضحة أنه من المستحيل على أي مفكر اجتماعي أو متأمل في المسائل الاجتماعية ألا يتأثر بماركس بدرجة وطريقة معينة. ولكن في نفس الوقت لا يعني هذا - كما أسلفنا - أن أي إشارة الى الظلم أو الانحياز للفقراء تصنف المرء تلقائيا ضمن الماركسيين. ليس المهم أن تدعى الاشتراكية الوصول الى اختيار ولكنها تفتح المجال أمام الاحتمالات التي ستصل حتما الى حل بسبب قدرتها النقدية في تحليل المجتمع الرأسمالي والتابع7.
ونجد أن هناك اتجاه يرد على التهمة بإثبات قبول الكنيسة للمقولات الماركسية - كما صنفنا من قبل - بسبب انتشار الماركسية بين الملايين وتزايد الرافضين للرأسمالية. ويستخرج دوسيل عددا من المقولات الماركسية من الرقيم البابوي «ممارسات العمل Laborem Exercens» (1981) مثل العلاقات المتبادلة القائمة ما بين العمل والخبز والحياة، حيث يتحدث الرقيم عن حاجات الكائن البشرى التي تستلزم العمل كنشاط خلاق لإنتاج الخبز وهذه دورة الحياة؛ ونفس حديث التوراة يقوله ماركس. والعمل البشري أو الحي يمثل نقطة انطلاق من أجل مراجعة أخلاقية، والنظر للعمل كذات وذاتية، أي ليس مجرد موضوع خارجي. والحديث عن أسبقية الإنسان على الأشياء أو أسبقية العمل على رأس المال لأن الأخير ليس سوى عمل جرت مراكمته موضوعيا. كما أن الكنيسة في نقدها للستالينية تلاقت مع ماركس الحقيقي. ويقول بأنها استعانت صراحة بمقولات ماركسية مثلما استعان توما الأكويني بارسطو والأرسطية8.
يُتهم لاهوت التحرير بأنه لم يحدد موقفا صريحا من العنف واللاعنف والنتيجة هي أن لاهوت التحرير يقف عمليا مع استعمال العنف في الصراع الاجتماعي خاصة حين تزداد حدة ذلك الصراع. يرفض البعض هذا الطرح من البداية على أساس أنه مجرد نفاق يتحدث عن الرحمة واللاعنف بينما تاريخ المسيحية هو في حقيقته صراع دموي متواصل حسب ما يحدثنا العهد القديم والجديد، فقد سالت انهار الدماء باسم الإنجيل، ويرى بعض لاهوتيي التحرير أنه رغم عدم وجود رغبة في اللجوء للعنف ولكن حدوثه محتم ومفروض. لذلك ركزوا على حقيقة وجود العنف أو القمع المؤسسي الذي يمارسه الأغنياء وجهاز الدولة. ويتحدث بعضهم عن ضرورة تحطيم البنى الاجتماعية القمعية، والقضاء على النظام الطبقي، وهزيمة المضطهدين - ومن هنا، جاء الاتهام، والذي يُرد عليه بأن الكنيسة التقليدية والمحافظين يخشون العنف الذي يمارسه الفقراء بتأثير من الماركسية ولاهوت التحرير أكثر من العنف الفعلي والممكن - أو عنف تغيير الأمر الواقع الذي يدافع المحافظون عنه. والعنف لا يعني فقط رفع السلاح ولكنه أي وسيلة لفرض إرادة ما على الآخر بدون اختياره وبالتالي إلغاء إنسانيته وحقه في تأكيد ذاته. حسب هذا الفهم يصبح للعنف أشكال عديدة منها الفقر والقهر السياسي والاستغلال البيئي الخاطئ والاخضاع الاقتصادي والحرمان بسبب العرق أو نوع الجنس Sexism أو السن. لذلك يعتبر لاهوتيو التحرير أن العنف هو في جوهر أي مجتمع غير عادل أو سلطة دكتاتورية9.
