حين يرحل صاحب الكلمة... تبقى الفكرة
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وبحزن عميق يختلط فيه ألم الفقد بامتنان العِشرة والذاكرة، أنعى الدكتور والمفكر السوداني حيدر إبراهيم علي، الذي رحل اليوم في القاهرة، تاركًا خلفه إرثًا فكريًا وإنسانيًا يصعب اختزاله في كلمات نعي، أو حصره في قائمة من الكتب والمؤلفات.
رحل الإنسان، وبقيت الفكرة.
غاب الصوت، وبقي صدى الكلمة.
توارى صاحب القلم، وبقي ما كتبه شاهدًا على زمن السودان وأسئلته وأوجاعه وآماله.
كان حيدر إبراهيم واحدًا من أولئك المثقفين الذين لم يتعاملوا مع المعرفة باعتبارها ترفًا، ولا مع الثقافة باعتبارها مساحة للابتعاد عن قضايا الناس؛ بل آمن بأن المعرفة مسؤولية، وأن القلم موقف، وأن المثقف الحقيقي لا يستطيع أن يكون محايدًا أمام الظلم والجهل والاستبداد.
كان مفكرًا وباحثًا وكاتبًا، انشغل بتاريخ السودان ومجتمعه، وبقضايا الديمقراطية والدولة المدنية والأحزاب السياسية، وبالسؤال الذي ظل حاضرًا في كتاباته ومواقفه: كيف يمكن للسودان أن يبني دولة تتسع لكل أبنائه وبناته، وتحترم الإنسان والمواطنة والتنوع؟
وفي كتاباته ومواقفه مارس نقدًا فكريًا صريحًا لتجربة الحكم الإسلامي، وخاصة تجربة المؤتمر الوطني، مؤمنًا بأن السودان لا يمكن أن يخرج من أزماته إلا عبر دولة تقوم على المواطنة والحرية والديمقراطية واحترام الإنسان.
مركز الدراسات السودانية... ذاكرة وطن في المنفى
كان عام 2002 محطة مهمة في مسيرة العمل الثقافي السوداني ، حين بدأ مركز الدراسات السودانية نشاطه، ليصبح مع مرور السنوات أكثر من مجرد مركز بحثي وثقافي.
كان بيتًا للمعرفة.
وكان نافذة للسودانيين والسودانيات على تاريخهم وفكرهم وذاكرتهم.
وفي ظروف لم تكن فيها حرية البحث والتعبير متاحة دائمًا، كان المركز ومكتبته مساحة تحفظ ما كان يُحاصر، وتفتح أبواب المعرفة أمام الباحثين والباحثات والشباب والشابات.
وقد سعدت بأن أكون جزءًا من هذه التجربة، وأن أعمل في المركز مسؤولة عن المكتبة والأنشطة الاجتماعية.
ومن داخل تلك المساحة عرفت حيدر إبراهيم عن قرب؛ لا من خلال كتبه فقط، وإنما من خلال الإنسان الذي يقف خلف تلك الكتب.
كانت مكتبة المركز بالنسبة لنا أكثر من رفوف تحمل الكتب.
كانت مائدة مفتوحة للعلم والمعرفة، ومكانًا يلتقي فيه الباحث بالقارئ، والشاب بالمثقف، والسؤال بالإجابة، والتاريخ بالحاضر.
وما تركه حيدر في هذه المكتبة لم يكن مجرد كتب؛ كان جزءًا من الذاكرة السودانية.
المفكر الذي لم ينسَ الإنسان
ومن أجمل ما عرفته عن الدكتور حيدر أن اهتمامه بالإنسان لم يكن منفصلًا عن اهتمامه بالفكر.
كان الأطفال، وخاصة الأطفال الذين يعيشون في ظروف صعبة، جزءًا من اهتماماته الإنسانية.
وأذكر، باعتزاز، مشاركته واهتمامه بالبرامج الاجتماعية التي استهدفت أطفالًا في أطراف أم درمان، ومن بينها برنامج تقديم الوجبات للأطفال، حيث كنت مسؤولة عن الجانب الاجتماعي، وكانت الأستاذة نجاة بشرى مسؤولة عن الجانب النفسي.
قد يبدو الأمر بسيطًا لمن ينظر إليه من بعيد.
لكنني تعلمت من حيدر أن الفكر الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن قيمة أي مشروع ثقافي تقاس بقدرته على الوصول إلى حياة الناس وآلامهم وأحلامهم.
حيدر الإنسان
وراء المفكر الكبير كان هناك إنسان بسيط، واضح، نزيه، يحترم الآخرين، ويعامل من حوله بإنسانية لا تتوقف عند اختلاف العمر أو المكانة أو الرأي.