وقد اختلف لاهوتيو التحرير في موقفهم من العنف مثل كل القضايا الأخرى ولكن مؤتمر ميدلين تبنى مفهوم «العنف المؤسسي» الموجود في صميم بنية مجتمع أمريكا اللاتينية، وأبدى المؤتمر تقديره وفهمه لأي عنف مضاد وحذر من استغلال صبر الجماهير الطويل وتحملها لأوضاع لا يمكن قبولها لدى أي شخص يعي حقوق الإنسان10. ووقفت شخصيات مثل غوتييرز مع ما أسماه العنف التحريري Liberative violence وليس القمعي repressive الذي مارسه فعليا دعاة الأمر الواقع كعنف عادل. لذلك لم يرفض لاهوتيو التحرير الحروب الشعبية أو الكفاح المسلح الذي ساد في أمريكا اللاتينية خلال الستينات وما بعدها. مع أن العنف فظيع ومكلف ولكنه حقيقة ملموسة ضد الفقراء الذين يخضعون للتعذيب والسجن والموت لو حاولوا المقاومة ومعارضة الظلم. وهذا ما يجعل لاهوت التحرير على الصعيد الأول لاهوت الشهادة (الاستشهاد) ولاهوت معاناة التعرض للعنف11. يقف دوسيل موقفا مرنا قد يتفق كثيرا مع بعض توجهات مؤتمري مدلين وبيوبلا، فهو لا ينقد أو يدين العنف التحريري أو الثوري ولكنه يشكك في جدواه وفعاليته. ولكن هناك عنف يُقَيّمه إيجابا، وهو ما يسميه العنف التربوي pedagogic أو النبوي prophetic وهو عنف الكلمة والذي مثّله - حسب رأيه - الأنبياء في العهد القديم و«أنبياء» معاصرون مثل كامارا Camara وروميرو Oscar Romero وفوق ذلك المسيح نفسه12.
ومن الملاحظ أن الموقف الموالي للعنف داخل لاهوت التحرير ليس أساسيا وبارزا، ولكن يُركز على مثل هذه الموضوعات المنفرة أو المثيرة للشكوك والتحفظات بهدف تقوية حملة التضليل وتشويه فكر لاهوت التحرير. لأن لاهوتيي التحرير يقرون العنف كرد فعل فقط وليس كمبادرة أو استراتيجية ضرورية لتحقيق غايات لاهوت التحرير، مثال ذلك Bonino أو Comblin الذي يقول أن المرء قد يجد نفسه أحيانا في وضع يفرض عليه اختيارا واحدا هو الرد علي العنف بمثله. ويقول بابلو رتشارد أن العنف لا مناص منه في أغلب الأحيان ويرى أن «سفر الخروج» نفسه كتاب عنف. كما يرى بوف أن المضطهدين يجب أن يستعملوا العنف لو فُرض عليهم ذلك. وهذه مواقف تتماشى مع النظرية الكاثوليكية عن الحرب العادلة كملجأ أخير لأوضاع غير محتملة13.
يقف تيار داخل لاهوت التحرير ضد العنف متأثرا - كما يبدو - بموقف غاندي من اللاعنف كوسيلة فعالة للنضال. ويمكن أن تدرج داخله شخصيات مثل كامارا وPérez Esquivel الأرجنتيني الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 1980. ورغم أن كامارا يقدم تحليلا صحيحا للعنف المبَنيَن والمتأسس في مجتمع أمريكا اللاتينية بسبب الاستعمار الداخلي أو الرأسمالية والامبريالية الخارجية. وهذا وضع غير إلهي يستفز الضحايا ولذلك يمجد من ضحوا بأرواحهم من أجل قضية مثل جيفارا وتوريز كذلك مارتن لوثر كينج. ولكن في نفس الوقت يقدم نفسه كداعية للسلام مع خيار اللاعنف، مستدركا بأن ذلك لا يعني السلبية والضعف ولكن يعني الإيمان بقوة الحقيقة والعدل والحب بدلا عن قوة الكراهية والحرب والقتل. ويبدو أن هذه القناعة ذات دوافع عملية لأن عنف الفقراء يعرضهم لعنف واضطهاد أكثر وأشرس.
يحاور أحد مؤرخي لاهوت التحرير الآسيويين فكرة اللاعنف حسب فهم أصحابها لغاندي منطلقا من فرضية تقول بأن فكرة ahimsa ليست مجرد طريقة لمقاومة العنف وحل الصراعات ولكنها نمط حياة متكامل - طريقة ال Satyagraha للبحث والتوصل الى الله. وهي الاسم الهندي - الغاندي للحب حسب الإنجيل. وهي في النهاية ليست مجرد وسيلة مقاومة للعنف بل التغلب والتعالي على العنف لا بإلغائه، لأن غاندي يقول لو خير بين العنف والجبن في مواقف إنسانية لن يتردد في اتخاذ العنف. جاء هذا الرد من ضمن المحاولات التي تدين المواقف السلبية لبعض اللاهوتيين. وهناك من يضيف الى ذلك أن المسيح لم يكن ضد العنف وهو القائل لحواريه عشية القبض عليه: «من ليس عنده سيف فليبع ثوبه ويشترى واحدا» (انجيل لوقا 36: 22) ولكن في نفس الوقت هو الذي يقول بأن تعطى خدك الآخر لمن صفعك. هذا ليس تناقضا لأن تعذيب المسيح وصلبه واستشهاده الدموي دشن المسيحية في التاريخ أي بدأ بالمقاومة، وهنا يُفرق بين القوة والعنف. ليس المطلوب نشر المسيحية بحد السيف، بل المطلوب ألا نحرم الفقراء حقهم في الدفاع عن أنفسهم بالسلاح تحت دعوى المسيحية وتعاليم المسيح. ويرى أن الرفض المطلق للعنف والمقاومة المسلحة ليس فقط خطأ انجيليا ولاهوتيا ولكن يُفقد الناس معنوياتهم في مواجهة أنظمة الإرهاب والأمن القومي. والقضية ليست قبول العنف أو نبذه بل صحة التحليل والتفاعل مع الموقف حسب ضرورته وسياقه التاريخي14.
استعرض هذا البحث خلال الصفحات السابقة بعض نقاط النقد والجدل التي أثيرت حول لاهوت التحرير والتي قد تؤثر بالفعل على مستقبل وتطور الحركة بالذات عندما لا تُدعم بواقع متطور وحركة سياسية ناهضة وتقدمية عندئذ يحاصر لاهوت التحرير في دفاعات وتبريرات مرتبطة بالنصوص أكثر من ارتباطها بالحياة والتاريخ. فقد برز مجددا نقد لاهوت التحرير على أنه يركز على الوضع التاريخي الراهن، بحيث يبدو الإنجيل خافتا ومنزويا في لغة وأفكار لاهوت التحرير أو مصدر ثانوي لأنه يبدأ من الموقف أو الأوضاع ويرجع الى النص والمطلوب - حسب المسيحيين التقليديين - العكس فالواقع يجب أن يخدم النص. ويرد لاهوتيو التحرير قائلين بأن النص والإنجيل والعقيدة المسيحية لا يقلون أهمية عندهم، ولكنهم مهمومون أيضا بربط العقيدة بالحياة. وأي لاهوتي يهتم بالواقع التاريخي يخاطر بقدر من خدش العقيدة. حقيقة يُبْدي لاهوتيو التحرير التزاما واضحا بروح العقيدة والنصوص، لذلك لم يظهر بينهم لاهوتيو «موت الإله» كما حدث في الستينات والذين جعلوا من المسيح مجرد قديس زمني أو علماني، لذلك طالب غوتييرز «أن نشرب من ينابيعنا الذاتية»15. لا يرفضون فكرة التعالي ولكن ينظرون اليها من زاوية مختلفة. وهذا ما يسميه Song «العين الثالثة» التي تمكننا من رؤيه الإنسانية كجزء من أسرة الرب الواحد - كما يقول.