وهذه شهادة شخصية مني:
لم يكن حيدر إبراهيم بالنسبة لي مجرد مدير أو مفكر عملت معه؛ كان مدرسة تعلمت منها كثيرًا.
تعلمت منه أن الاختلاف لا يفسد الاحترام، وأن الثقافة ليست استعراضًا، وأن الإنسان المثقف الحقيقي هو من يفتح الباب أمام الآخرين ليتعلموا، لا من يغلقه عليهم.
وتعلمت أن النزاهة ليست شعارًا يُكتب، وإنما طريقة حياة.
أسرة كانت جزءًا من الرحلة
وفي هذه اللحظة الحزينة، لا يمكن أن أنسى الأسرة التي كانت جزءًا أصيلًا من رحلة الدكتور حيدر.
الأستاذة حياة العبيد، رفيقة دربه وشريكته في الحياة والفكرة، التي وقفت إلى جانبه في سنوات العطاء، كما وقفت معه في أصعب مراحل المرض، وكانت مؤمنة بما قدمه في المجالات الاجتماعية والثقافية والفكرية.
وابنته أندريا حيدر، التي تمثل جيلًا جديدًا يحمل شيئًا من إرث والدها، وابنه مظفر حيدر، الذي تشبع من والده بالأخلاق والإنسانية.
ولم تكن علاقتي بأسرة حيدر مقتصرة عليه وحده؛ فقد سعدت بمعرفة أسرته الممتدة من إخوته وأخواته، وأصبحوا بالنسبة لي أسرة عزيزة، تشارك في الأنشطة الاجتماعية والثقافية التي كان المركز يحتضنها.
وهكذا اتسعت دائرة حيدر؛ من أسرته، إلى زملائه، إلى أصدقائه، إلى الباحثين والباحثات، إلى الشباب والشابات، وإلى كل من مر ذات يوم من بوابة مركز الدراسات السودانية.
حين يفقد السودان ذاكرته الحية
اليوم، ونحن نودع حيدر إبراهيم، لا نفقد رجلًا فقط.
نفقد جزءًا من ذاكرة السودان الفكرية والثقافية.
نفقد قلمًا ظل يكتب حين كان الصمت أسهل.
نفقد عقلًا ظل يسأل حين كانت الأسئلة مكلفة.
نفقد مفكرًا آمن بأن السودان أكبر من أن تختصره سلطة، أو حزب، أو أيديولوجيا، أو جهة واحدة.
وسيظل إرثه حاضرًا في كتبه، وأوراقه، ومكتبته، وفي ذاكرة الذين عملوا معه، وفي عقول الذين قرأوا له، وفي الأسئلة التي زرعها في أجيال من السودانيين والسودانيات.
فالمفكر الحقيقي لا يموت حين يتوقف قلبه؛
إنما يبدأ غيابه الحقيقي عندما تتوقف أفكاره عن إثارة الأسئلة.
وحيدر إبراهيم ترك وراءه أسئلة كثيرة.
عن السودان.
عن الدولة.
عن الديمقراطية.
عن الإنسان.
عن العدالة.
عن الثقافة.
وعن الطريق الذي ينبغي أن يسلكه وطن أنهكته الانقسامات والاستبداد والحروب.
لذلك، فإن رحيله اليوم ليس نهاية الحكاية.
إنها مسؤولية من عرفوه وقرأوا له وعملوا معه أن يحافظوا على ما تركه من معرفة، وأن يواصلوا فتح النوافذ التي فتحها، وألا يسمحوا لذاكرة السودان الفكرية أن تُغلق أبوابها.
رحمك الله يا دكتور حيدر.
رحلتَ عن عالمنا، لكنك تركت لنا ما هو أبقى من الحضور:
كتابًا يُقرأ،
وفكرةً تُناقش،
وسؤالًا لا يموت،
ومكتبةً تحفظ الذاكرة،
وإنسانًا ترك أثرًا في إنسان.
وسيظل اسمك حاضرًا في ذاكرة من عرفوك، وفي ذاكرة مركز الدراسات السودانية، وفي ذاكرة كل من آمن بأن السودان يستحق دولة مدنية ديمقراطية، وأن الإنسان السوداني يستحق الحرية والكرامة والمعرفة.
أسأل الله أن يتقبلك قبولًا حسنًا، وأن يجعل ما قدمته من علم ومعرفة وعمل في ميزان حسناتك، وأن يسكنك الفردوس الأعلى، وأن يمنح أسرتك ومحبيك وزملائك وتلاميذك الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
إلهام مالك سلمان أحمد - الجمعة 25 سبتمبر 2026