ومن بين ادعاءات نفس الهجمة أن لاهوت التحرير يفرط في التسييس لدرجة يكاد يختزل المسيحية - كما يقول Kloppenbury - إلى مجرد إعلان لحقوق الإنسان أو احتجاج عنيف ضد الظلم أو محض تأمّل نقدي للنظام السياسي16. ويصل البعض الى درجة بعيدة في ابتذال أهداف الحركة باعتبارها تسعى لتحويل العمل الكاثوليكي الى قوة سياسية جذرية تعمل انطلاقا من التجمعات القاعدية التي نظمت حسب مبدأ الخلايا الشيوعية وتدافع عن العنف لقلب حكومات اليمين القمعية17. في الواقع يشارك كل رجال الدين المسيحيين في السياسة ومثال البابا دليل واضح على ذلك، وفي الانتخابات الأمريكية عام 1980 دعم رجال الدين ريجان علنا بدعوى أنه القادر على وقف زحف الشيوعية، والنماذج عديدة. ولكن السياسة التي يجب الابتعاد عنها - حسب رأيهم - هي تلك التي قد تتسبب في ثورة الجماهير و«إزعاج الأمن والنظام» القائمين. لذلك تنشط الكنيسة الرسمية والتقليدية في العمل السياسي المضاد لحركات الشعوب وذي الطابع المحافظ أو الرجعي. فهناك أمثلة عديدة لتدخل الكنيسة في الانتخابات بقصد إنجاح القوى الرجعية. ففي انتخابات المجلس الوطني البرتغالي في أبريل 1975 حث الأساقفة الناخبين بإعطاء أصواتهم للأحزاب التي تتوافق مبادؤها وأهدافها وسياستها مع المفاهيم المسيحية. وأرسل الأساقفة اليمينيون في البرتغال خطابات تحذر أتباعهم من المشاركة في المسيرات الديمقراطية لأن ذلك قد يدمر المؤسسات الرسمية «ويؤدي الى حدوث تراجع تاريخي وتدهور حضاري وفقدان منجزات الحكمة»18. وتكررت هذه المواقف في العديد من الدول الآسيوية والافريقية خاصة خلال فترات النضال ضد الإمبريالية. ويدل ذلك ببساطة على تدخل الكنيسة في السياسة، ويضاف إليه وجود ما يسمى بالأحزاب المسيحية في كثير من البلدان وخاصة الصناعية منها مثل ألمانيا وإيطاليا.
يحاول بعض لاهوتيي التحرير الابتعاد عن هذا المأزق السجالي في تبادل التهم والرد على ذلك، بأنه إذا أردنا لاهوتا نقديا لابد أن نستعين بأدوات ومناهج العلوم الاجتماعية وبالتأكيد عدم استبعاد الماركسية - على الأقل كعلم. ولابد لهذا اللاهوت من أن يتغير بالسياسة والمشكلات الحياتية اليومية وأن يحاذى التاريخ ويتعالى عليه في نفس الوقت، ويحاور الماركسية متوسلا المنهج الرسالي - كما يقول دوسيل - خاصة وأنه «اللاهوت الأول في التاريخ الذي يستخدم الأدوات التحليلية، والأول الذي يقبل هذه الأدوات من وجهة نظر الدين، متجنبا الأدوات الاقتصادوية والمادية الديالكتيكية الساذجة والدوغمائية التجريدية. ووفقا لذلك فإن في وسعه انتقاد الرأسمال على أنه خطيئة... الخ، هو لا يقدم بدائل سياسية، فليس هذا من وظيفة اللاهوت، وإنما هو مدرك لضرورة ألا يتورط في "مفهوم الطريق الثالث" ويضيع في تحليلات من نوع: لا رأسمالية، لا اشتراكية، بل يختار طريق الحل السياسي المسيحي»19.
ظهر في الآونة الأخيرة حديث عن كيف نضمن مستقبل لاهوت التحرير؟ يؤكد الكثيرون على ضرورة التمسك بوطنيته أو محليته مع الارتباط والانحياز للفقراء. وهذه الدعوة الى الوطنية أو المحلية المقصود بها أن يكون قادرا على تحليل أوضاع مجتمعه الحقيقية وألا يستعير واقعا آخر حتى لو كان من مجتمعات عالم ثالثية مثله إذ لابد من تأكيد خصوصية كل مجتمع ضمن قوانين التطور الاجتماعي العامة. وأن يأخذ أي تحليل أو فعل روح الله كإطار مرجعي يحكم بواسطته على كل البشر، وتتجاهل هذه الروح كل حدود العرق والجنس والدين والثقافة والوضع الاقتصادي - الاجتماعي. لأن لاهوت التحرير لا يتوقف عند مسيحيته بل يسعى ليشمل كل الإنسانية. وهذا ما يفرض عليه ألا يكون أداة حصرية لإيديولوجيا سياسية راهنة أو تاريخية، بل أن يكون منفتحا باستمرار وحساسا لتجليات الإنسانية الكاملة التي تضم اسرة الرب الكونية. بهذه الرؤية تستطيع كل لاهوتيات التحرير - أي بكل تياراتها وتأثيراتها - أن تستمر في تأكيد استحالة أن يتحرر شخص حقيقة إذا لم يتحرر الجميع ولن تكون هناك كرامة في نظر الله إذا لم يشعر الجميع بالكرامة20. وهذا الطرح كما نجده عند هذه الفئة ينفي الحرية الفردية أو الخلاص الفردي. لأن هناك حرية وخلاص للمجتمع وللجميع إذ يرى وجوب إلغاء كل البنى الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والروحية التي تعوق التحرر الكامل للمجتمع وأفراده.
إن لاهوت التحرير رغم استخدامه أدوات التحليل الاجتماعي ومحاولاته المنهجية الصارمة في فهم المجتمع وآليات تطوره وتحوله، إلا أنه لا يخلو من طوبائية تميز الفكر الديني عموما خاصة حين يحاول تلمس واقع أرضي تعيس فيصدمه هذا الواقع فيلجأ الى عالم وهمي. واليوتوبيا قد تكون خطوة أو صورة أو تقريب لذلك العالم الوهمي. وبالفعل يفرق بوف بين أنواع يوتوبيا متعددة يسعى اليها لاهوتيو التحرير أو المتعاطفين معه خلال حلمهم بالمجتمع الحر أو الإنسانية الجديدة. وهم يحتاجون اليها لكي لا يصابوا باليأس والقنوط عند النكسات ولا حتى الإحساس بالراحة عند تحقيق الانتصارات. يتحدث عن ضرورة الإيمان باليوتوبيا الصغرى وقد تكون الأمل في أن يحصل كل شخص على وجبة في اليوم، ثم اليوتوبيا الكبيرة وهي المجتمع المتحرر من الاستغلال والمنظم حول مشاركة جماعية في السلطة والمجتمع، وأخيرا اليوتوبيا المطلقة وهي التوحد مع الله من أجل خلق مخلّص تماما21. ويختم بوف كتابته عن لاهوت التحرير بمقطع شعري وخطابي يقول بأن المدينة المقدسة، أورشليم الجديدة التي تأتي من السماء، يمكن أن تقام على هذه الأرض فقط حين يتحد الرجال والنساء المفعمون بالعقيدة والعاطفة نحو الإنجيل - جوعى وظماء للعدل، ولخلق المزاج الإنساني والظروف المادية لتلك المدينة. وستكون هناك أرض جديدة هي هدية الرب وثمرة الجهد الإنساني وما بدأ في التاريخ سيستمر في الابدية: مملكة المحررين يعيشون كإخوة وأخوات في البيت الكبير للرب22. مثل هذا الحلم الجميل نبيل وطيب وقد يمكن اليوتوبيات من النفي أي القضاء على وضع خاطئ ولكن التأسيس والإنشاء لعالم إيجابي غالبا ما تعجز اليوتوبيات عن إنجازه، فاليوتوبيا الدينية حصرا قاصرة عن تحقيق ذلك. ولنا في العالم الإسلامي نموذج جيد، فالثورة الإيرانية أسقطت حكم الطاغوت ولم تحقق دولة المستضعفين، بل ومارست قمعا آخر ضد المعارضين أو المختلفين معها وضد النساء والأقليات. ينتهي سقف اليوتوبيات الدينية عند حشد وتعبئة الجماهير حول شعارات مقبولة وما يأتي بعد ذلك يحتاج الى برنامج سياسي مفصل ويومي وملموس. فقد انتعشت يوتوبيا لاهوت التحرير في الستينات نتيجة بروز حركة ثقافية مضادة يمثلها اليسار الجديد بألوان طيفه الفكرية والحركية، ضمن هذه البيئة ترسخت أفكار لاهوت التحرير بالإضافة للظروف التاريخية والملابسات السياسية التي وجهت أمريكا اللاتينية خلال تلك الحقبة. وفرضت على المتدينين تبني قضايا اجتماعية وسياسية منحازة للفقراء والعدالة الاجتماعية والديمقراطية.
الهوامش
-
J. Kottukapally: - Liberation Theology and Marxism. Indian Social Institute, Delhi, 1986, p. 5 ↩
-
Boff, L.: "Five Basic Observations to Cardinal Ratzinger's Exposition". Vaidika Mitram, March 1985, p. 84. ↩
-
Ferm, op. cit., pp.: 107-115. ↩
-
Michael Novak: - The Spirit of Democratic Capitalism. New York, American Enterprise Institute/ Simon and Schuster, 1982. ولمناقشة أوسع حول هذه المفاهيم يمكن الرجوع إلى: Arthur F. McGovern: - Marxism: An American Christian Perspective. Maryknoll, N.Y., Orbis, 1980. Wayne Stumme (ed.): - Christians and the Many Faces of Marxism (Minneapolis, Angusburg, 1984). Cornel West: - Prophesy Deliverance! An Afro - American Revolutionary Christianity. Philadelphia, Westminster, 1982. والأخير يرى أن المسيحية والماركسية معا - بعد التخلص من الشوائب - هما أمل الحضارة الأوربية، وهو الذي شبه الستالينية في الماركسية بعصابات «الكوكلس كلان» في المسيحية كلاهما أساء استخدام الرموز الأساسية وبالتالي كانا التعارض الكامل للقيم المركزية في الماركسية والمسيحية. ↩
-
Novak, op. cit, pp.: 272-73. ↩
-
James Schall: - Liberation Theology. San Francisco, Ignatius Press, 1982. ↩
-
كتاب McGovern سابق الذكر، بالإضافة إلى Nicholas Lash: A Matter of Hope: A Theologian's Reflections on the Thought of Karl Marx. Notre Dame Press, 1981. Matthew Lamb: - Solidarity with Victims: Toward a Theology of Social Transformation. New York, Crossroad, 1982. ↩
-
إنريك دوسيل، مرجع سابق، ص: 57. ↩
-
Paulo Freire: - Pedagogy of the Oppressed. New York, Seabury, 1970, p.: 35. ↩
-
Ferm, op. cit., pp.: 115-6. ↩
-
J. Kottukapally, op.cit, pp.: 18-9. ↩
-
Ibid, p. 19 ↩
-
Ferm, op. cit., p. 116. ↩
-
Kottukapally, op. cit, pp.: 22-25. ↩
-
Ferm, op.cit., p. 102 وهذا عنوان لكتاب اسمه: We Drink from our own wells. orbis, 1984. ↩
-
Ibid, p. 104. ↩
-
Paul Johnson: Modern Times, The World from the Twenties to the eighties. New York, Harper and Row, 1983, p. 701. ↩
-
مشيدلوف، مصدر سابق ص: 73. ↩
-
إنريك دوسيل، مرجع سابق، ص 60. ↩
-
Ferm, op. cit, p. 119. ↩
-
Boff and Boff, op. cit, pp. 94-5 ↩
-
Ibid ↩
ليصلك جديد الموقع
نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.